اتحاد متوسّطي لمواجهة تحديات العولمة

فيليب سوغان
ـ الرئيس السابق لبرلمان الجمهورية الفرنسية

إن موضوع البلدان العربية وأوروبا في مواجهة العولمة والذي طلب إليّ التحدث فيه موضوع على قدر كبير من الدقة والسعة والأهمية الجوهرية.

فبقطع النظر عن تخوفي الشديد من ألاّ أكون عند مستوى إشكالية فكرية بالغة الطموح، فإن أشد ما أخشاه أن أجد نفسي مورطا في متاهات سياسية واقتصادية واجتماعية تدفعني بالتالي إلى استخدام لهجة وعبارات قد تظهرني في مظهر غير منسجم مع محتوى بقية المداخلات وأساليبها.

وليس لي الآن وقد أفصحت عن تلك المخاوف إلا أن أجتهد في تجاوزها فأحدث نفسي بأن المشاكل الثقافية من جهة والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من جهة أخرى، إن هي في الحقيقة إلا مشاكل شديدة الارتباط بعضها ببعض، متزايدة التلاحم حتى أن إغفال ذلك يفضي إلى انعدام الجدوى في تناولها.

فكيف وقد وضعنا ذلك لا نتفق على أن أوروبا والعالم العربي معنيان على السواء بالعولمة. إنهما معنيان بها، بل قل إنها تدفعهما بقوة باعتبار أن المسار الحالي يضع أيضا قيم كل منهما ومشاريعه التطويرية موضع تساؤل. فهما معنيان مدفوعان ويواجهان تحدّيا على غاية من الأهمية، ناهيك أنه يتصل بما ليس بعده بعد، أي بمستقبلهما لا أكثر ولا أقل.

وبالفعل فإن العولمة بمعناها الحرفي ظاهرة محيرة، لن أكلّف نفسي عناء وضع تعريف لها غير مسبوق، وسأعتبرها مثل غيري ظاهرة الوصل في ظروف جديدة جدة كلية بين مختلف أنحاء العالم وذلك بفضل ما طرأ على فكرتي المكان والزمان من تغيير. ذلك أن وسائل الاتصال الحديثة وتراجع تكاليف النقل قد محت المسافات بالفعل. فسواء تعلق الأمر بالتنقل أو بالاتصال، فهي تتيح تبادلا معمما بين مختلف أصقاع المعمورة، وتسمح بفتح الحدود والأسواق. فالعولمة في رأي الجميع أهم ظواهر أواخر القرن العشرين، بصرف النظر عما إذا اعتبرت فرصة سانحة أو إنذارا بالخطر.

ولن أجادل في قيمة هذا التعريف إذ الواجب فيه أن يستكمل مباشرة ذلك أننا لن نفهم شيئا من العالم الجديد إذا لم نضف أنّ العولمة بالمعنى الدقيق تتزايد آثارها حدة، وتتفاعل مع المعطى الجغرافي السياسي الجديد الناشئ عن تهاوي النظام الشيوعي والمتميز بوجود قوة عظمى وحيدة، وهي قوة عظمى وحيدة إليها يعود لو أرادت ذلك فصل الصراعات وحل المشاكل حيثما وجدت وعلى النحو الذي تريد. ثم هي قوة عظمى تنشر لغتها وثقافتها وقيمها نشرا أيسر، وعلى مراحل، وهي تنشر بوجه أعم أنموذجا انبنى على أساس الدولة الدنيا والمرونة الكلية والقيم الخاصة.

وتنتهي إلينا بالفعل مهذرة المبشرين بعولمة لا كوابح لها ولا شريك، لتوهمنا بنشأة سريعة لمجال عالمي للتبادل الحرّ، يكون غاية في الشفافية، تتناقص فيه الفوارق الثقافية والهويات الوطنية وإرادة الاستقلال غير الحصيفة وحتى الأمم ذاتها ثم تتقلص، وربما تؤول نهائيا إلى الزوال، وباختصار فإن القول يدور على فضاء عالمي لا سلطان فيه إلا لقوانين السوق.

