التكنولوجيات الحديثة للاتصال وتجربة التعليم عن بعد
د- حافظ عبد الرّحـيم
كلـّية الآداب والعلوم الإنسانية- صفاقس
المقدمة
في سياق التحوّلات التكنولوجية الكبرى التي صاحبت مسار العولمة اليوم غدا من الشرعي الحديث عن نموذج مجتمعي جديد أطلق عليه اسم مجتمع المعرفة أو مجتمع المعلومات للدلالة على هذه التغيّرات الهيكلية الجذرية والمتسارعة التي مسّت مختلف المؤسسات وأنماط الأداء الاقتصادي والاجتماعي وأسس التبادل لا فقط الاقتصادي بل الاجتماعي في معناه الواسع والشمولي، استنادا إلى معايير جديدة في التقييم والمكافأة. فمثلا تغيّرت قيمة السلعة المنتجة ومعيار الغنى والفقر على مستوى الأفراد كما على مستوى المجتمعات. فالمجتمع الغني هو المجتمع الغني بالمعلومات وبالأفكار الخلاقة والقدرة على التجديد، والعكس بالنسبة للمجتمعات الفقيرة. بحيث يقوم تقابل بين الأمم الغنية بالمعلومات في مقابل الأمم الفقيرة من المعلومات Les info-riches? les info-pauvres . هذه التغيّرات مسّت شتى أنماط العلاقات الاجتماعية وأشكال التواصل والتبادل داخل مختلف مؤسسات المجتمع من عائلة وشارع ودولة وحزب ومدرسة. أي مختلف أشكال التبادل الاجتماعي خلال الحياة اليومية للناس التي تجلـّت مثلا من خلال تبادل الرسائل والأخبار والمعطيات الاقتصادية أو الطبية أو التجارية المعاشية والمضامين الدراسية بحيث أصبحنا نتحدّث اليوم عن التراسل الإلكتروني E-mails والتجارة عن بعد Commerce électronique والتحاور عن بعد E- chatting والطبّ عن بعد ( تشخيصا وعلاجا) Télé-médecine وتبادل المعطيات الطبية عن بعد Banques des données médicales والمنتديات الحوارية والملتقيات عن بعد News-groups والحكومة عن بعد E- governing والتصويت عن بعد E- voting وأخيرا وليس آخرا الدراسة أو التعليم عن بعد E- learning . والذي يهمنا في هذه الورقة هو حضور هذه التكنولوجيات الحديثة في الاتصال داخل مجال التعليم إذ أصبحنا بموجبه نتحدث عن ظاهرة التعليم عن بعد.
I - الإطار المعرفي والتكنولوجي لظهور التعليم عن بعد :
يمثل مجال التعليم من المجالات الاستراتيجية التي راهنت عليها الأمم باعتبارها رهان تنمية وتحديث، دون أن تتردّد في توظيف الوسائل المتاحة في كل عصر ومحاولة الاستفادة منها لتحسين العملية التعليمية كمّا ونوعا، بفضل ظهور تكنولوجيات جديدة قادرة على توصيل المعرفة إلى المتعلّم ذاته أينما كان دون الحاجة إلى أن يذهب إليها.
فبفضل هذه التكنولوجيات أصبح من الميسور نقل المعلومات أو المحاضرات الجامعية أو الندوات الثقافية إلى أماكن مختلفة داخل القرية الكونية، لا بل حتى توصيل الخدمات التعليمية والتدريبية إلى منازل الدارسين أو أماكن عملهم بسرعة فائقة وعلى أكمل وجه، عبر شبكات الاتصالات والأقمار الصناعية التي تطوّق الكرة الأرضية. وتم تسخيرها أيضا في تبادل التعليم الجامعي والبحوث العلمية والتدريب وتجويد التكوين وتبادل المحاضرات والخبرات والمناقشات والمعلومات والآراء والبحوث.
وممّا يجدر ذكره أن التطوّرات التقنية والوسائط التعليمية المختلفة قد تزامنت مع مراحل تقدّم التعليم عن بعد وانتشاره. فقد اعتمد التعليم عن بعد في بداية الأمر على نقل المواد المطبوعة من المعلـّم إلى المتعلـّم باستخدام المراسلات البريدية(التعليم بالمراسلة). وأدّى البث الإذاعي إلى استخدام الراديو في التعليم، ثم توسّع استخدام الأجهزة الصوتية في التعليم من خلال أجهزة التسجيل. ثم ظهر التلفزيون وتلاه الفيديو. ومع شيوع انتشار الأقمار الصناعية سيتم المزج بين الصوت والصورة في العملية التعليمية ثم إن انتشارَ استخدام الحواسيب الشخصية سيفتح بابا واسعا في هذا الاتجاه. فمع تقدّم الإلكترونيات والمعلوماتية غدا بالإمكان إقامة شبكات اتصال، عبر الجمع بين الحواسيب الشخصية وشبكة الاتصالات الهاتفية الذي أعطانا الانترنت ثم البريد الإلكتروني والفصول الإلكترونية وقواعد البيانات والمكتبات الإلكترونية والأقراص المدمجة التفاعلية والمؤتمرات المرئية... التي تمّ تسخيرها جميعا في مسار التعلـّم الذاتي. إضافة إلى كل ذلك فإن شبكات الاتصالات والمعلومات تساعد على خلق بيئة تربوية تلتقي فيها المعاهد الجامعية ومراكز البحث من الأقطار كافة وتوجِـدُ بينها نوعا من التعاون العلمي والتربوي، حيث أنها تبث المواد التعليمية والبحوث المعَـدّة من قبل أفضل الأساتذة والعلماء والمختصّين، وتساعد كذلك على تبادل المعلومات بينهم داخل عالم شهد تغيّرات هيكلية كبرى معرفيا، اقتصاديا، ثقافيا، ديمغرافيا وسياسيا... وهو ما جعل من الضروري إرساء سياسة تعليمية جديدة تستجيب لروح العصر ومتطلباته المتواترة، عبر استغلال الإمكانيات الواسعة التي تقدّمها التكنولوجيا المتقدمة، لتسهيل التواصل والحصول على المعلومات من أي مصدر وفي أي وقت.
ونرى لزاما هنا أن نبرز مفهوم المجال السيبرني كأحد أهم الخطوات المنجزة في مجال هذه الثورة الجديدة. إنه ذلك الفضاء الافتراضي الذي كان استعمله الكاتب الأمريكي William GIBSON في روايات الخيال العلمي سنة1984 ضمن روايته Neuromancer أين وصف واقعا افتراضيا لشبكة ترتبط بأطرافها مجموعة من الحواسيب عبر نظام على درجة من التعقيد تتجاوز حدود التصوّر البشري. ومع تطوّر الإعلامية وتطبيقاتها سوف يترعرع هذا المصطلح ليطلق على الشكل الجديد لتنظيم شبكة الأنترنت والشبكة العنكبوتية العالمية World Wide Web والشبكات الحاسوبية الوطنية والمحلية ونظم النشرات الحاسوبية التي تسمح جميعا بتجاوز عوائق الزّمان والمكان والإنسان في تداول المعلومات. إلا أن أهمّ خاصية تميّز الفضاء الحاسوبي هي أن وجوده افتراضيّ تتجاوز مقوّمات ُ ه وتصوّراتُه للزمان والمكان المقوّماتِ والتصوّراتِ الفيزيقيةَ التي ندركها في الواقع الفيزيائي التقليدي. ومن خصائصه أيضا أنّه مجال للنقاش والانفتاح والشفافية والحرّية والتنوّع والمرونة والتعايش بين الثقافات والتفاعل. وتعدّ شبكة الأنترنات، داخل هذا المجال السيبرني، الأداة المحورية التي تسمح بإعطاء الصبغة الكونية لهذا المجال الافتراضي، نظرا لامتدادها وانتشارها الهائليْن، إذ يقدّر عدد روّادها مثلا سنة 2004 بــ800 مليون مرتاد( ). ويعرّفها نبيل علي بأنّها » تلك الغابة الكثيفة من مراكز تبادل المعلومات التي تختزن وتستقبل وتبثّ جميع أنواع المعلومات في شتى ميادين المعرفة وفي جوانب الحياة كافة، من قضايا الفلسفة وأمور العقيدة إلى أحداث الرّياضة ومعاملات التجارة ومن مؤسسات غزو الفضاء وصناعة السلاح إلى معارض الفنّ ونوادي تذوّق الموسيقى زمن الهندسة الوراثية إلى الحرف اليدوية ومن البريد الإلكتروني إلى البثّ الإعلامي، ومن المؤتمرات العلمية إلى مقاهي الدردشة وحلقات السّمر عن بعد ومن صفقات بورصة نيويورك إلى مآسي المجاعات والأوبئة في أرجاء القارّة السوداء « ( ) ، بحيث تنساب المعلومات في سيولة عبر مسالك متشعّبة ضمن نسيج رمزي لا نعرف له بداية من نهاية، على اعتبار أنّ شبكة الشبكات هذه ليس لها مركز عصبي Centre névralgique محدّد.
