ندوات
ندوة
"الفضاء الأورو ـ متوسّطي وتوسّع الاتحاد الأوروبي
التحديات والفرص" :
مقاربة متجدّدة وشاملة لمسار برشلونة
ـ دعوة الى العمل
على الحدّ من الهوّة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية
بين الضفتين وتقريب وجهات النظر في القضايا التي تهدّد
أمن المنطقة
ـ توسّع اوروبا يولّد فرصا جديدة للتعاون مع جنوب المتوسّط
بازدياد امكانات الاستثمار والانتاج والتشغيل وتوطيد
مقوّمات الاستقرار والنماء المشترك
ـ الاتحاد المغاربي رافد أساسي لتجسيم التكامل في اطار
الفضاء المتوسّطي
ـ ريادة النموذج التونسي في التعامل مع الخيار الأوروـ
متوسّطي
تونس ـ "أفكار
أون لاين" :
ـ أي آثار للتحوّلات
العالمية الراهنة والمرتقبة على الفضاء الأوروـ متوسّطي
وما هي مؤثّرات توسّع الاتحاد الأوروبي سنة 2004 على
الخارطة الجيواستراتيجيّة
الأورو ـ متوسّطيّة والعالميّة؟
ـ كيف السبيل لجعل توسّع الاتحاد الاوروبي فرصة لإكساب
جميع بلدان الفضاء
الأورو ـ متوسّطي مزيدا من المناعة والقدرة على رفع
التحديّات التي تفرضها العولمة ودعم الحوار بين الحضارات
والديانات والثقافات والتصدّي لكلّ مظاهر الإقصاء والتهميش
والكراهيّة والعنصريّة التي تغذّي الحركات المتطرّفة
والإرهابيّة؟
ـ ما هي الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
لتوسّع الاتحاد الأوروبي على بلدان جنوب المتوسّط؟
ـ كيف يمكن ان نضمن تكافؤ الفرص بين بلدان الضفّتين
رغم اختلاف القدرات الاقتصادية والتكنولوجية حتى تكون
الشراكة حقيقية ومتوازنة؟
هذه بعض الأسئلة التي تداولها المشاركون في الندوة الدولية
الخامسة عشرة التي نظمها التجمّع الدستوري الديمقراطي
من 1 الى 2 ديسمبر 2003 بعنوان "الفضاء
الأوروـ متوسّطي وتوسّع الاتحاد الأوروبي: التحديات
والفرص"، وذلك بحضور شخصيات سياسية وفكرية مميّزة
وممثلي احزاب عربية ودولية من ضمنها السيد آلان جوبي
رئيس الاتحاد من أجل حركة شعبية، والسيد ايدواردو فيناك
أدامي الوزير الأوّل لجمهورية مالطا والسيد أحمد عصمان
رئيس التجمّع الوطني للأحرار والوزير الأول السابق في
المملكة المغربية.
وقد تمحورت هذه الندوة
حول محاور أساسية ثلاثة هي:
ـ أي هيكلية جغراسياسية جديدة اقليميا ودوليّا؟
ـ الانعكاسات الاقتصادية على بلدان المتوسّط.
ـ من أجل فضاء أورو ـ متوسّطي أكثر فاعلية في التوازنات
العالمية للقرن الحادي والعشرين.
مقاربة متجدّدة وشاملة
لمسار برشلونة
وقد تميّزت جلسة الافتتاح
بالخطاب الذي توجه به الرئيس زين العابدين بن علي الى
المشاركين في هذه الندوة والذي تولى إلقاءه السيد حامد
القروي النائب الاول لرئيس التجمع.
واكد الرئيس بن علي
في هذا الخطاب بالخصوص ان اختيار موضوع هذه الندوة يكتسي
اهمية خاصة في ضوء انعقاد قمة 5 زايد 5 التي سينال تونس
شرف احتضانها خلال شهر ديسمبر 2003 معربا عن الامل في
ان تكون هذه القمة محطة متميزة تعزز الخيار الاوروـ
متوسّطي وتكرس توجهات مسار برشلونة وتدعم علاقات الشراكة
بين ضفتي المتوسط.