ذلك هو ما عنيت عندما ألمحت إلى أن العالم العربي وأوروبا يجدان نفسيهما، بحكم العولمة، يواجهان تحديا واحدا.

التحدي الاقتصادي والاجتماعي أولا:

يكمن الخطر في استهداف أنشطة ومواطن شغل، وبالتالي في تآكل كل نظام اجتماعي وفي الوقت ذاته في تدهور الأجور وظروف العمل وتفاقم الفوارق.

ويصح ذلك على البلدان المتقدمة، وهو يصح أكثر على البلدان غير المتقدمة، ذلك أن (العولمة) تقيم علاقات بين مجتمعات بينها فوارق لا تقدر في مستويات المعيشة والإنتاجية. ويمكن أن تكون خسائر البلدان الفقيرة فادحة. فالعولمة العشوائية تنتهي إلى فوارق بين الأمم وفي صلب الأمم بل إنها تعمّـقها.

ثم تحد سياسي وثقافي:

مع تجاوز الحدود التقليدية تنشأ ظاهرة هي أن الدولة تشهد تعرض دورها للتهديد والحال أنها هي موضع الشرعية وهي المؤتمن على تضامن المجتمع. وثمة أخيرا ابتداء صيرورة توحيد وتنميط، تهدد التنوع الثقافي أي الثقافات الوطنية وبالتالي التعددية ذاتها. وبالفعل فإنه يبدو أن تهديد التنوع الثقافي هو الخطر الكبير الآخر الذي تمثله عولمة بلا ضوابط.

فأي موقف يتخذ في مثل هذه الظروف؟

أستأذنكم في أن أتبنى رأي غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني إذ يقول: "إن عبارة حوار الثقافات (...) عبارة ملتبسة نسبيا (...) فالثقافات والحضارات ليست هياكل قادرة على قيادة عمل متفق بشأنه. والفاعلون الحقيقيون إنما هم البشر المنتمون إلى تلك الثقافات وتلك الحضارات والأقدر على ذلك إنما هي الدول فواعل الحياة العالمية.

واعتقادي اعتبارا ـ أن العرب والأوروبيين عليهم أن يتوصلوا إلى الاتفاق على هدفين مشتركين هما الدفاع عن التنوع الثقافي ورفض عالم اللامساواة.

فليس يمكن لأي منا أن يسلّم بثقافة متشاكلة متجانسة تتراءى لنا نماذج منها في أكثر المجالات تنوعا ولا سيما في النزوع إلى سيطرة لغة واحدة نزوعا يمكن أن يفضي سريعا إلى الفكر الواحد وبالتالي فإن ما قد نعنيه غدا بحوار الثقافات إنما هو الدفاع عن التنوع الثقافي وتكثر الهويات.

وليس لأحد منا كذلك أن يسلم بالإبقاء على عالم اللامساواة فضلا عن تعمق لا تساويه.وعلى العرب والأوروبيين أن ينسقوا جهودهم أكثر من أي وقت مضى تعبيرا عن تلك المواقف المشتركة في مجال السياسة الخارجية وأن يبحثوا لهم عن حلفاء. ولكن عليهم بالخصوص أن يعطوا المثال، فيقرنوا القول بالفعل لبناء تعاون يسمح لهم بالصمود صمودا أفضل لمخاطر العولمة واستغلال الفرص التي قد تتيحها. وباختصار فعليهم معا أن يجعلوا لمفهوم التنمية المتقاسمة متانة دلالية حقيقية.

ويمر ذلك في تقديري ببعض الشروط ويستدعي توجهات بسيطة:

I ـ الشرط الأول: ضرورة استيعاب الماضي الصعب وتجاوزه:

ليس من الضروري العود إلى ماض سحيق لندرك ما نلقى من صعوبة، على أنه لا بد من التذكير بأن البحر الأبيض المتوسط إنما يتخذ شكل الفاصل بين ضفتيه وقد كان لعقود طويلة عامل توحيد، بداية من إمبراطورية شارليمان Charlemagne في الشمال والغزو العربي للجنوب وبالتالي بداية من القرن الثامن.

