| الهوية في مجتمع المعلومات:
أسئلة سوسيو - ثقافية في المقاربة التونسية
د. عثمان بن طالب
- أستاذ بجامعة تونس - المنار
- كاتب عام اتحاد الكتّاب التونسيين
يبدو، ضمنيا، أن طرح إشكالية العلاقة بين الهوية ومجتمع المعلومات هو طرح مخصوص بالثقافة العربية الإسلامية، على الأقل لسببين رئيسيين: الأول هو أن الهوية في المجتمع العربي الإسلامي لم تحلّ بعد بالقدر الكافي معضلة العلاقة بين الأصالة والحداثة ولا تزال في صدام مع التاريخ ومع الآخر. والسبب الثاني هو اختراق هوية هذا المجتمع من طرف قوى العولمة في المركز الغربي لأسباب اقتصادية وجيواستراتيجية معروفة، جعلت هذا المحيط سوقا استهلاكية للقيم والسلع الغربية وشلت طاقة الإبداع والإضافة للحضارة الكونية. وللاستدلال على ذلك، أستحضر التجربتين اليابانية والصينية. هذان المجتمعان يُعدّان من روّاد الثقافة الرقمية ومجتمع المعلومات ومن القوى الفاعلة في التقدم التكنولوجي للثورة الاتصالية. ولكن هذا التطور لم يؤثّر في مقومات الهوية اليابانية أو الصينية ولم يحصل الانفصال بين ذاكرة التراث وعناصر الشخصية من ناحية ومتطلبات مجتمع المعرفة والانفتاح على شبكة المعلومات من ناحية أخرى. هناك إذن ضرورة معرفية لمساءلة الخصوصية الثقافية العربية في عصر المعلومات، لأن الاشكالية لا تتعلق فقط بوعي الأفراد وسلوكهم، بل كذلك بالنظم الاجتماعية والاختيارات السياسية وطبيعة المشروع الحضاري الجديد الذي يعالج في الوقت نفسه مسألة الخصوصية الثقافية ومسألة التنمية الاقتصادية والموارد البشرية. في الهوية الثقافية : من البديهي التذكير أن الهوية الثقافية هي كائن جماعي حيّ يتغير ويتحوّل أوّلا من الداخل بفعل تغيّر المرجعيات القيمية، وثانيا من الخارج بتأثير تطور علاقات الفرد والمجموعة مع التحوّلات الكونية. التطوّر الداخلي تفرضه متطلبات الحداثة. والتطور الخارجي تفرضه متغيرات العولمة. الإنسان الثابت غير موجود. والإنسان العربي ليس كيانا ثابتا ونموذجا نمطيا موحّدا. هو كيان حركي قابل للتشكل حسب تجربة الحاضر وتطلعات المستقبل. والذي يجعله يتحرّك هو قيم ثابتة مرتبطة بالجدلية التاريخية بين قيم التراث ورؤية المستقبل. هذه القيم لها اتصال تكويني بالهوية الثقافية تتحقق حسب العصور والظروف، ومن أهمّها التوازن بين البعدين المادي والروحي، ومبدإ الاجتهاد والانفتاح. هي إذن هوية شاملة وجامعة لمرجعيات مختلفة ومتنوعة تكون حصيلة لتجارب إنسانية عبر عصور التاريخ. وباعتبارها هوية حضارية تاريخية، فهي لا تتناقض مبدئيا مع مقومات الحداثة وتطور منظومة الفكر والعلم والتقنية التي تجسّدت في مجتمع التربية ثم مجتمع المعرفة وصولا إلى مجتمع المعلومات باعتباره الشكل الجديد للحضارة الإنسانية. لو نظرنا في تاريخ الهوية الثقافية العربية، لأدركنا أن الثقافة في فترات الزحف الاستعماري ظلت تقاوم وتحفظ الهوية والخصوصية من مظاهر الاستلاب رغم الهزائم الاقتصادية والعسكرية. ظلت الهوية قوة روحية جامعة لقيم الوجود التاريخي، رغم دعوات إغلاق باب الاجتهاد في العصور المملوكية والعثمانية وانتشار الفكر الغيبي وسيادة التقليد والنقل وتمجيد التراث. ان التحدّيات التي تطرحها اليوم ثورة المعلومات وتقنيات الاتصال الحديثة لا تقلّ خطورة عن التحديات التي عرفتها الهوية الثقافية في مراحل سابقة مثل عصور الانحطاط وحركة النهضة العربية. القضية لا تتعلق في نظري بقدرة هذه الهوية على الصمود والمحافظة على مقوماتها، بقدر ما تتعلق بتحديد