التنشئة من أجل المواطنة
قراءة في مسارات التضامن و الرباط الاجتماعي بتونس
د. الحبيب الدرويش
أستاذ علم الاجتماع بجامعة صفاقس
نائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع
تمهيد
هدف هذه المساهمة ليس إبداء موقف من المضامين و التطبيقات التربوية الساعية إلى تثبيت قيم المواطنة و التضامن في المجتمع التونسي الحالي بل التساؤل حول مشروعية هذا التوجّه و مدى ملاءمته لهذه المرحلة من تاريخ تونس، بمعنى آخر تهدف الورقة إلى محاولة تبيّن خلفيّات الإجماع الواسع حول موضوع التنشئة المدنية من أجل قيم المواطنة و سلوك التضامن، هذا الموضوع الذي اعتُبِر حجر الزاوية في النظام التعليمي الحالي و كذلك في منظومة التنشئة الاجتماعية الموجّهة إلى مختلف شرائح المجتمع و فئاته العمرية، خاصّة أمام ما يُلاحَظ من بقاء بعض الرواسب السلوكية من مثل بعض مظاهر العنف والتواكل و التملّص من المبادرة ومن القيام بالواجب ومن تحمّل المسؤولية و هي مظاهر تتعارض مع قيم المجتمع الحديث المتحضّر التي مافتئت النخبة السياسية التونسية - خاصّة خلال العقدين الأخيرين - تسعى إلى تثبيتها في المعيش التونسي قولا و ممارسة.
1 - في معنى المواطنة و صيرورتها
يحتلّ مفهوم المواطنة موقعا رئيسا في النظريات الدستورية و السياسية المعاصرة وهو يحيل من الجانب القانوني على شخصية اعتبارية لها حقوق و واجبات تضطلع بها في فضائها الاجتماعي و الوطني كما تحيل المواطنة على ثلاثة أبعاد على الأقلّ متّصلة بالرباط الاجتماعي:
توفّر المواطنة وضعا قانونيا، فالمواطن ليس مجرّد مقيم بل شخصيّة حمّالة لحقوق و واجبات و مسؤوليات.
تتيح المواطنة فرص الممارسة التشاركية، فالمواطن هو ذلك الشخص الذي يمارس دورا في الحياة الوطنية و يساهم في تحقيق الخيرات المشتركة ويشارك في الانتفاع بها.
توفّر المواطنة للأفراد رباطا وجدانيا و تكون مصدرا لهويّة جماعية، ويتحقّق هذا البعد بصورة كاملة إذا كانت حقوق المواطنة تمثّل للفرد أهمّية شخصية خاصّة إذا كان انخراطه فعليّا و بطريقة حرّة في مختلف الأنشطة التي تُمارَس في وطنه و التي من خلالها تتجلّى حقوقه المدنية و السياسية والاجتماعية و الاقتصادية.
و يمكن القول إنّ إطار المواطنة يقوم على مفاهيم التعايش الحرّ و الوئام و الشراكة، فالرابطة المواطنية ليست قسرية و إنما هي متأسّسة على التطوّع و الاختيار إذ ليس للمواطن دور إجباري يجب أن يلعبه لأنّ وضعه هو وضع حرّية ، لكن في المقابل للمواطنة شروط تدفع الفرد إلى اختيار الفعل عوضا عن موقف السلبية ، فالاتّصاف بصفة المواطن معناه أن يلعب الفرد دورا في الحياة اليومية للمجتمع الذي ينتمي إليه، هذا المجتمع الذي له فيه ارتباطات و مصالح. و تتجلّى المواطنة في الحياة اليومية من خلال التزام الفرد بقيم راسخة من مثل السلوك المدني و التضامن و الإحساس بالآخر الذي يشاركه الزمن و الفضاء و تغليب المصلحة العامّة على المصالح الشخصية.
و ما يجدر التنويه إليه في هذا السياق أنّ ملامح المواطن في بداية هذا القرن بدأت تتبدّل و النمط التقليدي للمواطنة بدأ يعرف نهايته في أغلب المجتمعات، لقد صرنا نشهد لدى المواطنين سلوك الحذر كما صاروا ينزعون إلى تبنّي استراتيجيات معبّرة عن الفردانية والانعزال أو على الأقلّ ينخرطون في أشكال جديدة من الالتزام.
