| عشرون عاما، تجذيرًا للخطّ الوطني المستقلّ د.نبيل خلدون قريسة
أستاذ جامعي - تونس
تمرّ هذه الأيام عشرون عاما على حركة التحوّل وبداية عهد التغيير في السابع من نوفمبر سنة 1987. عشرون عاما، لا تمثّل مدّة طويلة في حياة الشعوب لكنّها في عمر الأجيال كافية لبلوغ النضج في أيّ مشروع بناء اجتماعي والارتقاء به إلى مستوى أعلى من التصوّر والطموح والإنجاز. ويتمثّل مشروع التغيير في عمل دءوب لبناء صرح حضاري يليق بتاريخ تونس العريق وبطموحات أبنائها في العيش الكريم وذلك من خلال تجذير الخط الوطني المستقلّ الذي أرسى دعائمه زعماء الإصلاح ومؤسسو الحركة الوطنيّة وزعماؤها الكبار وجميع المناضلين الذين ضحّوا بالغالي والنفيس طوال سنوات الكفاح التحريري في سبيل عزّة الوطن واستقلاله ومناعته. لقد اتسم تاريخ تونس المعاصر بحراك غير مسبوق في تاريخ البلاد في مستوى الوعي بالذات الوطنية من خلال بلورة مفهومي الشعب والمواطن أسهم فيها الأدباء والفنانون إلى جانب العلماء ورجال السياسة والعمال والموظفون ومختلف فئات المجتمع. وقد قام على هذين المفهومين مشروع تحديث المجتمع التونسي بما جعله يدخل التاريخ من جديد بعد قرون من الانكفاء والتقهقر الحضاري والثقافي بالخصوص. ولعلّ من أبرز محطات تشكّل المفهومين في تونس إلغاء الرق نهائيا بصفة مبكرة سنة 1846 وإعلان دستور عهد الأمان سنة 1861 ثم إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 وقيام الجمهورية سنة 1957 وبعدها سنّ الدستور سنة 1959 وصولا إلى بيان السابع من نوفمبر 1987 وما تلاه من الميثاق الوطني وسياسة الوفاق والتفاوض الاجتماعي إلى جانب التعديلات الدستورية باستعمال آلية الاستفتاء الشعبي سنة 2002 والاتجاه نحو إرساء نظام جمهوري متطور، محطات بارزة على درب الحداثة والبناء الوطني بصورة مترابطة بنيويّا قلّ نظيرها في العالم الإسلامي بأكمله. يتمثّل مفهوم الشعب في تلك القوة الجماعية القادرة على دفع التاريخ إلى الأمام وتغيير مساره وفق أهداف مشروعة ومصلحة مشتركة كانت دوما مطمح حركات التحرر في العالم. وقد جاء هذا المفهوم موافقا لتعابير مختلفة عبر التاريخ مثل الجمهور على سبيل المثال وكذلك العامّة، لكنّه في الأخير استقرّ على معنى محدّد يتجاوز اللفظ أيّا كان إلى الوظيفة السياسية التي يؤمّنها مفهوم الشعب وفق ما بيّناه. كما أنّ مفهوم المواطن ينبني على مفهوم الفرد الذي يحتاج في تكوينه التاريخي إلى تطور البنى الاجتماعية في اتجاه مزيد من الفرز الاجتماعي وفق الكفاءات وتَحقُّق الأهليّة لتحمّل المسؤولية الاجتماعية بقطع النظر عن الانتماءات الموروثة. وفي هذا التحرّر للطاقات البشرية الفكرية والعملية-السلوكية تحرير للمجتمع بأكمله بجميع مكوّناته. إلاّ أنّ المواطنة تزيد على هذا ارتباطها بمفهوم الوطن أي الأرض التي تشكّل معالمَها وحدودَها وموقعَها ذاكرةُ التضحياتِ البشرية في البناء والعمل والذودِ بالدم والعَرق والصوت المرتفع. فالوطن مرآة الأنا والعكس أيضا صحيح. كما أنّ الوطن هو اللغة، وهو الدين، وهو الكيان الاجتماعي البيّن