التغيير... متطلعا إلى المستقبل

أ.برهان بسيّس
إعلامي -تونس

لم يكن تغيير السابع من نوفمبر مجرد انتقال شخصي للسلطة بين رئيسين، من المؤسس إلى ابن الدولة الوطنية، من عهد بورقيبة المخضرم بين قصة التحرير وبناء الدولة إلى عهد بن علي الأمين على مواصلة نهج البناء والإصلاح، لقد كان التغيير التقاءا دقيقا بين إرادتين في الفعل السياسي والاجتماعي، القطيعة والاستمرار.

ليلة السابع من نوفمبر من سنة سبع وثمانين كان المصير التونسي مفتوحا على إمكانات مزعجة ليس أقلها إرباكا شبح انهيار الدولة تحت وطأة وهن زعيمها واشتداد حرب ا لكتل بين مراكز القوى الطامحة لكسب حرب خلافة الزعيم المريض فيما كان الشارع يترنح تحت وقع الصدمة من خطورة المواجهة الأمنية بين الدولة ونشطاء الحركة الإسلامية الذين تقاسموا واجهة الحدث مع أخبار القصر القادمة من قرطاج بكل ألوان القصص العجيبة عن وهن الزعيم وارتفاع وتيرة الأطماع وحجم الانقسام بين الكتل المتصارعة.

تحمل زين العابدين بن علي المسؤولية ليمارس فعل الإنقاذ بشكل حضاري حافظ فيه الزعيم بورقيبة على مكانته الرمزية الرفيعة كأب مؤسس، وأطلق إشارة العهد الجديد مفعمة بعناوين الإصلاح والتطوير والحرية في كنف علوية القانون وهيبة الدولة والمساواة بين التونسيين في الحق والواجب في ظل دولة القانون والمؤسسات ونسق جديد للتعددية والديمقراطية والتداول.

أدركت القيادة الجديدة أن مصير التغيير مرتبط بمعادلة دقيقة بين القطيعة والاستمرار، القطيعة مع سلبيات التجربة التي حفت بقواعد ممارسة السلطة في العهد البورقيبي والاستمرار على نهج الإصلاح الاجتماعي والتطوير الاقتصادي الذي نجحت فيه الدولة الوطنية باقتدار محققة للتونسيين مكاسب جمة ليس اقلها تحديث وضع المرأة والمجتمع وخلق تعليم عصري وإرساء قواعد اقتصاد حديث ودعم الحقوق الاجتماعية للتونسيين في الصحة والمسكن والعمل.

يقف التغيير اليوم في غمرة استحضاره لمكاسب عشرين سنة من جهد البناء والتطوير متطلعا إلى المستقبل بروح الطموح الواقعي الذي تلخصه المادة الثرية للبرنامج المستقبلي الذي طرحه الرئيس بن لعي بين أيادي التونسيين كدليل عمل للمستقبل لمواجهة تحديات المرحلة وتعقيداتها الطارئة فتونس اليوم التي نجح التغيير باقتدار في تغيير ملمحها بشكل جذري نحو مزيد من العصرنة والتقدّم على أبواب مرحلة جديدة من الاستحقاقات المختلفة نوعيا عن تلك التي واجهها التغيير في سنواته الأولى.

الاقتصاد المندمج في محيطه الدولي يضغط بفعل العولمة الليبرالية الكاسحة نحو ترفيع الفاتورة الاجتماعية للاندماج، لكن الإرادة القائمة بحكمة النظر والحرص على صيانة الوجه الاجتماعي للتنمية تسارع من أجل الحفاظ على التوازنات الاجتماعية التي تتربع ضمنها الطبقة الوسطى التونسية كأساس صلب لمجمل وجوه النجاح في التجربة التنموية التونسية.

