المؤسّسة التونسية و التكنولوجيات الحديثة
الرهانات والاستراتيجيات
د. الحبيب الدرويش
- أستاذ علم الاجتماع
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس
- نائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع
تمهيد :
ننطلق في هذه الورقة من مسلّمتين سوسيولوجيّتين:
- الأولى ترى المؤسّسة - إلى جانب كونها نسقا اقتصاديا - نسقا اجتماعيا تتبلور داخله أفعال الأفراد وعلاقاتهم ورهاناتهم واستراتيجياتهم (1).
- المسلّمة الثانية مفادها أنّ التكنولوجيا نتاج اجتماعي، فهي استجابة لحاجة اجتماعية، وهي بهذا الفهم منطوية على مختلف أبعاد المجتمع، وكاشفة لحركيّته وقدرات أفراده الإبداعية، ومُحيلة على بنيته ومسارات اشتغاله الاجتماعي والاقتصادي والسياسي..
وتعتبر التكنولوجيات الجديدة في الاتّصال والإعلام C.I.T.N سمةًً أساسية من سمات العصر الحديث لا على اعتبار انتشارها على نطاق شعبي واسع فحسب وإنّما كونها أحد المحرّكات الرئيسة لمسار العولمة، هذه الظاهرة المثيرة التي طرحت على مختلف الدّول رهانات جديدة ودفعتها إلى وضع استراتيجيات وتبنّي إجراءات وسياسات تهدف إلى التكيّف مع التحوّلات الحديثة والاندماج في ما صار يُعرف بالاقتصاد المعولم الذي أفضى إلى كوننة الأسواق، فكلّ سوق صار جزءا من سوق عالميّة (2).
وهذه الدراسة تسعى إلى تبيّن ملامح الرؤية التونسية في ما يتعلّق باستراتيجيات إدماج المؤسسات في الاقتصاد المعولم أو في ما يتّصل بالمفاهيم الجديدة الموجّهة لأشكال العلاقات الاجتماعية داخل هذه المؤسّسات فضلا عن محاولة تحسّس صدى هذه الرؤية في حقل الممارسة.
1 - التكنولوجيا الحديثة ورهان تأهيل الموارد البشرية :
لقد وجدت أغلب الدول - بما فيها تلك التي كانت محسوبة على المعسكر الاشتراكي - نفسها في ظلّ الثورة المعلوماتية الحديثة وهيمنة النموذج اللّيبرالي أمام ضرورة الانخراط في نسق الاقتصاديات المفتوحة مع ما يفرضه هذا الانخراط من تأهيل لمواردها البشرية لمجابهة تحدّيات الجودة والكفاءة والمنافسة التي يقتضيها الاقتصاد المعولم، بمعنى آخر تأكّدت أهمّية الاستثمار اللاّمادّي في عالم تغيّرت فيه أشكال العمل البشري واكتساب المعرفة وتغيّرت معها مقاييس القوّة والنجاعة والكفاءة فالاستثمار لم يعد مقتصرا على التجهيزات كما كان الأمر في زمن الاقتصاد المحمي بل صارت المقاييس الجديدة لتقييم العوامل التنافسية Les facteurs concurrentiels نزم تركّز على القدرة على اكتساب المهارات الملائمة للتعاطي مع التكنولوجيات الجديدة (3) كذلك تغيّرت مقاييس ثروة الدول، فعلى سبيل المثال كانت الشركات التي تُعدّ الأكبر والأقوى بالولايات المتّحدة الأمريكية في القرن العشرين هي تلك التي تمارس أنشطة متعلّقة باستغلال الموارد الطبيعية من مثل الفولاذ، السكر، التبغ، الغاز، البترول، والمطّاط.. في حين أنّ الشركات الأبرز في القرن الحادي والعشرين هي تلك الممارسة لتخصّصات متأسّسة على المعرفة من مثل شركات الإلكترونيك وأجهزة الاتّصال والإعلامية والبيوتكنولوجيا..(4) وها هو "بيل جيتس" رئيس مجلس إدارة "ميكروسفت" (تأسّست عام 1975) يقول: "كنت أعلم أنّ هناك عصرا يسمّى عصر الحديد وآخر يسمّى عصر البرونز وهي فترات من التاريخ سمّيت باسم الموارد الجديدة التي اعتاد البشر أن يصنعوا منها أدواتهم و أسلحتهم ثمّ قرأت لأكاديميين يتنبّؤون بأنّ البلدان سوف تدخل في صراع حول السيطرة على المعلومات وليس على الموادّ الطبيعية (5).