تاريخيّا مهما يحاول المعتدون طمسه أو تفكيكه أو القضاء على وجوده. لذا يتشبّث الفرد بالوطن ويضحّي في سبيله بالغالي والنفيس وبحياته فهو الذي يعطي وجودَه معنى وكينونتَه جسما مرئيّا. وهكذا أيضا نفهم أنّه لا معنى للدين ولا للغة ولا لأيّ بناء اجتماعي بدون الوطن لأنّ الإنسان كينونة مادية بالضرورة أي لا بد له من نقطة ارتكاز جغرافية. كما نفهم أنّ المواطنة تتجاوز مستوى المصلحة الفردية التي يسعى الفرد إلى تحقيقها في البيئة الاجتماعية تعبيرًا عن اكتسابه الفعلي لمقوّمات فرديّته (وخاصة منها مفهوم الحرية المتداول في العصر الحديث). وقد يظنّ البعض أنّ الوطن نفسه مفهوم حديث وأنّ المواطنة لم تنشأ إلاّ في القرن الثامن عشر وحتى بعده، لكنّ ذلك يعود إلى قصر النظر المفاهيمي وعدم معرفة طبيعة الإنسان ولا تفاصيل التاريخ البشري. والحقيقة أنّ مفهوم المواطنة أخذ اليوم بعدا سياسيّا عير مسبوق -وأحيانا حتى مبالغ فيه- وهو ما جعل هؤلاء يظنون أنّه جديد تماما، لكن لا ننسى أيضا أنّ الإنسان "حيوان سياسي" كما أسماه "أرسطو" منذ أقدم العصور وأنّ البعد السياسي للمواطنة لم يكن مجهولا. غير أنّ المواطنة اليوم ارتبطت أكثر بمفهوم الفضاء العمومي في إطار بلورة أشكال جديدة (في عصر انفجار التقنيات الاتصالية الآلية) للتوازن بين الفردي والجماعي في السياق الاجتماعي وتحديد مواصفات سلوكية للفعل الاجتماعي ذات أبعاد أخلاقية وخاصة إثيقية أصبحت ملزمة للفرد-المواطن وهو ما يعبر عنه أيضا بالسلوك المدني أو السلوك الحضاري بصورة أوسع. ويحيلنا تعبير السلوك الحضاري على حقلين دلاليين، يتعلق أوّلهما بالحضارة عموما في مستوى التصور أو الوعي وكذلك في مستوى الفعل فعل البناء والتفاعل الحضاريين، وهو ما يمكن تسميته على طريقة "فرناند برودال" بالتركيب النحوي لمفردات الحضارة ويقصد خاصة السلوك الحضاري بين البشر ( 1). أمّا الحقل الثاني فيتمثّل في المدنيّة بمعنييها العام وهو الانتماء إلى الحضارة المدنيّة، حضارة المدن الموروثة عن الحضارة الرافدية القديمة، وأيضا المدنية السلوكية ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية الخاصة التي تحيل على المواطنة وتوافق في اللغة الأجنبية "سيفيزم" civisme ( 2). من ناحية أخرى، وفي هذا الإطار الأخير، نجد إحالة أخرى على القانون أو التشريع. وفي البيئة العربية-الإسلامية نجد ثنائية الشريعة والشرع أو القانون المستمد من الأصول العقائدية وذلك المستمد من الممارسة للأحوال الاجتماعية سواء كانت في إطار العرف أو الاجتهاد العقلي مع الأخذ بالمصلحة وبالضرورة التي تبيح المحضور، الخ.. وفي هذا السياق تحديدا، نجد إحالة أخرى على حقل دلالي مرتبط بما سبق وهو الأخلاق ببعديها المطابق للمعايير الاجتماعية: "موراليس" ( 3) وذلك النابع من المبادئ العقلية: "إثيقا" ( 4). والسلوك الحضاري هو في العموم سلوك الفرد تجاه المجموعة أو تجاه الفرد الآخر لكن في سياق جماعي بمعنى أنّ هذا السلوك الذي ينطلق من الفرد يرتبط أوّلا بالسياق الاجتماعي للتواصل والتفاعل وبالتالي فهو ظاهرة