عشرون سنة بعد التحول:
وفاء لروّاد التحديث وأنسنة للنماء
أ. فيصــــــــل الذويبــــــــــي
المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بتوزر- تونس
* الثمانينات وانهيار النمط الأحادي
في خضم مشهد سياسي عام شديد التوتر طبع منتصف ثمانينات القرن الماضي، وتميز بالإضافة إلى انتشار لا مثيل له لبؤر الصراع، وبزيادة التفاوت بين الأمم والشعوب في التنمية، وبانهيار العملاق الشيوعي بسرعة مذهلة ليؤكد بذلك انهيار النمط الأحادي بصفة عامة، في خضم هذه التحوّلات العالمية السريعة والعميقة، والتي شملت كل أصقاع الدنيا صحت تونس في أواخر الثمانينات، صباح السّابع من نوفمبر على بيان تاريخي استند إلى الشرعية الدستورية وأسس إلى منعطف رئيس في تاريخها الحديث والمعاصر مبشرا بمرحلة إصلاح واندماج اقتصادي في تصوّر دقيق لمشروع مجتمعي حضاري يقطع مع سلبيات الماضي ويصل موروث تونس الحضاري الزاخر بواقع عالمي جديد تختزل من خلاله طموحات وتطلعات الشعب التونسي في المحافظة على مكاسبه والتوق إلى الحرية والمشاركة في تصريف شؤون البلاد وتعلقه بقيم الاعتدال والوسطية والتسامح والمساواة ونبذ كل أشكال التطرف والتعصب والعنف وكل ذلك في إطار علويّة القانون وإعادة الاعتبار لهيبة الدولة.
* كونية قيم الحداثة
وفي سياق الفكر التونسي الحديث والذي أسهم إسهاما متميزا في دينامكية التجديد والإصلاح العربية، يأتي التحوّل المبكر في تونس الحديثة ليضيف لهذه الحركة النيّرة لبنة جديدة تصله برموز التحديث أمثال أحمد بن أبي الضياف وخير الدين التونسي ومحمد بيرم الخامس والزعيم الحبيب بورقيبة وكل الذين آمنوا بأنّ "الفكر العربي اليوم جزء لا يتجزّأ من الفكر العالمي يتفاعل معه ولان الانغلاق يقطع الطريق أمام الآفاق الرحبة وكونية القيم ولأنّ الحداثة في مبادئها وقيمها لا يمكن أن تكون إلاّ واحدة وهي البنت الشرعية لعصر الأنوار" خاصّة بعد أن تأكّد فشل النظريات الكلاسيكية في تحقيق آمال البشرية في العدل والديمقراطية وبعد أن عجزت بقية الإيديولوجيات عن تقديم البدائل القادرة على تأمين الإضافة.
وانطلاقا من هذه القناعات يكون تحول تونس الحديثة قد قطع مع من اتهم الفكر العربي عن قصد بالتبعية للغرب واجترار أفكاره ويبرر بذلك فشل كل محاولات التحديث للانتهاء إلى عجز هذا الفكر عن استنباط بدائل خاصة به ممهدا بذلك إلى أنّ "الإسلام هو الحلّ".
* العقــــــــود الآمنـــــــة
ويتذكر التونسيون جيدا أنه قبيل التحول بأيام معدودات عمت شوارع مختلف ولايات الجمهورية مظاهرات مندّدة بالهجومات الإرهابية المنظمة التي هزت البلاد والعباد لا سيما وقد انتفعت الحركات المتطرفة بحماية خاصة في الديمقراطيات العريقة وانتفعت باسم حقوق الإنسان من مناخ الديمقراطية فيها وتهيأت لتأسيس دولة دينية شاملة قادرة حسب قناعاتها على مجابهة الغرب ومحاربة قيمه ورموزه وديمقراطيته وتحرريته. وقد كان النظام السياسي الأحادي في تونس قبل التحوّل يخفى تحت طياته كل التناقضات الاجتماعية وما ترتب عنها من امتعاض ونقمة وهيجان كان سيؤدي حتما إلى هزات اجتماعية نجع التحول في تفاديها.