وبالنتيجة فإن الثورة المعلوماتية، في عالمنا المعاصر، قد مسّت شتى مناشط الحياة للفرد كما للمجموعة فعلا وإنجازا فكرا وعرفانا، خاصة وأن الإنجازات التكنولوجية في هذا المضمار لم تتوقـّـفْ عند حدّ. فالتقنيات الحديثة في المعلومات والاتصالات N.T.I.C قد شهدت تحوّلات سريعة ومتوالية تولـّدت اللاحقة منها عن السابقة أو تكاملت معها لخلق واسطة جديدة في الاتصال. فالتلفزيون مثلا جاء لاحقا ومطوّرا للراديو. وأكثر من ذلك فإن تزاوجا ثلاثي الأطراف بين الإعلامية والاتصالات الهاتفية والسمعيات البصريات قد شرّع للحديث عما يسمّى اليوم بالميلتوميديا أو الوسائط المتعدّدة، والتي مثلت ثورة لا فقط تكنولوجية بل وأيضا معرفية مجتمعية غيّرت نمط علاقتنا بالزّمان والمكان وحتى بالإنسان. أما حينما تمّت المزاوجة بين شبكات الاتصال الهاتفية وبين الوسائل الإعلامية وأساسا الحواسيب الشخصية فقد حصلنا على الإنترنت كأداة يسّرت تبادل المعلومات وتداولها بكمّيات تكاد تكون خيالية، خاصة إثر الثورة الرقمية. فرقمنة المعلومات La numérisation des données ( * ) قد حقـّق سيولة غير مسبوقة في كمية المعلومات المتداولة. هذه السيولة مرشحة للتضاعف ألف مرّة في الثانية مستقبلا على اعتبار أنه يجرى اقتراح استبدال الخيط المؤلف من ألياف نحاسية مستقبلا بخيط مؤلف من ألياف بصرية Fibre optique وذاك ما سيسمح مستقبلا بمضاعفة سيولة كمية المعلومات المتبادلة بألف مرّة في الثانية. (طاقة التحمّل عند النقل لدى الألياف البصرية = 1 مليار إشارة ضوئية/ الثانية = 1 جيقابيت/ الثانية = 30 ألف صفحة مكتوبة = 100 ألف مكالمة هاتفية / الثانية). وإزاء هذه الامكانيات الواعدة في تداول المعلومات بكمّيات هائلة يمكن أن تجرّ إلى تداخل وازدحام وعرقلة سير خلال مسارات التبادل، لذا تمّ اقتراح إحداث طرق سيّارة Auto-routes للمعلومات تقوم على نفس التصوّر للطرق السيّارة لوسائل النقل العادية، من أجل مزيد السيطرة على المسافة والزّمن والتكلفة، خاصة إذا ما كانت المعلومات المتداولة على شكل صُوَرٍ حيّة تتطلـّب كمية أكبر من الإشارات الضوئية ومن المساحة المستعملة على الشبكة.
هذه الثورة الثورات المتتالية لتكنولوجيات الاتصال سوف تمَسّ شتى حقول التبادل لا فقط التكنولوجي والعلمي البحت بل حتى أشكال ومستويات ومضامين الاجتماعي كما ذكرنا آنفا. والتي جرّت إلى الحديث سوسيولوجيا عن نموذج مجتمعي جديد أُطْـلِـقَ عليه اسم مجتمع المعرفة أو مجتمع المعلومات. هذا إلى جانب بروز قطاعات ومناشط جديدة من صناعة البرمجيات والاتصالات والإلكترونيات وصناعة الأفكار عامة التي تسارع نسق نموّها جميعا فأصبحنا نتحدّث عن "الاقتصاد الجديد" أو ما يسمى "اقتصاد المعرفة" وتغيّر بالتالي معيار الغنى والفقر على مستوى الأفراد كما على مستوى المجتمعات. والأمر ينطبق على شتى القطاعات الاجتماعية والثقافية كالتعليم والإعلام والإسكان والخدمات والعناية الصحّية وحفظ التراث الثقافي والمجالات الثقافية والفكرية المختلفة. والأمر نفسه بالنسبة للأداء الإداري والحكومي بإدخال أحدث التطبيقات التكنولوجية إلى مجال خدمة المواطن ونمط علاقته بالحكومة محلـّيا ووطنيا وإقليميا وعالميا فأصبحت الخدمات معولمة، خاصة مع سيطرة اقتصاد السوق على كامل الكرة الأرضية وانسياب المعلومات وسهولة تداولها.
ما يهمّنا اليوم هو التعليم عن بعد. فما المقصود بهذا النمط التعليمي؟ وما هي خصائصه المميّزة مقارنة بالتعليم الحضوري؟ وما هي جدواه البيداغوجية والاقتصادية والاجتماعية؟ وما هي حدود هذه التجربة في ظل واقع الفجوة الرقمية التي يقوم عليها التوزيع العالمي للاتصال والمعلومات.
II - التعليم عن بعد والتعليم الحضوري :
لم تتردّد الأمم إذن في توظيف الوسائل المتاحة في كل عصر ومحاولة الاستفادة منها، لتحسين العملية التعليمية كما ونوعا. وهو ما يثبته مسار التطوّر التكنولوجي عامة وتكنولوجيات الاتصال خاصة. فتقنيات الوراقة والكتابة ثم الطباعة في مختلف مراحلها مثلت العمود الفقري لانتشار التعليم في أرجاء المعمورة منذ التاريخ القديم. كما أن تطوّر فنّ الترسّل وفعالية الوسائط المعتمدة فيه سيسخَّـر في خدمة التعليم. وكذا ظهور الهاتف والرّاديو ثم التلفزة والأقمار الصناعية سيمثل ثورة جديدة في مجال التعليم، لتتحوّل به من نمط تعليمي نخبوي إلى نمط تعليمي جماهيري. لكن ظهور الإعلامية والنجاح في مزاوجتها، كما رأينا آنفا، مع عالم الاتصالات الإلكترونية والوسائل السمعية البصرية سيمثل فعلا محطة جديدة كادت تقتصر على أن تكون من قبيل الخيال العلمي في أذهان العديد وتصوّراتهم. ولم تكن لتصبح كذلك إلا في سياق تحوّلات عالمية مسّت شتى مجالات الفعل الإنساني والتفكير البشري.
ولئن تعددت تعريفات التعليم عن بعد وتنوعت( * ) فإنه يمكن التسليم بأنه نظام تعليمي واسع يمسّ مختلف الشرائح الاجتماعية، أينما كانت. ولا يخضع لإشراف مستمرّ وحضوري من قبل المُعَلِـّـمِ، على اعتبار حالة الانفصال شبه الدائم بين المُعَلِـّـمِ والمُـتَـعَلِـّـمِ، مع إيجاد تواصل ثنائي متبادَل(حوار) بينهما عبر وسائط متعدّدة بما فيها الكلمة المطبوعة والوسائط التعليمية المسموعة والمرئية... كما أنه نظام لا يتقيّد بوقت ولا بفئة من المتعلمين ولا يقتصر على مستوى أو نوع من التعليم، فهو يتناسب وطبيعة وحاجات المجتمع وأفراده وطموحاتهم وتطوير مِهَنِهِمْ. وفلسفته الأساسية هي تحويل التعليم إلى تعلّم. وبالتالي التركيز على المُـتَـعَلِـّـمِ والعمليّة التعلـّمية الذاتية لأن المتعلّم شأنه شأن الآكل لا تتمّ العملية التي ينجزها إلا بجهده الذاتي ونشاطه في هضم المعلومات وفقا لحاجاته الذاتية ومراعاة لظروفه وبرامجه الذاتية وبسرعته في اكتساب المعلومات والمهارات العقلية والحركية والقيم والاتجاهات. وتعرّف منظمة اليونسكو العالمية (2002) هذا النظام التعليمي بأنه تلك » العدّة dispositif المعتمدة في التكوين والتي في إطارها تتمّ العملية التعليمية، إن جزئيا أو كليا، بين مكوِّن تفصله عن المتعلم مسافة مكانية و/أو زمانية، على الهيئة التي تجعل عملية التواصل سواء في شموليتها أو بالاقتصار على الأهمّ من أجزائها، بين الأستاذ والطالب بشكل غير مباشر عبر واسطة اصطناعية مطبوعة كانت أو إلكترونية أو رقمية « ( )
يمكن القول إذن أن أهم العناصر المؤلـّفة لنظام التعليم عن بعد هي:
الفصل بين المُعَلِـّـمِ والمُـتَـعَلِـّـم.