وبداية من ذلك العصر أصبحت الاتصالات بين المسيحية والإسلام من النوع الصراعي. فإعادة الفتح الإسباني والحروب الصليبية تركت ثارا عميقة في خيال كل منا.

غير أن ذلك ليس هو المهم، فالمهم أن الحضارة العربية ساهمت بقوة في نشأة النزعة الإنسانية الأوروبية خاصة بفضل إدخال المؤلفات الإغريقية القديمة إلى أوروبا في أواخر العصر الوسيط حيث لم تكن معروفة وهي مؤلفات قررت البابوية إدماجها في الفكراللاهوتي.

غير أنّ تأثير الفكر العربي الإسلامي ظل في أوروبا محدودا. وعندما بدأ أفول الإمبراطورية العثمانية، وقد كانت منذ القرن السادس عشر تسيطر على العالم الإسلامي، حل محل الخوف من التركي الميل إلى التندّر "بالتركيات" وهو لفظ يشمل الثقافة العربية وسيصبح مصدر تأثير ثقافي عربي مزدوج القيمة.

فبورجاس Borges يعتبر أول ترجمة لألف ليلة وليلة مرحلة أساسية في تشكل الرومنطيقية الأوروبية في حين يرى إدوارد سعيد في "الاستشراق" باعتباره رؤية للعالم العربي من منطلق مركزي غربي تيارا تسطيحيا يحمل في نهاية الأمر الطابع الاستعماري.

فلنتحدث تدقيقا عن الاستعمار.

لم يمس الاستعمار الأوروبي قبيل الحرب العالمية الأولى العالم العربي إلا جزئيا، وقد كان استعمارا متأخرا بالمقارنة مع جهات أخرى من العالم.وحضور فرنسا في إفريقيا الشمالية، والمملكة المتحدة في مصر والسودان، وإيطاليا في ليبيا، صحبته معاودة الاهتمام بالأرض المقدسة خاصة. أصبحت القدس وقد أهملها الأتراك موضوع تنافس بين القوى الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر، ونصبت فيها قنصليات، وحاول كل طرف أن يكون حاميا لهذه الطائفة أو تلك من الطوائف الدينية.

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وانطفاء الإمبراطورية العثمانية، سيشهد الوضع انقلابا جذريا إذ أن التأثير الأوروبي سيصبح لفترة محدودة التأثير الغالب.
وظهرت عندها دول جديدة على مرحلتين سنة 1920 وسنة 1984 وسويت وقتها إشكالية وحدة العالم العربي حتى قبل أن تطرح.

ومما يجدر التذكير به إحقاقا للحق وتأكيدا للمصلحة أن أوروبا ولا سيما فرنسا والمملكة المتحدة تتحملان في نظر دعاة الوحدة العربية مسؤولية ثقيلة في التجزئة السياسية الناتجة عن تقاســـم وقــح (للعالم العربـي) بين قوتيـن استعماريتيـن (يرمز إليه اتفاق سايكس ـ بيكو Sykes-Picot لسنة 1916) على حساب الطموحات القومية العربية التي حاول بلورتها فيصل شريف مكة وقائد التمرد العربي.

وعن هذا التقسيم المتصنّع استعماري النمط، والمفروض من الخارج ترتبت بعض مشاكل العالم العربي الحالية، لا سيما في الشرق الأوسط: دول متنافرة وأقليات بدون دولة أو موزعة على دول متعددة، توزيع سيّئ للثروات الجوفية (حتى وإن لم يكن النفط يلعب إلا دورا اقتصاديا محدودا غداة الحرب العالمية الأولى) ولا سيما التجزئة السياسية للعالم العربي التي كانت مصدر خلافات عديدة لا جدوى منها بين دول كان عليها بالطبع أن تنتصر لإرثها التاريخي المشترك.

بقي أن نتذكر الظروف الصعبة للغاية التي تمت في إطارها إزاحة الاستعمار عن بعض الدول العربية. ونتائج ما قد يكون جرى لم تزل بعد في الجزائر حاضرة في الأذهان، وقد يكون ذلك في العلاقات بين دولة ودولة أقل حدّة مما هو عليه في العلاقات بين بعض المجموعات من كلا القوميتين، وربما على مستوى ما بين القوميتين كما هو الشأن في فرنسا.