اجتماعية شاملة حتى وان بدا في ظاهره مجرد ظاهرة نفسية فردية. وهنا نلاحظ بروز البعد الشخصي لهذه الظاهرة أي عناصر الشخصية المتدخلة فيها، كما ننتبه بشكل خاص إلى ما يُسمّى اليوم - على إثر دراسات "إمانويل مونيي" E. Mounier وتلاميذه- الشخصانيّة personnalisme وما يترتّب عنها من توازن صعب لكن مؤمّل دوما بين الشخصية الفردية والإطار الاجتماعي ( 5). فالسلوك الحضاري أو تحديدا المدني يبدو في ظاهره سلوكا غير محدد المدلول وربما غير مضبوط في المجال أو الحيز الذي يشغله، لكنه قبل كل شيء سلوك بالمعنى الاجتماعي وبالتالي يصدر ككل سلوك اجتماعي عن معايير أخلاقية ومبادئ إثيقية. وفي كلّ الأحوال هو لا يأخذ معناه من المعنى بل من الفعل المنجز في الواقع، أي كما يقول "ألان" Alain : "مبدأُ المبادِئ لم يعد مبدأً بل فِعلٌ" ( 6). لذلك يصبح من أَوْكد واجبات المثقفين في أيّ مجتمع المساهمة الفاعلة في بناء صورة دقيقة لهذا السلوك المدني أو الحضاري من خلال جميع أشكال الإبداع الفكري والأدبي والفني وهو الدور الخطير الذي إن غاب عن الساحة الاجتماعية غابت البوصلة عن السلوك الفردي والجماعي وطفت على السطح جميع أشكال التطرف والاغتراب والتفسخ. و يكمن المشكل الرئيسي للمثقف في بلادنا العربية عموما في عجزه عن تحويل ما يفكّر فيه نظريّا إلى ممارسة على أرض الواقع لا في مستوى التطبيق الفعلي للحلول المقترحة نظريا ولا حتى في مستوى السلوك المدني الذي تحدثنا عنه. وبالتالي تبقى المفارقة كبيرة بين ادّعائه أنّ العوائق موضوعية مطلقا ويرسمها دوما وبصورة آلية عُصابيّة في مستوى السلطة السياسية كما نقرأ له ونسمع ونشاهد في مختلف المنابر الإعلامية، في حين أنّ العائق الأوّل كامن في عقله الرافض لقبول الاختلاف. وليس هناك أكثر طرافة من تَلَبُّس آليّة التفكير الإقصائي بوجدان هذا المثقف أو على الأصح شبه المثقف بحيث تجعله يمتهن خطاب التشكيك والاتهام بالمؤامرة والخيانة وتوزيع الشتائم ومختلف النعوت السلبية ذات اليمين وذات الشمال دون أن ينظر إلى نفسه في المرآة. ويبقى بعد كلّ هذا متمسّكا ببرجه العاجي رافضا النزول إلى أرض الواقع والمشاركة مع عامة الناس الذين يدّعي الدفاع عن حقوقهم في بناء واقع الكرامة الذي يحلمون به. لذلك أيضا حدث ذلك الفراغ الذي أضعف من فاعليّة المواطنة لدى عدد كبير من المواطنين وأدخل شعورهم الوطني في حالة ارتباك واختلاط مع مظاهر التعبير الحماسي عن الانتماءات الضيّقة. ولا يخفى ما للشعور الوطني من قيمة معنوية في الرفع من أداء المواطن في الساحة العامة عن ثقة تامة في مؤسسات وطنه واقتناع كامل بأنّ كلّ ما ينجز على أرض الواقع في طول البلاد وعرضها إنّما هو مكسب للجميع دون إقصاء أو تهميش. ذلك هو الرهان الذي حمل أمانته مشروع التغيير في تونس منذ عشرين عاما، رهان استعادة الثقة في الوطن وإحياء جذوة الوطنية ودفع المواطنة إلى أعلى مستويات النجاعة الممكنة بفضل التربية على الممارسة المدنيّة الديمقراطية والقبول بالاختلاف وتحمّل المسؤوليات في كلّ الظروف أي في أحسنها وخاصّة في أسوئها