وأنّ المتأمّل في تاريخ تونس المستقلّة يتبين بوضوح أنّ العقود الثلاثة التي سبقت التحول لم تخل من الهزات الاجتماعية التي كادت تعصف بالبلاد انطلاقا من المحاولات الانقلابية في مطلع الستينات مرورا بالحركة الطلابية في مطلع السبعينات وأحداث الاتحاد العام التونسي للشغل في أواخر السبعينات وصولا إلى أحداث "الخبز" في مطلع الثمانينات.
وكان المتتبعون للحياة السياسية في تونس يتوقعون هزة عنيفة في أواخر الثمانينات نتيجة لتردّي الأوضاع الاقتصادية وانعكاساتها السلبية على المجتمع وهنا يكمن الاستحقاق، استحقاق التحول في الوقت المناسب في إطار الشرعية الدستورية وفي سياق الفكر التحديثي الإصلاحي التونسي، وبدون إراقة قطرة دم واحدة، وبقدرة فائقة على توفير الأمان وتحقيق معدلات عالية من النمو وكل ذلك ينم عن جدلية ناجحة وتصوّر شمولي مرحلي متزن ومحسوب بكل دقة يستشرف التحولات الهوجاء وينجح من الاندماج في الاقتصاد العالمي وامتصاص الآثار الجانبية العديدة لهذا الاندماج مع تمش واضح يعتمد "أنسنة الاقتصاد" ليجعل من الإنسان محور كل التحولات الاقتصادية وينجح من خلال هذه المعادلات شبه المستحيلة في جعل تونس تعيش أهدا عقدين من تاريخها الحديث وتحقق الرفاه الاقتصادي المنشود وتحدّ بشكل يشهد به الجميع من الآثار السلبية للتطورات الاقتصادية المتسارعة ولعلّ مقارنة بسيطة لتونس التحولّ بجيرانها ومثيلاتها يغنى عن كل تعليق.
* أنسنـــــــــة الاقتصـــــــــاد
ولعل المتأمل في حصيلة عقدين كاملين من التحول يتبين بجلاء ووضوح ثراء المكاسب والانجازات التي بوأت تونس مكانه مرموقة في محيطها القريب والبعيد بفضل ما تحقق لاقتصاد البلاد من تحرّر واندماج في الدورة الاقتصادية العالمية ومن تعزيز لقدرته التنافسية وتطوّر لصادراته كمقياس لتلك القدرة التنافسية، وبفضل التحسن المنتظم للتوازنات المالية الكبرى والتحكم في الأسعار والتحسن الواضح في توفير مواطن الشغل وتأمين نسبة نمو تتجاوز 4 % سنويا وتحسين دخل الفرد ليبلغ حوالي 4000 دينار مقابل 960 دينار سنة 1986.
وفي إطار تحسن الموازنات تمكنت السياسات الاقتصادية المتبعة من إيجاد مصادر جديدة للرزق وتنويع النسيج الاقتصادي خاصة مع التركيز على اقتصاد صناعة الذكاء، كما تراجع مؤشر المديونية وتقلّص العجز التجاري.
وتحققت للبلاد كل هذه المكاسب في الوقت الذي تفككت فيه المعاليم الديوانية العديدة التي أملتها التوجهات الاقتصادية العالمية واندراج تونس في الفضاء الاقتصادي الليبرالي عبر اتفاقية شراكة مع السوق الأوروبية المشركة وكانت الدولة العربية الأولى التي تبادر بهذه الاتفاقية منذ أواسط التسعينات.
* دمقرطـــــة متبصــــرة
أما على الصعيد السياسي فإنّ استحقاق التحول يكمن في نجاحه في بناء معارضة ديمقراطية كأصعب مرحلة في طريق بناء التعددية السياسية بعدما تكرست لعدّة عقود في البلاد عقلية وممارسات الحزب الواحد وكم كانت المرحلة دقيقة بحكم خطورة عملية فتح النظام السياسي وضرورة مراعاة التوازن الحرج الذي يقضى بآن "تنتفع الديمقراطية من الانفتاح دون أن تبتلع ذلك الانفتاح التيارات الجانحة للتطرف" والتي أثبت التاريخ أنّها تبرز بقوة إثر التغيير مباشرة لذلك يقدر المحللون اليوم تفطّن تونس التحول لهذه المخاطر وتحسب توجهاتها السياسية لهذه الانحرافات فنجحت في التمييز بين الأشياء بفتح الباب للتعددية وغلقه في وجه تيارات التطرف عبر تنفيذ مرحلي متدرج ومتأنّ وهو ما فشلت في تحقيقه دول مجاورة وجدت نفسها في مواجهة التيارات الأصولية المتشدّدة التي لا هم لها سوى قتل الديمقراطية وفرض النظم الكليانية العنصرية أو الدينية.