ويمكن القول إنّ مسائل الاستثمار اللاّمادّي والاستثمار في المعرفة والموارد البشرية ظلّت إلى وقت ليس بالبعيد مسائل ثانوية في الخطاب التنموي السائد لدى جلّ الدول، حيث كان التركيز منصبّا على الموارد التي يتيحها المحيط من مثل مصادر الطاقة، المواد الأوّلية اللاّزمة للتصنيع، المياه، التربة الخصبة وغيرها.. وربّما يعود ذلك إلى أنّ الاستثمار في الموارد البشرية كان يُنظر إليه على أنّه مكلّف، طويل الأمد ومردوديّته صعبة القياس، لكنّ ضرورته تأكّدت تدريجيّا لتصير حاجة ملحّة في عصر يمثّل فيه اقتصاد المعرفة قطب الرحى في محاولات التوفّق إلى ما يُعرف بالتنمية المستديمة.
وبالعودة إلى تونس نجد أنّ ملامح تجربة جديدة فرضتها التحوّلات الحديثة بدأت تتبلور منذ التسعينات من القرن المنصرم إنْ في المستوى المجتمعي ككلّ أو في مستوى المؤسّسة الاقتصادية، فما هي ملامح هذه التجربة؟.
2 - مسار تأهيل المؤسسة التونسيّة :
أهمّيّة العنصر البشري : تعود جذور اتجاه تونس نحو الانخراط في الاقتصاد المعولم إلى بداية السّبعينات بعد التعثر الذي عرفته تجربة التعاضد الموسومة "بالاشتراكية"، ففي 17 نوفمبر 1970 يعلن الوزير الأوّل (الهادي نويرة آنذاك) أنّه "مطروح على التونسيين إعادة إقامة اقتصاد يستجيب لقواعد الجدوى والمردوديّة، فقانون السّوق قانون قاس، لكنّه يبقى قانون الواقع، قانون التقدّم..".
وقد تعزّز هذا التوجّه نحو الانفتاح أكثر على الاقتصاد العالمي في أواسط الثمانينات بعد الشروع في تنفيذ مخطّط للإصلاح الهيكلي للاقتصاد التونسي منذ سنة 1986 ثمّ تسارع نسق الانفتاح في التّسعينات تجاوبا مع مسار العولمة، يتجلّى ذلك من خلال الانخراط في المنظّمة العالميّة للتّجارة في أفريل 1994 والتوقيع على اتّفاقية الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي في جويلية 1995 الهادفة إلى السّير نحو إحداث منطقة للتّبادل الحرّ في غضون 12 سنة بين تونس وبلدان من الاتّحاد الأوروبي، وبموجب هذا الاتّفاق شُرِع في تفكيك الإجراءات الدّيوانية قصد إلغائها تدريجيّا وفق أربع مراحل تمتدّ على اثنتي عشرة سنة ( من 1996 إلى 2007).
ومن المعلوم أنّ الانخراط في مسار العولمة الذي التزمت به تونس يفرض عليها توفير جملة من الشروط الضرورية لجني ثمار هذا الانخراط اقتصاديا واجتماعيا نختصرها في النقاط السبع الآتية :
- مواصلة عمليّة الإصلاح الهيكلي والمؤسّساتي والأخذ في الاعتبار المحيط الاقتصادي العالمي الجديد.
- تحديث أساليب التّنظيم والتصرّف داخل المؤسسات للاستفادة من تكنولوجيا المعلومات وللتّخفيض من تكاليف الإنتاج واستثمار الكفاءات البشريّة بشكل أفضل.
- دعوة المؤسسات إلى تبنّي المقاييس العالميّة للجودة وحماية المحيط.
- تطوير مختلف البني التحتيّة لتنشيط الاستثمار المحلّي والأجنبي.
- السّعي إلى جعل تشريعات الشغل مرنة وملائمة لواقع اقتصاد السوق ومقتضيات المنافسة ذلك أنّ قوانين الشّغل القديمة وضعت في إطار من الاقتصاد المحميّ الذي يفتقد إلى المرونة.