وابرز في هذا الصدد
سعي تونس الى التقريب بين بلدان شمال المتوسط وجنوبه
وانجاح انصهاره الفاعل في حركة العولمة والاسهام في
خدمة القضايا الانسانية الكبرى من اجل بناء عالم جديد
اكثر نماء وتضامنا واكثر عدالة واستقرارا وسلما، مشيرا
الى ان تونس كانت سباقة في الدعوة والعمل على تأسيس
فضاء اوروبي متوسطي يأخذ في الاعتبار تشابك المصالح
وترابط المصير حيث دعا الرئيس زين العابدين بن علي منذ
سنة 1993 من اعلى منبر البرلمان الاوروبي الى ابرام
عقد اوروبي متوسطي للتنمية والتضامن يستجيب لطموحات
شعوب المنطقة فضلا عن ان تونس كانت اول بلدان جنوب المتوسط
التي ابرمت اتفاق شراكة مع الاتحاد الاوروبي في جويلية
1995.
وبالنظر الى التحولات
الحاصلة في العلاقات الدولية والتوازنات العالمية الجديدة
واعتبارا لتغير خارطة الفضاء الاوروـ متوسّطي من خلال
توسع الاتحاد الاوروبي دعا الرئيس زين العابدين بن علي
الى التأمل في هذا المسار من اجل تصويب مقاربته لقضايا
المنطقة حتى يبقى ملتصقا بالمتغيرات التي تشهدها الساحتان
العالمية والاقليمية بعد ثماني سنوات من تأسيسه.
كما دعا الرئيس بن علي
الى ايلاء مزيد العناية لأبعاد كان اقرها مسار برشلونة
منذ البداية على غرار البعد الاجتماعي والثقافي والبعد
العلمي والتكنولوجي حتى يتم ضمان تكافؤ الفرص امام شعوب
شمال المتوسط وجنوبه واعطاء بعد انساني لهذا المشروع
المصيري المشترك.
وبعد ان شدد على ضرورة
توخي مقاربة جديدة لقضية الهجرة التي تغيرت هيكلتها
اليوم وقد تتغير وجهاتها مستقبلا بيّن الرئيس بن علي
ان توسع الاتحاد الاوروبي يوسع في ذات الوقت حدود الفضاء
الاوروـ متوسّطي ويعزز قدرات كافة بلدانه على مجابهة
تحديات الاندماج في الاقتصاد المعولم، معربا عن الامل
في ان يسهم الاعضاء الجدد للاتحاد الاوروبي بفاعلية
في دعم مكانة الفضاء الاوروـ متوسطي.
وبيّن في هذا السياق
ان تونس رحبت بفكرة "سياسة الجوار" التي عرضها
السيد رومانو برودي مؤخرا مشيرا الى ان القمة 5 زايد
5 التي ستحتضنها تونس أوائل ديسمبر 2003 قد تكون فرصة
لتعميق التفكير حولها وبلورة التصورات بخصوص الفضاء
الاوروـ متوسّطي 2010.
وعلى صعيد اخر، ولضمان
استقرار شعوب المنطقة والعالم عموما اكد الرئيس زين
العابدين بن علي ضرورة الانكباب بجدية وحزم على حل بعض
النزاعات المستفحلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية العادلة
داعيا في هذا المجال مجددا الى تأمين حماية دولية للشعب
الفلسطيني الصامد ازاء الانتهاكات المتكررة والعدوان
الآثم الذي يتعرض اليه يوميا. كما دعا الى العمل على
الحفاظ على سيادة العراق ووحدة ترابه ومعالجة الاوضاع
الانسانية المأساوية التي يعاني منها في اسرع الاوقات.
وكان السيد علي الشاوش
الامين العام للتجمع الدستوري الديمقراطي قد ألقى كلمة
قبل ذلك تقدم في مستهلها باسمى عبارات الشكر الى الرئيس
زين العابدين بن علي الذي تفضل بقبول وضع هذه الندوة
تحت سامي اشرافه وهو ما يؤكد حرصه الدائم على دعم البعد
الفكري في انشطة التجمع الدستوري الديمقراطي.
وأكد من جهة اخرى الاهمية
التي يكتسيها الفضاء الاوروـ متوسّطي في خيارات تونس
وفي توجهات التجمّع الدستوري الديمقراطي والحرص على
توطيد العلاقات التي تربط شعوب هذه المنطقة الحيوية
من العالم خصوصا اثر توسع الاتحاد الاوروبي.
