مجتمع المعلومات والتنمية الإنسانية

- النموذج التونسي -

      محمد حسان المناعي – جامعي- تونس-

  ماهو مجتمع المعلومات المنشود؟

هو مجتمع جامع ومنصف قوامه الإنسان يتاح فيه لكل فرد حرية إنشاء المعلومات والمعرفة والنفاذ إليها والإستفادة منها وتقاسمها ونشرها لتمكين الأفراد والمجتمعات والشعوب من تحسين نوعية الحياة وتحقيق ذواتهم الكاملة، وهي مجتمعات تؤسس على مبادئ العدالة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وعلى المشاركة الكاملة للشعوب، ...

مجتمعات معلومات وإتصالات تكون فيها التنمية محاطة بإطار من حقوق الإنسان الأساسية وموجهة نحو تحقيق توزيع للموارد أكثر إنصافا بما يؤدي إلى إستئصال الفقر بطريقة غير إستغلالية وصالحة لتنمية المجتمع بيئيا. إن سد الفجوة الرقمية ليس إلا خطوة على الطريق نحو تحقيق تنمية للجميع.

ذلك هو التعريف الذي صاغته مكونات المجتمع المدني العالمية لمجتمع المعلومات وتبرز جليّة الصبغة المثالية لهذا المجتمع والرغبة في التأسيس لمثل كونية جديدة تسخر تكنولوجيا المعلومات للوصول إلى حالة مثالية لم تتحقق عبر تاريخ الإنسانية.

إنها مقاربة شاملة تضع النضج الإنساني الذي إنبنى عبر تاريخ طويل من العمل العلمي والتطور التقني والإقتصادي والثقافي تضع هذا النضج أمام مسؤولية جسيمة خاصة إذا إقتضى الأمر مجانسة المصالح الفردية والجماعية لتعميم إنتشار التنمية وإستفادة البشر منها دون حدود ولا حواجز دون شروط ولا مميزات.

لقد إحتاجت بلورة تعريف هذا المجتمع وتحديد ملامحه إلى مجهود كبير بذلته مختلف مكونات المجتمع المدني العالمية وشارك في صياغته آلاف المتدخلين سواء عبر شبكة الأنترنات أو خلال الملتقيات التحضيرية والإجتماعات الإعدادية للقمة في مرحلتيها.

ولن نعود في هذا العرض إلى الصبغة الخاصة التي تكتسيها قمة المعلومات من حيث الأبعاد الفكرية والفلسفية التي تثيرها مختلف النقاط الموضوعة على جدول أعمالها والتي نعتقد أنها ستكون إنطلاقة لمجهود فكري إنساني جديد وستأسس لقواعد مساءلة جديدة للفكر الإنساني بصفة عامة غير أننا سنحاول تحليل ما تطمح إليه القمة في مجال العدالة الإجتماعية والتنمية الإنسانية المستديمة وسنقيّم بإقتضاب التجربة التونسية في هذا المجال.

هدفنا في ذلك التأكيد على أن درجات التقدم في مسارات تأسيس مجتمع المعرفة تختلف بين دولة وأخرى وتتفاوت القدرة على هضمها بين مجتمع وآخر، وسنبين أسبقية التمشي التونسي في مجال التنمية الإنسانية التي تجعل من تكنولوجيات الإعلام والإتصال إحدى وسائل خدمة قضايا التشغيل ومكافحة الفقر والأميّة وتحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة بين الجنسين وتكوين الشباب وتفعيل البحث العلمي بما يثمن الموارد الإقتصادية لتحقيق التنمية الشاملة وسنحاول تجنب الأسلوب الدعائي في هذا التحليل لنقدم جملة من الحقائق المرقمة والمؤشرات التي تعتمدها جهات دولية عديدة إذ لا يجب في إعتقادنا أن يهوّن طموحنا الكبير من قيمة ما أنجز وما يمكن أن تنجزه الإرادة السياسية في تعبئة القدرة البشرية على تطويع المعارف والموارد لخدمة الإنسان رغم شحة الموارد وصعوبة مناخ العولمة.