- تبنّي سياسة أجور متوازنة تضمن من جهة القدرة على المنافسة من خلال عدم ارتفاع كلفة الإنتاج وتساهم في ذات الوقت في جذب الاستثمارات الأجنبيّة، بمعنى آخر التوفّق إلى سياسة أجور توازن بين ضرورة حصول العمّال على أجر مقبول يعزّز الرغبة في العمل ويحفز على بذل المجهود وبين ضرورة أن يكون هذا الأجر معتدلا ليكون أحد عوامل ربح المنافسة على الصعيد العالمي سواء في ما يتعلّق بالصادرات أو بجذب الاستثمارات خاصّة أنّ السوق الأوروبية تسعى إلى فرض علامة اجتماعية Label social على منتوجات الدول الأخرى تضمن أنّ هذه المنتوجات قد صنعت في ظروف إنسانية مقبولة، وهو شرط يصبّ في اتجاه فرض حمائية متخفّية Protectionnisme deguise تحدّ من القدرة التنافسية للمنتوجات الوافدة ذات الكلفة الإنتاجية المنخفضة.
- تطوير الكفاءات المهنيّة وتنويعها من خلال دورات للرّسكلة وبرامج للتكوين المهني ذلك أنّ ربح المنافسة لا يتمّ بالأساس عبر تخفيض الأجور والحدّ من الإنفاق على تحسين ظروف العمل وإنّما يتمّ من خلال تحسين مستوى الكفاءات وبالتّالي تحسين المردوديّة والرّفع من الإنتاج وتجويد الإنتاجيّة.
إنّ مسألة تطوير الكفاءات المهنيّة المتخصّصة لا يجب أن ينظر إليها باعتبارها استراتيجية محليّة بل باعتبارها استراتيجية عالميّة، ذلك أنّ المناولة والشراكة وعقود أداء الخدمات التي تتمّ بين مختلف المؤسسات في إطار الاقتصاد المعولم تأخذ في الاعتبار مقاييس الكفاءة المهنيّة للأطراف التي ستتعامل معها.
وتمثّل مسألة تطوير الكفاءات في ظلّ العولمة حاجة ملحّة بالنسبة إلى كل الدول وهي تترجم عن مفارقة في سوق الشغل تتمثّل في تنامي عدد العاطلين من جهة وتنامي حاجة المؤسّسات إلى الكفاءات القادرة على استيعاب التخصّصات الجديدة من جهة ثانية، وهو ما عبّر عنه عالم الاجتماع الفرنسي "ألان توران" بـ "البطالة المفارقة" (6) Le chomage paradoxal . وليست هذه الوضعية حكرا على البلدان المتخلّفة بل تشمل أيضا الدّول الصّناعية المتقدمة، ففي الولايات المتحدة الأمريكيّة مثلا يوجد انشغال ولّدته المعطيات الاقتصاديّة العالميّة الجديدة، هذا الانشغال سببه ضعف الإنتاجيّة وقلّة الكفاءات المتخصصة، وبيّن بحث أجري في الغرض أنّ 40 % من المؤسسات الأمريكيّة غير قادرة على التكيّف مع السوق العالمية بسبب نقص تكوين عمّالها وموظّفيها (7) في حين أنّ الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا الحديثة كثيفة المعلومات كثيرة الرموز يشترط التوفّر على يد عاملة متخصّصة وكفأة (8).
واستجابة لبعض هذه الشروط شرعت تونس منذ أواسط التّسعينات في تطبيق برنامج وطني للتّأهيل الشامل للاقتصاد التونسي Le programme de mise à niveau intégrale P.M.A.N وقد انطلق هذا البرنامج تحديدا منذ 1996 ويمتدّ على عشر سنوات وهو يهدف إلى إكساب المؤسسات الصناعية و قطاعات الخدمات مستوى من الكفاءة التي تمكّن من مجاراة نسق المنافسة العالمية على صعيد السوق المحلية والسوق الدولية، أما عن الإجراءات العمليّة المتّخذة في إطار برنامج التأهيل فهي :
- إحداث مراكز تكوين في مختلف التخصّصات مع تعزيز القدرة التقنية للمراكز السابقة.
- إحداث معاهد ومخابر تسعى إلى توحيد معايير الإنتاج الصناعي.
- إنشاء صناديق التطوير والتّحكم في التكنولوجيا.