إن الزمن كفيل بتضميد الجراح ولكن آثار الجرح باقية. ويكفيك التجول في ضاحية من ضواحي العاصمة الفرنسية لتقف بنفسك على مداها في تعدد مظاهره.ومع ذلك فإنه لا بد من تجاوز ذلك الماضي وطرد شبحه. ويستوجب ذلك أن نعرفه معرفة أفضل تيسر التفاهم المتبادل.

الشرط الثاني: على أوروبا أن تجيد تقدير حقيقة العالم العربي وعلى العالم العربي أن يستعيد نخوته وسنظل أبعد ما نكون من الحقيقة ما بقينا نجهل الحضارة العربية هذا الجهل البعيد.

وإني أتعفف توضيحا لمقاصدي ذكر تصريحات صدرت عن رئيس حكومة أوروبية غبي منذ أشهر تعلقت بتفوق هذه الحضارة أو تلك، كما أني لن أذكر اتهام العالم العربي بالمسؤولية في تنامي الإرهاب إذ هو اتهام لا يقل طيشا عن الأول.

ولكن ثمة ما هو أهم لأنه أعمق. فانتصار شارل مارتال Charles Martel في معركة بواتييه Poitier سنة 732م على الجيش العربي يعتبر في المخيال الفرنسي وفي أوروبا عامة انتصارًا وضع حدا لزحف الهمجية. وأنا من الشاهدين على ما تثيره وجهة النظر هذه من غضب عند مؤرخ كبير مثل جورج دوبي G. Duby المتخصص في العصر الوسيط، ولما كان مقتنعا بأن محاربة مثل هذا العماء لا تكون إلا بالاستفزاز قال بصوت عال قويّ لو كتب لتلك المعركة أن تشهد مآلا غير الذي شهدته لكان التقدم في الغرب قد ربح قرنا أو قرنين.

ولنقل بشكل أبسط ولنكرر القول ولنذكّر بأن إسهام الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة لا مثيل له. وبأن الفضل يعود إلى العالم العربي الإسلامي في نفض غبار النسيان عن النصوص اليونانية وفي نشرها. ولنذكّر بما كان عليه الأمويون والعباسيون والأندلسيون في كل المجالات من حداثة وتفتح فكري. والواجب يقضي بإلجام أولئك الذين يزعمون أن الإسلام والتقدم لا يتواءمان، والحال أن الماضي يشهد بذلك التلاؤم. وأنا، أعلم ان محمّدا والقرآن يدعوان إلى ممارسة حرية الاختيار وإعمال العقل والبحث وفهم الطبيعة بواسطة العلم.

غير أن العرب لا يعفون من هذا الجهد الذي نطالب الأوروبيين ببذله. فعلى العرب أنفسهم أن يتجاوزوا مركبات كثيرة وأن يعتزوا بهذا الماضي، فذلك هو ثمن سبيلهم إلى معاودة الصلة به والارتقاء الحر إلى الحداثة.

لا ريب في أنه قد حدثت فترة انحطاط عربي، ولا ريب في أنه قد حدثت فترة انحطاط عربي إسلامي ولكن القدرة على تشخيص الأسباب تمكّن من إرساء أسس انطلاقة جديدة وتجارب بعض البلدان العربية تقوم شاهدا على أن التجديد ممكن.

فما الذي جرى؟ وهذا السؤال يمكّن من تفسير الوضع الراهن؟

لقد أغلق أولا باب الاجتهاد في أوائل القرن الحادي عشر حيث استنكر الخليفة تصديا للغليان الفكري مجهودات البحث وممارسة النقد وما كان لذلك أن لا يؤثر في انحطاط بغداد. ثم إن آمالا كثيرة قد علقت على الإمبراطورية العثمانية غير أنها آلت بدورها إلى الهرم فالانهيار.