المعايير الفاصلة بين الثابت والمتحوّل، وبقدرة العقل العربي على التمييز بين الحداثة كمطلب داخلي للنهضة والمساهمة في الحضارة الكونية، وبين العولمة باعتبارها واقعا معقّدا يتحرّك عالميا بمنطق النفوذ والاختراق والقضاء على التنوع والاختلاف. الموقف السلفي من الهوية يخلط بين الحداثة والعولمة ويرفضهما معا، يقودنا إلى مناطق العنف التاريخي والجمود تحت شعار حماية الذات ومعاداة الآخر ورفض تقنياته وعلومه ومنجزاته. والموقف الاستغرابي (من مفهوم "الاستغراب" المشتق من الولاء المطلق للغرب باعتباره المصدر الوحيد للحضارة)، يقود إلى تدمير الهوية باسم الحداثة وبروز ردود فعل حمائية متطرّفة تنادي بصراع الحضارات والحروب المقدّسة. بين هذين الموقفين المتجاذبين للهوية في عصر المعلومات والعولمة، هناك طريق ثالث، طريق الحداثة المدنية الذي يربط جدليا بين الهوية والمعرفة والحرية في إطار المنظومة الديمقراطية التي تؤسس الذات على فكرة الانفتاح والتسامح والاعتراف بالاختلاف والتنوع، وفي إطار منظومة تربوية حداثية تهدف إلى بناء المواطنة المدنية المشاركة في مؤسسات المجتمع والمسؤولة بالدرجة الأولى على تطوير معارفه. أي هوية لمجتمع المعلومات ؟ إن الثقافة العربية الإسلامية، باعتبارها الوعاء الجامع للهوية التي نتحدث عنها، لم تشارك لا في التأسيس التكنولوجي ولا في التبشير الإيديولوجي لثورة المعلومات والاتصال والإعلامية. ولكن هذه الثورة التي أصبحت تشكل أحد مظاهر العولمة بل أداة أساسية من أدواتها، هي نتاج لثورة العقل الإنساني، أي مظهر أساسي من مظاهر الحداثة تؤثر في الوقت نفسه على سلوك الفرد وطرق التعامل والعلاقات وكذلك على طبيعة العلاقات بين المجموعات والدوّل. ورغم ما يقوله البعض عن مخاطر تجزّؤ المعرفة وتهديد العلاقات الاجتماعية التقليدية والقيم الروحية والتراثية وما إلى ذلك من سلبيات يلوّح بها دعاة الهوية النقية المحافظة المطمئنّة إلى أوضاعها، فإن هذه الثقافة الجديدة تتطلب هوية جديدة قادرة على المصالحة بين المضمون الفكري للتراث وبين امكان التمشي مع عقلية الانترنات وغزارة المعلومات ووفرتها وسرعة الحصول عليها. هذه الوسائل الجديدة لتحصيل المعرفة تمثل فرصة تاريخية للهوية الثقافية العربية، إذا توفرت عدّة شروط من أهمّها القضاء على الأمية وتقليص الفجوة الرقمية وانتاج المضامين ونشر ثقافة المعرفة والحوار والانفتاح وبناء مؤسسات المجتمع المدني. هذا يعني أن مجتمع المعلومات مرتبط عضويا بمبدَأَيْ المعرفة والحرية. لا نتصوّر مجتمع المعلومات خارج المنظومة الديمقراطية التي تضمن حقوق المواطَنة. هذا يتطلب هوية تؤمن بالديمقراطية وتتشبع من مبادئها. لأن الحرية والحوار والاختلاف هي قيم لا يمكن فصلها عن مجتمع المعلومات. ولا نتصوّر مجتمع المعلومات خارج بنية أساسية تضمن للأفراد حرية المبادرة والوصول إلى المعلومة. هذه البنية الأساسية تشترط أولا منظومة تربوية وبحثية متطوّرة ومتصلة بشبكة المعلومات العالمية، وثانيا ثقافة رقمية تساهم فيها منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة والعمومية. إذ التوجّه الاستراتيجي لمجتمع المعلومات هو بالأساس في تشكيل ثقافة الفرد وتنظيم الفضاء العمومي على فكرتي الحرية والمعرفة. هذه الثورة الثقافية في السلوك والمفاهيم تتطلب تجاوز الهوية التقليدية إلى هويّة جديدة قادرة على تحقيق الانسجام بين الثوابت التراثية وعقلية الانترنات. الثوابت هي جزء من الحاضر. والحاضر هو الزمن