- خلق آليات مساعدة للمؤسسات التي تواجه مصاعب. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإجراءات المتّخذة من أجل التأهيل الشامل تجعل المؤسسات في حاجة متأكدة إلى تخصّصات وكفاءات إضافية وهذا يعني إحداث مواطن شغل جديدة.
وفي هذا الإطار من مسار التّأهيل الشّامل تتأكّد الحاجة إلى العناية أكثر بنظام التكوين الذي يمثّل الأساس المتين لنجاح برنامج التأهيل، لذلك وضعت وزارة التكوين المهني والتّشغيل برنامجا سمّته "برنامج تأهيل التكوين والتشغيل" programme de la mise à niveau de la formation et de l'emploi (MANFORME) الذي امتدّ على سبع سنوات ( 1996 - 2002 ) وكان من أهدافه تعزيز الإصلاحات المتعلّقة بالتكوين والتشغيل التي انطلقت منذ 1993.
هكذا إذن تبدو برامج تأهيل المؤسّسة التونسية منسجمة مع الواقع الجديد المتحرّك باستمرار، فالمؤسّسة التي اعتُبرت في فترةْ ما مؤسّسة مؤهّلة تصبح بمرور الزمن غير مؤهّلة وهو ما يطرح ضرورة إعادة تأهيلها وهكذا يتواصل هذا النسق الدوري، إنّنا أمام مسار من التأهّل وعدم التأهّل وإعادة التأهّل processus de qualification – dequalification – requalification فرضته حقيقة التحوّلات السريعة.
وإذا سلّمنا أنّ المؤسّسة هي نسق سوسيو - اقتصادي كما سلف أن أشرنا في بداية الورقة فإنّ ما يُراد تحقيقُه من وراء سنّ الامتيازات التشريعية ورصد الأموال لتجهيز المؤسّسة وتكوين أعوانها وتأهيلهم مشروط بالمناخ الاجتماعي داخل المؤسّسة وبمستوى دافعيّة العمل لدى الأفراد المشتغلين بها، هاهنا يجوز التساؤل عن الأبعاد المفاهميّة الجديدة لأشكال العلاقات الاجتماعية التي تحاول الجهات الرسمية بلورتها داخل المؤسّسة التونسية.
3 - الأبعاد المفاهيمية الجديدة للعلاقات الاجتماعية داخل المؤسسة التونسيّة :
في ظلّ ما تعيشه النظريّات الكلاسيكيّة الكبرى من تراجع وتهاو (كما هي الحال في النظريّة الاشتراكيّة) أو من تطرّف وفوضى (كما هي الحال في الليبرالية الجديدة) طُرح على النّخب الفكريّة في البلدان النامية اقتصاديا رهان بذل مجهود نظريّ من أجل بناء مفاهيميّ لمحدّدات المشروع التنموي ومرجعيّاته، وبالعودة إلى النمط التنموي التونسي الجديد نجده يسعى في إطار مجهود فكري إلى إعادة تركيب إيديولوجي يتأسّس على تأليف نظري ينأى عن الليبرالية و الاشتراكيّة أو هو بتعبير آخر بعيد عن اليمين واليسار على حدّ تعبير عالم الاجتماع البريطاني "أنطوني جيدنز" صاحب نظريّة الطريق الثالث (9) على اعتبار أنّ مقولتي الاشتراكية واللّيبراليّة لا تفسّر كلتاهما إلاّ نصف الواقع، فالاشتراكية بتركيزها على مبدإ "العدالة الاجتماعيّة" ألغت مبدأ حريّة الاستثمار والتوسّع الاقتصادي، وبالتّوازي ركّزت الرّأسماليّة على مبدإ الحريّة الاقتصاديّة فأقصت بذلك مبدأ "العدالة الاجتماعيّة" بما يعنيه من توسيع للفوارق وإهمال لحقوق العامل وبالتّالي حقوق الشرائح الاجتماعيّة الواسعة، في حين أنّ التوجّه الذي أبدت تونس رغبة في تبنّيه يتوق إلى خلق نوع من التزاوج بين قيم اللّيبيرالية والاشتراكية دون تعارض بينهما وهو توجّه يُعبّر عنه في الخطاب الرسمي بتلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي.