وهكذا وجد العرب أنفسهم غداة هزيمة الأتراك فيما بين 1914 ـ 1918 ـ يواجهون على غير موعد واقع "الدولة ـ الأنموذج" وهو واقع لم يهيئهم الإسلام له. ثم ها قد جاء الزخم النفطي وكان مع ذلك موزعا توزيعا غير متكافئ فنشأ عنه من المشاكل أكثر مما يستطيع حله منها.

واليوم يجد العالم العربي نفسه في مفترق الطرق.. فالأوروبي مثلي يشعر أنه يشهد تسابقا بين دول تسعى إلى تحديث ذاتها وبين إسلاموية تستند إلى مبادئ تختزل التعاليم المحمدية لرفض الحداثة أو كما يقول جاك بارك Jacques Berque هي إسلاموية تستخدم القرآن "مصدرا تستمد منه البديل لروح العالم المعاصر".

ويجري هذا السباق أمام جماهير شعبية مترددة بشأن ما ينبغي تخيّره. ومما يزيد في ترجيح اختيار المعسكر السيّئ حصيلة اقتصادية غير مضمونة في مجملها مع ما يلازم تطور النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ويترتب على نتائجه من خيبة أمل.

وهكذا ندرك أن ما تتوخاه الدول من حذر في التقدم بالديمقراطية أو في مجال الإصلاحات الهيكلية لا يحل في حد ذاته أي مشكل، فضلا عن أن العولمة تعمق نتائجه الاقتصادي منها والنفساني والأخلاقي.

ومن المهم أن نسجّل في هذا السياق أنه باستثناء بعض البلدان الأكثر تقدما من غيرها، فإن التحاليل الأبعد نظرا والمبادرات الأكثر جسارة إنما تمت صلب المؤسسات العربية المشتركة سواء تعلق الأمر بمنظمة المؤتمر الإسلامي أو قل الجامعة العربية تلك المؤسسة التي لن نحيط بما فيه الكفاية بفضلها التاريخي.. وبفضل المنظمة التابعة لها وهي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم... ويمكن لي أن أضيف إلى القائمة البنوك الإسلامية.

وعلى كل حال فقد ن الأوان بالنسبة إلى الشعوب العربية لتقيم الدليل على أن الحساسية ضد الحداثة ليست قدرا لا مفر منه.

وجوب تحديد توجهات واضحة

إن استيعاب الماضي الصعب وتجاوزه، وفهم الشريك فهما أفضل، وخلع المركبات هي الشروط التي علينا أن نوفرها وإنا لقادرون على ذلك. وعندها تكون الردود المشتركة على العولمة ردودا ممكنة. فقد أنجزنا الكثير خلال العقود الأخيرة مما لم أكن أتوقعه في مجال تلاقي المقاربات والمواقف الكبرى. ولكن بقي علينا أن ننجز الكثير في مجال التنمية المشتركة.

ونحن نعلم أن آليات ذلك متوفرة، إذ بالإضافة على حِدَة إلى العلاقات الأوروبية المغاربية القائمة في إطار ما يسمى بـ "5+5" فإن المسار الذي فتحته برشلونة يوفر من آليات التنمية المشتركة الكثير. وينبغي ألاّ نندهش أو نقلق من هذه النقلة الأوروبية العربية في اتجاه البعد المتوسطي، فهو لا يلغي أحدا بل إنه على العكس من ذلك يجعل من ضفتي البحر الأبيض المتوسط ومما وراءهما، إطارا جغرافيا نحن في حاجة إليه.

وأهداف اتفاقية برشلونة معروفة، وهي الحوار والسلم والازدهار، والتلاقح الاجتماعي، وحماية المحيط، والثقافة والتربية، فكيف لا نوافق عليها؟

ولكن مجرد ذكر تلك الأهداف يجعلنا ندرك مدى ما يتهددها من فشل. والحقيقة أن إدراك ذلك يستدعي نظرة متسامية ووضع اتفاقيات الشراكة في مواضعها، ومعاودة تأمل المسائل في إطار شامل.

فما السلم؟ وما الازدهار؟ وما التلاحم الاجتماعي؟ وما المحيط؟ وما الثقافة والتربية؟ إنها أمنيات زكية ما من أحد فكر في أن يوفر وسائل إنجازها! وفي ذلك ما يشير إلى أن إشكال العولمة مطروح في هذا السياق كما في غيره.

