القمة العالمية لمجتمع المعلومات بتونس :
الأبعاد والدلالات السياسية
الدكتور عبد السلام دمق
جامعــي، حقوقــــي - تونس
القمة العالمية لمجتمع المعلومات هي قمة لزعماء العالم الملتزمين بتسخير إمكانات الثورة الرقمية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لخدمة البشرية. وهي تمثل عملية تعددية حقيقية لأصحاب المصلحة الذين يشملون الحكومات، والمنظمات الدولية الحكومية، والمنظمات غير الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. وهدف القمة هو "بناء مجتمع معلومات جامع هدفه الإنسان ويتجه نحو التنمية، مجتمع يستطيع كل فرد فيه استحداث المعلومات والمعارف والنفاذ إليها واستخدامها وتقاسمها، ويتمكن فيه الأفراد والمجتمعات والشعوب من تسخير كامل إمكاناتهم للنهوض بتنميتهم المستديمة ولتحسين نوعية حياتهم".
هذا هو مفهوم القمة العالمية لمجتمع المعلومات، كيفما تم تعريفه من قبل المنتظم الأممي، قمة عالمية على مرحلتين: مرحلة أولى انعقدت بسويسرا (مرحلة جنيف 10 - 12 ديسمبر 2003)، والمرحلة الثانية بتونس، (16 - 18 نوفمبر 2005)، بقرطاج، قرطاج الأمس، وكذلك قرطاج اليوم، تونس، هذا البلد الذي عرف منذ عصوره الأولى بالأمن والسلام، فتونس كانت من أول الدول التي انضوت تحت لواء الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، لذلك اختيرت لاحتضان هذه القمة، فلا غرابة أن يختار المنتظم الأممي بلدين عرفا بالسلام : سويسرا وتونس.
وفعلا، وعملا بالقرار عدد 183/56، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 ديسمبر 2001 اتفق الرأي على تنظيم القمة العالمية في مرحلتين : جنيف 2003 وتونس 2005، وذلك عملا بالقرار عدد 73 الذي اتخذه مؤتمر مفوضي الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية في دورته لعام 1998 المنعقدة في مينيابوليس بالولايات المتحدة الأمريكية.
وإذ ترى الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه يتعين عقد مؤتمر القمة تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة، فإنها تلفت الاتحاد الدولي للاتصالات بولاية أداء الدور الرائد في الأعمال التحضيرية بالتعاون مع المنظمات التابعة للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الأخرى المهتمة ومع البلدان المضيفة.
إذا القمة انعقدت في مرحلتها الأولى في جنيف، وتنعقد في مرحلتها الثانية في تونس. لكن لماذا تونس بالذات؟ هذا البلد الصاعد : هل لأنها بلد صاعد يتميز بواقعية أكثر، فضلا على قدرته للوصول إلى حلول عملية، فينجح في سد الفجوة الرقمية بين البلدان المتقدمة والبلدان الفقيرة؟ أم لأن تونس بلد متطور جدا في هذا المجال، ميدان المعلوماتية والاتصال، فنالت حظوة وشرف استضافة هذه القمة؟ أم أن الإصلاحات المنجزة في شتى المجالات منذ أكثر من عقد من الزمن دفعت بالمنتظم الأممي إلى إسناد تونس شرف احتضان القمة العالمية لمجتمع المعلومات؟ ما هي إذا الأبعاد السياسية لقمة تونس 2005؟ ما هي الدلالات السياسية لاحتضان تونس لقمة المعلومات؟
قبل الإجابة على كل هذه التساؤلات، لا بد من التأكيد على أن عديد الإشكالات بقيت بدون حل والتي طرحت للنقاش في جنيف، حتى أن بعض الفقهاء من الغرب، وكذلك من العرب يؤكدون على أن المشاكل المستعصية، والتي لم تجد حلولا في قمة جنيف تُرِكَتْ لقمة تونس. فكل القضايا الشائكة والخلافية تم ترحيلها من الدورة الأولى للقمة، وتأجيل البت فيها إلى المرحلة الثانية، نذكر على سبيل المثال : إدارة الإنترنت، ومسؤولية الدول المتقدمة تجاه النامية فيما يتعلق بالفجوة الرقمية، وآليات تمويل مشروعات التنمية المعلوماتية بالعالم النامي، وقضايا الحفاظ على الخصوصية، والهوية الثقافية، وأمن المعلومات، والتخفيف من قيود نقل التكنولوجيا والتبعية للغرب بانتهاج سبل ومناهج جديدة كالمصادر المفتوحة.