لقد مثّلت نهاية الثمانينات من القرن الماضي عودةً قويّةً للمواطن على المستوى الدولي بعد تراجع المنظومة الاشتراكية و تهاوي الأنظمة السياسية الكليانية مقابل هيمنة النموذج اللّيبرالي ما خلّف مع نهاية القرن العشرين قطيعة عميقة في مستوى المعاني و الروابط الاجتماعية إذ وقع الانتقال من زمن وطنيّ يلتفّ خلاله الأفراد حول الثقافة المحلّية بما تحيل إليه من منظومة الرموز و القيم و أشكال العلاقات إلى زمن عالميّ تسكنه معقوليات جديدة أكثر مرونة إذ تسمح للأفراد بالتعبير عن ذواتهم بواسطة وسائط جديدة مثل شبكات الاتصال الرقمية.
إنّ الملاحظة آنفة الذكر تنبّه إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار أنّ مسالة المواطنة في عصرنا الحالي صارت متأثّرة بنسق جديد و هو نسق العولمة إذ أفضت هيمنة النموذج الليبرالي إلى بروز أشكال تدبيريّة متشابهة لدى جلّ المجتمعات حيث صارت ترسم توجّهاتها و تعالج مشاكلها بالطريقة نفسها تقريبا: الخصخصة، العقلنة و الفردنة، هذه الأشكال تبدو شديدة التأثّر باقتصاد السوق بالغة الخضوع لتيّار عولميّ زاحف يعطي الأولويّة للكسب الاقتصادي، ها هنا يجوز طرح التساؤليْن الآتييْن:
هل تحوّل المواطن Le citoyen بما يمثّله من قوّة مشاعر الانتماء ومن ضمير جمعي إلى مجرّد فرد مستهلك Individu consommateur تحدّد المؤسّسات اللّيبرالية اتجاهاته واختياراته و مصالحه الفرديّة ؟ و إلى أيّ مدى يمكن التوفّق إلى رؤية توفّر المعادلة الملائمة للتكيّف مع اقتصاد السوق من جهة و إتاحة فرص الحراك الاجتماعي والتضامن المجتمعي من جهة أخرى؟
لعلّ التجربة التونسية في هذا المضمار جديرة بالدراسة لما تتضمّنه من تمظهرات جديدة للتضامن و من ابتكاريّة غير مألوفة في توطين قيم المواطنة و تعزيز الرباط الاجتماعي مع الأخذ في الاعتبار في ذات الوقت مقتضيات الاقتصاد المعولم و ما يتطلّبه من توفير سبل المرونة الاقتصادية والمبادرة و المنافسة، فماذا عن الاتجاهات الحديثة للتربية من أجل المواطنة والتضامن بتونس و ما هو دور أطر التنشئة في هذا المشروع المجتمعي؟
2 - تربية المواطنة في تونس: أيّ دور لأطر التنشئة الاجتماعية ؟
يندرج مشروع التنشئة القائمة على تثبيت المواطنة قيمةً و ممارسةً في تونس ضمن مشروع كبير سُمّي منذ عقدين من الزمن بـ"التربية المدنية" التي عوّضت في برامج التعليم مادّة "التربية الوطنية"، و لعلّ التحوّل في التسمية له ما يبرّره تاريخيا وواقعيا، فقد فرضت طبيعة المرحلة الأولى التي عقبت الحصول على الاستقلال تمجيد الوطنية و إعطائها الأولويّة في سلّم القيم لدى التونسي لغايات تعبويّة استدماجيّة متّصلة بالهويّة و الانتماء الوطني الذي يجب أن يعوّض الانتماءات القبلية. لقد مثّلت الوطنية القيمة الأساسية التي كان يجب أن تتربّى عليها أجيال عاشت جزءا من حياتها في ظلّ وطن عانى من الاستعمار قبل أن يأخذ بزمام أموره في تقرير مصيره، أمّا المرحلة الحالية فتُعدّ مرحلة تثبيت المواطنة بعدما ثُبِتتْ الوطنية خلال أكثر من نصف قرن من الاستقلال و صار الرهان تبعا لذلك مطروحا حول سُبُل تحقيق مجتمع متحضّر متضامن تقوى فيه الروابط الاجتماعية و مظاهر السلوك المدني، ها هنا تبدو المهمّة موكولة إلى مؤسّسات التربية و التعليم التونسية ذات الطابع الجماهيري إلى جانب مؤسّسات التربية الأخرى التي دخلت على الخطّ من مثل الإعلام و مؤسّسات المجتمع المدني و المجتمع السياسي من أجل الانخراط في مشروع تنشئة المواطنة أو بالأحرى التنشئة الوطنية الاجتماعيّة الهادفة إلى مزيد النهوض بالوطن كمّيّا و نوعيّا و الرفع من كفاءات المواطن المادية و الذهنية والمعنوية لجعله قادرا على استيعاب المتغيّرات الدوليّة المتلاحقة.