فبلدان البحر الأبيض المتوسط مندمجة في التقسيم العالمي للعمل منذ زمن بعيد، وهي في أغلب الأحيان مندمجة فيه أكثر من البلدان الأخرى، إذا ما قسنا تفتحها بالعلاقة بين التدفقات التجارية والمنتوج الداخلي الخام.

غير أن المنطقة المتوسطية ليست رغم ذلك من فواعل العولمة المؤثرة إذ يعبّر تفتّحها عن تبعيات، أكثر مما يعبّر عن مساهمات وعن تجزئة أكثر مما يعبّر عن تكامل. فثمة اقتصاد أمريكي شمالي قائم الذات، وثمة اقتصاد أوروبي واقتصاد في جنوب شرقي آسيا، ولكن لا يوجد اقتصاد متوسطي ولا من باب أولى وأحرى نظام إنتاج متوسطي.

فلنجرأ على وضع هذه المقالة وهي أن العولمة هي أيضا هذه الحركة التي لم تفتأ منذ القرن السادس عشر تسلب البحر الأبيض المتوسط مكانته، باعتباره "اقتصاد عالم" برمته على نحو ما حدده فرانسوا بروديل F. Braudel لتجعله على هامش تيارات التبادل الأساسية وعلى هامش مراكز الإنتاج الكبرى.

قال أحد علماء الاقتصاد الفرنسيين ذات مرة "ان البحر الأبيض المتوسط يشكو في عالم التبعية المتبادلة تبعية وحيدة الاتجاه" وهو رأي لم يزل صحيحا وبالتالي كانت المسألة الحقيقية هي التالية: كيف نستعيد الاستقلال بإقامة نظام تبعية متبادلة؟

ولبلوغ ذلك ثمة استراتيجيتان ممكنتان: فثمة من ناحية استراتيجية تسعى إلى الاستفادة من انعكاسات النمو الخارجي، الأوروبي منه بالخصوص، لنتحول إلى معالج فرعي لأوروبا وفقا لرؤية على منوال "الدوائر وحيدة المركز" وثمة من ناحية أخرى استراتيجية تسعى على العكس من ذلك إلى بناء ديناميكية تنموية خاصة بالمتوسط.

فالاستراتيجية الأولى تشكل امتدادا لتركة ثقيلة سادت في الخمسين سنة الماضية وهي على وجه الاحتمال نزعة انتحارية حتى لو مكنت بفضل مجهود جبار من تحقيق بعض المنافع في المدى القصير. والاستراتيجية الثانية هي وحدها القادرة على إيجاد أمل في تحقيق نمو يسند ذاته بشكل دائم.

وسيدور الأمر على الامتلاء أو الخواء بحسب إجادة طرح إشكال العولمة أو فساده في مستوى البحر الأبيض المتوسط، ذلك أنّ الوقوف عند طرح الإشكال على نحو إمّي (إما... وإما...) قد يفضي بنا إلى مأزق.

ولا يمكن أن تعتمد السياسة التنموية على الاستثمارات الخارجية المباشرة وحدها حتى ولو كانت تلك الاستثمارات بالطبع صالحة، فتوجيه كل الجهد إلى جلب الاستثمارات من الخارج ويعني ذلك في هذه الحالة، جلب قسط كبير من الادخار الأوروبي نحو الضفة الجنوبية للمتوسط لا يمكن أن يفضي إلا إلى خيبة أمل بحكم أن حركات رؤوس الأموال هذه ستظل هامشية.

وعلى كل حال فإن الاستثمار الخارجي المباشر لا يصنع التنمية. ويكفي دليلا على ذلك أن نتأمل الوضع في مصر وهي أكثر بلدان الجنوب المتوسطي جلبا للاستثمارات الخارجية دون أن يكون لها تأثير حاسم في مجال التنمية الاقتصادية.

والصحيح أن ثمة مفارقة بين الإلحاح الشديد على جلب الاستثمار الخارجي من ناحية وبين استثمار الادخار الوطني لبلدان الجنوب المتوسطي في بلدان الشمال من ناحية أخرى. والحقيقة أن التنمية تبنى أولا انطلاقا من تجنيد الادخار المحلي وأن التنمية تولّد بدورها ادخارها الذاتي.