استخدام الوسائط التقنية لمدّ جسر التواصل بين المُعَلِـّـمِ والمُـتَـعَلِـّـم .
التعليم عن بعد هو تعليم تفريدي، المبادرة فيه للمتعلـّم ذاته، وهو الذي يختار خطوه الذاتي Self- pacing طبقا لإمكانياته ورغباته الخاصة .
فأهمّية التعليم عن بعد تتجلـّى على مستويات عدّة، سواء بالنسبة للمتعلـّم نفسه أو بالنسبة لأرباب العمل أو للحكومات. إذ الطالب بإمكانه، في إطار هذا النظام، أن يتحرّر من قيود الزّمان والمكان، فيتمتع بفرص أوسع للتعلـّم. وهي فرص تبدو أكثر مرونة. هذا إلى جانب ضمان نوعية أفضل للتعلم وطرق متعدّدة للتواصل بين المُعَلِـّـمِ والمُـتَـعَلِـّـمِ. أما أرباب العمل فإنه يغدو بإمكانهم، بفضل التعليم عن بعد، أن يجوّدوا تكوينهم وتكوين منظوريهم، بحيث تتطوّر المهارات وتزيد الإنتاجية وتتغيّر علاقة الجميع بالمعرفة وتقاليد التعلـّم. كما تغدو المعرفة موضوع تبادل اقتصادي، لا بل حتى مضمون صناعة (صناعة المعرفة The knowledge industry ). كما يسمح نظام التعليم عن بعد للحكومات بأن تزيد من قدرات نُظُمِها التعليمية على الوصول إلى تلك الفئات التي لم يصلها التعليم التقليدي، سواء لأسباب جغرافية أو اجتماعية أو فنية أو بيداغوجية... إضافة إلى أنه نظام تعليمي يسمح بتجويد التكوين وملاءمته لمتطلبات الواقع وخصوصياته. إلى جانب تعزيز الجودة والملاءمة في البنى التعليمية القائمة وزيادة فعاليتها والتخفيض من الكلفة وتشجيع التجديد.
III - الجدوى الاجتماعية والاقتصادية والبيداغوجية للتعليم عن بعد :
لقد ركّز الكثيرون على الجدوى التي يمكن أن يحققها التعليم عن بعد سواء بالنسبة للفرد المتعلّم أو بالنسبة للمجتمع ككلّ، وذلك في شتى مستويات البناء الاجتماعي. ونحن، وإن كنا نقرّ بتداخل هذه المستويات وصعوبة الفصل بينها، فإننا سنعمد إلى تعدادها بعد تصنيفها، وذلك لغايات إجرائية ومنهجية بحتة، طبقا لمسوّغاتها، من مسوّغات جغرافية وأخرى اجتماعية وثالثة اقتصادية وخاصة المسوّغات البيداغوجية.
المسوّغات الجغرافية : هي التي يتمثل أهمّها في:
بُعْدِ المسافات الفاصلة، أو صعوبة التضاريس بين مكان الإقامة وفضاء التعلـّم، بشكل قد يحرم العديد من حق التعلم أو يسبّب لهم متاعب ونفقات في الالتحاق بالتعليم، ويضطرّ العديد إلى الانقطاع وعدم المواصلة.
عدمِ استقرار بعض السكان في مناطق معيّنة لأسباب اجتماعية أو مهنية أو اقتصادية بشكل لا يساعد على الالتحاق بنفس المؤسسة التعليمية.
المسوّغات الاجتماعية : هي التي يتمثل أهمها في:
التوجّه بالتعليم إلى مختلف فئات المجتمع وشرائحه دون إقصاء، من ذلك مثلا الفئات النسوية لا سيّما في الدول النامية، أين تحرم المرأة من حقها في المساواة. وهو حرمان متعدّد الأسباب وذلك نظرا لضعف قدرة التعليم العالي التقليدي على استيعابها. فعلى المستوى العربي مثلا تشير الإحصائيات إلى وجود ما يناهز 6 ملايين شابّ وشابة كانوا مؤهّلين سنة 2000 لولوج الجامعة، لكن الواقع أثبت أن نسبة لا يستهان بها اضطرّت للانقطاع لأسباب متنوّعة.
توفير فرص التعلـّم وتجويد التكوين والحصول على مزيد الشهائد للبعض مِمّنْ حرموا منها سابقا، سواء لأسباب اقتصادية أو صحية(الإعاقة، المرض) أو اجتماعية أو حتى سياسية وأمنية(السجن، الحرب). أو توفير فرص التدارك للذين حرموا من التعليم أصلا وبلغوا سنّا متقدّمة، عبر توفير برامج خصوصية، بهدف تجويد الوعي الاجتماعي والحضاري.
توفير فرص واسعة لمختلف شعوب العالم للتحاور والتبادل والتثاقف، بشكل يدعم أكثر فرص التعاون والسلام بينها.
المسوّغات الاقتصادية : هي التي يتمثل أهمها في:
ارتفاع كلفة التعليم الحضوري خاصة مع الارتفاع المتنامي لعدد الطلبة بكل ما يحتاجه ذلك من إنفاقات ومصاريف متزايدة تقتطع من ميزانية الإنفاقات الأخرى، أي أنها تكون على حساب احتياجات أخرى. والأقرب أن يكون التعليم عن بعد طريقة للتخلص من أعباء مصاريف جانبية تتعلق بالبنية الأساسية والتجهيزات والنقل والمأكل...
الحاجة إلى تجويد التكوين، وبالتالي تحسين الجودة في مخرجات التعليم، بشكل ينعكس على جودة الإنتاج، ويرفع بالنتيجة من الكفاءات التنافسية للمؤسسة الاقتصادية القائمة، في ظل واقع معولم بلغت فيه المنافسة أشدّها، حيث البقاء فيه للأكفإ.
الحاجة إلى مزيد من التوازن بين مدّخلات Input العملية التعليمية ومُخْرجاتها Output سواء من حيث كمّ هذه المدخلات أو مخرجاتها أو من حيث كيْفُـها، أي جودة النوعية. بحيث تكون الإنفاقات والاستثمارات الموجّهة لهذا القطاع متماشية مع مردوديته.
ث- المسوّغات النفسية البيداغوجية : هي التي يتمثل أهمّها في:
مراعاة الفوارق الفردية بين المتعلّمين، بحكم أن هذا النظام التعليمي يرتكز على مبدإ التعلـّم الذاتي والخطو الذاتي.
تنمية القدرة على الإنجاز الذاتي والاكتشاف الذاتي للإمكانيات الكامنة لدى المتعلم بغية تفجيرها، على اعتبار تركيزه على المبادرة الفردية والاختيار الذاتي.
الأخذ بعين الاعتبار رغبة المتعلم في اختيار التخصّص بالنظر إلى إمكانياته وإلى رغباته الشخصيّة في آن واحد، بما يساهم في إعادة الثقة للمتعلم الذي فشل في تجربة سابقة، بغضّ النظر عن المهنة والعمر والجنس.
التركيز في الجانب البيداغوجي على طبيعة مسار التعلّم ومبادئ اكتساب المعلومة وترسّخها في ذهن المتعلّم، من منطلق خصائص:
الإتاحية Accessibilité : الذي مفاده أن فرص الالتحاق بالتعليم العالي متوافرة للجميع بعد التغلب على الحواجز الزمانية والمكانية والموضوعية.
المرونة Flexibilité : والذي مفاده أن مضمون التكوين وطرقه قابلة للمراجعة والتحكم والتغيير طبقا لمقتضيات الحال دون تصلب.
اختيار أنظمة التوصيل choix de système de délivrance : حيث بإمكان الطالب اختيار الواسطة التي يراها مناسبة له وضعا و زمانا ومكانا، من أجل توصيل المعلومات(أنترنات، مراسلة إلكترونية، محاضرات مرئية تفاعلية، الهوائيات...)، على اعتبار أنّ المتعلمين لا يتطابقون بيداغوجيا في مستوى طرق وأساليب التعلّم .