إن مراعاة الخصوصية لا يتناقض مع المبادئ الكونية للعدالة والتنمية وحقوق الإنسان إذا ما تم في إطار ثوابت تراعي تاريخ الشعوب وحضاراتها وتفتح الآفاق أمامها للإنخراط في هذا المجتمع الجديد. تلك هي أسس التمشي التونسي الذي سنحاول إبرازه.

•  عدالة إجتماعية وتنمية مستديمة هدفها الإنسان :

تتمثل التنمية المستديمة في الظروف المعيشية الثقافية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية والبيئية لعيش الأفراد والمجموعات و لا يمكن الحديث عن عدالة إجتماعية في ظلّ تواصل حالات التخلف والفقر والظلم الجيوسياسي والتاريخي القائم على أسس إقتصادية وإجتماعية وسياسية وثقافية وفي ظلّ قيام التوترات والنزاعات الإقليمية وعدم الإستقرار والأمن الداخليين وهو ما ينتج عدم المساواة في توزيع تكنولوجيا الإتصال مما يحد من النفاذ إلى المعلومة بمختلف أنواعها وأشكالها وهو ما يصطلح على تسميته بالفجوة الرقمية التي هي في الحقيقة إسقاط للفجوات الإجتماعية على الإستعمالات الجديدة لتقنية الإتصال لذلك فإن طريق سد الفجوة الرقمية طريق طويل يمر حتما بالتنمية العادلة الشاملة والمتوازنة.

وتعتبر التجربة التونسية في هذا المجال أحد النماذج التي يمكن إعتمادها بإعتبار ما يحققه منوال التنمية في تونس من نجاح في مكافحة الفقر وتحسين مستويات المعيشة والنهوض بالإنسان فلقد سجلت نسبة النمو الإقتصـادي معدل 5% طيلـة السنـوات 1999-2003 رغم الجفاف وأزمة السياحة العالمية وتحسن الدخل الفردي السنوي ليتجاوز 3500 دينار وهو ما يعادل 6500 دولار إذا تم تحيينه بمؤشر القدرة الشرائية P.P.A .

وإرتفع أمل الحياة إلى 73 سنة وتدحرجت نسبة الفقر إلى أقل من 4% وإرتفعت نسبة التغطية الإجتماعية إلى 19,5 % من الناتج المحلي الإجمالي P.I.B ، كما تخصص الدولة حوالي 54% من ميزانيتها للقطاعات الإجتماعية (التعليم والصحة والثقافة والخدمات الإجتماعية الأخرى).

إن هذه المؤشرات والأرقام التي تم التصديق عليها من مختلف المؤسسات والهيئات الدولية سواء المالية منها أو التي تعنى بالتنمية البشرية بقدر ما تعبر عن منوال ناجح للتنمية وعن خيارات مدروسة وهادفة فإن وضعها ضمن مقارنات إقليمية ودولية وقراءتها ضمن مقاربة تفصيلية شاملة يمثل إحدى وسائل التقييم والتموقع.

ولعلّه من الضروري العودة إلى أهم المبادئ التي ينبني عليها المجتمع المثالي الذي كنا أشرنا إليه في البداية والتي دعت إليه وثيقة "تشكيل مجتمعات المعلومات لخدمة الحاجات البشرية" لقراءة ما تحقق منها في تونس نسبيا وما ينتظر التطوير. علما وأن تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لسنة 2005 قد صنف تونس في المرتبة 89 على 170 دولة وأشاد بما تحقق في مستوى التنمية البشرية ببلادنا.