تكريس مبادئ التضامن
وضمن المحور الأول للندوة
"أي هيكلة جغراسياسية جديدة اقليميا ودوليا؟، أبرز
السيد أحمد عصمان، رئيس التجمّع الوطني للأحرار بالمملكة
المغربيّة أهميّة التحوّلات التي يشهدها العالم منذ
سقوط جدار برلين وانهيار المنظومة الشيوعيّة بما فرض
على المجموعة الدوليّة جملة من التحدّيات، من أهمّها
السعي الى إرساء علاقات دوليّة أكثر توازنا وعدالة واستقرارًا،
وإعادة النّظر في البنية الأحاديّة للنظام العالمي الحالي
وفي دور الأمم المتحدة، حتى تكون أداة فاعلة في خدمة
قضايا السلم والأمن والتنمية، وضمانة أساسية لحماية
سيادة الدول والخصوصيات الثقافيّة والحضاريّة لشعوبها.
وأكّد السيد أحمد عصمان
أنّ هذه التحولات تدعونا جميعا الى ضرورة النضال من
أجل تكريس مبادئ التضامن والتفاهم والعدالة لمعالجة
فات الفقر والإرهاب والتطرّف والنزاعات التي يستوجب
حلّها مقاربة شموليّة وجماعيّة، تفرض تعزيز الحوار بين
الديانات والحضارات والثقافات.
وفي خصوص هذه التحديات
والإشكاليات، بيّن المحاضر إمكانيّة أن يلعب الفضاء
الأوروـ متوسّطي دورا رياديّا إن أعطته دوله الأعضاء
نفسا جديدا يواكب الأوضاع الحاليّة، ويناسب الرهانات
الناجمة عنها.
ولبلوغ هذه الأهداف،
أكّد المحاضر على ضرورة حلّ قضيّة الشرق الأوسط، وتوحيد
صفّ بلدان جنوب المتوسّط، والعمل الجاد على الحدّ من
الهوّة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية بين الضفّتين،
الى جانب ضرورة تقريب وجهات نظر الطرفين الى الأولويات
حتى نتجاوز شعور شعوب الجنوب بتهميش اهتماماتها وبالتأسيس
لشراكة غير متوازنة.
وتحقيقا لشراكة حقيقيّة،
دعا المحاضر الى ضرورة تشريك بلدان جنوب المتوسّط في
اتخاذ القرار وتوخّي مقاربة شموليّة، متوازنة ومتضامنة
تعالج جميع ميادين الاهتمام والنفع المشترك وتولي العناية
اللاّزمة لجوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
ولقضايا المديونيّة والمبادلات الفلاحيّة والاستثمار
الأجنبي، بما يؤسّس لشراكة تضامنيّة متكافئة.
آليات خاصة لسياسة
الجوار
وفي تحليله لنفس هذا
المحور، ركّز السيد الصادق شعبان، عضو الديوان السياسي
للتجمّع الدستوري الديمقراطي ووزير التعليم العالي والبحث
العلمي والتكنولوجيا.. ركّز على تونس، مبيّنا كيف تعيش
هذه التحوّلات، وكيف تنظر الى مستقبل العلاقات في الفضاء
الأورو ـ متوسّطي، وما هي مالها في بناء الدار المتوسّطية
الكبرى، مبرزا التصاق تاريخها لغة ودينا وجغرافيا وحضارة
بالمتوسّط منذ بداية تاريخها المكتوب المتجذّر في أعماق
تاريخ الانسانيّة منذ أكثر من 3000 سنة.
وبعد أن أكّد المحاضر
حرص تونس على التفتّح على كلّ الجيران وكلّ الحضارات
والتكتّلات على أساس تكافؤ المنفعة والاحترام المتبادل
ورفض الاقصائية، بيّن أنّ سياسة الجوار التي تقترحها
أوروبّا اليوم والتي رحّبت بها تونس تعني أنّ الطرف
الذي يقبل بالجوار ينتفع من مزايا أربع وهي: دخول السّوق
الاوروبيّة والانتفاع من العلاقات التجاريّة التفاضليّة
التي تعقدها أوروبّا مع الغير والمساهمة في كل شبكاتها
والانتفاع من آليات التمويل الاوروبية.
ومن جهة أخرى، ينتفع
الطرف الذي يقبل الجوار بالحريات التقليديّة الأربع
وهي حريّة تنقّل البضائع والأشخاص والخدمات والأموال.
ودعا المحاضر الى ضرورة
أن توضع لسياسة الجوار آليّة خاصّة في إطار مؤسّسات
الاتحاد الاوروبي، حتى نمر من جوار قائم على روابط اتفاقية
الى جوار قائم على روابط مؤسساتيّة، فيكون الجوار اندماجيّا
تضامنيّا.