يبدو دور المدرسة مهمّا في تنفيذ هذه الاستراتيجية الحضاريّة من خلال ما يتجلّى في برامجها من نمط تنشئي تربويّ مرن و متنوّع، يثمّن الانفتاح و يعمل على غرس قيم التسامح و الحداثة و احترام الآخر و في ذات الوقت يعمل على تعزيز مشاعر الانتماء للوطن و الولاء له. و هناك إجماع بأنّ المدرسة ليست إطارا لتلقين العلوم والمعارف فحسب بل إنّ لها وظيفةً أساسية ً تتمثّل في" صنع الأفراد" fabriquer des individus على حدّ تعبير الباحث الفرنسي" فرنسوا ديباي" 1في إشارة إلى وظيفتها التنشئية Fonction socialisatrice كمؤسّسة إدماج اجتماعي وإطار ملائم لبناء الهويّات الفردية و الجماعية لتلاميذ اليوم، مسؤولي الغد و إكسابهم القدرة الاندماجية في المجتمع.
و النسق التربوي في تونس اليوم يشتغل من أجل وحدة المعايير و القيم و الأنماط الثقافية التي هو حمّالها و نقّالها وهو يسعى إلى جعل مختلف الفاعلين المتصلين به من تلاميذ و مدرّسين و عائلات ينخرطون فيها.
إنّ وظيفة إسناد الشهائد La fonction certificative التي تقوم بها المدرسة يجب أن تسير بالتوازي مع وظيفتها القيميّة المعياريّة La fonction normative على اعتبار أنّها مؤسّسة اجتماعية إلى جانب كونها إطارا لتلقّي العلوم و المعارف. فالمدرسة كآلية تمدينيّة Un dispositif civilisationnel تعطي تكوينا متواصلا ثابتا يمسّ أجيالا متعاقبة ما يخلق لدى المتعلّمين نوعا من "الطابوع" (الهابتوس) الاجتماعي- المدرسي Habitus socio-scolaire 2 الذي يخلع عليهم بدوره نوعا من التجانس الثقافي المطلوب اجتماعيّا من أجل سهولة الاندماج و الانخراط في منظومة قيميّة واحدة.
إنّ تثبيت قيم المواطنة و السلوك المدني لدى غالبية أفراد المجتمع يعطي مشروعيّة لإعطاء الثقة في المواطن للمشاركة النشيطة و المؤثّرة في الحياة الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية. إنّ ما سمّاه" بيار روزنفلون" بتقديس المواطن من خلال تنشئته على الاقتراع العامّ 3 يجب أن يكون مسبوقا بعمليات تنشئة اجتماعية و تثقيف مدني يسهّلان على المواطن استيعاب ما يدور حوله و معرفة حقوقه و واجباته وحدود مسؤولياته، أمّا في غياب هذا الوعي المدني فإنّ ربط مصير بلادٍ باتجاهات أفراد لا تتوفّر فيهم صفة المواطن يصبح نوعا من القفز على الواقع.
لقد أفضى انتشار وسائل الاتصال و الإعلام الحديثة إلى بروز محيط جديد تنتقل فيه المعلومة بسرعة و سهولة، هذا المحيط بدوره صار يقدّم فردا شديد الحركة إنْ مادّيا أو افتراضيا ما يجعل من عمليّة تأطيره وتوجيهه نحو تربته المحلّية مهمّة وطنيّة جسيمة انتبهت لها تونس و استحدثت لأجلها مختلف الأساليب و الآليات فماذا كانت النتائج في هذا المضمار؟
لمعالجة هذا السؤال تجدر بنا محاولة تبيّن ملامح المواطن التونسي الحالي و أشكال تعبيره عن مواطنته.