مكافحة الفقر

ورد في إعلان المجتمع المدني أن القضاء على الفقر يجب أن يكون أولى أولويات القمة فبدون التصدي للفوارق القائمة لا يمكن تحقيق تنمية مستديمة تشمل تكنولوجيات المعلومات والإتصال الجديدة. ولقد تفطنت تونس إلى ما تمثله الفوارق الإجتماعية من خطر على البنية المجتمعية وعلى التطور الإقتصادي مهما كانت المجهودات المبذولة فصُنفت برامج مكافحة الفقر والتهميش ضمن الأولويات الوطنية وتجندت مختلف أجهزة الدولة لوضع البرامج وإقتراح التشريعات للتقليص من الفقر عبر تعميم التنمية وتوزيع الإستثمار على الجهات وبرزت برامج التنمية المندمجة والبرامج الخصوصية لتحسين مستوى الحياة وأعطيت حرية التخطيط والبرمجة إلى الجهات بما مكن من الإطلاع على الخصوصيات الإقتصادية والتركيبة الإجتماعية لكل جهة فتّم توجيه الإستثمار العمومي إلى الجهات التي تشهد ضعف الإستثمار الخاص بما يساهم في التقليص من التفاوت الجهوي ويعطي حركية إقتصادية في المناطق الداخلية، كما قام صندوق 2626 بمجهود عميق داخل المناطق التي كانت تمثل جيوب فقر وتهميش لضعف إمكانياتها الإقتصادية ولعوامل تاريخية وجغرافية متعّددة فإنخفضت نسبة الفقر في تونس إلى حوالي 3% وتطور نسق نمو الإنفاق الفردي بنسبة 8% سنويا خلال السنة 1995-2004. مما مكن من توسيع الطبقة الوسطى في تونس لتشمل 80% من السكان.

لقد كان لهذا المجهود أثر في تحقيق نوع من العدالة الجهوية والإجتماعية ولكنه سهل كذلك إعداد المجتمع لتقبل شكل جديد من أشكال التعاطي مع المعلومة بما وفره من ظروف عيش محسنة ساهمت في تسهيل النفاذ نسبيا إلى تقنيات الإتصال الجديدة.

العدالة بين الجنسين :

مثل موضوع العدالة بين الجنسين أحد أهم محاور التنمية الإنسانية في الوثائق التي أعدّها ممثلو مكونات المجتمع المدني خلال المرحلة الإعدادية وقد برزت النصوص في شكل قوي يكرس مبادئ المساواة بين الجنسين وعدم التمييز وتحرير المرأة وهي المبادئ المعلنة في مؤتمر (بيكين) (المؤتمر العالمي الرابع للمرأة) كما شدد على ضرورة إقحام المرأة في مجالات إختيار التكنولوجيات وتطويعها وإستعمالها وتملكها بشكل تتساوى فيه مع الرجل وتمت الدعوة إلى إصدار النصوص والتشريعات الوطنية التي تتماشى مع الإعلانات الدولية في الغرض. ولسنا نحتاج لأن نقول أننا في تونس بقدر ما نهتم بهذه النصوص بغرض الإطلاع والتعمق والمقارنة وبقدر ما نتحمس لأن يتم تبني هذه النصوص من طرف المجموعة الدولية فإننا نحس بإعنزاز إتجاه وضع المرأة الذي ما فتئ يتدعم لا على مستوى النصوص والتشريعات فحسب بل كذلك في مستوى الممارسة ضمن مختلف الأنشطة الإقتصادية والسياسية وعموما في كل ما يتعلق بحياة الإنسان.

لقد مكن نجاح سياسات تحديد النسل التي إعتمدتها تونس منذ الستينات من تحسين وضع المرأة الإجتماعي بتخفيف الضغط عليها وبإدماجها ضمن الدورة الإقتصادية وتناهز نسبة النمو الديمغرافي حاليا 1% بما يمثل إستقرارا في التطور الديمغرافي وتحسن في المستوى المعيشي للعائلة.

كما كان للسياسة التعليمية العمومية أثر كبير على وضع المرأة التونسية داخل البنية المجتمعية وتستقطب الجامعة اليوم 360 ألف طالب 54% منهم إناثا ويتخرج منها سنويا حوالي 50 ألف حامل شهادة عليا أكثر من نصفهم إناثا وتبلغ نسبة الطبيبات 37% من الأطباء عموما وتبلغ هذه النسبة في قطاع التعليم الأساسي والثانوي حوالي 52% كما تبلغ نسبة النساء في ميدان القضاء حوالي 28% أما على مستوى الممارسة السياسية وتواجد المرأة داخل أجهزة السلطة فإن نسبة حضورها في البرلمان تبلغ 22,8 % وهي تتواجد في الحكومة بنسبة 7,1 % وفي المجالس البلديـة بـ 25%.