إن لقمة تونس عديد الأبعاد السياسية، ففي اختيار هذا البلد الصاعد لاحتضان قمة عالمية، بهذه القيمة، وهذه الأهمية، عديد الدلالات السياسية.
أول هذه الدلالات، ثقة المجتمع الدولي في تونس، كبلد عانق الإصلاحات في شتى المجالات، وأحدث ثورة هائلة في مجال الاتصالات والمعلوماتية، رغم حداثة هذه الإصلاحات، فأن تسند استضافة القمة لتونس، فإن في ذلك اقتناع المنتظم الأممي، وكل البلدان المنضوية تحته، بأن تونس - ورغم صعوبة المهمة - يمكن لها أن تقدم تصورات، وأن تعطي حلولا وبدائل لإشكاليات عديدة ومتعددة في هذا المجال، خاصة مشاكل إدارة الإنترنت وتقليص الفجوة الرقمية، وتحويلها إلى فرص رقمية قصد بناء مجتمع معومات عالمي.
إذن يتوقع من المرحلة الثانية للقمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس نتائج ملموسة تفيد بشكل مباشر كل الأطراف وخاصة الدول النامية وتساعد في زيادة التعاون الدولي والإقليمي في مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.
إن تونس دأبت على تطوير ميدان الاتصال والمعلومات، واعتباره من العوامل الحركية للاقتصاد التونسي.
وفي هذا الإطار، ركزت تونس، البلد المضيّف، منذ أكثر من عقد، على تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتعميم الإنترنت، ووسائل الاتصال الحديثة كرافد للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والنهوض بعمل المؤسسة الاقتصادية الوطنية. كما قامت تونس بتطوير البنية التحتية المعلوماتية، وتفعيل استعمال تكنولوجيات الاتصال والمعلومات، مثل التجارة الإلكترونية والإدارة الإلكترونية. كما طورت تونس التشريعات والقوانين المشجعة لصناعة البرمجيات والمحتوى الرقمي. ولتحقيق كل ذلك، قامت تونس بالنهوض بالقدرات، ورسكلتها، ودعم الموارد البشرية المختصة. كما عززت آليات نشر الثقافة الرقمية، من ذلك أنها وفقت في تعميم تدريس المعلوماتية بمختلف المراحل التعليمية (التعليم الابتدائي، والتعليم الثانوي، والتعليم الجامعي)، فضلا إلى سعيها على دعم النفاذ للإنترنت للجميع، من خلال ربط المؤسسات التربوية والجامعية بالشبكة، وإحداث فضاءات إنترنت، وتشجيع تركيز مراكز عمومية للإنترنت بكامل تراب الجمهورية.
فأن يحتضن بلد صاعد قمة عالمية، بهذا الحجم، يعني ذلك أن هذا البلد متقدم جدا في هذا المجال، ويعني كذلك ثقة المجتمع الدولي في تونس لتساهم - بوصفها البلد المضيف - في "بناء مجتمع معلومات جديد يقوم على تقاسم المعرفة ويرتكز على التضامن العالمي، وعلى تحقيق فهم أفضل بين الشعوب والأمم"، قصد "تمهيد الطريق لتنمية مجتمع معرفة حقيقي في المستقبل"، عبارات جاءت في وثيقة إعلان المبادئ المنبثقة عن قمة جنيف، 12 ديسمبر 2003.
ثاني هذه الدلالات أن تونس دأبت كذلك على تطوير الحياة السياسية من خلال عدة إصلاحات شملت مختلف المجالات لتحقق بذلك الحكم الرشيد، وهو مفهوم سياسي - اقتصادي ظهر حديثا، وأصبح يقيم نجاح الأنظمة السياسية، وصحة اقتصادياتها. فقمة المعلومات، وبناء مجتمع معرفي يقوم على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ليس بمعزل، حسب اعتقادي، عن نسبة التمدرس، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحرية الإعلام، واستقلاليته، وتعدده، وشفافيته، وهو ما جاء في وثيقة إعلان المبادئ.