وجب إذًا مواجهة سياسة الجلب بسياسة أشمل هي سياسة التنمية الذاتية وقد تم التعويل تعويلا مبالغا فيه على الاستثمار الخارجي، وكذلك على التبادل الحر والتجارة حتى ان اتفاقيات الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والبلدان المتوسطية، هدفها الأساسي على المستوى الاقتصادي إنما هو إنشاء منطقة تبادل حرّ.

ذلك هو دون شك عيبها الأساسي لما تقوم عليه من خلط بين الوسائل والأهداف. فالتنمية لا تتحقق بالتجارة وحدها، والمنافسة ليست غاية في حدّ ذاتها، بل إنما تبنى التنمية بنمو الإنتاجية وهما شيئان مختلفان تماما.

إن التفكير (في هذه المسائل) انطلاقا من مفهوم الإنتاجية الشامل لا من مفهوم المنافسة تمشّ واعد بشكل يختلف عن سواه، إذ هو يجعلنا نلمس عديد المسائل الأساسية التي لا شأن لها مباشرة بالتجارة الدولية، مثل الصحة والتربية وجودة النظام البنكي والخدمات العمومية، وبالتهيئة الترابية والنقل، وبالتعمير والسياسة الصناعية.. وذلك يعني أن نفهم إلى أي مدى لا تتعلق المسألة بما هو كمي وحده، بل بما هو كيفي أيضا. وهي لا تقتصر على البعد الاقتصادي ولكنها تشمل أيضا البعدين السياسي والاجتماعي. وقد ضاع ذلك كله في التركيز على التبادل الحر.

لكن ما التبادل الحر؟ وإلى أي مدى يمكن أن نوغل في الانفتاح؟ وإلى أي مدى يجب أن نذهب في تذليل عوائق المنافسة؟ هل يجب إلغاء كل أشكال التدخل السياسي؟ وكل أشكال التقنين؟

وكيف تبدو اتفاقيات برشلونة في ضوء هذه الأسئلة؟ هل تشكل خطوة إلى الأمام أم أنها تشكل خطوة في الاتجاه المجانب؟ إن الحوار الأوروبي المتوسطي الذي بدأ من برشلونة جدير بالتقدير من جهة مقصده ولكنه في الواقع جانَبَ الأمر الأساسي، الذي هو مسار من الوفاق والتعاون، ومسار من التنمية المشتركة بين جميع البلدان المتوسطية. فالأمر الأساسي هو أن تجتمع كل بلدان البحر الأبيض المتوسط لتدرس معا مشاكلها المتعلقة بالأمن الجماعي، وتيار الهجرة، وبالمحيط والماء والأمن الغذائي وبالثقافة والسياحة والبحث العلمي والتعمير والبنى التحتية..

فبرشلونة هي صياغة جديدة للحوار بين الشمال والجنوب ونمط جديد للحوار بين المركز والتخوم، انضاف إليه التبادل الحر، والحال أنه يجب تدقيقا كسر المنطق الاقصائي البشع لحوار الشمال والجنوب كسرا كاملا والخروج من مجرد المنطق التجاري طلبا لمنطق إنتاجي..

وهكذا يكون البحر الأبيض المتوسط في حاجة إلى ظهور "كتلة لاتينية" في صلب الاتحاد الأوروبي لأن بلدان أوروبا لا تنزع بنفس واحد إلى المتوسط، ثم ان التوسع في اتجاه الشرق سيكون مستقبلا، أولوية الاتحاد الأوروبي لعدة سنوات.

وبالتالي فإن مستقبل البحر الأبيض المتوسط متوقف على ما ستقرره كل البلدان المتوسطية مجتمعة أكثر مما هو متوقف على الحوار الأوروبي المتوسطي باعتباره محدود الطموحات بالضرورة فذلك أمر ثانوي بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي ولأن بلدان جنوب المتوسط ليست مهيأة للدخول في الاتحاد الأوروبي على خلاف ما عليه الأمر بالنسبة إلى بلدان الشرق الأوروبي.