أما فيما يخص الحقوق والتشريعات فإن ما تحقق في تونس منذ الإستقلال وتدعم عبر المسيرة التحديثية يمثل بحق نموذجا رياديا في المجتمعات العربية والإسلامية ولسنا نحتاج إلى التذكير به في مثل هذه المجالات الضيقة ولكننا نستحضر للمقارنة فقط ما تباحث فيه ممثلو الحكومات والمجتمع المدني للدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط خلال ملتقى بالمغرب ضمن مبادرة الشراكة للشرق الأوسط M.E.P.I مؤخرا من ضرورة وضع نسب إجبارية لحضور المرأة في الحياة السياسية قد تصل في أحسن الحالات إلى 10%  !!! .

ومن البديهي بأن إرتفاع نسب المرأة المتعلمة ودخولها إلى الحياة العملية النشيطة قد مكنها من إقتحام ميدان تكنولوجيات الإتصال بكل ندية في المجتمع التونسي.

أهمية الشباب :

يتفق واضعو وثيقة "تشكيل مجتمعات المعلومات لخدمة الحاجات البشرية" على أن الشباب يمثل "القوة العاملة للمستقبل" فهو المطور للتكنولوجيا وهو المبدع في الذكاء والإبتكار وهو كذلك أهم مستعملي تقنيات الإتصال لذلك فإنه على الأمم والحكومات أن توليه أهمية قصوى فتسخر كل الإمكانيات المتاحة لتحسين ظروفه الدراسية وحياته العلمية وإدماجه في الدورات الإقتصادية عبر تشجيع الشبان على مواكبة العلوم والمعارف وتمكينهم من عوامل التطوير والمساهمة وتثمين تجاربهم وترسيخ عقلية الإبتكار والإختراع لديهم وتشجيعهم على بعث المؤسسات الخاصة والدخول في عالم المقاولات والأعمال بإنشاء المشاريع ذات الأحجام المختلفة مستفيدين من تنوع المهن والإختصاصات التي توفرها التكنولوجيات الحديثة.

ولئن كان هاجس الدول المتطورة هو ضمان تكوين الشباب بما يجعله يحافظ على نسق التطور وعلى مكاسب التقدم التي تعيشها مجتمعاته فإن الشباب في الدول النامية قد يمثل عبئا إجتماعيا وسياسيا ثقيلا إذا لم توضع له المخططات والسياسات التعليمية والتنموية اللازمة لحسن تكوينه وإستيعابه ضمن الدورة الإقتصادية وتجنيبه مشاكل الإقصاء والتهميش. وفي قراءة للواقع فإن الوضع الدولي الحالي يزيد من تعقيد ظروف الشباب داخل هذه البلدان.