إن احتضان مثل هذه القمم العالمية، يفترض من البلد المضيف تطبيقه لقواعد الحكم الرشيد، واستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كأداة هامة ورئيسية من أدوات الحكم الرشيد. وهو ما ورد في الفصل 38 من وثيقة إعلان المبادئ المنبثقة عن مرحلة جينيف (10 - 12 ديسمبر 2003)، في باب "البيئة التمكينية".
فتونس آمنت بأن سيادة القانون، واقتران هذه السيادة بوجود سياسة داعمة، ومحايدة تكنولوجيا، وبوجود إطار تنظيمي يعبر عن الواقع الوطني، أمر جوهري لبناء مجتمع معلومات غايته الناس.
إن تونس طبقت قواعد الحكم الرشيد، والذي يعبّر عنه كذلك بالحكم الجيد. لذلك نالت شرف احتضان قمة عالمية حول موضوع لم يقع التطرق إليه من قبل، وهي الدلالة السياسية الثانية لانعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات بتونس 2005. والحكم الرشيد la bonne gouvernance كيفما عرفته المؤسسات النقدية الدولية، هو كذلك الحكم الديمقراطي la gouvernance démocratique ، وهو ممارسة السلطة بشكل يحترم حقوق وكرامة وحاجات الجميع في الدولة، فالحكم الرشيد هو عقد اجتماعي جديد، هدفه تعبئة أفضل القدرات والمزايا من أجل إدارة أكثر رشدا وترشيدا لشؤون المجتمع والحكم.
ويقوم الحكم الرشيد على عدة قيم عالمية، منها : التضمينية، l'inclusivité ، والمساءلة la responsabilisation ، والشفافية la transparence .
وتركز القيمة الأولى أي التضمينية على مفهوم المساواة، والذي له قيمة دستورية في تونس، والمساواة من منظور الحكم الرشيد تعني، أن الكل معني بإدارة الحكم والمشاركة فيه على قدم المساواة، والمساواة كذلك هي مساواة أمام القانون وبغير تمييز، وهي كذلك تأمين فرص متساوية للاستفادة من الخدمات التي توفرها الحكومة.
أما القيمة الثانية أي المساءلة la responsabilisation فهي تنبع من مفهوم التمثيل الشعبي، والمساءلة يمكن أن تكون داخلية أو خارجية. وفي كلتا الحالتين فإن المساءلة تتجسم من خلال إرساء أنظمة وحوافز متعدّدة لتأمين الحكم الرشيد كفصل السلطات، وهو مبدأ دستوري في تونس، وإنشاء أجهزة رقابة، هاته الأجهزة تعتبر من دعائم القيمة الثالثة التي يقوم عليها الحكم الرشيد، أي قيمة الشفافية la transparence ، والشفافية هي شفافية الانتخابات، وشفافية الحكومة، وحرية الصحافة، والحق في الإعلام والمعلومة.
إن توسيع نطاق المشاركة السياسية لكافة الفئات دون تمييز هي من تعريفات الحكم الرشيد، فتشريك الشعب في اختيار ممثليه هو من مظاهر الحكم الرشيد، الذي يرفض الإقصاء، ويرفض التمييز.
كما أقدمت تونس على إرساء آليات فاعلة لتعزيز إدارة الحكم الجيد من خلال إصدار تشريعات ضد الممارسات التمييزية، سواء كان ذلك بين الجنسين أو بين الجهات.
فبخصوص التشريعات التي جاءت لتحقيق المساواة بين الجنسين، فهي عديدة في تونس، ولا يسع المجال لتعدادها، يكفي الوقوف في هذا الشأن على قانون الأحزاب السياسية، في 3 ماي 1988، والميثاق الوطني في 7 نوفمبر 1988، الذي شدد على الحفاظ على مكاسب المرأة، والقانون المتعلق بالنظام التربوي في 23 جويلية 2005، وتنقيح مجلة الأحوال الشخصية في 5 و12 جويلية 1993.
