دعم للمسار الديموقراطي ...ومنظومة حقوقية ثرية
د. عبد الله الأحمدي
محام -أستاذ جامعي-تونس
منذ تحوّل السابع من نوفمبر 1987 شهدت البلاد التونسية إصلاحات جذرية وإنجازات كبيرة شملت العديد من الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعرفت البلاد نموا مطردا تجلى في الزيادة في نسبة النمو ونشر الثقافة والتكنولوجيات الحديثة والبنية التحتية واهتمام بحاجيات الفئات الضعيفة.
على أن من بين الإنجازات الهامة مختلف الإصلاحات التي تمت في الميدان السياسي وكذلك حقوق الإنسان.
1/ الإصلاحات السياسية :
لقد تركزت الإصلاحات السياسية على جملة من المحاور منها :
ـ إلغاء الرئاسة مدى الحياة، لقد تمّ تنقيح الدستور بموجب قانون دستوري مؤرخ في 25/10/1988 بموجبه تمّ إلغاء الرئاسة مدى الحياة التي كان معمولا بها في العهد القديم وبذلك وقع الرجوع إلى قيم الجمهورية المبنية على الديمقراطية والتداول على الحكم بموجب انتخابات دورية.
ـ إقرار التعددية : مما لا شكّ فيه أن من أبرز مظاهر الديمقراطية التعددية السياسية التي تمكن جميع الأطراف من المشاركة في الحياة السياسية وتحمل المسؤوليات وفي هذا النطاق تم تنقيح الفصل الخامس من الدستور في غرة جوان 2002 وأصبح هذا الفصل ينصّ على قيام الجمهورية التونسية على مبادئ التعددية.
وفعلا تمّ وضع الإطار القانوني والدستوري لنشاط الأحزاب السياسية التي أصبحت خاضعة للفصل الثامن من الدستور الذي حدد المبادئ التي يجب أن يرتكز عليها نشاط كل حزب سياسي ومن بينها المحافظة على مكاسب الأمة والنظام الجمهوري ومبدأ سيادة الشعب وخاصة نبذ العنف والعنصرية كما أن قانون الأحزاب السياسية الصادر في 03 ماي 1988 أقر جملة من الضمانات القضائية لكي تتمكن الأحزاب السياسية من ممارسة نشاطها من ذلك أنه لا يمكن حل الأحزاب السياسية إلا بمقتضى حكم قضائي تتوفر فيه جميع الضمانات.
كما أن مظاهر التكريس الفعلي للتعددية تنقيح المجلة الانتخابية سنة 1990 لتمكين المعارضة لأول مرة من الترشح لانتخابات البلدية كما تمّ تنقيح نفس المجلة لتمكين المعارضة من الدخول إلى مجلس النواب أي البرلمان لأول مرة في تاريخ البلاد التونسية وذلك سنة 1994 وبذلك أصبحت المعارضة ممثلة في هذين الجهازين بعد أن كان مجلس النواب في العهد السابق ذا لون واحد إذ لا لم يكن يضم سوى ممثلي الحزب الحاكم آنذاك.
كما تمّ تنقيح الدستور مرتين لتسيير الترشح لانتخابات الرئاسية التي شهدت التعدد إذ ترشح عدد من الأفراد لانتخابات الرئاسية سواء سنة 1999 أو سنة 2004 وبذلك ولى عهد الترشح للانتخابات الرئاسية من قبل شخص واحد كما هو الشأن في العهد السابق.
ـ تدعيم المسار الديمقراطي : لقد أدخلت على الدستور وعلى المجلة الانتخابية العديد من التنقيحات الرامية إلى تدعيم المسار الديمقراطي ويتجلى ذلك في عدة عناصر من أهمها التوسيع في نطاق الاستفتاء إذ أصبح الشعب يستفتي مباشرة في المسائل الهامّة التي تتصل بالمصلحة العليا للبلاد وتجسيما لهذا المبدأ تمّ تنقيح الدستور عام 2002 بموجب استفتاء شعبي نظم لأوّل مرّة في تاريخ تونس.
ومن المعلوم أن الاستفتاء هو مظهر من مظاهر الديمقراطية المباشرة فضلا على انه يجعل من الشعب هو المشرّع حسب تعبير المفكر الفرنسي روسو الذي يرى أن كل قانون لم يصادق عليه الشعب شخصيا باطل وليس قانونا.
ومن مظاهر تدعيم الديمقراطية أيضا تدعيم مراقبة مجلس النواب لأعمال الحكومة وذلك بإحداث آليات ناجعة من بينها تنظيم جلسات دورية للأسئلة الشفاهية تتعلق بموضوع الساعة وإقرار حوار بين البرلمان والحكومة وتمكين النواب من المصادقة على لائحة لوم ضد الحكومة إذا ما خالفت السياسة العامّة للدولة والخيارات الأساسية التي نصّ عليها الدستور.
وتمّ أيضا إحداث مجلس المستشارين وفي ذلك تدعيم للديمقراطية وتمكين المجتمع المدني من المشاركة في السلطة التشريعية وإثرائها وإكسابها أكثر تمثيلية لمختلف فئات الشعب باعتبار أن هذا المجلس يضم ممثلين عن الهيئات المهنية والبلديات.
