وطن الثقافة:
في الأبعاد الفكريّة لإستراتيجيّة التّغيير
د.عثمان بن طالب
أستاذ جامعي- تونس
أن يَكون للثقافة وطن مؤسّساتي يحضنها ويدعمها ويجعل منها مقوّما أساسيّا من مقوّمات هويّته، وأن تكون فكرة الوطن جامعة لشروط المواطنة المدنيّة ومعادلات المنهج العقلاني ومتطلّبات التّأصيل، لا شكّ أن المشروع التونسي الحديث للتّغيير قد جسّد على أرض الواقع هذين المطلبين برؤية سياسيّة خاضعة لمنطق الإجتهاد والحوار ولمنهجيّة الإصلاح.
إن علاقة الإنسان المواطن بفضائه التاريخي وبالسّلطة لم تتأسّس دائما على قيم الإجتماع المدني وحركيّة العمران البشري، بل ورثت تونس الواقع العربي بما ميّزه من دغمائيّة إيديولوجيّة أو دينيّة قائمة على العصبيّة والهويّة الضّيّقة، بخلفيّة المعاينة الخلدونيّة لإشكاليّة المعادلة العمرانيّة، وتداعياتها التاريخيّة من الإستبداد إلى الفساد، من أزمة المجتمع إلى معضلة الحكم.
من هذا المنطلق، إن علاقة الوطن بالثقافة هي مسألة تتعلّق بالإختيارات الجوهريّة في إطار إعادة قراءة تاريخ الفكر العربي المعاصر من ناحية، وبقدرة هذا الفكر على إبداع البديل التاريخي والحضاري وتجاوز التّرسّبات والأزمات المزمنة الّّتي شلّت فيه طاقة العقل وقدرة الإرادة.
لم يكن التّغيير حدثا مرتبطا بأزمة الحكم وبمنطق السّلطة، بل إن المفهوم في حدّ ذاته كانت له طاقة توليديّة لمشروعيّته الثّقافيّة والوطنيّة، لأنّه انبنى على ثقافة سياسيّة نقديّة بالمعنى الفلسفي. تأسّست هذه الثّقافة على ثلاثة أبعاد فكريّة استراتيجيّة:
أوّلا: البعد المرجعي: يجمع هذا البعد بين مقوّمات الهويّة الوطنيّة ورموزها من دين ولغة وتاريخ حضاري ورصيد إصلاحي...وبين الرؤية الإجتهاديّة لتنزيل هذه المقوّمات والرّموز في جدليّة الفضاء المفتوح على الغيريّة والكونيّة ونبذ العصبيّة...
لقد تطلّبت هذه المعادلة منهجا عقلانيّا يرفض تقديس التراث وتحنيطه، بل يجعل منه منطلقا ذاتيّا للإبداع الحضاري والإقدام على تحديّات الحداثة.
إن البعد المرجعي في ثنائيّة الوطن والثقافة هو بالأساس رؤية مستقبليّة جديدة تُخرج الخطاب العقلاني من دائرة النّخبة وفلك السلطة وتذهب به إلى عمق المجتمع ليصبح ثقافة فاعلة ومنتجة، ومواطنة متحرّرة من عقدة الهويّة الدّفاعيّة الصّداميّة. من هنا يكون مفهوم الدولة متجذّرا في الفضاء الإجتماعي المدني بمشروعيّة التّحديث والإنتماء.
إن البديل التاريخي لأزمة الحكم والمجتمع في تاريخنا وفكرنا العربي لا يمكن أن يتأسّس إلاّ باعتباره مشروعا ثقافيّا نقديّا حداثيّا وقدرة على الإستنباط المعرفي. لذلك ضاعت أوطان وغرقت أوطان أخرى في عزلة السلطة وغربة الإنسان وفي الصّراعات المدمّرة والتّخلّف وفقدان السّيادة...
لقد أكّد فلاسفة الغرب نقّاد الحداثة في مهدها على أن الإرتقاء بالممارسة الفكريّة والسياسيّة إلى مستوى المعاصرة المسؤولة التي تفرضها متغيّرات الإنسانيّة، يتطلّب بالأساس الإعتماد على قدرة العقل على نقد منجزاته من أجل أنسنة واقع الحياة وفكرة الوجود. ومعادلة الهويّة الثقافية الوطنية بين الموروث والمستحدث، بين الذّات والآخر، بين الفرد والمجتمع تنطلق من هذا المنهج النّقدي السّليم الذي يعتبر أن ذاكرة الوطن هي ثقافته، وأن الثقافة هي إبداع للوطن أي لفضاء التّعايش والمعاصرة والإرادة الحرّة للفعل والإنجاز.