الاعتمادية Accréditation : بمعنى أن الطالب يعتمد على نفسه في اختيار البرامج الدراسية والدرجات التعليمية التي تتناسب وأهدافه ومؤهلاته...
أنّ المادة التعليمية والمضامين التي يتمّ تقديمها فريدة من حيث تنظيمها وعرضُها وقابليّـتُـها للاستثمار على أوجه عدّة من قبل المتعلم نفسه، بما يساعده على التعلم الذاتي واكتساب الخبرات النظرية وأيضا حتى العملية، فتحفزه على التفاعل الخلاق والتعلق بالبحث والتفكير، مع ما تقدّمه من مفاهيم وحقائق ونظريات ومهارات وقيم واتجاهات متنوّعة.
أن المضامين المقدّمة تكتب بأسلوب حواري نشيط متسلسل منهجيا ومختصر كميا وكثيف نوعيا ومدعّم بكل الأدوات البيانية الساندة، التي تساعد بيداغوجيا على تقديم الفكرة وترسيخها في ذهن المتعلم وتكرارها عند الحاجة.
أن هذه المضامين المقدّمة تردف آليا بالاختبارات اللازمة للتقييم الذاتي، بشكل يسمح للطالب بأن يقيّم نفسَه بنفسِه، مرجِعُه في ذلك الحلولُ المقدمة للمسائل المقترحة للاختبار.
إمكانية إجراء التجارب التوضيحية في المختبرات الافتراضية وتنفيذها داخل المجالات السيبرنية، وتكرار المحاولات إلى حدّ اكتساب الخبرات الكافية قيل دخول الحياة العملية، وحتى تنفيذ المشروعات التطويرية (مثالها في التطبيب عن بعد télé médecine ).
إمكانية المتابعة العينية للأنشطة والتجارب التي يمارسها الخبراء مع إمكانية المشاركة فيها، خاصة بفضل التكامل بين الوسائط التقنية المتعدّدة المستعملة في الدرس(الأنترنات+ المؤتمرات المرئية+ برامج الأقمار الصناعية+ التراسل الإلكتروني....).
إمكانية المشاركة داخل القسم الافتراضي ودخول مراكز المعلومات وبنوك المعطيات والمكتبات الإلكترونية وقواعد البيانات والحلقات الدراسية، التي تعقد بين المعلـّم والمتعلـّم واللقاءات الأكاديمية لشرح ما استعصى من نقاط في الدرس. بما يخلق تفاعلا بنّاء بين الطرفيْن دون اعتبار للحدود الجغرافية أو السياسية أو الزمانية. فالعديد من هذه الوسائل الإلكترونية المعتمدة غدا لاتزامنيا Asynchronique بمعنى أنها قادرة على تخزين المضامين الدراسية على ذمة مستعملها إلى أن يصبح مستعدّا لقراءتها.
إن هذا الانتشار الواسع، خلال سنوات قليلة، لنمط التعليم عن بعد ولما يسمى بالبيداغوجيا الرقمية يدفعنا، من زاوية سوسيولوجية، إلى طرح أسئلة هامة حول هذه الظاهرة التجديدية التي تجلب فعلا انتباه الجميع، ما بين معجب إلى حدّ الانبهار وبين محترز إلى حدّ الرفض. هذه الأسئلة تبدو متنوعة بتنوّع زوايا النظر، إذ منها التقني المتعلق بالجوانب الفنية والتنفيذية، ومنها البيداغوجي المتعلق بجودة التكوين والجدوى العملية لهذا الاختيار، كما منها الاقتصادي المتعلق بالمردودية وفائض القيمة، ما بين مُدْخَلات Input العملية التعلمية ومُخْرَجَاتها Output ، ومنها أيضا السوسيولوجي المتعلق بكل المستويات السابقة متفاعلة، وتأثيرها على النسق المجتمعي ككلّ وأنماط اشتغاله. فهل أن التعلـّم عن بعد سيساهم في تجويد تكوين المتعلمين؟ وبالتالي هل سيساهم في تحسين المردود الداخلي للمنظومة التعليمية، كما المردود الخارجي لها، عبر توفير تشغيلية أكبر لحاملي الشهادات؟ وهل سيسمح هذا النظام التعليمي بالتخفيض في تكاليف التكوين؟ ثم هل أن هذا النظام التعليمي قادر على أن يحلّ كليا محل التعليم الحضوري، بحيث ننتقل فعليا إلى ما يسمّى بالفاعل الشبكة Acteur-réseau أم أن الفاعل الاجتماعي يبقى أصلا في بناء العلاقات الاجتماعية التبادلية، وليس الفاعل الشبكة سوى حالة استثنائية داخل النمط العلائقي للمجتمع؟
ليس مطروحا على هذه الورقة المحدودة تناول كل هذه القضايا، فذلك مما يتجاوز حدود إمكانياتها. لكنها فقط تكتفي بملامسة ما بدا أنه الأهمّ، بالتركيز على التجربة التونسية في التعليم عن بعد. و من زاوية سوسيولوجية تنطلق هذه الورقة من اعتبار الجامعة التونسية مؤسسة اجتماعية لا تشتغل بمعزل عن احتياجات وطموحات المجتمع ككلّ وما يواجهه هذا الأخير من صعوبات، بل هي من عمقه، لذا لا بدّ من إدراك المبرّرات والدواعي الاجتماعية لاعتماد التعليم عن بعد .
كما تؤكد السوسيولوجيا أن عملية التعلم عن بعد لا يمكن أن تتمّ بمعزل عن النظام القيمي للمجتمع والتصوّرات السائدة داخله، وعن دور العائلة في تكوين شخصية الأبناء، بحثا عن النموّ المنتظم والمستقل، الذي يحقق للفرد الثقة بالنفس والكفاءة الاجتماعية، بهدف تنمية الكفاءات والمهارات في اتخاذ القرار وطرق التفكير والمساءلة والاكتشاف والمبادرة.
IV - التجربة التونسية في التعليم عن بعد :
لقد عرفت الجامعة التونسية خلال الثلاثين سنة المنقضية إقبالا اجتماعيا غير مسبوق إذ نجد أن شابا من بين أربعة من الفئة العمرية 19-24 سنة مسجّل بالجامعة (ما نسبته 25 % ) وهذا الإقبال مرشح للتضاعف إلى حدود سنة 2010 ليدرك ما نسبته 49 % من هذه الفئة الشبابية (شاب من اثنيْن). وبناء عليه يغدو مطروحا على الجامعة التونسية اليوم، باعتبارها مؤسسة رائدة، إلى جانب أدوارها التقليدية المألوفة في التكوين وتنمية البحث العلمي ونقل المعارف للجميع، أن ترصد التحولات الجارية وتكوين موارد بشرية كفأة وقادرة على الاستجابة للاحتياجات المتجدّدة لسوق الشغل واقتراح الحلول العملية لصعوبات السوق، هذا إلى جانب تكوين مواطنين قادرين على العيش ضمن مجتمع المعلومات. بمعنى أن هذه الجامعة اليوم تجد نفسها في مواجهة رهانيْن كبيريْن أحدهما كمّي والآخر كيفي. وذلك عبر تكوين ما يسمّى سوسيولوجيا برأسلمال المعرفي، الذي يكون مشتركا، بغية التفاعل البنّاء مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية الراهنة وتوليد المعرفة وإثراء البحث العلمي، عبر التعلم الذاتي في تحصيل المعرفة.
لكلّ هذا تمّ بعث الجامعة الافتراضية في تونس سنة 2002 التي تضم ما يناهز 30 ألف طالب ومتعلم( * ). وهي خليط من نمطيْن. فلقد جرى تكليفها بالجمع بين مضامين تعليمية مرقمنة تتعلق ببعض وحدات يتمّ إرسالها عن بعد أو على أقراص مدمجة تتكامل جميعها مع مضامين تقليدية.
هناك تجربة التعليم عن بعد في إطار وحدتين فقط داخل المعاهد العليا التكنولوجية والتي تمّت بالتعاون بين الجامعة الافتراضية بتونس والوكالة الجامعية الفرنكوفونية وجامعة لويس باستور بسترازبورغ فرنسا بعد تكوين ما يزيد عن الخمسين مدرّسا. كذلك تجربة تدريس مادة الطبّ الشرعي بكلية الطبّ بجامعة المنستير. كما قامت كلية الطب بتونس ببعث "وحدة للميلتوميديا" بغرض التفكير في إنتاج المضامين التعلمية التي تعتمد الأساليب البيداغوجية المناسبة.