إنّ انخراط تونس في هذه المفاهيم الجديدة التي لم تطبع تجاربها التنموية الأولى مدفوع بالرّغبة في تجنّب ما قد تفضي إليه العولمة من تهميش لمكانة العامل وصاحب المؤسسة معا، فالرّسم النموذجي للمكانات داخل المجتمع بدأ يختلّ بمفعول العولمة، فكما ألغيت القطبيّة على الصّعيد العالمي مع نهاية الحرب الباردة وتهاوي الأنظمة الاشتراكيّة، فإنّ الاستقطاب الكلاسيكي المعروف(بروليتاريا/بورجوازيّة) بدأ بدوره يتهاوى ليشجّع على تطوّر مشهد اجتماعي جديد يتميّز بتوسّع قاعدة الفئات الوسطى التي ينتمي إليها العمّال وأصحاب المؤسسات الصّغرى والمتوسّطة وهي مؤسّسات تمثّل الأغلبيّة المشكّلة للنسيج الاقتصادي التونسي، وهو ما أفقد الصّراعات الاجتماعيّة مركزيّتها الأساسيّة، وبالتّالي اتجهت الرّؤية التونسيّة إلى طرح مسألة العلاقة بين الأطراف الفاعلة في المؤسسة من زاوية مخالفة للمنظور التقليدي المبني على المصالح المتضاربة بين الفاعلين، وفي هذا الإطار يتنزّل الإعلان الوطني حول التشغيل المنبثق عن الندوة الوطنيّة حول التّشغيل التي نظّمتها وزارة التكوين المهني والتشغيل أيّام 11، 12 و13 جويلية 1998 الذي اعتُبر تجاوزا لنظريّة الألعاب La théorie des jeux المبنية على لعبة موازين القوى بين الفاعلين في المؤسّسة بمعنى أنّ ما يربحه طرف يخسره الطرف الآخر وطرحاً لمفهوم "الاعتراف المتبادل بالمصالح" (10) La reconnaissance réciproque des intérêts .
لقد وقع الإجماع في هذا الإعلان على تبنّي خيار جديد يتحوّل بالفاعلين في الحقلين الاقتصادي و الاجتماعي من وضعيّة التقابل "وجها لوجه" وهي وضعيّة Situation conflictuelle إلى وضعيّة جديدة تعاونية وهي وضعيّة العمل جنبا إلى جنب Situation de coopération بمعنى أنّ أصحاب المؤسسات يعترفون بالوظيفة الاجتماعيّة للمؤسسة من خلال العناية بالمستويين المادّي والمهني للعمّال، والعمّال بدورهم يضعون في الاعتبار الوظيفة الإنتاجيّة (الاقتصاديّة) للمؤسسة من خلال حرصهم على الجودة والتزامهم برفع الإنتاج وتحسين الإنتاجيّة لمسايرة واقع المنافسة المفروض من قبل السوق العالمية.
ويمثّل هذا الطّرح اتّجاها نحو مسار من المصالحة بين المقاربة الاقتصاديّة والمقاربة الاجتماعيّة وتأسيسا لاستراتيجيّة "كاسب/كاسب Gagnant/Gagnant "، فلكلّ الأطراف الحقّ في جني ثمار ما يبذل من مجهود وما يُحقّق من نجاحات وأرباح (11)، لكنّ السؤال المطروح، هل تكفي الأسس المادّية والتشريعية والنظرية التي أتينا على بعضها في هذه الورقة لتحسين أداء المؤسّسة التونسية وتطوير قدرتها التنافسية في السوق العالمية ؟ أم أنّ الأمر متعلّق بمسار من التغيّر الاجتماعي وبطبيعة الثقافة السائدة لدى المشتغلين في المؤسّسة وتخصّصاتهم ومستوياتهم التراتبيّة؟
يدفعنا هذا التساؤل إلى محاولة كشف الواقع المعيش للمؤسّسة التونسية لتبيّن مدى استجابتها عمليّا لمقتضيات الواقع الجديد والنظر في ردّة فعلها تجاه ما سُنّ لفائدتها من حوافز ومحرّضات لتأهيل مواردها البشرية.