ومن جهة أخرى، أوضح
المحاضر أهميّة قمم 5+5 بالنسبة للبناء المشترك غرب
المتوسّط، مؤكّدا أنّها لا تنفي العناية بالسّوق العربيّة
المشتركة أو بالاتحاد الافريقي، وأنّ تونس التي ستحتضن
هذه القمّة بداية شهر ديسمبر 2003 مهيّأة اليوم لأن
تكون وسيطا في شراكات عديدة بالنّظر الى حضورها الافريقي
والعربي والاسلامي، وسمعتها في مجالات التعليم والتكنولوجيا
والتنافسيّة الاقتصاديّة، ونموذجها الاجتماعي الحداثي،
واستقرارها السياسي.
وختم الأستاذ الصادق
شعبان محاضرته مؤكّدا أن اوروبا مهما توسعت شرقا، فإنها
تبقى حليفنا الأساسي بحكم التاريخ والجغرافيا، وبحكم
الجوار والمصالح المشتركة، مؤكّدا على ضرورة مزيد العمل
لبناء الصرح المغاربي، حتى نكون أقوى بسوق أوسع، واقتصاد
أكثر اندماجا، ومجتمع يتقاسم قيما متوسّطيّة مشتركة.
وقد اثارت مداخلة الأستاذين
احمد عصمان والصادق شعبان العديد من التعقيبات والنقاشات
التي ساهم فيها ضيوف الندوة حين أكّد البعض على ان التطوّر
اللامتوازن لا يخدم قضية استقرار وأمن الفضاء الأورو
ـ متوسّطي، وأنه لا سبيل لتحقيق هذا الاستقرار الا بمعالجة
أسباب النزاعات بين الدول وفي مقدمتها ايجاد حلّ عادل
لقضيّتي الشعبين الفلسطيني والعراقي.
كما اشار بعض المشاركين
الى ضرورة دعم المسار الديمقراطي وتعزيز حقوق الانسان
جنوب المتوسّط، مع مزيد دفع العلاقات بين الشعوب لمزيد
التعارف والتفاهم بينها، من أجل التصدّي لكل مظاهر التهميش
والكراهية والعنصرية التي تتغذّى منها الحركات الارهابية
والمتطرّقة.
وكانت قضية الهجرة،
والمقاربة الأمنية للعلاقات الأورو ـ متوسّطية في قلب
النقاشات حيث اعتبر البعض ان تلك المقاربة يجب أن تكون
شمولية تدمج الى جانب البعد الامني والعسكري الأبعاد
الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والثقافية التي تمثل
ضمانة أساسية لنجاح مسار برشلونة، كما انهم رأوا انه
على بلدان جنوب المتوسّط أن تعمل على تنسيق سياستها
القطاعية ومواقفها ازاء الشريك الأوروبي، مع وضع استراتيجية
مشتركة في مجال التنمية المستديمة والعمل على الاستغلال
الأمثل للطاقات البشرية التي تزخر بها.
أوروبا الجديدة لن
تكون قلعة منغلقة
وضمن المحور الثاني
حول "الانعكاسات الاقتصاديّة على بلدان جنوب المتوسّط"،
أبرز السيد لان جوبي، رئيس الاتحاد من أجل حركة شعبية
بفرنسا أن الاتحاد الاوروبي اليوم على مشارف مرحلة جديدة
من تاريخه، وأنّ أوروبّا الجديدة لا يجب أن ينظر إليها
كحصن منغلق على نفسه، معجب بقوّته، بل كشريك يبحث عن
أفضل السبل ليكون سخيّا ومتفتّحا على العالم.
كما أبرز أنّ توسّع
أوروبّا شرقا لن يحملها على التخلّي عن شركائها التقليديين
جنوب المتوسّط، بل بالعكس، فإنّ هذا التوسّع يمثّل فرصة
تاريخيّة لتعزيز المسار
الأورو ـ متوسّطي.
وبيّن السيد جوبي أنّ
اتفاقيات الشراكة المتتالية تؤكّد سلامة مسار برشلونة
الذي ساهم بفاعليّة في دفع بلدان جنوب المتوسّط الى
إبرام اتفاقيات تبادل حرّ بينها، مبرزا أنّه بتوسّعه
الأخير، سيشكّل الاتحـاد الأوروبي فضاء حيويّا هامـّا
بـ450 مليون نسمة وبناتج داخلي خام يناهز العشرة لاف
مليار أورو.