ويتمثل الهدف في تونس إلى حدود سنة 2006 في أن يتمّ التوصّل إلى تدريس 20 % من المضامين الدراسية عن بعد. كما يتمّ التفكير في التعويل بشكل كبير على الجامعة الافتراضية لمجابهة التزايد في عدد الطلبة الذي سيتضاعف من 260000 طالب إلى 500000 إلى حدود سنة 2010.
ومن الشروط الأساسية التي تسمح بنشر نمط التعليم عن بعد هي تسهيل اعتماد الأنترنات واسطة في التواصل بين مختلف الأطراف في إطار العملية التعلمية، إلى جانب ضرورة اكتساب الثقافة الرقمية التي تسمح بإجادة استعمال هذه التقنيات وحسن توظيفها. فعلى سبيل المثال فقط توجد في تونس تقديرات استنادا إلى نتائج بحث ميداني حول تجربة الجامعة الافتراضية والتعليم عن بعد تقول بأن 15 % من الأساتذة أفراد العينة مقتنعون بضرورة التعليم عن بعد ، وأن35 % من المجموعة نفسها يؤكّدون أنه غدا من واجبهم ولوج هذه التجربة. أما 50 % من الأساتذة فيرون أنه يجب انتظار التقاعد ليتمّ الحديث عنها لخلفهم... كما أن أثمان الكمبيوترات الشخصية مدعوّة للانخفاض، إلى جانب ضرورة انخفاض تكاليف الارتباط بالشبكة، مقابل ارتفاع عدد المستعملين. فلقد بلغت نسبة الارتباط بالشبكة بتونس7 % مقابل 1 % بالنسبة للقارّة الأفريقية، في مقابل أن هذه النسبة ترتفع في القارة الأوروبية لتصل إلى 45 % . لكن الطموح في هذا المضمار يرمي إلى الانتقال من 500 ألف مستعمل سنة 2002 إلى 30 مليون مستعمل في 2006.
وإذا كانت السوسيولوجيا عامة تدعونا إلى ملاحظة الظاهرة موضوع الدراسة وإدراك خصوصياتها المميّزة، فإن واقع الحال يفصح على أن الجامعة الافتراضية في تونس اليوم تسعى إلى إرساء هذا الخيار التعليمي عبر توفير التجهيزات داخل مختلف مؤسسات التعليم العالي ثم الثانوي والابتدائي، من أجل تبليغ المحتويات الدراسية لمختلف الفئات المتعلمة. إلا أن إدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال داخل العملية التعلمية لا يقتصر على توفير التجهيزات (حاسوب لكل قسم في 2009 بعد أن كان 0.28 حاسوب لكل قسم) والربط بالشبكة (ربط كل مؤسسات التعليم العالي والمعاهد الثانوية والمدارس الابتدائية في 2009) بل إنه جهد يسعى، في الآن نفسه، إلى تأهيل العنصر البشري وتطوير المحتويات التعليمية وصناعة المحتوى (دروس مختلفة لمستويات متنوعة من فرنسية وأنقليزية وفيزياء وعلوم طبيعية للباكالوريا، إلى فرنسية وأنقليزية وتربية تقنية للإعداديات وفرنسية وتصرّف وطبّ في التعليم العالي ، إدخال مادة الإعلامية وتقنيات التعليم في مستوى المرحلة الثالثة ) وتطوير الخدمات(التسجيل عن بعد، الإعلان عن النتائج عن بعد، بعض الخدمات الجامعية المجانبة عن بعد) إلى جانب نشر الثقافة الرقمية. كما أن قطاع تكنولوجيات المعلومات والاتصال يبدو واعدا في تونس إذ خلال الخمس سنوات القادمة مثلا سيكون هناك 50 ألف متخرّج أي بمعدّل 10 آلاف متخرّج كل سنة في القطاع والذين سيمثلون رأسمال بشري ومعرفي هامّ يمكن أن يفتح آفاقا في إرساء ثقافة معلوماتية رقمية جديدة وحسن توظيفها.
لكن تقديمنا على هذه الصورة لتجربة التعليم عن بعد لا يجب أن يرسّخها في أذهاننا على أنها تلك "الجنة الموعودة" الحمّالة للمفتاح السحري لمشاكل التعليم، بل على العكس فإن حدودها متأكدة سواء على المستوى البيداغوجي أو المستوى الثقافي الحضاري. يكفى أن نذكّر أن التعليم عن بعد هو مجال تتأكد من خلاله مسألة الفجوة الرقمية داخل مجتمع المعلومات.
V - الفجوة الرقمية وحدود تجربة التعليم عن بعد:
إذن رغم الإمكانيات الهائلة التي يوفّرها نظام التعليم عن بعد، بكل ما يحققه من جدوى بيداغوجية واقتصادية وحتى حضارية، ورغم ما يمكن أن تلعبه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من دور حاسم في دفع هذه التجربة إلى أقصاها، خاصة بفضل المنجزات التقنية التي كادت تفوق الخيال في هذا المضمار، فإنها ليست تلك "الجنة الموعودة" ولا يمكن أن تكون كذلك. بل لابدّ من تبيّن حدودها كتجربة إنسانية تواجه صعوبات ومعوقات تحول دون انتشارها واستعمالها على المدى الأوسع. من هذه الصعوبات ما هو مشترك بين دول العالم ومنها ما يتعلق بالتجربة التونسية.
فمن بين الصعوبات التي تواجهها التجربة التونسية مثلا أن الأجهزة المعتمدة غير كافية كمّيا، وتنقصها القدرات الانجازية Performance على المستوى النوعي. إضافة إلى أن طاقة الضخّ Débit ما تزال دون المطلوب( * ).مع التأكيد على أن نسق التغيّر والتجديد في الأجهزة التكنولوجية يبدو صعب المسايرة من قبل جمهور المتعلمين(فامتلاك حاسوب شخصي وربطه بخط هاتفي ما يزال يمثل إشكالا ماديا بالنسبة للطالب العادي من الفئات المتوسطة الدخل). يضاف إلى ذلك ما تواجهه الثقافة الرقمية من عراقيل سوسيوثقافية تدفع المتعلم ومحيطه الاجتماعي إلى تفضيل المقاربة التقليدية، استنادا إلى ما نسميه في علم الاجتماع بالحس المشترك Sens commun . فلقد بيّنت نتائج بحث ميداني عبر الملاحظة بالمشاركة أنه يصعب على وليّ أن يقبل لمنظوره الناجح بامتياز في الباكالوريا أن يتابع دراسته افتراضيا بواسطة الأنترنات، حتى وإن كان يعلم أن دراسته سوف تتوّج بديبلوم رسمي. كما تظهر صعوبة بيداغوجية تتمثل في أن إنتاج الدروس يجب أن يتماشى في الآن نفسه مع نمط التعليم عن بعد كما مع النمط الحضوري المتداول. كذلك فإن التعليم عن بعد يتطلب إجادة استعمال تقنيات الاتصال من قبل الهيئة الأكاديمية، كما من قبل المتعلـّمين ضمانا لحسن التفاعل بينهما وذاك ما لا يتوفر في كل الأحوال ومطلقا. إضافة إلى ذلك فإنّ البرامج والوسائط الإلكترونية ذات تكلفة إنتاج عالية وليست في متناول كثير من الدارسين.