وعلى الصعيد الاجتماعي فقد كانت التوجهات مبنية على جملة من الثوابت والمنطلقات الداعية لنشر ثقافة العمل وتكريس العدالة الاجتماعية القائمة على بروز مفهوم التضامن كمحور لكل عمل تنموي وقد ساهم نجاح هذا التمشي بشكل مبهر في استقرار المجتمع وبناء مجتمع متماسك متضامن تفادي سلبيات النماذج التنموية السائدة التي تختزل التنمية في النمو الاقتصادي الكمي والمرور العشوائي من القطاع العام إلى الخصخصة والارتهان للمؤسسة المالية الدولية.
* تحرّر اقتصادي مسؤول
ومن الاقتصاد الموجه نجحت التجربة التونسية في المرور المعقلن إلى اقتصاد السوق ضمن منظور تنموي تكاملي يراعي مطالب السكان الاجتماعية وخاصة الفئات الأقل دخلا ودون أن تفقد الدولة دورها المحوري كجهاز رقابة وحكم بين مختلف الأطراف الاجتماعية وهو ما اصطلح على تسميته "بالجمع بين عبقرية السوق ومسؤولية الدولة" و تخصص تونس التحول 20 % من النتائج المحلّي الإجمالي لمصاريف ذات طابع اجتماعي وتخطت نسبة التغطية الاجتماعية بالبلاد 80 % وتراجعت نسبة الفقر إلى 4.2% وقاربت نسبة التمدرس في السادسة 100 % منذ 1999 وتمتاز تونس التحول باتساع الطبقة الوسطى التي تبلغ 80 % من عموم السكان ولا غرابة أن يمتلك في إطار هذا التمشي الاجتماعي العقلاني 85 % من التونسيين مساكنهم وأن ترتبط بالكهرباء 96 % من المساكن.
وهكذا ينجح التحول في تعميم الاستفادة من الطفرة الاقتصادية التي عرفتها البلاد على مختلف الشرائح الاجتماعية وعلى كل جهات البلاد.
معادلة صعبة إن لم نقل مستحيلة تلك التي توفقت فيها خيارات التحوّل خلال العقدين المنصرمين بفضل وفاء هذه الخيارات لرواد التحديث والاستشراف العقلاني للواقع السياسي والاقتصادي العالمي شديد التعقيد والتغيّر وإرساء تقاليد حوار اجتماعي منتظم بين أطراف المجتمع في كنف الأمن والاستقرار والطمأنينة التي أضحت عملة نادرة في هذا الزمن الصعب ولم توفق إلى هذا المسعى وهذه النتائج العديد من الدول النامية التي ظلت طيلة العقدين الماضين تعاني التشظي والبلقنة وكثرت بها بؤر التوتر والحروب الاتينية والعرقية واستباحها الإرهاب المنظم والأمثلة على ذلك عديدة جدا ويكفي أن نتابع نشرة أخبار وحيدة في أي يوم من الأيام لنقف على برك الدماء وأشلاء الآدميين المتناثرة في كل مكان.
ولم تسلم الديمقراطيات الغريبة بدورها من الهزات و الهجومات الإرهابية وتفشي الجرائم المنظمة وتسارعت إلى سن قوانين جديدة لم تعهدها حتى أنّ الحديث اليوم عن "عولمة انتهاك حقوق الانسان" أصبح مطروحا أمام تفاقم ظاهرة انتهاك الحقوق سواء تحت شعار مقاومة الإرهاب أو مقاومة الهجرة إليها.