ونعود للتمشي التونسي الذي وإن كان بصدد التطوير والتحديث فإنه بدأ يعطي نتائج جدّ إيجابية مقارنة بحجم الضعوط الديموغرافية والواقع الإقتصادي لتونس، فلقد أثبتت المقاربة التونسية في مجال إستشراف مستقبل الشباب على جعل التحدي العددي فرصة إقلاع للمجتمع التونسي عبر تثمين الطاقات الهائلة التي يمتلكها الشباب لخدمة التنمية والتقدم في مختلف المجالات، لذلك فقد تمت المراهنة على التعليم بإعتباره العمود الفقري لمجتمع المعرفة ولئن كان التعليم قد أخذ الصبغة الإجبارية منذ السنوات الأولى للإستقلال فإن تحديثه بما يتماشى مع مقتضيات التطور مثّل مشروعا سياسيا كبيرا عملت الدولة على إرسائه منذ بداية التسعينات إذ كان من الضروري الرفع من نسب التمدرس وتحسين المردود الداخلي للمؤسسات التعليمية وإعطاءها صبغة جديدة، فبعد أن كان الهدف إعطاء حق في التعليم للجميع أصبح تأسيس حق نجاح لكل الفئات، أحد أهداف المنظومة التربوية والتعليمية وفي نفس الإطار جاء تركيز المدرسة الأساسية لضمان حق التمدرس إلى حدود 16 سنة على الأقل كما عرفت منظومة التكوين المهني إعادة تشكيل كاملة جعلتها إحدى أهم منظومات إعداد الشباب للإندماج السريع في الإقتصاد المعولم عبر توفير 65 ألف فرصة تكوين سنويا في مهن مطلوبة واعدة وتبرز ثمرة هذه المجهودات في ما يشهده التعليم العالي حاليا في تونس. إذ تعرف هذه المنظومة حاليا أهم فترة تحولات ستمكن تونس من الإلتحاق بمؤشرات الدول المتقدمة خلال سنوات قليلة إذ ستبلغ نسبة التمدرس في التعليم العالي للشريحة العمرية 19-24، 50% سنة 2009 أي ما يعني أن نصف الشباب سيمر بالجامعة وهو ما يعني كذلك إحتكاك نصف شباب تونس بتكنولوجيات المعلومات بصفة مباشرة وإستعمالها ولو جزئيا في الدراسة أو البحث ويتجاوز دور منظومة التعليم العالي عبر الجامعات إقحام الشباب في مجال تكنولوجيا المعلومات ليشمل إعداده الإعداد الجيد والمدروس لسوق الشغل التي تتطور وتتغير بإستمرار، وذلك عبر تنويع التخصصات وإحداث المسالك الجديدة ومتابعة التطورات التي تعرفها المهن وتبلغ التخصصات في منظومة التعليم العالي بتونس اليوم ما يقارب 500 إختصاص لدى الدخول إلى الجامعة و 850 عند التخرج منها كما تتوزع هذه التخصصات على الجامعات وعلى كل الجهات وكل الشرائح وليس في الأمر جديدا إذ قلنا في سياق إشاراتنا إلى علاقة ذلك بتكنولوجيا المعلومات أنه كلما إلتصقت الجامعة بمكونات المجتمع كلما تحسنت نسب إستعمال التكنولوجيا وآرتفعت جرعات التطور المعرفي بما يزيد من تأهيل الشباب وتحسين محيطه.

غير أن من البديهي أن تعليم الشباب وتكوينه وتدريبه لا يمثل إلاّ نصف الطريق أمام تحدي إدماجه لذلك فقد تزامن وضع سياسات التعليم والتكوين مع برامج إدماج وتأهيل سخرت لها الدولة جهودا جبارة حتى يتم تثمين التعليم عبر إستثماره في إقتصاد المعرفة بشكل إيجابي وفي هذا الإطار تتنزل برامج الرفع من التشغيلية لدى خريجي التعليم العالي والتشجيع على نشر ثقافة إحداث المؤسسات والتعريف بمختلف أشكال العمل الجديدة وفتح الآفاق أمام الشباب عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وإختزال الآجال والتشجيع على الإنتداب بتحمل الدولة لجزء هام من أجور حاملي الشهائد العليا المنتدبين الجدد في المؤسسات الخاصة.

النفاذ إلى المعلومات ووسائل الإتصال :

لقد تطور مفهوم النفاذ إلى المعلومات ووسائل الإتصال ليتخذ شكل المنفعة العمومية وأحد أشكال الإنتفاع من الديمقراطية وقد نادت وثيقة "تشكيل مجتمع المعلومات لخدمة الحاجات البشرية" بالتصدي للا مساواة في النفاذ إلى المعلومات ووسائل الإتصال وإن كان وجه اللامساواة بارزا عبر الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب وكذلك التباين المستمر بين البلدان المتقدمة والبلدان الأقل تقدما فإن هذه الفجوة موجودة داخل نفس المجتمعات عبر التفاوت في توزع التكنولوجيا على الجهات أو الفئات.

وفي قراءة أقرب للواقع نضطر إلى التذكير مجددا بالصيغة جدّ مثالية لشكل المجتمع الذي تطمح إليه مكونات المجتمع المدني العالمية وإن كنا نتبنى هذا الطموح نظريا.