أما أهم الصعوبات الخارجية فتتمثل في أن التبادل للمعلومات يتم بشكل غير متكافئ وفي اتجاه واحد، من مجتمعات لها فائض في المعلومات إلى أخرى لها ندرة في المعلومات. كما تبيّنت سوسيولوجيا الاتصال صعوبة حصول عملية اتصالية معولمة وشفافة ومحايدة في المطلق ودون مضاعفات، رغم قوّة التقنيات المعتمدة. إنها عملية عامة ما تكون ذات اتجاه واحد وتخفي رهانات مضمرة، منها المتعلق بالباث والمتلقي وطبيعة العلاقة بينهما، ومنها المتعلق بالمضامين المراد بثها... يضاف إلى كلّ ذلك معضلة ما يسمّى بالفجوة الرقمية التي يشهدها العالم، والتي تحدّ عمليا من حظوظ ونجاعة هذا النمط التعليمي، وتضيّق من مجالات تطبيقه، بما يحول دون دمقرطة فعلية للعملية التعليمية، عبر إتاحة هذه الوسائط لكلّ سكّان المعمورة. فينقلب التعليم عن بعد بالنتيجة من فرصة لترسيخ تساوي حظوظ التعلم بين كلّ الفئات إلى أداة لتكريس التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. من ذلك أنه يصعب توفير بنية تحتية خاصة باستخدام المعلومات والاتصالات. كذلك فإن التعليم عن بعد يتطلب وجود هيئة أكاديمية ذات تكوين جيّد في استعمال تقنيات الاتصال ضمانا لحسن التفاعل بينها وبين المُتَعَلـّمين. كما أن شرط إجادة الاستعمال هذا ينطبق على المتعلمين أنفسهم، من أجل أن يحصل التفاعل المجدي بيداغوجيا. وهو ما لا يتوفّر دائما لكل المجتمعات ولكل الهيئات ولكل الأفراد على قدم المساواة. ولا شكّ التفاوت في هذا المستوى يخلق آليا تفاوتا على مستوى المردودية، أي على مستوى مخرجات العملية التعليمية. إضافة إلى ذلك فإنّ البرامج والوسائط الإلكترونية ذات تكلفة إنتاج عالية ليست في متناول كثير من الدارسين، خاصة إذا ما تحدّثنا عن البرمجيات المتعلقة بالأنظمة الافتراضية، من مثل القسم الافتراضي أو المحاضرات المرئية التفاعلية، التي تتطلب برمجية افتراضية خاصة تمكن المتعلم من دخول عالم المحاضرة والتفاعل معها داخل مجال سيبرني، ناهيك عن البرامج الرقمية التي تتطلب تصميما معقدا وعدة مصمّمين من واضعي السيناريو ومبرمجين ومحللين في الإعلامية وأخصائيين في تصميم المواقع والربط بالشبكات وتخطيط القواعد البيانية Plate-formes وأخصائيين في الميلتوميديا، الذين ينسقون جميعا، مع الهيئة الأكاديمية، للعمل سويا من أجل تنصيب البرامج التعليمية وتنسيقها واختيار أشكال تقديمها ووضع الاختبارات والامتحانات المتعلقة بها وأشكال إصلاحها... بمعنى الربط بين الجانب الفني والجانب الأكاديمي البيداغوجي، الذي يتطلب وقتا طويلا وجهدا جبّارا وخبرات واسعة تراعي خصوصيات وتنوّع الجمهور المستهدف. وهو ما لا يتوفّر لبعض الهيئات أو الأفراد أو المجتمعات. إلى جانب كل ذلك فإن تكنولوجيات الاتصال الحديثة لا تزال، رغم ما عرفته من تراجع في أثمانها، مرتفعة الأثمان وليست متاحة لجميع الفئات والشرائح الاجتماعية. فالكومبيوتر الشخصي ما يزال يفوق في معظم بلدان العالم الثالث الرّاتب الشخصي بأكثر من مرّة للفرد الواحد، ناهيك عن تجهيزاته من رقائق ومتمّمات ware Hard & ware Soft .
إذن فالمشكل الأكبر، كما يرى جلّ الباحثين، يكمن في ما يسمّى اليوم بالهوّة الرقمية، حيث تشير آخر الإحصاءات إلى أن أكثر من 88 % من مستخدمي الأنترنت يعيشون في الدول المتقدمة. في حين لا يتجاوز المستخدمون في البلدان الأكثر فقرا نسبة 0.5 % . كذلك فإن البلدان المتقدّمة تحتكر ما نسبته 98 % من محرّكات البحث وإنتاج المضامين وتوزيعها. هذا الاحتكار إنّما يساهم فعليا في تعميق الفجوة بين البلدان الغنية بالمعلومات والبلدان الفقيرة في المادة نفسها، بشكل يوسّع هوّة عدم التكافئ الاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي بين الطرفيّن، حيث الغني يزيد غنى والفقير يزيد فقرا، غنى وفقرا لا في المواد الأولية والثروات المادية، بل في أساليب المعرفة وأشكالها ووسائطها. فلقد أثبتت إحصائيات البلدان المتقدّمة أنّ أكثر من نصف الناتج القومي لهذه البلدان يعود إلى عامل المعرفة العلمية والتكنولوجية، وأن ما يناهز75 % من العاملين في القطاع الصناعي يعملون في مجالات تتصل بالمعلومات والتكنولوجيا، بحيث يمكن القول أن أساس النموّ الاقتصادي أصبح يتمثل في المعرفة والعلوم والتكنولوجيا باعتبارها المحور الأساسي لرهان التنمية في ظل اقتصاد معولم.
إذن برغم الوعود والشعارات الهائلة التي رفعها مجتمع المعلومات، حين أكد على إمكانية إتاحة فرص التنمية للجميع على قدم المساواة، حتى أنه » قيل مع بداية التسعينات أن عصر المعلومات سيبدّد كل مخاوف البلدان النامية ومصاعبها، وأن شبكة الأنترنت والطرق السيّارة للمعلومات هي جوهر التوازن التنموي في عصرنا وأساس حرّية انسياب المعلومات. وقيل إن الشعوب الفقيرة والنامية تستطيع الآن أن تستفيد على قدم المساواة من هذه المعلومات الوفيرة الغزيرة الموجودة على الأنترنات، فها هو عصر جديد يطلّ على العالم لينشر الازدهار والعلم والمعرفة في جميع أنحاء المعمورة « فإن واقع الحال، في الحقيقة، لا يثبت هذا الكلام الاحتفائي التبشيري بالمجتمع الموعود، بالنظر إلى حقيقة عدم التكافئ في توزيع وإتاحة المعلومات بين الدول والمجموعات والأفراد. فالقدر الأكبر من هذا الكمّ الهائل من المعلومات محتكَر من قبل الدول الغنية المسيطرة على بنوك المعلومات ومحرّكات البحث عن المعلومات. إضافة إلى أن الدول الفقيرة ليس باستطاعتها الاستفادة بشكل كلي من القدر المتاح من المعلومات، بالنظر إلى إمكانيّاتها التقنية والمادية وطاقة بنيتها الأساسية. بما عمّق الفجوة الرقميّة. وتبقى محاولات تجسير الفجوة ذات نتائج محدودة، خاصة وأن قطاع الإعلامية والمعلومات وتكنولوجيات الاتصال يتنامى بنسق يفوق إمكانيات هذه الدول وقدراتها على المسايرة. يكفي أن نذكر هنا أن الفاصل الزّمني بين جيل وجيل من الإنتاج المعلوماتي (الإعلامية) لا يتجاوز الثلاثة أشهر والإمكانيات المادية لهذه الدول لا تسمح لها بمسايرة هذا النسق السّريع في التجدّد. وتكون النتيجة أن يتفاقم اللاتوازن التنموي بشكل بيْنيّ بين دول على أهبة ولوج العوالم الافتراضية والمجالات السيبرنية والطرق السيّارة للمعلومات وبين دول ما تزال تفتقد حتى إلى شبكات طرقات جيّدة وشبكات اتصال هاتفي مقبولة وقدرة لدى المواطن العادي على استعمال الوسائط الاتصالية من أجل الاندماج داخل المنظومة الرّقمية. إنها مسألة يتداخل فيها البعد الاقتصادي مع البعد التقني والمعرفي مع البعد الحضاري وحتى الأخلاقي( * ). كذلك يواجه مجتمع المعلومات مسألة عدم التوازن الثقافي واللغوي، بشكل يؤثّر على حرّية انسياب المعلومات ومستويات تبادلها. فرغم اتجاه شبكة الأنترنات نحو أن تكون شبكة متعدّدة اللغات متنوّعة الثقافات، فإن الجانب العلمي والثقافي في هذه الواسطة لا يزال شبه محصور في اللغة الإنقليزية أساسا، ثم تأتي بقية لغات أوروبا الغربية، وخاصة الفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية. أما بقية الثقافات فتبقى مقتصرة على استعمالات أبناء كل لغة بشكل لا يسمح بالحديث عن حوار للثقافات. فالياباني أو المنغولي الذي يريد الإطلاع على محتوى رقمي عن الثقافة العربية فإن واسطته في ذلك اللغة الأنقليزية( ** ) مع محدودية المحتوى المترجَم. هذا رغم الجهود الجبّارة في الترجمة الفورية التي تحسّنت كما ونوعا، عبر نشر مواقع الترجمة المتخصصة. وتتوفّر محرّكات البحث على إمكانيات هائلة في الترجمة وانتشار استعمال نظم للترجمة تحاول الربط بين المعنى والمبنى.