ولا شك أن من بين مظاهر الديمقراطية الترشح لمختلف الانتخابات سواء كانت بلدية أو تشريعية أو رئاسية ولا يتأتى ذلك إلا بإقرار أحكام قانونية تنظم سلامة الانتخابات وفي هذا الإطار تتنزل مختلف التنقيحات التي أدخلت على المجلة الانتخابية التونسية عدة مرّات وهي ترمي أساسا إلى ضمان الشفافية في العمليات الانتخابية وإحكام تنظيم عمليات التصويت وذلك بإلزام الناخبين بالتوقيع على قائمة الناخبين والتثبت من هويتهم وتمكين المترشحين أو ممثليهم من حضور عمليات الاقتراع والفرز وكذلك حقهم في الطعن في الانتخابات ويختص المجلس الدستوري بالنظر في الطعون المتعلقة بصحّة الترشحات للانتخابات الرئاسية والتشريعية وهذا المجلس يتركب من شخصيات ذات الكفاءة العالية في القانون الدستوري وهو يراقب أيضا مدى ملائمة القوانين للدستور إذ أن رئيس الجمهورية يعرض عليه مسبقا مشاريع القوانين قبل المصادقة عليها من طرف البرلمان كما أن قرارات المجلس الدستوري ملزمة لجميع السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية.
2/ الإصلاحات في ميدان حقوق الإنسان :
لقد أدخلت على الدستور ومختلف القوانين تنقيحات عديدة في ميدان حقوق الإنسان وخاصّة بعد الإصلاح الدستوري الذي تمّ في غرة جوان 2002 وأصبح الدستور ينصّ على جملة من المبادئ الأساسية ذات الصلة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية من بينها الفصل الخامس الجديد الذي أصبح ينصّ على أن الجمهورية التونسي تضمن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان كما نصّ أيضا الفصل الخامس من الدستور على كونية وشمولية وتكامل وترابط حقوق الإنسان وكذلك على ضمان كرامة الإنسان وتنمية شخصيته.
وأقر أيضا الدستور ضرورة معاملة الأشخاص الموقوفين معاملة إنسانية في كنف احترام كرامته كما نصّ الفصل 12 من الدستور على إخضاع الاحتفاظ والإيقاف التحفظي للرقابة القضائية وحجر الدستور تعريض أي مواطن للاحتفاظ أو الإيقاف التعسّفي وأقرّ أيضا الدستور دولة القانون وعلويته وبالإضافة إلى الأحكام الدستوري الواردة في الدستور وقع سن قوانين أخرى عديدة لحماية وتدعيم حقوق الإنسان منها تكريس الحق في تكوين الجمعيات بتنقيح القانون المنظم للجمعيات وتنقيح مجلة الصحافة لضمان حرية التعبير والتخفيف من بعض الأحكام الجزائية الواردة فيها وكذلك فصل إدارة السجون عن وزارة الداخلية وإلحاقها بوزارة العدل لمزيد توفير الضمانات للمساجين وجعلهم خاضعين لرقابة وزارة العدل وسن قانون خاص يقرّ حقوقا للمساجين تضمن كرامتهم وحرمتهم أثناء الإيقاف كما انه من بين القوانين الرائدة في تونس قانون جديد يقضي بمنح تعويضات للأشخاص الذين تمّ إيقافهم ثم قضت المحكمة ببراءتهم ففي هذه الصورة يمكن لهم المطالبة بغرامات لجبر الضرر الذي لحقهم من جراء الإيقاف خاصة إذا طالت مدّته ولا شك أن في سن هذا القانون حماية للحرية والكرامة الفردية.
وبالإضافة إلى مختلف الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مثل الحق في الشغل وقع الاهتمام بالفئات الضعيفة مثل الأطفال الذي تحميهم مجلة حماية الطفل وتعتبر تونس من الدول القلائل في العالم التي سنت مجلة خاصّة بالأطفال عام 1995 كما انه تم تنقيح مجلة الأحوال الشخصية عام 1993 في اتجاه تدعيم المساواة بين الرجل والمرأة وتمكين هذه الأخيرة من المساهمة في تسيير شؤون الأسرة وتربية الأطفال، ومعلوم أن التشريع التونسي يمنع تعدد الزوجات ويمنح للمرأة الحق في طلب الطلاق مثل الرجل وإقرار حقها في طلب تعويض الأضرار التي تلحقها في صورة تطليقها بصفة تعسّفية.
كما انه صدرت قوانين تحمي المعوقين والمسنين وذلك بتمتيعهم بعدّة امتيازات ورعايتهم سواء فيما يتعلق بالصحة أو السكن ومختلف الحاجيات الضرورية الأخرى. وبالإضافة إلى ذلك فقد انخرطت تونس في كل المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وذلك بالمصادقة عليها بدون احترازات مثل الاتفاقية الأممية لمناهضة التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، وبذلك أصبحت لتونس منظومة قانونية متكاملة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ممّا جعلها تنتخب عضوا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وهو انتخاب يدلّ بكل وضوح على أهميّة الإصلاحات التي تمّت في هذا الميدان وتتميّز المقاربة التونسية لحقوق الإنسان بالشمولية والترابط إذ لا مفاضلة بين حق على آخر باعتبار أن الفرد في حاجة إلى التمتع بحقوقه المختلفة سواء كانت الفكرية أو السياسية و الاقتصادية أو الاجتماعية إيمانا بالتلازم الوثيق بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية وحقوق الإنسان وهي تعمل على التكريس الفعلي لهذه الحقوق على أرض الواقع فهي حقوق فعلية وليست شكلية خاصّة وانه تمّ بعث مؤسسات تعمل على احترام وتكريس تلك الحقوق مثل الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي من أهمّها مساعدة رئيس الجمهورية على دعم حقوق الإنسان وتطويرها فضلا على السلطة القضائية باعتبار أن القاضي هو الحامي الطبيعي للحريات الذاتية.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>