إن البعد المرجعي لا يتعلّق، في ثقافتنا، بالقدرة التّعبويّة للتاريخ، بقدر ما يتعلّق بقدرة الذاكرة الجماعيّة على احتضان تحديّات حداثتها وأسئلة مستقبلها في خضمّ الضبابيّة الفكريّة الراهنة التي ولّدت نقيضين متصارعين: الهويّة القوميّة الدينية المتطرّفة في فهمها لوجودها وممارستها، والنّزعة التّدميريّة الجديدة لدعاة صراع الحضارات والثقافات والفوضى الخلاّقة.
لقد استندت كلّ محطّات التّغيير في تونس على مقاربة ترفض الخضوع لحتميّة هذين النّقيضين. وقدّمت بذلك أجوبة تاريخيّة لتداعيات تسييس الدّين وانغلاق الهويّة من ناحية ولمخاطر وانعكاسات ثقافة الموت ونهاية التاريخ والفكر الواحد من ناحية أخرى.
بين انحرافات القطيعة مع الذاكرة من نسغ حيّ واتّصال بالقيم الأصيلة من جهة طبيعة العلاقة مع الآخر، والإنجذاب إلى السّلفيّة الجامدة في أوهام الماضي وترسّباته، اختارت تونس منظومة مرجعيّة كانت محصلة لقراءة تاريخيّة للذّات، وكان المشروع السياسي تجسيدا لهذه القراءة وتكريسا لها في الخطاب والإختيارات والمؤسّسات، وهذه الجدليّة بين المصالحة والإصلاح هي تعبير عن تلازم الثقافة والوطن، الإنسان والمواطن، المجتمع والدّولة.
لقد تأسّست كل ثورات الحداثة السياسية على مبدإ الإحتكام للمؤسّسات مع تحيين مضامينها وأهدافها، لأنها التّعبير الأمثل لثقافة الحرية والضمان الواقي ضدّ الإستبداد وكلّ العصبيّات الدّينيّة والعرقيّة والمذهبيّة. وقد أعطت تونس أنموذجا للدّيمقراطيّة النّاشئة يراهن على هذا المبدأ ويؤسّس في إطاره بديلا عربيّا لأزمة الحكم والمجتمع.
ثانيا: البعد المؤسّساتي: إن قدرة أيّ ثقافة ما على الإبداع والمساهمة في الفعل الحضاري الإنساني تقاس بقدرتها على استيعاب الإختلاف والتناقضات، بل حتّى على قدرتها على تفعيل مساحات التّنوّع وصهرها في منظومة الهويّة المنفتحة على رغبة التّجاوز والتّعدّد والحواريّة...
كما أن قدرة أيّ وطن على عقلنة العلاقة بين أفراده وأدوات حكمه تقاس بقدرته على تحقيق آليّات التّلاقي بين الإرادة الجماعيّة المتجسّدة في مشروعيّة السّلطة وبين تناقض المصالح وإرادات الأفراد وتقاطع الرّؤى والتّصوّرات للشّأن العام...
وفي الحالتين هناك جدليّة الدولة والمواطنة ومتطلّبات المجال الثقافي العام حتّى تستقيم في نفس الوقت قدرة الثقافة على الإبداع (شرط الحريّة) وعمليّة التفاعل الحركي بين مكوّنات المجتمع بما في ذلك هيكليّة النخبة الممارسة للسّلطة (شرط المشاركة السّياسيّة).
لقد نشأت الدولة الإجتماعية المعاصرة باعتبارها الشكل الأرقى للحياة المدنيّة على مبدإ "ثقافة الحريّة في وطن المؤسّسات".
إن المتأمّل في نسق الإصلاحات الدّستوريّة للنّظام الجمهوري التونسي منذ التّغيير، في طبيعة هذه الإصلاحات وتوجّهانها، يدرك بسهولة أن البعد المؤسّساتي للحياة السّياسيّة ولتنظيم الفضاء العمومي لا يتوجّه إلى تجريد الثقافة من فعلها النقدي الإبداعي ولا إلى تجريد المجموعة من اختلافاتها وتنوّعها بالتّوحيد القسري كما حدث ويحدث في النظم الإستبداديّة، بل يعمل على نبذ "تهميش الثقافة وثقافة التّهميش" وعلى شموليّة الحقوق وتحفيز المبادرة وقبول الإختلاف بروح الحوار والمعايشة المتّصلة بالواقع وتحوّلاته.