كما كانت فكرة مجتمع الاتصال عرضة لنقد واسع ومعمّق، إذ عُدّت، من ناحية قابليتها للتطبيق، بمثابة الايديولوجيا الإيطوبية غير القابلة للتطبيق، بالنظر إلى أنها تطمح إلى حلّ مسائل اجتماعية على أساس إمكانية إجراء عمليّة اتصالية تتميّز بكونيتها وشفافيتها بين الناس. إلا أنّ الدراسات حول هذا الموضوع نفت إمكانية قيام مسار اتصالي معوْلم وشفاف، رغم قوة تقنيات الاتصال من ناحية بكل ما وصلت إليه من تطوّر، ورغم ما تقتضيه عملية دمقرطة هذه الوسائط وإتاحتها للجميع. كما أنها عملية لا يمكن أن تكون محايدة حيادا تاما، ودون مضاعفات، بل إنها آحادية الاتجاه وتخفي رهانات مُضْمَرَةً تتسبّب في اضطراب المبادلات والتفاعلات وتمنع من قول كلّ شيء.
الـخــاتـمــة
في الختام يبقى السؤالُ الأهمُّ، حسب رأينا اليوم، هو هل أن هذا التفاوت وعدم التوازن بين القطبيْن المذكوريْن وعدم التوصّل، إلى حدّ الآن، إلى ردم الفجوة سيرسم أمامنا صورة قاتمة ويدفعنا إلى الرّفض الهدّام لهذا النمط المجتمعي في شتى المجالات، بدعوى عدم الجدوى من الاندراج ضمنه وبالتالي المقاومة؟ يبدو أن منطق النظام العالمي يؤكد أنّ هذا الاختيار هو اختيار سيزيفي بالمعنى الذي استعمله فيه الطاهر لبيب حين حديثه عن نمط المثقف التراجيدي كبطل إشكالي. لكنّ واقعية الفعل ومقتضيات الحال تستدعي مواصلة رفع التحدّي بالمراهنة على خيار مجتمع المعلومات، في ظل واقع أكثر تكافئا من منطلق حضاري قادر على فرض مزيد من التعادلية وتجسير الفجوة عبر خطوات.
ويغدو من المهمّ التأكيدُ على ضرورة الكشف عن الجوانب الخفيّة والمسكوت عنها في شتى أشكال عملية التواصل، بغرض التوصّل إلى مزيد التحكـّم فيها والإحاطة بكلّ ما يتعلـّق بها وبعوائقها ورهاناتها الخفيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة عوامل على الأقلّ هي وضوح المضامين المرسلة من ناحية ومصالح المتلقي ومواقفه مقارنة بمصالح الباث ومواقفه، يضاف إلى ذلك طبيعة العلاقة القائمة بين طرفيْ التبادل، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، سعيا نحو أن تكون علاقة مفتوحة شفافة تضامنية وأكثر تكافؤا في مستوى التبادل.
القائمة البيبليوغرافية
? إسكوا ، مؤشرات مجتمع المعلومات ، المجلة العربية لعلوم المعلومات، العدد5، يونيو 2005، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص ص: 89-94.
? آسا بريغز وبيتر بورك ، التاريخ الاجتماعي للوسائط- من غتنبرغ إلى الإنترنت ، ترجمة مصطفى محمد قاسم، سلسلة عالم المعرفة، عدد315، الكويت، ماي 2005.
? محمد بن أحمد، حول بعض مؤشرات مجتمع المعرفة ، المجلة العربية لعلوم المعلومات، العدد5، يونيو 2005، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص ص: 81-88.
? محمد بن أحمد، مجتمع المعرفة ومؤشر رأس المال الفكري ، المجلة العربية لعلوم المعلومات، العدد5، يونيو 2005، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص ص: 95-101.
? أفانيش بير سود ، الفجوة المعرفية ، ترجمة صفاء روماني، مجلة الثقافة العالمية، عدد107، السنة20، جويلية-أوت 2001، ص ص: 175- 185.
? أنياسيو رامونه ، نظام الأنترنات الجديد ، جريدة لوموند النسخة العربية 2004 (نسخة إلكترونية على الشبكة).
? حسن رسمي ، استراتيجية تطوير قطاع المعلومات والاتصالات في الدول العربية، المجلة العربية لعلوم المعلومات، العدد1، يونيو، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص ص: 53-63.
? رأفت رضوان ، تطبيقات تقانة المعلومات والاتصالات في الدول العربية ، المجلة العربية لعلوم المعلومات، العدد1، يونيو، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص ص: 39-52.
? عبد المجيد الرفاعي، حـرية انسياب المعلومات في عالم غير متوازن ، المجلة العربية للعلوم والمعلومات، عدد1 ، سنة 2002
? نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات- رؤية لخطاب المستقبل الثقافي العربي ، سلسلة عالم المعرفة، عدد276، الكويت، ديسمبر 2001.
? نبيل علي ونادية حجازي، الفجوة الرقمية- رؤية عربية لمجتمع المعرفة ، سلسلة عالم المعرفة، عدد318، الكويت، أوت 2005.
? أرمان ماتلار ، المهمشون في العالم الافتراضي (القمة العالمية حول مجتمع الإعلام) ، جريدة لومونـد النسخة العربية 2004 (نسخة إلكترونية على الشبكة).
? مصطفى المصمودي، العرب وحوار الحضارات في مجتمع المعلومات ، الجمعية التونسية للاتصال،(مقال إلكتروني تمّ الاطلاع عليه بتاريخ 22/2/2004).
?ARINO (M) , L'écran comme nouveau territoire des relations sociales , in Esprit Critique (Revue internationle de sociologie et de sciences sociales), Vol 3, n° 10, automne 2001, (cosultation électronique)
?BASILICO(S), Pour une sociologie des réseaux , Esprit Critique, Revue internationale de sociologie et de sciences sociales, n°4, vol 5, automne 2003.
?BAUMAN (Z), Défis pour l'éducation dans la liquidité des temps modernes , DIOGENE (revue), n°197, janv-mars 2002, CIPSH/UNESCO, P.U.F, Paris, 2002, pp: 13-28.
?BOUKRAA (R), Sociologie classique et sociologie informationnelle , in: Sciences Humaines et Sociales et Nouvelles Technologies, actes de colloque Tunis 30- 31 Mai/ 1 er Juin 2002, Cahiers du C.E.R.E.S (hors série), n°1, Tunis, 2003,p. p: 63- 69.
?CHABCHOUB(A) et BOURAOUI(K), Introduction à la pédagogie numérique , Publications de l'ATURED, 1 ère édition, octobre 2004.
?DAIGNAULT(J), La force des communautés virtuelles: créer en ne s'actualisant pas , Esprit Critique, Revue internationale de sociologie et de sciences sociales, n°10, vol 3, octobre 2001.
?DECORNOY (J) , Aux ordres du nord, l'ordre de l'information , in Le Monde Diplomatique (chap 4) L'ère de la communication, 2004, p.p: 92- 94.
? DELBACK (R) , Les chemins de la puissance , ouvrage collectif (S/D) HARBULOT(C), CHAUPRADE (A) et LUCAS (D), éditions Ellipse, 2004.
?ELLUL (J) , A l'aube d'une révolution , in Le Monde Diplomatique (chap 4) L'ère de la communication, 2004, p.p: 82-85.
?FREITAG (B), Les villes globales dans les sociétés de l'information , DIOGENE (revue), n°197, janv-mars 2002, CIPSH/UNESCO, P.U.F, Paris, 2002, pp: 81-95.
FRENETTE (M), Interactive Technology in the Classsroom: A Case Study with Illiterate Adults , in Kubey, R., ed., Media Literacy in the Information Age, New Brunswick : Transaction, 1997, 377-402.
?GIANNI (V), Société de la connaissance ou société du loisir? , DIOGENE (revue), n°197, janv-mars 2002, CIPSH/UNESCO, P.U.F, Paris, 2002, pp: 6-12.
? GRSLAND (L) , Internet: un réseau et des Territoires , in La communication, Etat des savoirs, Editions Sciences Humaines, Diffusion P.U.F, 3 ème édition, Janvier 2003, Paris, p.p: 397- 402.
? HARD (M) & JAMISON (A), The Intellectual Appropriation of Technology , MIT Press, Cambridge , 1998.
?HERBET (J) , L'Internet: un nouveau moyen de se réunir , in Esprit Critique (Revue internationle de sociologie et de sciences sociales), Vol 3, n° 10, automne 2001, (cosultation électronique)
?KALOGEROPOULOS(L) et LARAMEE(A), Multimédia et autoroutes de l'information- pour comprendre la diversité des outils et en saisir les enjeux , Editions NATHAN, Paris, 1995.