3- ملامح المواطن التونسي الحالي
يمكن القول إنّ المواطن يمارس المسؤوليات من أجل مصالح المجموعة الوطنية (دفع ضرائب، القيام بالواجب الانتخابي، القيام بالواجب العسكري....) وهي مسؤوليات شأنها شأن بقيّة الحقوق الإنسانية يجب أن تُسند دون محاباة أو إقصاء أو تمييز، ولعلّ الصعود المتنامي للطبقة الوسطى في تونس و اتساع قاعدتها من المؤشرات الدالّة على المقاربة التشاركية و الطابع الشعبي الذي اتخذه المشروع المجتمعي التونسي ، و لا غرابة أن يحتلّ أبناء الطبقات الشعبية المسؤوليات الرفيعة في هياكل الدولة و مؤسّساتها، و حتّى بالنسبة إلى الأطفال و الشباب دون سنّ التصويت يوجد مجال واسع في تونس لتشريكهم في الجهود الجماعية المكرّسة لحقوق المواطنة و واجباتها، في هذا الإطار يمكن أن نشير إلى تلك الاستشارات الشبابية الدورية حول قضايا تتصل بالترفيه و الرياضة و التظاهرات الثقافية والأنشطة التطوعية المعبّرة عن التساند و التضامن داخل فضاء المؤسّسة التربويّة وخارجه ، هذا بالإضافة إلى صياغة التشريعات و النصوص القانونية الحاثّة على ممارسة المواطنة و استحداث آليات تشريك الطفل في تحمّل المسؤولية و الوعي بحقوقه و واجباته من مثل المجالس البلديّة للأطفال و برلمان الطفل و مجالس المؤسّسات و الأقسام و باقي الهيكل و المنظّمات الطفولية و الشبابية .
لقد صار من المألوف إذن أن نشاهد في المعيش اليومي التونسي أنشطة تعبّر عن مشاعر الانتماء للوطن و سلوك المواطنة يقوم بها مواطنون من مختلف الشرائح العمريّة و المنحدرات الاجتماعيّة من مثل تلك الأنشطة المتصلة بالسلامة المرورية و التبرع بالدم و حماية المحيط و المشاركة في تنشيط هيكل تُعنى بالصحة و الترفيه و الثقافة و الرياضة.
إنّ التنشئة من أجل المواطنة المسؤولة و الفاعلة هي مشروع مجتمعي سعت تونس إلى تشريك مختلف أطر التنشئة في تحقيقه، فممارسة هذه المواطنة تبدأ من داخل الأسرة ثمّ المدرسة فالمجتمع المحلّي ثمّ باقي مؤسّسات المجتمع المدني ذات الامتداد الوطني، فداخل الفضاءات المحلّية مثلا يمكن للطفل أو الشابّ أن ينسّق أنشطة تنمويّة،بيئية،ترفيهية و ثقافية.... مع الجماعات و الهياكل المحلية ويجد من السهل الحصول على المساعدة و التعبئة اللاّزمتين لتنفيذ نشاطه كما يمكن له أن يكتشف بيسر نتائج انخراطه و التزامه بممارسة حقّ المواطنة و واجبها من خلال سهولة التحادث مع أهله و أجواره و مسؤوليه المحلّيين ، ها هنا تصبح ممارسة المواطنة - إلى جانب بعدها التنشئي التربوي- نوعا من الحماية للطفل من خلال توفيرها لفرص الاستفادة من الوقت الحرّ في عمل اجتماعي مفيد يقيه آفات التسكّع و الفراغ، هذا بالإضافة إلى كون هذا الانخراط في ممارسة المواطنة يساهم في غرس قيمة حضارية أخرى لا تقلّ أهمّية و هي حسن تنظيم الوقت و برمجته على اعتبار أنّ الثقافة الاجتماعية التي سادت لفترة طويلة لم تكن تعترف بمفهوم ميزانية الوقت Budget-temps و لا تعي جيّدا أهمّية استثمار الوقت الحرّ Temps libre 4 حيث كان التعامل معه أقرب إلى مفهوم التجربة L'expérience كما قدّمها " فرنسوا ديباي François DUBET " 5 أكثر من مفهوم الاستراتيجيا كما يصوّرها " ريمون بودون " Raymond BOUDON 6، بمعنى آخر ظلّ الشباب يعيشون الوقت الحرّ- بعد الفراغ من النشاط الأساسي خلال الزمن الإجباري- تجربةً لا تخطيطا فتكون بذلك أنشطتهم و ممارساتهم عرضيّةً، عشوائيةٌ، قائمةً على ردّة الفعل. و الواقع أنّ هذا السلوك مازالت بعض رواسبه حاضرة في المعيش التونسي الحديث، و لنا أن نفهم مغزى تلك الإجراءات و الاستشارات و الحملات التحسيسية الهادفة إلى اجتثاث مظاهر الخمول و اللاّمبالاة و التملّص من سلوك التونسي لأنّها تتعارض مع قيم مجتمع فتيّ ناهض يعوّل بالأساس في مشروعه التنموي الشامل على موارده البشريّة.