كما أن تونس كرست مبدأ العدالة وعدم التمييز بين الجهات، وتصدت لكل مظاهر الإقصاء وعدم تشريك مختلف الجهات بالبلاد، فمبدأ التضمينية يُنْتَهَكُ مثلا حينما تُقَدِّمُ لسكان الريف خدمات عامة، أو تقدم لهم خدمات أقل من سكان المدينة، وهذا ما تقره التقارير الأممية، وتقارير عدة مؤسسات مالية دولية، وفي هذا الإطار فإن تجربة تونس في النهوض بمناطق الظل أصبحت مضربا للأمثال لما توفره من عدالة اجتماعية، ومعاملة متساوية بين مختلف جهات البلاد. كما أن التضمينية تفترض التوزيع العادل للثروات، وتوفير الخدمات العامة، وهو موضع اهتمام دائم لتونس منذنهاية الثمانينات ، فقد ارتفعت نسبة التسجيل في المدارس الابتدائية في تونس إلى أكثر من 99 % في بداية سنة 2005 ، كما ارتفع تمتع المواطن بالهاتف القار والجوال والأنترنات، وهو ما أكدته تقارير البنك الدولي الأخيرة، حيث بيّنت أن تونس تقدمت أشواطا في هذا المجال، بعد أن كان هناك أقل من خط هاتفي واحد لكل مائة نسمة عام 1990 ، فتونس نجحت في رفع خطوطها الهاتفية وفي تعميم استعمال الأنترنات، وسيلة العصر المعرفية. فلا غرابة إذا في أن تحتضن تونس قمة عالمية لمجتمع المعلومات في نوفمبر 2005 ، وهذا حسب اعتقادي أبهى مظاهر الحكم الديمقراطي، أي الحكم الجيد وهو في نفس الوقت اعترافا من المنتظم الأممي لتونس بتطبيقها لمقاييس الحكم الرشيد، وهذه دلالة سياسية أخرى لتنظيم هذه القمة في تونس.
إن تقارير المنظمات العالمية تؤكّد أن جودة إدارة الحكم تقيّم من خلال توفير الدولة للخدمات العامة لأفرادها، كارتفاع أمل الحياة عند الولادة والذي بلغ في تونـس 73,2 % نسمة حاليا، وتراجع نسبة وفايات الرضع والذي انخفض اليوم في تونس إلى أقل من 22 بالألف، وارتفاع نسبة الأسر التي تمتلك مسكنا والتي تمثل اليوم في تونس 80 % ، والتقليص من نسبة الفقر والتي تراجعت سنة 2005 في تونس إلى 4 % .
وهكذا فإن ترسيخ وتكريس التضمينية من منظور الحكم الرشيد، يقوم أساسا على اعتماد قوانين وإجراءات تضمن وتوسع نطاق الحقوق والحريات الأساسية للجميع، كإلغاء القوانين والتنظيمات التمييزية والإنصاف في تأمين الخدمات الصحية والتعليمية.
كما أن تونس قامت بتجذير القيمة الثانية الذي يرتكز عليها الحكم الرشيد وهي قيمة المساءلة la responsabilisation ، وقيمة المساءلة تتحقق، شأنها شأن قيمة التضمينية، عبر انتخابات نزيهة وتنافسية، وإعلام حر، ومستقل، ومتعدد، وكذلك عبر آليات متعددة للتعبير عن الحاجيات، كالجمعيات.
إن المساءلة تتطلب التنافسية، والاختيار، والتنافس بين الممثلين والسياسات وبدائلهم، والتحقق، والنقاش، وهو ما جذرته الإصلاحات الأخيرة في تونس، وخاصة الإصلاح الدستوري لسنة 2002. هذا الإصلاح كرس المساءلة الداخلية عبر مراقبة البرلمان لأعمال الحكومة، بما يجعل العمل الحكومي أكثر شفافية، حيث يمكن لأعضاء مجلس النواب، في أي وقت، طلب توضيحات من الحكومة حول سياسات قطاعية، بالأسئلة الشفاهية، كما يمكنهم في أي وقت إثارة قضايا الساعة، عبر الجلسات البرلمانية التي أصبحت تبث على التلفاز، وهو في اعتقادي أبهى مظاهر الحكم الرشيد في تونس، فالحكم الجيد يؤمن آليات هامة كالنقاش العام حول أثر السياسات الحكومية، بما يساهم في حسن تطبيق السياسات الاقتصادية المؤدية للنمو.