4 - الواقع الحالي للمؤسّسة التونسية :
لقد مكّنت الدراسات الميدانية والبحوث المقارنة حول المؤسسة الاقتصادية التونسية من الخروج بانطباع مفاده أنّ المؤسسة التونسية تغيّرت وأنّها استفادت من الفرص التي أتاحتها التكنولوجيا الحديثة إنْ في ميدان التسيير والتنظيم أو في ميداني الإنتاج والترويج، غير أنّ هذا التغيّر حدث بدرجات متفاوتة ولم يمسّ كامل النسيج الاقتصادي، هذا النسيج المتّسم بكثرة المؤسسات الصّغرى التي هي إلى القطاع اللاّشكلي أميلُ. فبعض القطاعات ما زالت تتّبع طرق التسيير والإنتاج الكلاسيكية من خلال مركزة القرارات وفرض تراتبية صارمة واعتماد طرق إنتاج مستلهمة من النظريات الكلاسيكية (التايلورية والفوردية) مع ما يعنيه ذلك من غياب طرق التسيير العصري القائمة على مبادئ التصرّف في المعارف Gestions des savoirs المعلومة والاستثمار اللاّمادّي والمعتمدة على منظومة الشبكات المعلوماتية من مثل الأنترانات Intranet والأكسترانات Extranet (12) وهذا راجع إلى كون برامج التأهيل لم تشمل كلّ المؤسسات بالإضافة إلى عامل أساسي آخر يتمثّل في سوء التجاوب مع البرامج التأهيلية الطموحة للدولة، وهذا يضعنا أمام ما يمكن أن يعترض مشاريع التغيير والتحديث من عوائق ثقافية.
إنّ تأهيل المؤسّسة وغرس سلوك مهنيّ إيجابي لدى المشتغلين بها ليس شأن أنظمة التكوين والتعليم فحسب، بل هو أيضا مسار متأثّر بالتّمثلات الاجتماعية ذلك أنّ المعرفة ليست مجرّد ما يُستقى من الكتب أو من مؤسسات التعليم والتكوين بل هي تلك الثقافة والصور وطرائق التفكير والتمثّلات التي يغرسها المجتمع في أفراده (13)، لذلك لا غرابة مثلا أن تنجح تجارب حلقات الجودة في بلد مثل اليابان وتتعثّر في بلدان أخرى. وإلى جانب العامل الثقافي بدت طرق التكوين والتأهيل كلاسيكية لم تواكب بالقدر الكافي ما جدّ في العالم من إنجازات تكنولوجية وما يتّصف به الواقع من تحوّلات مستمرّة، هذا الواقع الذي يُفقد المقاربة الكلاسيكية في التكوين جدواها لأنّ تلك المقاربة برزت في إطار يتّسم بنوع من الاستقرار والتغيّر البطيء فكانت مهمّة التكوين هي إعادة إنتاج المجتمع من خلال نقل نفس المعارف وذات المهارات من جيل إلى آخر(14)، أمّا اليوم فبوجود المؤسسة في محيط غير مستقرّ، واقع تحت تأثير الصعود المتزايد للتكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتّصال، مساحةُ اللاّمتوقع فيه شاسعة وحركة تعقّده متسارعة تتأكّد مسألة اللّجوء إلى الاستثمار اللاّمادّي من أجل خلق ثقافة التغيير والتعلّم المستمرّين لجعل المؤسسة إطارا لبناء المعنى وتحقيق الأهداف المشتركة (15).
في مجتمعات أخرى يتحدّثون منذ فترة عن المؤسسة المعلّمة L'entreprise apprenante التي تمثّل بالنسبة إلى العاملين بها فضاء للتعلّم ، ويتحدّثون عن المؤسسة المؤهّلة L'entreprise qualifiante التي تتيح للأفراد التوفّر على الخبرات والمعارف التطبيقية وتغرس فيهم ثقافة المؤسسة، بهذا الفهم أُوكل دور تعليميّّ تكويني للمؤسسة لا تستطيع الاضطلاع به إلاّ متى وُجد من ضمن مواردها البشرية وإطاراتها من كان قادرا على استيعاب التكنولوجيا الحديثة اللاّزمة لتطوير طرق التنظيم والتسيير والإنتاج والتسويق قصد تعميمها حسب الحاجة على بقية العاملين. يُفترض أن يحدث هذا دون أن يؤدّي امتلاك القدرة على التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة إلى تغذية علاقات السلطة داخل المؤسسة فيتحوّل هذا الامتلاك إلى موضوع للصراع والاحتكار من أجل توسيع هامش ممارسة السلطة.