وبارتفاع مستوى عيشهم
وقدرتهم الشرائيّة، سيتحوّل سكّان أوروبّا الشرقيّة
الى مستهلكين قادرين على شراء منتوجات بلدان جنوب المتوسّط
والانتفاع بالجماليّة السياحيّة لهذه الدول، وفي المقابل
ستمثّل أوروبّا الموسّعة سوقا أكبر لصادرات الجنوب.
ومن جهة أخرى، أكّد
المحاضر على ضرورة دمج اتّفاقيات الشراكة في مجال تحرير
الفلاحة والخدمات وفي مختلف مجالات التبادل في إطار
أوسع، يؤسّس لمشروع منطقة أورو ـ متوسّطيّة للتبادل
الحرّ في آفاق سنة 2010 التي تقتضي العمل من الآن على
تعزيز الاستثمار المباشر الذي يبقى دون المطلوب في المنطقة
المتوسّطية والذي قد يتدعّم بتوحيد الأطر التنظيمية
التي تبقى من أولويّات إحداث سوق أورومتوسطية موحدة
تمكّن كل طرف من إبراز قدراته التفاضليّة في إطار سوق
تنافسيّة تعطي دفعا جديدا لمسار برشلونة، وتفتح المجال
لثراء أكثر ورفاه أوسع لكافّة شعوب المنطقة.
نتائج متواضعة
وفي محاضرته ضمن هذا
المحور، أبرز السيد منذر الزنايدي، عضو الديوان السياسي
للتجمّع الدستوري الديمقراطي ووزير السياحة والتجارة
والصناعات التقليديّة أنّ توسّع الاتحاد الاوروبي بزيادة
في مساحته بأكثر من الثلث، وعدد المستهلكين فيه بأكثر
من الربع، يمثّل حدثا هامّا على الصعيدين الأوروبي والعالمي.
ثمّ تناول بالتحليل
مسيرة الاندماج الاقتصادي الأورو ـ متوسّطي، مبرزا أنّ
مسار برشلونة أسّس من أجل إنشاء فضاء للرّفاه المشترك،
بالاعتماد على آليات متعدّدة ذات طابع سياسي وأمني واجتماعي
وثقافي واقتصادي وبهدف إقامة منطقة أورو ـ متوسطية للتبادل
الحرّ في غضون سنة 2010، ملاحظا أنّه على الرغم من تعدّد
الآليات ونبل الأهداف، فإنّ النتائج المحقّقة تبقى متواضعة.
كما أنّ الاستثمار الأجنبي
المباشر لم يتطور بالكيفيّة والحجم اللّذين من شأنهما
أن يساعدا اقتصاديات بلدان جنوب المتوسّط على استحثاث
نسق تأهيلها، وإعادة هيكلتها في اتّجاه دعم قدراتها
التنافسيّة وقابليتها للتأقلم والرفع من مستويات نموّها.
وبعد الإشارة الى قيمة
المبادرة الجديدة للمفوّضيّة الأوروبيّة تحت عنوان "إطار
لعلاقات جديدة مع الجوار"، بيّن السيد منذر الزنايدي
أنّ تونس بفضل ما حقّقته من إنجازات ومكاسب قد أصبحت
من البلدان الجاهزة للانطلاق في هذه المرحلة الجديدة
بفضل حكمة الخيارات وسداد التوجّهات.
وإثر المداخلتين اثار
بعض المشاركين في الندوة ترابط مصير شعوب المنطقة
الأوروـ متوسطية مُبرزين أنّ الفارق التنموي بين ضفّتي
المتوسّط على الرغم من المجهودات المبذولة قد تفاقم
خلال السنوات الأخيرة على حساب الضفّة الجنوبيّة، ولعلّ
ذلك ما يفسّر الضغوطات المتواصلة للهجرة في اتّجاه أوروبا.
ورأى بعض المتدخلين
أن هذه الهوّة مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر بتوسّع الاتحاد
الأوروبي، أوّلا نظرا للالتزامات الماليّة الإضافية
التي تترتّب عنها لفائدة الأعضاء الجدد والتي قد تكون
على حساب الشركاء الآخرين للاتحاد الأوروبي، وثانيا
نظرا للقدرة التنافسية المتزايدة للأعضاء الجدد نتيجة
الدعم الأوروبي المتزايد، بما يعزّز طاقاتهم التصديرية
وقدرتهم على استقطاب الاستثمارات الخارجيّة التي قد
تكون على حساب بلدان جنوب المتوسّط.