وهكذا فإن مؤشر المساءلة العامة يوضح مدى انفتاح المؤسسات السياسية ومستوى المشاركة، واحترام الحريات العامة.
كما تقوم إدارة الحكم الرشيد على الشفافية la transparence ، والشفافية هي مظهر من مظاهر دولة القانون، هذا المبدأ أصبح مبدأ دستوريا منذ الإصلاح الدستوري لسنة 2002، فضلا على أنه مبدأ من مبادئ الجمهورية، وقد تجلت الشفافية في تونس عبر الإصلاحات المتتالية للمجلة الانتخابية آخرها في 4 أوت 2003 وذلك لضمان شفافية التنافس الديمقراطي.
كما تتجلى الشفافية عبر الأسئلة القطاعية للحكومة، وعبر النقاش العام حول السياسات، والذي كنا أشرنا إليه منذ حين.
والشفافية تتجلى كذلك في قطاع الإعلام، كعنصر من عناصر وسائل الاتصال، وهو ما أكده ممثلي شعوب العالم في وثيقة إعلان المبادئ المنبثقة عن المرحلة الأولى للقمة العالمية لمجتمع المعلومات، مرحلة جنيف 2003، تحديدا في الباب التاسع "وسائط الإعلام"، حيث التزموا بمبادئ حرية الصحافة وحرية المعلومات، وكذلك بمبادئ الاستقلال، والتعددية، والتنوع في وسائط الإعلام (النقطة 55). هذه العناصر هي عناصر جوهرية في مجتمع المعلومات، عملت تونس على النهوض بها، فوفرت إطارا تشريعيا متحرّرا كرّسته التنقيحات الثلاث لسنوات 1988 و1993 و2001 لمجلة الصحافة الصادرة سنة 1975، حيث جاءت هذه التعديلات التشريعية محترمة لروح الدستور الذي نصّ في فصله الثامن (8) على أن : " حرية الفكر والتعبير والصحافة والنشر...مضمونة وتمارس حسبما يضبطه القانون". كما جاءت متطابقة لأحكام الفصل 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفصل 19 كذلك من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وقد برز المبدأ الأول، أي مبدأ الشفافية في التشريع التونسي سنة 1988 بموجب تنقيح 2 أوت 1988 حيث نص الفصل 18 أنه يجب أن تقوم كل نشرية دورية بتعريف العموم بأسماء من يمارسون إدارتها، بما يوجب كذلك على كل صحيفة إبراز اسم من يسيرها حتى يتعرف القارئ على ذلك. كما كرس تنقيح 3 ماي 2001 مبدأ الشفافية إذ منع الفصل 19 في فقرته الثانية الجديدة على كل شخص إعارة إسمه بأي طريقة لمالك نشرية أو لممولها، وفي صورة مخالفة ذلك يعاقب القانون بخطية مالية الفاعلين الأصليين وشركائهم.
أما فيما يخص مبدأ التعددية ، فالملاحظ أنه لم يكن ليحظى باهتمام واضعي المجلة سنة 1975. ولم يقع تكريسه إلا بموجب تنقيح 2 أوت 1988، حيث نص الفصل 15 (جديد) أنه يمكن لشخص واحد، سواء كان ماديا أو معنويا، أن يملك أو يدير أو يتحكّم على أقصى تقدير في نشريتين دوريتين ذات صبغة إخبارية جامعة تكون لها نفس دورية الصدور. كما لا يمكن أن يكون السحب الجملي للدوريات التي يملكها أو يديرها أو يتحكم فيها شخص واحد وفقا لما سبق ذكره، متجاوزا لثلاثين بالمائة من السحب الجملي للدوريات ذات الصبغة الإخبارية الجامعة المنشورة بالبلاد التونسية والتي لها نفس دورية الصدور.
والملاحظ أنّ المشرع التونسي حدّد سقفا معينا, لا يمكن تجاوزه حتى يتجنّب كل احتكار للمعلومة. فحرية الصحافة المنصوص عليها بالفصل 8 من الدستور والفصل 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفصل 19 للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا يمكن أن يتجسّم على مستوى الواقع إلاّ إذا مُكّن القارئ من مصادر خبر متنوعة ومختلفة. فالإعلام المتنوع يمثل عنصرا أساسيا من عناصر الديمقراطية، لكنه يبقى منقوصا إذا اقتصر على مصدر خبر واحد ولم يستفد من وجهات نظر متعدّدة للسمو به.