الوحيد الذي نملك أن نعيش فيه. والهوية، أمام تحديات مجتمع المعلومات، هي جزء من المشروع التحديثي الشامل للثقافة العربية، لا بالمعنى الفكري فحسب، بل بالمعنى المدني المؤسساتي المعرفي الذي يشمل قيم التربية والسلوك والتنظيم السياسي والفضاء العمومي. وهذا التحديث، الذي تتفاوت البلدان العربية في تصوّره وتحقيقه حسب فهمها للهوية وتعاملها مع العولمة، لا يمكن أن يتحقق بموقف دفاعي من العولمة. ولذلك لا نتفق مع ما يذهب إليه حسن حنفي عندما يقول »إن العولمة ما هي إلا تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأمريكي تقوم على عنصرية عرقية، وعلى رغبة في الهيمنة والسيطرة، وبعد عمليات التحرر الوطني أراد الغرب أن يفرز أشكالا جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزجها خارج حدوده مثل العولمة، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، ثورة الاتصالات، العالم قرية واحدة، الكونية، وهذه المفاهيم المنتجة غربيا يراد منها سيطرة المركز على الأطراف. قد يكون لهذا الكلام، تاريخيا، وجه من الصحّة في إطار علاقة الغالب بالمغلوب، ولكن الوقوف في هذا الموقف لا يتقدم بالثقافة العربية المعاصرة تجاه الحداثة. المعلوماتية هي وجه بارز ومؤثر في الحداثة الكونية وهي السمة المميزة للعقدين الأخيرين في العالم وهي ملك للإنسانية جمعاء ونتاج لتضاعف الإنتاج الفكري في كل المجالات. والتحدّي الأكبر لهويتنا الثقافية اليوم هو في التموقع الفاعل في عملية الفرز بين من يولّد المعلومات ويمتلك القدرة على استغلالها وبين من هو مجرّد مستهلك لها. فالثورة الرقمية لا تتعلق اليوم بالسؤال في علاقة التفكير الغربي بمجتمع المعلوماتية، بل في إيجاد سبل الانخراط المدروس في هذه الثورة التي غيرت تضاريس العالم وجعلت منه قرية كونية تهدّد الثقافات إمّا بالذوبان أو التقوقع إذا لم تحتل موقعها في اقتصاد المعرفة وثورة الإنتاج الرقمي فالمعروف اليوم أن 12 % من سكان العالم يسيطرون على أكثر من 90 % من حجم التجارة العالمية (أمريكا، اليابان، أوروبا)، اليابان وحدها تسيطر على 44 % من صادرات العالم، هذا الواقع هو ترجمة للثورة المعلوماتية والاتصالية والتفجّر المعرفي وهو واقع يهدّد بالتنميط الثقافي. الهوية التقليدية غير قادرة على مواجهة هذا الواقع، كما أن الدولة التقليدية غير قادرة على الصمود أمام العولمة. وعندما ننظر في سرّ التفوق الذي حققته الدول الصناعية، نجد أن أهم مكون في معادلة التنمية هو الإنسان العارف. المعادلة هي اليوم بين القوة والمعرفة. المجتمع العارف هو المجتمع القوي. لم يعد لعدد السكان ووفرة الموارد والجيوش تأثير يذكر في تحديد مصادر القوة الحقيقية. العقول المبدعة والمتحكمة في تقنيات المعلومات والاتصال هي التي تؤثر اليوم في توجهات السياسة والاقتصاد ومراكز القرار والنفوذ. تتبين لنا إذن العلاقة الجدلية بين الهوية ومجتمع المعلومات. هي علاقة تأثير عميق قد يكون سلبيا أو ايجابيا، حسب قدرة الثقافة على إدماج الهوية في حركة التاريخ من ناحية، وقدرة العقل السياسي المضطلع بمسؤولية الحكم على بلورة خيارات حداثية في منظومة الفكر والسلوك والمؤسسات. فالمفصل الحقيقي بين الهوية والمعلوماتية هو الثقافة الديمقراطية بالمعنى المدني الذي يرادف الحداثة والمواطَنة الحرّة العارفة. فالإعلام، وهو جوهر مجتمع المعلومات، هو سليل الديمقراطية، وهو شرط من شروط الحرية والمواطَنة، والمدخل الحقيقي لتطوير الفعل الديمقراطي ومجتمع