إنّ تعويد الشابّ على ممارسة واجب المواطنة يساعده على اكتساب المهارات الضرورية للمشاركة و يكسبه القدرة على التواصل مع الآخرين و التمكّن من أدبيات التحاور و العمل المشترك و الاستماع إلى الآخر و احترام آرائه كما ترسّخ ممارسة المسؤولية ثقافةَ المبادرة لدى النشء، هذه الثقافة التي تمثّل حجر الزاوية في المشروع التنموي التونسي الجديد و قطب الرحى في المنظومة التعليمية و التشغيلية الحالية.
و يتمّ ترسيخ ثقافة المبادرة عبر مسار من البناء الاجتماعي و التنشئة، إذْ لا تكفي القرارات و التشريعات الميسّرة كي يمكن أن نتحصّل على شباب ينبذ التواكلَ وسلوكَ الانتظار و يبادرُ من أجل نحت مستقبل بلاده بالعمل و ابتكار المشاريع الخلاّقة المتلائمة مع روح العصر و نسق التحوّلات، إنّه و كما قال عالم الاجتماع الفرنسي ميشال كروزويه: " لا يمكن أن نغيّر المجتمع بقرار On ne change pas la société par décret " 7 ، فالتغيير جهد يوميّ مشترك و متواصل، هو عمليّة بناء وتنشئة اجتماعييْن تتأطران في سياق سياسي ملائم يفضّل العمل الهادئ الناجع على الشعارات الجوفاء المقتصرة على الهتاف والقول دون الفعل.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ توطين قيم السلوك المدني ليس مقتصرا على أطر التنشئة الاجتماعية المألوفة من أسرة و مؤسّسة تربوية، و لا يمكن أن تكون مهمّةً تتحمّل أعباءها المؤسّسة الرسمية فحسب، بل هي- و كما سبق أن أشرنا- مشروع جماعيّ متجدّد يمكن أن تساهم فيه باقي قوى المجتمع المدني و حتّى المؤسّسات الاقتصادية.
فبالنسبة إلى دور المجتمع المدني تجدر الإشارة إلى أنّ تنامي عدد الجمعيات بتونس الذي قفز من أقلّ من ألفيْ جمعيّة سنة 1988 ليصل حاليّا إلى ما يناهز تسعة آلاف جمعية تنشط في مختلف المجالات الثقافية و الرياضية و العلمية و الاجتماعية والاقتصادية و الإنسانية يُعتبَر مؤشّرا مهمّا على قدرة الجمعيات الأهلية على معاضدة جهد الدولة و مؤسساتها، ذلك أنّ الجمعيات هي أفضل مدرسة للمواطنة وخير إطار لتطوير الحسّ المدني الذي يعتبر إحدى ركائز التقدّم، ففي إطارها تتوفّر أساليب الاعتماد المتبادل بين الجميع و يتعلّم الأفراد التكافل و تطبيقه وتتوسّع شبكات العمل المدني، وهي شبكات أفقية فاعلة و متماسكة تعمل في إطار علاقة إيجابية مع الدولة مستفيدةً من هامش المرونة و الحرية المتاح لها على اعتبار أنّ أنشطتها تنتمي إلى العمل الاختياري الطوعي مع ما يعنيه ذلك من حماسٍ في الأداء و إقبالٍ على التعاون على عكس ما هو الشأن في الشبكات العمودية التي تقوم عليها المنظمات البيروقراطية و سائر التنظيمات التقليدية 8 حيث تحدّ هذه الشبكات من هامش الفعل والمبادرة و الاختيار.