إجمالا يمكن القول إنّ مسار العولمة الذي ساهمت التقنيات الحديثة في تسريع نسقه يُتيح للمؤسّسة التونسية إمكانات كبيرة لإحداث حراك مستمرّ يمسّ التخصّصات والأشخاص وطرق التسيير وتكوين الكفاءات وترويج المنتوجات، وبالتوازي طرحت التحوّلات الحديثة أمام المشتغلين بالمؤسّسة مشاكل جديدة ومتجدّدة جعلتهم مدعوّين إلى التّعلّم والتأهّل لأنّهم أوّل المعنيّين بالتجديد، غير أنّ تأهيل الموارد البشرية يقتضي خلق تواصل بين الأدوار التي تضطلع بها مؤسّسات التكوين و التعليم و الأدوار التي تؤدّيها المؤسّسات الاقتصادية والإدارية، هذا إلى جانب تأهيل العقليّات من خلال توطين القيم الإيجابية تجاه العمل وغرس سلوك الوفاء للمؤسّسة التونسية (16) فتصبح مسائلُ مثل الجودة والإنتاجية والتوسّع والاندماج في السوق العالمية أهدافا أساسية بالنسبة إلى جميع العاملين بالمؤسّسة. بهذا الفهم يجوز التفاؤل بقدرة المؤسّسة التونسية على مواكبة الأنساق الجديدة للمنافسة ومسايرة المؤسّسات العالمية.
_____________
Crozier M. et Friedberg G. : L'acteur et le système, Seuil 1977.
Plane (Jean-Michel) : La gestion des ressources humaines, Flammarion, 2000, p67.
Bellhareth Mustapha Profil de formation, employabilité et flexibilité, le cas de la Tunisie, in: Mohamed Yassine Essid (sous la direction) : Nouveaux modes d'acquisition du savoir et travail humain, Actes de colloque du GERIM, Université de Sfax, 1999, p.97.
Mohamed Yassine Essid (sous la direction) : Nouveaux modes d'acquisition du savoir et travail humain, op.cit p.15.
بيل جيتس : المعلوماتية بعد الانترنيت، طريق المستقبل، ترجمة عبد السلام رضوان سلسلة عالم المعرفة عدد 231، 1997، ص41
Voir : Riadh ZGHAL : Gestion des ressources humaines, centre de publication uiversitaire, Tunis, 2000, P.130.
Laurence PELMAN : L'employabilité ou la faculté de s'adapter à l'évolution du monde de travail, in Perspectives économiques, Revue électronique de l'agence d'informations des Etats-Unis N°1, février 1998, p.35.
Belhareth Mustapha : Profil de formation, employabilité et flexibilité, Le cas de la Tunisie, op.cit p.9.
أنطوني جيدنز : الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة مالك أبو شهيوة ومحمود خلف، دار الرواد، طرابلس
انظر : علي حمدي :" في التضامن الوطني : قراءة في الإعلان الوطني حول التشغيل أو الوفاق الوطني لمجابهة تحديات العولمة". (مقال في جزئين)، جريدة الشعب، العددان : 9 جانفي / 16 جانفي 1999، تونس.
Ali Hamdi : "Mondialisation et rapport sociaux, essai pour un nouveau jeu social", Revue Etudes internationales.
حول هذه المفاهيم انظر على سبيل الذكر :
Catherine Palierne : L'avantage informatique, Editions d'organisations, N°72n 3/1999, pp.81-82, pp?198-199. Paris, 1998.
Voir : Pierre Verges : La transmission des connaissances face à la culture et à l'histoire, in "Nouveaux modes d'acquisition de savoir et travail humain", op.cit. pp.47-57.
Riadh Zghal : Formation et défis de la globalisation, employé formé ou organisation qualifiante, in "Nouveaux modes d'acquisition de savoir et travail humain", op.cit. pp.59-66.
Jacques Lapointe : stratégie des organisations apprenantes et Nouveaux modes d'acquisition de savoir humain, in "Nouveaux modes d'acquisition de savoir et travail humain", op.cit. pp.67-80.
Slaheddine Berrazega : Mise à niveau des entreprises tunisiennes, La gestion optimale des ressources humaines, L'expert, N°10, du 03 au 09 janvier, 1997.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>