وبالمقابل أكّد بعض
المتدخلين أن توسع الاتحاد الاوروبي يولّد فرصا جديدة
للتعاون مع جنوب المتوسط، إذ بقدر ما يتوسّع الاتّحاد
الأوروبي وتتعزّز مقوّماته، تزداد فرص الاستثمار والإنتاج
والتشغيل ويتحسّن الدخل الفردي، وتتوطّد مقومات الاستقرار
والنماء المشترك وفق مفهوم الشراكة الفاعلة.
وإنّ تحقيق هذه الأهداف
يتطلّب إمكانيّات وإصلاحات تسعى إليها بلدان جنوب المتوسط
على غرار تونس، كما يتطلّب اعتماد مقاربة جديدة من قبل
الاتّحاد الأوروبي لمساعدة بلدان جنوب المتوسّط على
تهيئة هذه الأرضيّة باعتبار المردود الآجل لبعض الاستثمارات
في مجال تنمية الموارد البشريّة، وتعزيز البنية الأساسية
وبالنظر كذلك الى التكلفة الاجتماعية للاصلاحات الاقتصادية
والماليّة.
مؤسسة متوسطية لحوار
الثقافات
وفي الجلسة الأخيرة
المخصصة للمحور الثالث، تعرّض السيد إيدوارد فيناك آدمي،
الوزير الأوّل لجمهورية مالطا الى مشروع المعاهدة الدستورية
للاتحاد الاوروبي وبيّن أنّ بلاده بحكم انتمائها المتوسّطي
تولي أهميّة خاصّة للفصل المتعلق بالاتحاد الأوروبي
وجواره المباشر الذي يلزم الاتحاد بتطوير علاقة خاصّة
مع دول الجوار لبناء فضاء مزدهر.
وبيّن المحاضر أنّ هذا
الفصل يمثّل إطارا سانحًا يجب أن تتبعه خطوات ملموسة
وفعليّة في اتّجاه تكريس مبدإ حسن الجوار على أرض الواقع،
مبرزا أنّ أوروبّا لا يتوفّر لديها حاليّا إمكانيّة
تقديم إضافة هامّة لتغيير التوجّه الأحادي للعولمة بإعطائها
طابعا إنسانيّا، إلاّ أنّ تحقيق هذا الهدف قد يكون في
المتناول إذا ما تظافرت جهودها مع بقيّة بلدان الفضاء
الأورو ـ متوسّطي.
وأبرز الوزير الأوّل
لجمهوريّة مالطا أنّ تصوّر بلاده لقيام فضاء أورو ـ
متوسّطي قادر على مجابهة تحديّات العولمة يجب أن ينبني
على عناصر ثلاثة وهي:
ـ العنصر الثقافي:
حيث عبّر المحاضر في هذا المجال عن قناعته بأن تكنولوجيا
الاتّصال ستمثّل أهمّ رافد لدفع التبادل الثقافي في
المنطقة المتوسطيّة مذكّرا بمشروع إقامة المؤسسة المتوسّطية
لحوار الثقافات والحضارات التي ترغب مالطا في احتضانها.
فخلق وحدة سياسيّة تقوم
على اختلاف ثقافات المتوسّط وثرائها، قد يشكّل قوّة
هائلة، غير عسكرية ولكن لا تقلّ عنها أهميّة فتكون بذلك
نموذجا لحكم رشيد أكثر انصافا وتوازنا.
ـ وعلى مستوى العنصر
السياسي، ذكّر المحاضر بالتطوّرات الأخيرة التي
عرفها المنتدى المتوسطي في اتجاه تطويره نحو جمعيّة
برلمانيّة متوسّطية وهو مشروع من المنتظر أن تقع المصادقة
عليه في الاجتماع المقبل لوزراء خارجيّة البلدان
الأورو ـ متوسّطية في نابولي، بما سيمكّن هذه الآلية
الجديدة من تقديم إضافة هامّة في مجال الحوار السياسي
بين دول الضفّتين.