أمّا بالنسبة إلى المؤسسات الاقتصادية، فيمكن القول إنّ الدور الاقتصادي للمؤسسة لا يمكن فصله عن دورها الاجتماعي، فالمؤسسة اليوم هي فاعل اقتصادي ذو مسؤولية اجتماعية. لقد صرنا نتحدّث اليوم كثيرا عمّا يُسمّى بـ " المؤسّسة المواطِنة" L'entreprise citoyenne و هي المؤسسة التي لا تنحصر هواجسها في تحقيق الربح و الرفع من الكفاءة الاقتصادية بل تكون منخرطة في مشاغل محيطها الاجتماعي و مساهمة كغيرها من المواطنين و الفاعلين الاجتماعيين في الرفع من قدرة المجتمع على مجابهة مشاكل البيئة و التلوّث و البطالة و داعمة لمختلف الأنشطة ذات الصبغة الاجتماعية و الثقافية و الرياضية.... . و لعلّ هذا ما يفسّر مسارعة تونس بالانخراط في "الاتفاق العالمي" Le pacte mondial حول المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات المنبثق عن مبادرة الأمم المتحدة خلال المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد بدافوس DAVOS بسويسرا سنة 1999، و تبعا لذلك تعدّدت مظاهر تدخّل المؤسسات الاقتصادية العاملة بتونس المحلية منها و الأجنبية في المجالات الاجتماعية مدفوعة برغبة رسمية في جعل مشروع التنشئة من أجل المواطنة صيرورة متناغمة تشمل الأفراد كما المؤسسات بمختلف ألوانها و تخصّصاتها.
إنّ المواطنة ليست شعارا مجرّدا عن حقائق الحياة و وقائعها إنما هي منظومة قيمية و إداريّة وسياسية تتجه إلى منح المواطنين حقوقهم و تحفزهم للالتزام بواجباتهم كما تنظّم علاقاتهم ببعضهم و علاقتهم بالدولة من خلال التطوير المستمرّ للمضامين الحضارية و الأخلاقية المشكّلة للمنظومة الاجتماعية، هنا تبرز أهمّية التنشئة من أجل ترسيخ مبدإ المواطنة في الفضاء الاجتماعي و الوطني و توسيع مساحة المشاركة في الشأن العامّ و تقوية الرباط الاجتماعي. هذه التنشئة اختارت لها تونس عدّة مداخل و آليات تصبّ جميعها في خانة منظومة واحدة تعمل على نحت ملامح مجتمع حركيّ، مبادر، متضامن و منسجم، و كانت النتائج لافتة يلمسها المواطن والزائر.
************************************
الهوامش
1François DUBET, Les lycéens, Paris, coll. Points, 1992.
2 الهابتوس : فضّلنا استعمال الكلمة كما وردت في أصلها اللاّتيني لغياب تعريب دقيق لها، وإن كانت تُترجم في ميدان الطبّ ?"المظهر الخارجي" فإنّ البعض اقترح تعريبها في العلوم الإنسانية ? " التطبّع" ، " ملكة الاستعدادات " ونضيف إليها أيضا مصطلح" الطابوع" و هو مشتقّ على وزن "فاعول" يعبّر عن صيغة المبالغة و صيغة اسم الآلة في اللغة العربية وهما صيغتان تنسجمان مع المقصود بالهابتوس من قِبل" بيار بورديو" الذي اتخذه مفهوما رئيسا في نظريته الاجتماعية... .
- يقدّم بورديو" الهابتوس" على أنّه " نسق من الاستعدادات الدائمة و القابلة للتغيّر .....و بكونه بنية مهيكلَة و مهيكِلة..."
L'habitus est un système de dispositions durables et transposables…..structure structurée et structurante. (Voir : Pierre Bourdieu, Le sens pratique, Ed. Minuit, Paris, 1980, p88-89. )
3Pierre ROSANVALLON, Le sacre du citoyen, histoire du suffrage universel en France, Paris, Gallimard, 1992.
4انظر: الحبيب الدرويش، أيّة علاقة للثقافة و الترفيه بمؤسسات الوقت الحر؟ مقال منشور بالمجلّة الإلكترونية التونسية أفكار أونلاين، www.afkaronline.org ، العدد 13.
5 François DUBET : Sociologie de l'expérience,Paris, 1994.
6 Raymond BOUDON : La logique du social : introduction à l'analyse sociologique, Paris, 1979.
7 Michel CROZIER, On ne change pas la société par décret, Paris, 1979.
8 انظر: مايكل و.فولي و بوب إدواردز:" مفارقات المجتمع المدني"،ترجمة محمد أحمد إسماعيل علي، مجلّة الثقافة العالمية، العدد 86،فيفري 1998،ص 9 و 10.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>