فإن الحقيقة أن النفاذ إلى المعلومات يبقى أمرا يرتبط بتوفر التقنية اللازمة التي تمكن من الدخول إلى الشبكات أو تلقي المعلومات وإذاعتها ونشرها بالطرق التكنولوجية الحديثة، وليس من السهل على مجتمعات مازالت أولوياتها تتمثل في تحقيق الغذاء وتوفير الظروف الصحية المعيشية لأفرادها وتأمين السلامة الجسدية ليس من السهل عليها إقامة منظومات نفاذ إلى تكنولوجيا المعلومات بشكل عادل.

وتدل المقارنات الإحصائية على تباين كبير في الأرقام والأكيد أن مؤشرات تقييم درجة الإندماج في مجتمع المعرفة تحتاج بدورها إلى التطوير والتحسين لتعطي صورة أصدق عن حجم الفجوة الرقمية وعن مجهود التطوير الذي تبذله الحكومات والمجتمعات للحد منها.

أما في تونس فإنه كان من نتائج الإنتعاشة الكبيرة التي عرفها قطاع تكنولوجيات الإتصال بفضل الطفرة الكبيرة التي عاشتها البنية الأساسية بداية من سنة 1995 والمتمثلة في ما تم إستثماره في إقامة الشبكات وتركيز التجهيزات الضرورية والتشجيع على إستعمال شبكة الأنترنات وإدخال الخدمات الإتصالية الرقمية أن تحسنت نسبة مستعملي الأنترنات لتفوق 90 مستعمل لكـل ألف ساكـن ويصنف مؤشـر DAI Digital Access Index الذي يعدّه الإتحاد الدولي لإتصالات تونس UIT ضمن المرتبة 96 سنة 2003 وأقـل من 80 سنة 2005 أما مؤشر الجاهزيـة الرقميـة E-readiness الذي يصدره المنتدى الإقتصادي العالمي والذي يعنى بجاهزية البنية التحتية للنفاذ للمحتوى الرقمي فإنه يصنف تونس ضمن المرتبة 31 أي في الترتيب الثاني عربيا بعد الإمارات العربية المتحدة.

غير أنه من الضروري الإشارة إلى أن النفاذ إلى المعلومات ووسائل الإتصال لا يكفي لسد الفجوة الرقمية إذا لم تتوفر الظروف الموضوعية المتعلقة بجملة مؤشرات التنمية الإنسانية وقابلية المجتمعات لهضم التطور التكنولوجي السريع وخاصة للإنتفاع من المحتوى الرقمي في علاقة تفاعليـة لا تكتفي بإستهلاك الجاهـز وإنتظار ما يجـود به " الخيرون علينا" من مالكي التكنولوجيات ومطوريها.

وأحسن دليل على أن حداثة الشبكات وإرتفاع مستوى التجهيز التقني لا يعني مباشرة الإنخراط في مجتمع المعلومات ما يتوفر في الإمارات العربية المتحدة من مستوى تجهيز عال ومن تقنية رفيعة متطورة دون أن تعتبر هذه الدولة من الدول التي إنخرطت في مجتمع المعلومات.

محو الأمية الأساسية :

مثّل موضوع محو الأمية الأساسية أحد نقاط إهتمام مكونات المجتمع المدني العالمية عبر دعوة إلى مقاومة الأميّة بالنفاذ الشامل إلى التعليم الذي يبني القدرات والمهارات ويهيئ لإستخدام التكنولوجيا ويساهم في مشاركة نشيطة لشرائح أوسع من المواطنين في تصريف شؤونهم وتعتبر الأمية أحد أهم أسباب تخلف الشعوب وتوسع الفجوة الرقمية لأنها تغلق الباب أمام أي نفاذ إلى التكنولوجيا وإلى الحداثة بصفة عامّة. وتتفاوت نسب الأمية داخل البلدان النامية وترتفع في بعضها بشكل مفزع.