? MARCOTTE(J.F), La sociologie des rapports sociaux en réseaux : un champ d'étude en formation , Esprit Critique, Revue internationale de sociologie et de sciences sociales, n°10, vol 3, octobre 2001.
?MARCOTTE (J-F) , Le sociologue et la société de l'information , in Esprit Critique (Revue internationle de sociologie et de sciences sociales), Vol 2, n° 6, Juin 2000, (cosultation électronique)
?MARCOTTE (J-F) , Le sociologue et la nouvelle économie du savoir , in Esprit Critique (Revue internationle de sociologie et de sciences sociales), Vol 2, n° 5, Mai 2000, (cosultation électronique)
? MASMOUDI(M), Les nouvelles technologies de l'information au service de l'enseignement et de la formation , Institut MASSMEDIA,(article électronique consulté sur Internet le 22/2/2004.
?MEMEL-FOTE (H), Société d'initiation, société savante et société de savoir , DIOGENE (revue), n°197, janv-mars 2002, CIPSH/UNESCO, P.U.F, Paris, 2002, pp: 59-64.
?PORTELLA (E), Indices de la société du savoir , DIOGENE (revue),n°197, janv-mars 2002, CIPSH/UNESCO, P.U.F, Paris, 2002, pp:3-5.
? PROULX (S), (S/D), Vivre avec l'ordinateur. Les usagers de la micro-informatique, G.Vermette, Montréal, 1988.
? PROULX (S) et LATZKO-TOTH , La virtualité comme catégorie pour penser le social: l'usage de la notion de communauté virtuelle , in: Sociologie et Sociétés, Montréal, Presses de l'Université de Montréal, vol XXXII, n° 2, automne 2000.
?VALASTRO (O.M) , Recherche ethnographique et communautés virtuelles: Entretien avec Alessendra GUIGONI , in Esprit Critique (Revue internationle de sociologie et de sciences sociales), Vol 4, n° 5, Mai 2002, (cosultation électronique)
الأفكار المتعلقة بالفضاء الافتراضي مستقاة جميعها من دراسة حسن مظفر الرزو ، الأمن المعلوماتي العربي: معالجة أولية، ، المجلة العربية للعلوم والمعلومات، عدد1 ، سنة 2002
نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات ، سلسلة عالم المعرفة، رقم 276،الكويت 2001، ص،ص: 92-93.
* الرقمنة: هي المعالجة الرقمية للإشارة الضوئية أو الصوتية، بحيث تتحوّل هذه الإشارة إلى مجرّد سلسلة من الأعداد المكوّنة طبقا لتركيبات حسابية ممكنة. فيغدو بالإمكان خزنها ونقلها وإعادة إنتاجها بشكل نهائي وربّما حتى خلقها وتغييرها. وبالنتيجة فقد تمّت رقمنة الصوت والصورة، الزّمان والمكان، التفكير والفعل بشكل أدّى إلى تغيّر نمط علاقة الإنسان بالكون وغدا من الجائز الحديث عن مجتمع الاستعراض، مجتمع الإيهام Simulation .
* في الحقيقة أنّنا نعثر على عدّة تعريفات لهذا النظام التعليمي والتي منها حاولنا أن نستخرج التعريف المذكور سابقا وخصائصه. يكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال بالتعريفات التالية:
* تعريف TONNY 1987 له بأنه نظام بعيد كل البعد عن نظام المواجهة الحالية والحقيقية بين المعلم والطالب.
* تعريف HOLMBERG 1989 بأنه حوار بين المعلـّم والطالب اللـّذيْن لا يتواصلان مباشرة. ويتاح هذا التعليم في أي مكان يوجد فيه الطالب، ويتميّز بأن مسؤولية التعلـّم تلقى على الطالب. كما يتميّز باستخدامه وسائط تعليمية متعدّدة وبمراعاته لنسق التعلم لدى المتعلـّم.
* تعريف MOOR Maeckel 1991 هو مجموعة من طرق التدريس يكونفيها المتعلـّم منفصلا عن المدرّس وتستخدم فيها أجهزة الطباعة والوسائط الإلكترونية والمعلوماتية المختلفة.
* تعريف شعيب المنصوري بأنه نظام تعليمي لا يخضع لإشراف مباشر ومستمرّ من قِـبَـلِ المعلـِّم عبر تواجده الفيزيقي مع المتعلـّمين في حجرة الدراسة. وهو يشمل كافة الوسائط التي يتمّ التعلـّم من خلالها بما في ذلك الكلمة المطبوعة والأجهزة الأخرى المختلفة.
* تعريف نبيل نوفل بأنه محاولة لإيصال الخدمة التعليمية إلى الفئات التي لا تستطيع الحضور إلى المؤسسات التعليمية.
* تعريف منظمة اليونسكو في 1987: هو استخدام منظم للوسائط التي ينبغي أن تكون مُعَدَّةً إعدادا مُتْقَـنًا من أجل التواصل بين المُعَلِـّـمِ والمُـتَـعَلِـّـمِ بالنظر إلى أن هذه الوسائط تمثل الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الطرفيْن.
هذا التعريف من وضع المكتب الدولي للتربية التابع لمنظمة اليونسكو، في 2002. مرجعنا في استخراجه:
CHABCHOUB(A) et BOURAOUI(K), Introduction à la pédagogie numérique , Publications de l'ATURED, 1 ère édition, octobre 2004, p45.
* نضيف المتعلم إلى جانب الطالب على خلفية تكامل أدوار الجامعة مع المعاهد العليا المهنية في قطاعات متخصصة من ذلك مثلا أن الدفعة الأولى من المباشرين للتعليم عن بعد في المدرسة الافتراضية للبريد التونسي هي على أهبة التخرّج خلال هذا الشهر بالذات.
* الحدّ الأقصى لطاقة الضخ الآن لا يتجاوز 128 كيلو بيت على الخطوط الهاتفية. لكن الاستثمار في نظام ADSL يمكن أن يصل بطاقة الضخ ّ هذه إلى 512 كيلوبيت.
* لقد لاحظت قمة أوكيناوا باليابان عام 2000 هذه المشكلة لذا اتفقت الدول الثمانية الحاضرة هناك في صيف تلك السنة على إصدار » ميثاق مجتمع المعلومات العالمي « الذي اقترح أساسا محاولة ردم الفجوة عبر تقديم المساعدات لكن النتائج جاءت خلاف ما هو منتظر إذ لم تقدم أي دولة شيئا باستثناء اليابان التي أعلنت تقديم مساعدة بـ15 مليار دولار تصرف على خمس سنوات قادمة للحدّ من الفجوة الرقمية، لكن لتقدير قيمة هذا المبلغ يكفي أن نذكر أن اليابان أنفقت على القمة المذكورة خلال خمسة أيام فقط نصف مليار دولار. بمعنى أن المبلغ المرصود لا يزيد على ثلاثين ضعفا للمبلغ المُـنْـفَقِ على القمة، بحيث لو دامت هذه القمة 150 يوما لأنفقت اليابان كامل المبلغ المرصود دون المساهمة في ردم الهوّة. عن: عبد المجيد الرفاعي ، حـرية انسياب المعلومات في عالم غير متوازن ، المجلة العربية للعلوم والمعلومات، عدد1 ، سنة 2002، ص9.
** لقد استطاعت الدول الأوروبية في إطار الاتحاد الأوروبي التغلـّب على مشكلة تعدّد اللغات عبر الترجمة الفورية لكل وثيقة تصدر عنه إلى مختلف لغات الدول الأعضاء حتى الصغيرة منها كاليونان الذي لا يتجاوز عدد سكانه 9 ملايين ساكن فتتمّ معاملة لغتها وثقافتها على قدم المساواة مع لغة وثقافة أي بلد عضو آخر مهما كانت قوّته. ولا تقتصر الترجمة على الوثائق المكتوبة بل تشمل حتى مداولات جلسات البرلمان الأوروبّي واللجان الأوروبّية المتخصّصة من أجل الوصول إلى القرارات والاتفاقات دون الاضطرار إلى اعتماد لغة الأقوى. فهل بالإمكان تطبيق هذا التصوّر العملي على المستوى العالمي في إطار المحافل الدولية من أجل أن تغتني الرّوح الثقافية والإنسانية ويتحقّق التثاقف البنّاء والتنوّع الثقافي بين الهويات المتعدّدة دون إقصاء وتهميش؟ عبد المجيد الرفاعي ، حـرية انسياب المعلومات ...، م.س، ص10 .
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>