أما بالنسبة لمبدإ الإستقلالية فقد وقع تكريسه بمقتضى الفصل 22 من مجلة الصحافة، والذي يمنع على مالك لنشرية دورية أو مديرها أو أحد المشتغلين فيها قبول لأموال أو منافع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من شخص مادي أو أجنبي الجنسية باستثناء الأموال والمنافع الصادرة في شأنها موافقة صريحة من الوزارة المعنية، وكذلك الأموال المسدّدة مقابل إشهار في حدود ما خوله الفصل 20 من نفس المجلة. كما أوجب الفصل 19 في فقرته الأولى على جميع المالكين والشركاء وأصحاب الأسهم والممولين وغيرهم ممّن يساهمون في الحياة المالية لنشرية دورية ليست لها صبغة علمية أو فنية أو تقنية بحتة أن يكونوا من ذوي الجنسية التونسية، بما يدعّم حماية المهنة من أي وصاية أو تدخل في مجال عمل رجالات الصحافة. فاستقلال الصحفي ضمان لتطوير حرية الصحافة. وهو ما كرسه الرئيس بن علي عندما دعم الصحافة التونسية ماديا وأدبيا ضرورة أن تحسين الظروف المادية والمعنوية للصحافة في بلادنا ضمان لاستقلال قرارها.
ثالث هاته الدلالات متأتّ من أبعاد القمة في حد ذاتها، فكل القمم التـي نظمـت - وعددها ليس بالكثير - كانت أهدافها نبيلة، مقاصدها سامية، فأن يُحظى بلد لاستضافة قمة، فإن في ذلك دلالة سياسية على أن هذا البلد يكرس تِلْكُمُ المبادئ نصا وممارسة. فكل قمم العالم، كانت أهدافها واحدة : إرساء عالم متضامن، يسوده السلام، وتحترم فيه الحقوق والحريات : حقوق الطفل، صحته، غذاءه، تعليمه، حقوق المرأة : نفاذها لمواقع القرار، حقوق الإنسان : حقوقه السياسية، حقوقه المدنية الاقتصادية، حقوقه الثقافية... وهدف هذه القمة لا يختلف عن سابقيها، وهو ما ورد في وثيقة إعلان المبادئ حيث جاء في باب "الأبعاد الأخلاقية لمجتمع المعلومات"، أنه ينبغي لمجتمع المعلومات أن يحترم السلم، وأن يدافع عن القيم الاساسية مثل الحرية، والمساواة، والتضامن، والتسامح، والمسؤولية المشتركة، واحترام الطبيعة (النقطة 56 من إعلان المبادئ). فلا غرابة إذا أن يمنح شرف استضافة قمة عالمية، هي الأولى في تاريخ البشرية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لبلد عرف بتكريسه لهذه القيم النبيلة، والمبادئ السامية، في قوانينه، وتشريعاته، وكذلك على مستوى الممارسة. حتى أن تكريسها اليوم أصبح قاعدة دستورية، فضلا على أن الارتقاء بها إلى نص الدستور، دعوة من تونس، بلد القمة، لكل بلدان العالم لتكريس هذه المبادئ في دساتيرها، وتشاريعها الداخلية.