* طموحــــــات مشروعـــــــة
وبقدر ما يبدو المشهد السياسي العالمي قاتما وهشا وغير مطمئن فإن المشهد في تونس التحوّل يبعث فعلا على الاطمئنان وعلى الثقة في شمولية الرؤية وتبصّر الخيارات وتدرج التمشي بل يرى العديد من المحللين على صواب أن الحفاظ على المكاسب الجمّة التي تحققت لتونس في العقدين الآخرين يقتضي حتما تواصل المسيرة بنفس التوجه ونفس التوهج ونفس التدرج لتستكمل البلاد ما تطمح له من استحقاقات بعد أن نضج التحول وتهيأت الظروف الملائمة لتحقيق هامش جديد من المكاسب وتأمين جرعات جديدة من الإجراءات تحافظ على نسق النماء المسجل بالبلاد ونفتح عهدا جديدا من المشاركة في الحياة السياسية لأنّ الشعب التونسي يطمح لأن يجد في إعلامه المرئي والمكتوب والمسموع ما يطفي ظمأه من جرأة في تناول المواضيع وحرية في التعيير بروح المسؤولية والضوابط الأخلاقية والمهنية والوطنية لا سيما وأن المشهد الإعلامي العالمي تطور بشكل مذهل بفضل تقنيات الاتصال الحديثة وفتح السماوات والغزو الإعلامي المتزايد من كل الجهات والذي سهل انسياب المعلومة والخبر بسرعة مذهلة.
ويطمح بعض المثقفين أيضا إلى أن يروا قانون الصحافة محل دراسة متبصرة تهدف إلى منحه هامشا جديدا أصبح له كفؤا من الحرية وربما إعادة النظر في بعض القوانين بما يؤمن لهذا القطاع ما تحقق له.
وأكيد أن طفرة تحرر الإعلام سوف تسهم في إعادة النظر في التعاطي مع هذا القطاع بما يؤمن له الإسهام الايجابي في نحت مستقبل البلاد في ظلّ المتغيرات على أن لا تتحول أعمدة الصحف وأفلامها إلى معاول هدم أو تحريض أو تشكيك رخيص بعد أن تكون قد نأت بنفسها عن المساندة اللامشروطة والمطلقة للسياسيات المتبعة مهما كانت نتائجها.
ومن ناحية أخرى يطمح التونسيون، وبفضل ما تحقق في باب التعددية،أن يروا المعارضة السياسية بالبلاد أكثر حيوية وديناميكية وشعبية، وأن تكون لها بدائل تزيد من قدرتها التنافسية ووجودها الفعلي حتى تسهم كرديف للحزب الحاكم في بلورة الخيارات وتحقيق الانجازات وتصحيح المسارات، ففي قوة المعارضة تجسيم فعلي لمبدأ التعددية وتكريس لمشاركة المواطن الحقيقية في تصريف شؤون وطنه، ولن يزيد ذلك الحزب الحاكم إلا مناعة وتماسكا وقدرة على المنافسة.
وعلى المستوى الاقتصادي، وبعد ما تحقق لتونس من نموّ وتحرر واندماج ايجابي واضح فإن المرحلة القادمة تستدعي استكمال مراحل تحرر اقتصاد البلاد وإعادة هيكلته في اتجاه دعم التصدير والتركيز على إكسابه المناعة اللازمة ضد'الهزات" والمضي قدما في إٍرساء قواعد التنافس الاقتصادي الشفاف والكامل لمقاومة الاحتكار بكل مظاهره والحدّ من تدخل هياكل الدولة في الأسعار والحدّ من تدخل صندوق التعويض وإيجاد الصيغ الكفيلة بالمحافظة على القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود وإعادة التفكير في صيغ الدعم لاستنباط الطرق التي تؤمن استفادة من هم في حاجة أكيدة إليها دون غيرهم للوصول لحقيقة الأسعار.
وإذ نربط الانجازات الجمة التي أمّنها التحول خلال العقدين الأخيرين لتونس، بالطموحات المشروعة التي تمثل عصب فكر التغيير واستحقاقاته المستقبلية فإن ذلك لقناعتنا بأن قيمة ما أنجز تمكن في الحفاظ على هذه الانجازات ودعمها، وقيمة التحول تكمن في ديمومة صيرورته ونجاحه في مواصلة قيادة تونس نحو الأمان الاجتماعي والنهوض الاقتصادي.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>