الحوار والتواصل. ورغم أن التفاعل الاتصالي لا يؤدي بالضرورة الى الديمقراطية، فإن دور الهوية الثقافية الجديدة هو خلق هذا التفاعل حتى لا يبقى مجتمع المعلومات مجرّد أسطورة تقنية ثقافية جديدة بين أيدي أقلية تستعمل الطرق الإلكترونية السيارة للإعلام لترويج قيمها ومشاريعها التجارية أو السياسية. لقد تزامن تدويل وسائل الاتصال مع نزعتين متناقضتين في منظومة الفكر الأممي، نزعة تنادي بالتنوع الخلاق وثقافة الاختلاف وحوار الحضارات ونهاية العقلانية الشمولية، ونزعة استقطابية أحادية كرّستها العولمة الرأسمالية ومررت من خلالها ثقافة الفكر الواحد والتوحّد القسري تحت لواء الديمقراطية الغربية. إننا، كعرب لنا هوية جامعة ودرجات متفاوتة في تكييف هذه الهوية مع مستجدّات العصر، نقف بين هاتين النزعتين ولم نحسم بعد استراتيجية التعامل التاريخي مع منطق هذه التحولات. إن الطابع النخبوي لتكنولوجيا الاتصال والإعلام يتحوّل بسرعة إلى طابع جماهيري، أي أنّه يتجّه إلى مكوّنات الهوية التقليدية بمحمولات ومضامين قيمية ليست بالضرورة مهيأة للتعامل معها بالرؤية الثقافية النقدية المطلوبة، مما يجعل من هذه الشرائح المجتمعية الواسعة مجرّد سوق استهلاكية لمضامين لا تساهم في إنتاجها وتوجيهها. إن هذا التنبيه من مخاطر العولمة المعلوماتية على مقومات الهوية جاء من المفكرين الغربيين أنفسهم للحدّ من التفاؤل المفرط الذي طغى شمالا وجنوبا. لهذه الأسباب أشرنا للعلاقة الجوهرية بين متطلبات المعلوماتية والاقتصاد اللامادي من ناحية، وفاعلية المجتمع المدني في ممارسة أدوار ثقافية وإعلامية موازية في المجتمع العربي، تحافظ على أنساق الهوية المحلية والوطنية. فالمحاذير المطلوبة تتمثل في الوعي بأن عولمة قطاعات الإعلام والاتصال هي تسويغ لايدولوجيا الإشهار وخطاب الدعاية. هذه التقنيات تظل مبطنة لحضور البعد التجاري على حساب البعد الثقافي. هذه الايديولوجيا النيوليبرالية تتذرّع أحيانا بالحريات وحقوق الإنسان في الاستهلاك والإنتاج لتمارس هيمنة على الهويات الوطنية تنفي كل نزعة نقدية. وخاصة عندما لا تجد سلطات مؤسساتية مضادّة نابعة من ثقافة المجتمع المدني. إن الايديولوجيا اليوم، هي الثقافة. والهوية الثقافية هي الدرع الوحيدة المتبقية أمام زحف العولمة. ان نهاية الايديولوجيا التي تحدث عنها دانييل بيل D.Bell في كتابه وهو يعلن عن ميلاد مجتمع ما بعد صناعي مؤسس على تكنولوجيا الذكاء وصناعة الإعلام، قد تعني بالنسبة للغرب نهاية صراعه مع الماركسية وتفكك المنظومة الاشتراكية (1) ولكن هل هذا يعني شيئا بالنسبة للدوّل التي لم تدخل المجتمع الصناعي وليس لها صراع هيمنة على العالم مع الفكر الشمولي؟ هل هذا يعني شيئا بالنسبة لمجتمعات لم تسيطر على المخترعات المعلوماتية والاتصالية ولا تزال تتعلق بثوابت هويتها كأنساق فكرية وتمظهرات مادية وتجليات رمزية وعقائدية وروحية؟ هذا هو الخطر الذي تحمله إيديولوجيا العولمة والايدولوجيا الاشهارية التي تشتغل بآليات سمعية بصرية ومعلوماتية رقمية لها قوة الاشتراط السيكولوجي للمتلقي بحيث يخضع للمنطق التجاري مما يعني إفلاس الثقافة واندثار الهوية وسقوطها في فخّ العرض والطلب. من هنا فإن الهوية القادرة على الصمود والإضافة في مجتمع المعلومات هي الهوية النقدية المتشبعة بثوابتها الثقافية والوطنية. ان تدفق المعلومات يتحكم فيه عقل اقتصادي يعادي النزعة النقدية وعقل سياسي هو الآخر يعادي النزعة النقدية. والقرية الالكترونية التي يحاول