أما في العالم العربي فإنها مازالت تمثل عبئا ثقيلا وتتراوح بين 13% و 70% وهو ما يطرح مجهودا كبيرا ومكلفا في القضاء عليها وتزداد خطورتها تعقيدا إذا علمنا أن إنتشارها لا يمس شرائح عمرية متقدمة فقط بل إنه يمثل كذلك فئات شبابية كبيرة.

أما في تونس فإن الدولة جعلت من محو الأميّة سياسة وطنية وضعت لها كل الإمكانيات وتم تسخير أجهزة ووسائل متعدّدة ضمن جهود موحدة لبلوغ هدف التقليص منها إلى حدود 10% سنة 2006 وإلى حدود سنة 2004 آنتفع من برنامج تعليم الكبار في تونس حوالي 100 ألف شخص ويطمح هذا البرنامج إلى القضاء على أميّة 250 ألف شخص إلى حدود 2009 وقد مثلت التجربة التونسية نمودجا إعتمدته عديد المنظمات والمؤسسات العاملة في مجال التنمية البشرية كالألسكو، واليونسييف، واليونسكو وتختص هذه التجربة بالتوفيق بين وضع سياسة لمحو الأمية تساعد على تشغيل خريجي الجامعات وتعمل على إدماج المتعلمين من الكبار ضمن الدورة الإقتصادية وبالتالي تغيير مسالك حياتهم وتحسين مؤشرات عيشهم بمجرد التخلص من شبح الأميّة.

حقوق الإنسان كركيزة أساسية لمجتمع المعلومات :

لقد شددت مكونات المجتمع المدني العالمية في الوثيقة التحضيرية التي أعدتها لقمة مجتمع المعلومات على ضرورة أن يقام مجتمع المعلومات على أساس حقوق الإنسان التي تشمل الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية بما في ذلك حقوق التنمية والحقوق اللغوية وأن تعمل الحكومات والمؤسسات الدولية على مراعاة الترابط التام لتكامل هذه الحقوق وأن تبادر بتركيزها وتطبيق الإتفاقيات بشأنها وحمايتها وتم التأكيد على الحقوق التالية بإعتبارها أساسية ضمن المسيرة نحو مجتمع المعلومات :

•  حرية التعبير

•  الحق في الخصوصية

•  حق المشاركة في الشؤون العامة

•  حقوق العاملين

•  حقوق الشعوب الأصلية

•  حقوق المرأة

•  حقوق الطفل

•  حقوق ذوي العاهات والمعاقين

•  تناغم القواعد التنظيمية مع المعايير الدولية

وهكذا فإن أغلب وأهم حقوق الإنسان التي يعمل الجميع على تحقيقها هي حقوق ترتبط أساسا بالتنمية البشرية وبتحسين مستوى الحياة لمختلف الفئات والشرائح الإجتماعية لأنه لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان في مجتمعات تعاني التخلف والحرمان والجهل والأميّة، إن تحقيق التنمية البشرية بنسب هامة ومرتفعة يساهم في خلق حاجيات جديدة لدى الإنسان لعلّ أهمها الحقوق السياسية والفكرية.

وقد تمكنت تونس من الربط المتين بين التقدم في تحسين مستويات التنمية البشرية وإرساء

قواعد ومحضورات حقوق الإنسان في مفهومها الشامل ولا يسمح المجال هنا بتعداد كل التشريعات التي تم إصدارها لتعزيز منظومة حقوق الإنسان وتنزيلها ضمن الأولويات المطلقة في مستوى التنفيذ والممارسة والإرتقاء بها إلى المنزلة الدستورية بما يعني علوية حمايتها وتطويرها.

إلا أنه تجدر الإشارة إلى ما بذل لتطوير القوانين المنظمة للصحافة ولعمل الأحزاب ولما شهده العمل الجمعياتي والمنظماتي من دفع إرتقى بمكونات المجتمع المدني التونسي إلى مستوى الشريك الفاعل في المنظومة التنموية. وساهم في تطوير الحياة السياسية بما عزز المشاركة في الحكم ضمن تمشي رصين يضمن الإستقرار ويحافظ على مكاسب التنمية.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org