ـ أما على مستوى
العنصر الاقتصادي، فقد عبّر السيد دامي عن قناعته
بأنّ أهمّ ما يحتاجه الفضاء الأورو ـ متوسّطي الى جانب
الشراكة التجاريّة، هو تدفّق الاستثمارات الخارجية وتزايد
مشاريع الشراكة التي من شأنها أن تعزّز أسباب المناعة
والرفاه لكافّة شعوب المنطقة.
الاتحاد المغاربي
رافد هام
وفي تطرّقه لهذا المحور
أيضا أبرز السيد الحبيب بن يحيى، عضو الديوان السياسي
للتجمّع الدستوري الديمقراطي ووزير الشؤون الخارجية
ما يوليه الرئيس زين العابدين بن علي من أهميّة لتكريس
قيم التضامن والتكامل في المنطقة المتوسّطية خاصة وتونس
تستعدّ لاحتضان القمّة الاولى لرؤساء بلدان وحكومات
حوار 5+5 أوائل شهر ديسمبر 2003 كما أبرز أن الفضاء
الأورو ـ متوسطي قد احتفظ دوما بخصائص جوهريّة كامنة
فيه ومنها الثراء الإبداعي الناتج عن عوامل الاختلاف
والتعدّد والتفاعل الايجابي بين مكوناته.
وبعد أن استعرض المحاضر
بعض الأرقام التي تؤكّد المكانة الاستراتيجية للفضاء
الأورو ـ متوسّطي، بيّن أنّ التحدّيات الاقليمية الراهنة
وخاصة منها المتعلّقة بالأمن والاستقرار ومجابهة التطرّف
والارهاب والجريمة المنظمة وقضايا الهجرة والبيئة والصحة
والأمن الغذائي وتيسير تنقل الأشخاص تتطلب تقييما واقعيّا
للتعاون الأورو ـ متوسطي وتعميق التشاور بشأن الآليات
الكفيلة بإضفاء مزيد من الفاعليّة عليه والارتقاء به
الى مستوى مال شعوبه وتطلعاتها.
ودعا المحاضر الى ضرورة
تأسيس المقاربة المستقبليّة على دعم المكاسب والعمل
على تجسيم مفهوم جديد للشراكة يقوم على التضامن والمنافع
المتبادلة بين جميع الأطراف، بالاستناد الى منطق توزيع
وتكامل الاختصاصات من أجل تحقيق الاندماج الفعلي داخل
الفضاء حتّى يكون أكثر قدرة على التأثير إيجابيا في
التوازنات العالميّة.
وأعرب المحاضر عن أمله
في أن تكون سياسة الجوار المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي
عاملا فاعلا يتيح لكل الأطراف التشاور حول المرحلة المقبلة
للشراكة على نحو يؤمّن التقدم باتفاقات الشراكة وتوسيع
مجالاتها من أجل مزيد تجذير قيم التضامن والتكافل بين
شعوب المنطقة وتحقيق الاستقرار والتنمية الشاملة في
فضائنا الأورو ـ متوسطي.
كما دعا وزير الشؤون
الخارجية الى ضرورة فتح الحدود المعرفية والتكنولوجية
أمام هذه البلدان حتى تتمكن فعلا من مواكبة التحولات
العالمية ورفع التحديات المستقبلية، مبرزا الأهميّة
التي تكتسيها قمّة مجتمع المعلومات التي ستحتضن تونس
مرحلتها الثانية سنة 2005 ومشدّدا على أهميّة الاتحاد
المغاربي باعتباره رافدا أساسيا لتجسيم التكامل في إطار
هذا الفضاء، حيث يتعيّن مساندة هذا الاتحاد وتأييده
سياسيا ومعنويا وماديا من أجل تثبيت ركائز الأمن والاستقرار
والتنمية في المنطقة بأسرها.
وأضاف وزير الخارجية
التونسية، ان كل الأطراف مدعوة الى تعزيز مناخ الحوار
والتفاعل بين الحضارات والثقافات والتعايش بين الأديان
وفق رؤية متبصّرة قائمة على التسامح والتكافل حتى تستبعد
كل مظاهر الخلط بين الإرهاب والإسلام، وهي ذات الرؤية
التي اعتمدها الرئيس زين العابدين بن علي من خلال عديد
المبادرات الرائدة لترسيخ بيداغوجيا التسامح، ومن ذلك
مثلا، إعلان قرطاج للتسامح في البحر الأبيض المتوسط
وإحداث كرسي بن علي للحوار بين الحضارات والأديان والتأكيد
في الإصلاح الدستوري الأخير على تمسك تونس بضمان الحريات
الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها
وترابطها وتعديل مناهج التعليم في اتجاه تعميق وعي الناشئة
بقيم التفاهم والحوار.