فرضها عقل العولمة تعمّق الهوّة بين الفقراء والأغنياء، بين السريعين والبطيئين، بين المنتجين للمعرفة ومستهلكيها. ان تدفق المعلومات في اتجاه واحد والتفاوت المتعاظم بين ثقافة المركز الغربي وبين ثقافات البلدان النامية هو الإشكال الجوهري الذي تحركت في اتجاهه تونس في دعوتها لعقد القمّة الأممية حول مجتمع المعلومات لإيجاد الحلول المطلوبة دوليا ومعالجة الفجوة الرقمية وتمويل البنية الأساسية وطريقة التحكّم في الشبكة المعلوماتية في إطار رؤية متضامنة ومؤمنة بالحوار من أجل التنوع والتعاون. إن هذا التحرّك الذي نجحت فيه بلادنا هو بالأساس تحرك حضاري للتقليص من الهيمنة الإعلامية والمعلوماتية وآثارها على الهوية. ولم تكن بلادنا لتتوفق إلى هذا الإجماع الذي تحقق في المرحلة الأولى للقمة في جينيف بسويسرا وسيتحقق في المرحلة الثانية بتونس في نوفمبر 2005، لو لم تكن اختياراتها مبنية على رؤية استشرافية تجمع بين الأصالة والمعاصرة وتعزّز الانتماء الثقافي بالتكيف الايجابي الخلاق مع ثقافة العصر والمتغيرات العالمية. ان هذه الرؤية التي تكرست في سياسة وطنية للمعلوماتية وقواعد معلومات ذات بعد وطني واستثمار العقل واقتصاد الذكاء ومجتمع المعرفة، هي رؤية عقلانية تعتبر أن الهوية هي عنوان الحداثة، وهي سؤال المستقبل ومنهج الاعتماد على التفكير العلمي الناقد لمواجهة الجهل والخرافة والذوبان في فخاخ العولمة. لقد قلنا، في سياق خر، إن الديمقراطية الوطنية هي المدخل التاريخي الوحيد للقومية الديمقراطية. وسؤال الهوية والمعرفة هو عنصر لا ينفصل عن هذا المدخل الذي أصبح اضطرارا وليس اختيارا للثقافة العربية المعاصرة. ولكن تونس فضلت أن يكون اختيارا وقرارا وطنيا استراتيجيا. ولذلك نجحت بلادنا في حسم سؤال الهوية في اتجاه الحداثة اجتماعيا وسياسيا بتجاوز عقدة الذات وعقدة الآخر. وهي تعطي بذلك نموذجا لمشروع الثقافة العربية في أزمتها الراهنة. ومظاهر الأزمة لم تعد تحدّد بمقاييس تاريخية أو تراثية أو ديمغرافية. إنها تحدّد اليوم بموقع أي ثقافة من الثورة الثانية التي توجّه اليوم حضارة الكون (الأقطار العربية تأتي في أدنى السلّم في استهلاك المواد الإعلامية، والتفاوت حتى بين بلد عربي و خر يصل إلى 1 على 100. وحصة العرب إعلاميا في العالم لا تتجاوز 5،4 % ). واذا عرفنا أن سيطرة الدول الصناعية على انتاج الإلكترونيات وهو اليوم متمركز بنسبة 74 % في اليابان وآسيا، و32 % في أمريكا الشمالية و22 % في أوروبا، لم يبق إلاّ 18 % لبقية العالم والعرب مع من هذه البقية. فمن الواضح أن الصراع المستقبلي سيكون موجهّا للسيطرة على الحاسوب والتلفزيون والهاتف التي يمكن صهرها على الانترنات، ولذلك سيكون بإمكان القوى التي تسيطر على تقنية الانترنات أن تسيطر على العالم مستقبلا، طبقا لنظرية دروين "البقاء للأصلح والأقوى". من لا يقدر على المنافسة من الشعوب والأمم يكون مصيره الانقراض في سوق الاستهلاك. وهذا الانقراض يعني بالدرجة الأولى الهوية وتفكك مضامينها الروحية والتاريخية والأخلاقية. ان الوعي بكل هذه التحديات بالانخراط الواعي في مجتمع المعلومات لا يعني الاستسلام للعولمة الاعلامية ومبدإ التماثل السكوني الذي يختزل القيمة الإنسانية في وظيفة التشيؤ. بل يعني بالأساس ربط مبدإ السيادة والوطن والهوية بثقافة الحداثة كمحصلة إنسانية لمنجزات العقل. -------------------------------------- (1) بيل دانييل. نهاية الايديولوجيا 1962. طباعة >> | إغلاق
النافذة >>
|