والدّارس لتاريخ المجتمع العربي المعاصر يدرك بسهولة أنه تاريخ دكتاتورية التّخلّف، بمعنى أنه تاريخ غياب الأفق المعرفي وغياب المؤسّسات الدّستوريّة الضّامنة لمشروعيّة الحكم وحريّة المجتمع...وما تذبذب المشاريع الإصلاحيّة وتراكم الأزمات التي فتحت الباب للإختراق الأجنبي إلاّ دليل على القصور الهيكلي لإيجاد البديل الحضاري المؤسَّس على صياغة مؤسّساتيّة تأسيسيّة شاملة.
لقد كان التّغيير في تونس إرادة مؤسّساتيّة للبديل وممارسة جديدة للإبداع التّأسيسي تكشف نقائص النظم القديمة وتفسح المجال للقرار الجماعي الواعي المنتظم. كما أن المتغيّرات الداخليّة والخارجيّة كانت تفرض باستمرار قراءة جديدة تستبطن تحديث المؤسّسات وتضفي على التجربة الجدوى التاريخيّة التي تتطلّبها المرجعيّات الثقافية والتحوّلات العالميّة.
إن التوليد المزدوج للذاكرة الثقافية وللبديل المؤسّساتي هو في اعتقادنا المعنى الأساسي للتغيير باعتباره إبداعا للوطن. بقدر ما تعكس المؤسسات إرادة الفرد في ممارسة حقّه في المواطنة، وبقدر ما تعبّر المشاركة المدنيّة على القيم الثقافيّة لذاكرة المواطن، بقدر ما تقلّصت الفجوة بين المجتمع والدولة واتّسع أفق الحريّة والمجتمع المدني، لأن البديل السياسي هو في الجوهر بديل عمراني حضاري.
ثالثا: البعد الإستشرافي: إن القول بأن حنبعل لم يمت وقرطاج لم تمت، لا يعني الوقوف في مقولة :" من لا ماضي له لا مستقبل له"....
لقد فرض الواقع الجديد للكون منذ سقوط حائط برلين وهيمنة فكرة العولمة وآليّاتها على الشعوب والدول معطى جديد يتعلّق أساسا بتحدّي ديمومة الأوطان ومستقبل الأجيال وتوازن العلاقات الإقليميّة والدوليّة... فكما يقول الرئيس بن علي أن "الهوية هي سؤال المستقبل"، نقول أن الثقافة هي اليوم شرط حياة أو موت لمستقبل الهوية الوطنية ولسيادة الوطن. فإذا كانت السياسة تُخضع للتّحالفات وللظروف، وإذا كان الإقتصاد يخضع للمصالح المتنقّلة عبر الحدود... فإن الثقافة هي عنوان الوطن ومضمونه الجوهري... لذلك كان البعد الإستشرافي للتغيير مرتكزا على جهد فكري طموح يريد المساهمة في إثراء المعرفة الإنسانيّة بالإستعداد المدروس للعيش في عالم مفتوح يتطلّب أن تكون في السّياق وفي السّباق في نفس الوقت. هذا التّحدّي يشترط رؤية سياسية قادرة على تحديد الأهداف والمراحل وشروط التراكم الإصلاحي، وعلى بناء معرفي للموارد البشريّة بروح القدرة على مسايرة نسق التّطوّر والتّوقّعات.
فإذا كان الإستشراف مطلوبا في الرؤية السياسية للتحديث الوطني، فهو في الثقافة جوهر ملازم للحلم والرغبة وإرادة التغيير والتجاوز إلى الأجمل والأعدل والأشمل... فالبعد الإستشرافي هو بعد إنساني ملازم لفكر الرئيس بن علي لأنه مراهنة على العقل التونسي وإيمان راسخ بمستقبل الوطن وحقّه في الوجود في عالم تعصف به رياح العنف...
إن تونس تقطف اليوم عشرين زهرة في ربيعها الدائم... والإحتفاء بالتغيير يعطي لهذا الربيع كل مرة نكهة الإعتزاز بالإنتماء لجيل تجديد الثقافة وتحديث الوطن في وطن الثقافة. قرطاج الذّاكرة الأمّ هي نخلة جذورها في الأرض وفروعها في السّماء.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>