وبيّن المحاضر أنّه
أصبح من الضروري اليوم العمل بصفة جماعيّة على أن يكون
الفضاء الأورو ـ متوسّطي أكثر فاعليّة في ظلّ توازنات
هذا القرن الجديد لتثبيت حضوره ضمن بقيّة الفضاءات الإقليمية
من أجل مواجهة التحدّيات التي تفرضها المتغيّرات المتسارعة
على الساحة الدوليّة على غرار ما حقّقته بعض التكتّلات
الإقليمية من تقدّم ملموس على درب الاندماج الاقتصادي،
كمناطق التبادل الحرّ في أمريكا الشماليّة أو المنتدى
الاقتصادي آسيا/المحيط الهادي حتى لا يبقى الفضاء الأورو
ـ متوسّطي على هامش تلك التحوّلات أو بمعزل عنها.
وفي التدخّلات العديدة
التي دارت خلال هذه الجلسة، أبرز المشاركون ريادة النموذج
التونسي في التعامل مع الخيار الأورو ـ متوسّطي لما
تحمله تونس من زخم في العلاقات الدولية وتجربة غنيّة
في الحوار والإقناع من أجل إيقاد شعلة الحوار ودفع المصالح
العربية الى الأفضل.
ودعا بعض المشاركين
الى دعم وتفعيل التعاون العربي الأوروبي في اتّجاه تحديد
رؤية مشتركة لأمهات القضايا الإقليمية والعالمية أخذا
في الاعتبار عدم تكافؤ الإمكانيات المادية والقدرات
التنافسيّة والتكنولوجية بين بلدان شمال المتوسط وجنوبه
بما يخدم التنمية جنوب المتوسّط ويحفظ أمن بلدان شمال
هذا البحر.
ومن جهة اخرى، أكد بعض
المتدخلين على حتمية بناء الصرح المغاربي، خاصّة في
خضم التحوّلات الاقليمية التي تشهدها المنطقة، الى جانب
ضرورة حلّ القضيّة الأمنية ومحاربة الارهاب والتطرّف
لا فقط في جنوب المتوسط ولكن أيضا في شماله، دون تجاهل
تفعيل التعاون مع افريقيا والعالم الإسلامي.كما أبرز
النقاش جملة من المقترحات البنّاءة من أهمّها:
ـ إيلاء عناية خاصّة
للناشئة وتعزيز التعارف والتواصل بينهم، شمال وجنوب
المتوسط، ضمانا لمستقبل الخيار الأورو ـ متوسّطي.
ـ التعاون الجادّ على إزالة أسباب التوتّر والإقصاء
وازدواجيّة المكاييل في العلاقات الدوليّة.
ـ إحداث مؤسسات مشتركة في مجالات الفنون والنشر والإعلام
لخلق مناخ فكريّ ووجدانيّ يعزّز الحوار الثقافي بين
ضفّتي المتوسّط، ويدعم تموقع المنطقة في التوازنات العالميّة
الرّاهنة والمستقبليّة وبعث مركز أوروبي متوسطي للاستشراف.
ـ ضرورة تجنّد المجتمعات المدنيّة لبلدان الضفّتين وخاصة
الجامعيين ورجال الأعمال لتعميق القضايا المطروحة من
الجانبين واقتراح الحلول الكفيلة بحلّها، إذ ليس من
الضروري أن تنتظر شعوب المتوسّط صدور قرارات من بروكسل
أو سترازبورغ.
وأبرز أحد المتدخلين
أنه لا مجال للتخوّف من توجه أوروبا نحو شرقها وإهمالها
لجنوبها، لأنّ أوروبا مازالت، ومنذ نصف قرن، تبحث عن
نفسها وعن دستور لها وعن تموقع فاعل على الساحة الدوليّة.
وثمّن عديد المتدخّلين
المستوى الرفيع للحوار الواقعي والحرّ الذي ساد أشغال
هذه الندوة والذي أفرز أفكارا جديدة تماما، وربّما ثوريّة
ساهمت بجديّة في إثراء المرجعيّة
الأورو ـ متوسّطية التي
ما فتئت تونس تدعمها من خلال التصوّرات والمبادرات المتعدّدة
التي بادر بها في هذا المجال الرئيس زين العابدين بن
علي.