إن مستقبل المتوسط متوقف إذًا على انبجاس الاتحاد المتوسطي، ولا ريب في أن هذا الاتحاد المتوسطي لن يبنى بالضبط على غرار أنموذج الاتحاد الأوروبي. ولا ريب أيضا في أنه على هذا الاتحاد أن يولي عناية للتعاون غير الاقتصادي أكثر مما كانت توليه له المجموعة الاقتصادية الأوروبية في السابق.

أما وقد استعادت المحددات الجغرافية السياسية والجغرافية الاقتصادية اليوم حقوقها، واكتشفنا أن التاريخ لم ينته بعد، وبلغت العولمة التجارية أقصى حدودها، وأصبحت أوروبا نفسها تتساءل عن التوازن بين السياسات المشتركة وبين المنافسة وتطرح إشكال الأنموذج الاجتماعي الأوروبي، فإن الفرصة لم تتح من قبل كما أتيحت اليوم لطرح إشكال الأنموذج المتوسطي في الحضارة لنقف على الخطر المحدق لو جعلنا من أوروبا حصنا منقطعا عن أصوله تحاصره غدا بلدان متوسطية تكون قد تحولت إلى "بانتوستانات" معادية.

وما هو اليوم أشد ضرورة وإلحاحا أكثر من أي وقت مضى بالنسبة إلى أوروبا والعالم، إنما هو أن يطرح على الإنسان المتوسطي السؤال الكبير الذي كان طرحه جان مونّي
J. Monnet منذ أكثر من نصف قرن على الإنسان الأوروبي فالشروع في بناء المتوسط لم يكن في يوم ما أشد مما هو عليه اليوم ضرورة وإلحاحا، على غرار ما شُرع منذ أكثر من نصف قرن في البناء الأوروبي.

فلأوروبا والعالم العربي مصالح مشتركة متزايدة منها الرد على العولمة والتنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، ومحاربة الإرهاب، والتحكم في تدفق الهجرة حتى لا نذكر إلا الرهانات السياسية. فهما إذًا مجموعتان على غاية الاختلاف وعليهما الاعتراف بجوار طالما ثقل عليهما.

وبقي عائق:

ليست أوروبا قادرة على أن تؤثر لوحدها تأثيرا حاسما في أوضاع يتوقف عليها رغم ذلك مستقبل شراكتها مع الواجهة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط والعالم العربي في جملته. وبالتالي فإن إحدى العوائق الأساسية القائمة في وجه الشراكة العربية الأوروبية حاليا إنما هي تبعية أوروبا لوضع عالمي لا تتحكم في الجزء الأوفر منه، وعليها أن تعي ذلك.

كما عليها أن تعي أن الطريقة الوحيدة بوجه عام، لمقاومة الإرهاب، المحلي منه والعالمي، إنما هي حرمانه من التربة التي يتمعش منها. ذلك أن العرب والأوروبيين في حاجة لبعضهما البعض ليبقى كل منهما وفيّا لذاته.

وهل لنا ألا نحس بإشارات القدر؟ فقد التأم شملنا أساسا حول هذا البحر المتوسط الذي توارثناه. وتلك إشارة أولى.

وما حدث هو أن هذا البحر كان موضع مولد الحضارة وقمتها، وعلينا نحن أن نجعل منه موضعا نتعلم فيه كيف نجعل العصور الجديدة في خدمة الإنسان. وإنه لرهان كبير.

ولنتذكر دائما ما نبهنا إليه كلود ليفي ستروس Claude Levy-Strauss في قوله: "ان وجود أنموذج ثقافي وحيد خطر جسيم على الجنس البشري وليس يمكن أن تكون الحضارة العالمية إلا ائتلافا على المستوى العالمي لثقافات حفظت كل واحدة منها أصالتها".

_____________________

* ألقيت هذه المداخلة بالفرنسية بالمؤتمر العربي ـ الأوروبي للحوار بين الثقافات الذي عقدته منظمة الالكسو بباريس في 15 ـ 16 جويلية/يوليو 2002.

 

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org