رابع هاته الدلالات، أن سلسلة القمم العالمية الواسعة النطاق التي عقدتها الأمم المتحدة تعتبر قمم قليلة، فبعد فترة الحرب الباردة التي سادت العلاقات بين القطبين، وما أفرزته من تحولات سياسية، واقتصادية، وإيديولوجية، وعسكرية، شهد العالم خلال العقدين الأخيرين عدة أحداث هامة تمثّلت بالخصوص في سقوط جـدار برليـن سنة 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، مما أدّى إلى بروز وضع دولي جديد أثر على العلاقات الدولية وخصوصا في طريقة معالجة مختلف المشاكل والقضايا المطروحة، فظهرت الحاجة إلى إيجاد حلول لعدة مسائل مستعصية في نطاق المنتظم الأممي، كحقوق الإنسان، والبيئة، والتنمية المستديمة... لذلك انعقدت بعض القمم، غايتها خير البشرية، فانعقدت أول القمم الأممية حول الطفل في نيويورك 29 - 30 سبتمبر 1990، ثم القمة العالمية حول البيئة والتنمية، بريو دي جانيرو بالبرازيل 3 - 14 جوان 1992، ثم قمة حقوق الإنسان بفيانا، بالنمسا في 14 - 25 جوان 1993، ثم القمة العالمية حول التنمية الاجتماعية بكوبنهاق 6 - 12 مارس 1995، ثم قمة المرأة في بيكين بالصين 4 - 15 سبتمبر 1995، ثم قمة جوهانزبورق بجنوب إفريقيا 26 أوت - 4 سبتمبر 2002 حول التنمية المستديمة. عدد هاته القمم إذا هو قليل مقارنة بعدد القضايا الناتجة عن ارتفاع الفوارق الحاصلة بين البلدان المتقدمة، والبلدان الفقيرة، وهنا يكمن حسب اعتقادي، أحد أهم الدلالات السياسية لإسناد تونس احتضان قمة عالمية لمجتمع المعلومات، فتونس أشعّت عالميا، ودخلت التاريخ ضرورة وأنها نالت شرف احتضان قمة عالمية، بهذا الحجم، وهذه الأهمية، أهمية متأتية، خاصة، وحسب اعتقادي، من موضوع القمة في حد ذاته، وحساسيته، وأثر نتائجه على بناء مستقبل معرفي عالمي جديد، فضلا على الإجماع على قدرة تونس في تنظيم مثل هذه التظاهرات الدولية الضخمة.
وفي هذا الإطار جاء في خطاب رئيس الجمهورية في 22 أكتوبر 2005 ما يلي : " إن انعقاد هذه القمة حدث تاريخي كبير لا لأبعاده العالمية فحسب ولكن لارتباطه أيضا بأرقى ما بلغه الذكاء البشري وما وصلت إليه الحضارة الإنسانية في ضوء ما شهده العالم من ثورة اتصالية هائلة وتكنولوجيات دقيقة مستحدثة وتحولات معرفية غير مسبوقة نقلت البشرية إلى مرحلة أخرى من التطور والتقدم ".
فليس لكل بلد الإمكانية، والقدرة، وشرف نيل استضافة هذه القمم، كما أن البلدان المنضوية تحت لواء الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي عددها 191، لا يمكن لها، كلها، عمليا، استضافة قمة يرعاها المنتظم الأممي، فأن يقع الاختيار على بلد مثل تونس من ضمن 191، وهو البلد الصاعد اقتصاديا، والذي له ديمقراطية ناشئة، ديمقراطية حديثة، فهذا شرف لي أنا كتونسي، لكل التونسيين، لكل سكان القارة، ولكل العرب، وهذا هام بقطع النظر عن اختلاف آرائنا، وتباين وجهاتنا، وتنوع حضاراتنا، وثقافاتنا.
خامس هذه الدلالات، متأت من قدرة تونس على الوصول إلى حلول عملية في المرحلة الثانية لقمة المعلومات، باعتبارها بلدا صاعدا، وفعلا فأمام هذه الرهانات الكبرى، تبقى إرادة أي بلد أو شعب أو مجموعة، غير كافية لوحدها، في غياب مبادرات على مستوى عالمي، - وهو ما قامت به تونس منذ 1998 - للحد من هذه الفوارق الرقمية التي تتعمق يوما بعد يوم بين البلدان.
إن الحاجة أصبحت متأكدة لبعض بلدان الجنوب كي تستثمر في مجال تكنولوجيات المعلومات والاتصال. فهذا المجال يمثل لهذه البلدان فرصا حقيقية لبناء اقتصاد أكثر ازدهارا بفضل ما تتوفر لديها من قدرات ذاتية بشرية، وهنا يبقى دور البلدان المتقدمة أساسيا لإدماج البلدان الأقل تقدما في عالم المعرفة والمعلوماتية لما له من فائدة لكل الأطراف وهذا ما نادت إليه تونس منذ 1998، حين دعت إلى تنظيم قمة عالمية، يرعاها المنتظم الأممي، لإيجاد حلول لمثل هذه المسائل.