جعل الرئيس بن علي من الطبقة الوسطى في استمرارية الخيار الوطني القائم منذ الاستقلال القاعدة الصلبة التي يعتمد عليها مشروعه السياسي والاجتماعي بل ويتصل بها مجمل مظاهر استقرار المجتمع ورفاهيته، صمد هذا الرهان في وجه كل المطالب الملحة لدوائر إعادة الهيكلة الاقتصادية ونصائحها الليبرالية المجحفة، لازالت درر الانجاز التونسي موزعة بين تعليم عام مجاني ديمقراطي وإجباري وسياسة اجتماعية منحت أكثر من ثمانين بالمائة من التونسيين مساكنهم الخاصّة وأمّنت لهم التغطية الصحية والمحيط السليم وتكافح اليوم مستنفرة كل طاقاتها لمواجهة أم المعظلات الاجتماعية وهي البطالة.

لقد اختار مشروع التغيير المراهنة على المنجز الاقتصادي والاجتماعي ليقيم عليه بناءا سياسيا صلبا وآمنا غير مهدد بالانتكاس في مضمونه الديمقراطي التعددي، آخذا بعبرة التجارب الدولية والإقليمية الماثلة التي اندفعت بحماس عشية موسم الفيضانات الديمقراطية الجارفة مزهوّة على وقع صورة جدار برلين المنهار لتنغمس في مسار الانفتاح السياسي الاستعراضي المغرم بديمقراطية الواجهات المزوّقة بالألوان الفاقعة بقناعة سياسة التجربة والخطأ لدى البعض في أكثر لحظات الاندفاع حكمة وتبصّرا لتنتهي بعضها إلى كوارث حقيقية رجعت بأبنائها إلى الترحم على أزمنة الاستبداد والحزب الواحد.

تسير التجربة التونسية اليوم بثبات على درب الإصلاح السياسي بعد أن هيّأت له كل شروط السلامة والثبات كحاضن للديمقراطية والتعددية التي لا تراجع عنها، تقرأ واقعها ومستقبلها على ضوء التحوّلات الطارئة في لحظة دولية وإقليمية متحرّكة، تبدو فيها كل غفلة أو لا مبالاة أخطاء لا تغتفر.

السيادة الوطنية بدت على رأس المكاسب المستهدفة في مناخات التحوّلات العالمية الجديدة التي أسقطت معاني السيادة في مجالاتها الاقتصادية والثقافية لتسقطها في تجارب أخرى على شاكلة التجربة العراقية بطريقة فجة وعنيفة في معانيها السياسية بل والحضارية والوجودية، كل ذلك باسم ديانة عالمية جديدة هي الديمقراطية لليبرالية المحفوفة بكل صنوف الشروط والتلونات المتخبطة الباحثة في مجملها عن الصيغة الأمثل لحماية مصالح رأس المال والمجمعات الصناعية والعسكرية التي تنطق باسم حكومات الضوء والظل.

تطلع أحيانا صيغ الإسلام المعتدل كوسادة لاحتضان تطلعات الإصلاح في العالم العربي، ثم تضمر الصيغة أحيانا تحت وقع احتداد الحرب العالمية على الإرهاب فاسحة المجال أمام مسارات غامضة مطلة على المجهول حيث الشك وانهيار الثقة في كل المعاني المتعلقة بالديمقراطية والحداثة والتقدّم، الإنجاز التونسي في مثل هذه المناخات الصعبة بقيم في ثبات رؤية الرئيس نبن علي التي وضعت كل أهداف وممارسات الإصلاح السياسي رهينة المراكمة الوطنية الداخلية المتأتية التي لا تقفز على المراحل ولا تعنيها أجندات الخارج المفضوحة في ارتباطاتها بلعبة المصالح، بل تركز المسار على رصد حاجيات الداخل الوطني وموازنة خطوات الإصلاح السياسي مع جرعات التطوير الاقتصادي والاجتماعي في مسار واحد ومنهج متناسق لا يفصل بين الإصلاح في أي بعد من أبعاده.

يقف التونسيون على أعتاب الذكرى العشرين لتغيير السابع من نوفمبر وهم يعاينون مظاهر مسيرة الخير في كل مربع من وطنهم المنكب على التشييد والبناء فيما تتطلع النخب المتحمسة عادة للمنجز السياسي إلى مزيد التطوير والإصلاح في ظل دعائم الدولة القوية التي أرساها الرئيس بن علي تلك القوة الضامنة وحدها لديمقراطية بناءة ومتوازنة تتقن المشي على التماسات الصعبة للتحديات والمصاعب دون أن تسقط أو تنتكس.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org