لذلك تبلورت رؤى جديدة حول أفضل السبل لتركيز مناخ للتعاون الدولي في مجال الاتصال والمعلوماتية الرقمية، مناخ يقطع مع التصورات المتداولة وينصت لتطلعات المجتمعات الأقل حظا. وتندرج هذه السياسة في إطار تعاون ثلاثي : الطرف الأول البلدان الأكثر نموا، الطرف الثاني البلدان الأقل نموا، والطرف الثالث هو البلدان الصاعدة مثل تونس، أي مشاركة فاعلة للبلدان الصاعدة باعتبارها تمثل حلقة الربط الأكثر واقعية في تصوراتها، وفي كيفية تدخلها، ومساهمتها في إيجاد الحلول المناسبة للبلدان والمجتمعات التي هي بحاجة لهذا التعاون، وهذا هام، فتونس بلد صاعد، لذلك اضطلع، ولا يزال بدور ريادي، في هذه القمة، سواء من خلال المبادرة، أو المساهمة في المرحلة الأولى للقمة سنة 2003، أو الإعداد الجيد لقمة تونس 2005 منذ مـدة، أو دورها الريادي في مجال الاتصال والمعلوماتية، وهو ما يؤكد الثقة الكبرى التي تحظى بها تونس من قبل المجتمع الدولي، كبلد أُعْتُبِرَ أكثر موضوعية بحكم أنه بلد صاعدا، قادر على أن يقدم حلولا لمسائل، قلنا منذ أول تحليلنا هذا، بأنها شائكة.
وفي الأخير، لا بد من التأكيد على أن القمة، هي قمة بتونس، لكنها قمة عالمية، أي كل مكونات المجتمع الدولي ستحل بتونس : الأمم المتحدة وهياكلها المختصة، وحكومات، وقطاع خاص، ومجتمع مدني، أي أن الفرصة ستعطى للجميع للمشاركة في فعاليات القمة، وإنجاحها.
فطبيعة هذه القمة العالمية تختلف عن مثيلاتها من حيث المشاركة، حيث تشارك فيها الحكومات، ولأول مرة القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وذلك قصد تعبئة أفضل القدرات، والمزايا التفاضلية لهذه القطاعات من أجل توفير أكثر عوامل إنجاح قمة تونس، لذلك فإن دور هاته الأطراف في إنجاح هذه المحطة العالمية، التي تنطلق من تونس يبقى هام، وهام جدا.
وكون تونس البلد الذي بادر باقتراح فكرة القمّة العالمية لمجتمع المعلومات منذ 1998، بلدا أرسى دعائم المجتمع المدني، وثمن دوره، وجعله محورا هاما في جدول أعمال المواعيد الإقليمية كالقمة العربية التي انعقدت بتونس في ماي 2004، فإنّ ذلك يعني وجود وعي تام من الجميع بأهمية دور المجتمع المدني في إنجاح هذا الموعد، فالمجتمع المدني سيكون من المستفيدين الأول من قمة تونس العالمية، والمجتمع المدني يجب أن يستفيد ويفيد كذلك، وذلك من خلال وضع الخطط والبرامج الكفيلة بإنجاح مثل هذا الموعد الدولي.
*** ***
إن للقمم العالمية تأثيرات طويلة المدى، هذه القاعدة تُطَبَّقُ كذلك على قمة تونس 2005. فتونس استعدت لاحتضان القمة، فقامت بتعبئة كل الجهود لاتخاذ الإجراءات اللازمة حيال المشاكل العالمية الخاصة بمجتمع المعرفة والمعلومات.
كما أن قمة تونس 2005 هي حدث أممي تاريخي ستُتَوَّجُ بوضع التصورات والتوصيات، والحلول لبناء مجتمع عالمي جديد للمعلومات تتقلص فيه الفجوة الرقمية بين البلدان، ويمكّن كل سكان المعمورة من التحكم في التكنولوجيات الحديثة للاتصال لبناء مجتمع معلومات جديد يحقق التنمية العالمية المتضامنة.
ونظرا لأهمية الموضوع، وحداثته خاصة، فإن لقمة تونس، حسب اعتقادي تأثيرات، هامة، وغير عادية ستُتَوَّجُ بوضع معايير ومبادئ توجيهية دولية للسياسات الوطنية في مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، والشروع في عمليات تأخذ الحكومات من خلالها تعهدات على نفسها، وتقدم تقارير دورية بشأنها إلى الأمم المتحدة.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>