حيث تكون حاجة الوطن إلى أبنائه أكبر وإلى تضحياتهم أوكد. إنّ مسألة سيادة الأوطان والذود عن استقلالها والدفاع عن حق الشعوب في القرار الوطني -أو في تقرير المصير كما أسماها الرئيس الأمريكي الأسبق "ويلسن"- أصبحت اليوم أشدّ الحقوق حساسية بل في مقدمة حقوق الإنسان، لأنّ مصلحة الجماعة تسبق دوما مصلحة الأفراد في كلّ مراحل التاريخ ولكون هذا التاريخ نفسه لا يرحم من يشتم المستقبل بتقديم الحاضر قربانا على مذبحة الأنانيات المقيتة. لذا، فإنّ من أوكد واجبات جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع أن تسعى بكلّ الوسائل المتاحة والمستحدثة إلى تنمية هذا الشعور الوطني العميق والوعي بأمانة الوطن لدى مختلف الفئات وخاصة لدى النشء وتثبيت مشاعر الاعتزاز لديهم بمآثر أجيال المناضلين السابقين وإحياء منابع الذاكرة الوطنية ومواقعها المرجعية بحيث تصبح أمام أعينهم منارات تنير لهم سبيل المستقبل من خلال نماذج التضحية والإباء والصمود التي حمت معالم الوطن من الاندثار وحفظت عناصر هويته الثقافية من خطر الفناء. وليس هناك من مشكل في الحديث عن الوطن والوطنية باعتبارهما من صلب حقوق الإنسان إلاّ عند أولئك الذين يعتبرون أنّ ما حدث في فرنسا مثلا أيام قضية "دريفوس" نموذج لما يمكن أن يحدثه الشعور الوطني من رفض للاختلاف. غير أنّنا نقول لهم إنّ ذلك الذي حصل لا علاقة له بالوطنية الحقّة بل هو أشبه بما ذكرناه الآن من أنّ الفراغ الذي يتركه المثقف الوطني الحقيقي يملؤه حتما تطرّف أشباه المثقّفين الذين يفجّرون من خلاله نزعات الانتماءات الضيقة والأنانيات المتعصّبة والعجز المأساوي عن التواضع أمام الحقيقة. لذلك كلّه نقول أخيرا إنّ ما حصل في تونس التغيير على امتداد العشرين عاما المنقضية إنّما كان تمتينا لخط وطني مستقل نابع من صلب حركة التحرير الوطني ومن قبلها حركة الإصلاح ومن بعدها حركة البناء الوطني إثر الاستقلال، وأنّ هذا الوفاء لمآثر المصلحين والمناضلين الوطنيين كان السمة البارزة لعهد التغيير. كما أنّ التوجّه الحداثي الذي طبع جميع الأقوال والأفعال التي أعلنها وأقدم عليها سيادة الرئيس زين العابدين بن علي دون تردّد أو مواربة كان تعبيرا صادقا عن انسجام تام في التمشّي الإصلاحي المتدرّج بثقة كاملة في الكفاءة الذاتية الذي اتّبعته تونس منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم بما ينفي ادّعاء تشتت الجهود وتضارب السياسات واختلال البناء بل ويؤكد الصورة الناصعة لبلد عربي مسلم معتز بانتمائه الثقافي وفي نفس الوقت عرف طريقه نحو الحداثة المنشودة باقتدار، وبذلك دخل التاريخ من الباب الكبير رغم شكوك المشكّكين.
***********************************
1-
- F. Braudel : Grammaire des civilisations , Paris : Flammarion (Champs), 1993.
2-
« civisme nom masculin
Sens civique. »
« civique adjectif
(latin civis, citoyen)
1. Qui concerne le citoyen et son rôle dans la vie politique.
a. Droits civiques, légalement conférés aux citoyens.
b. é ducation civique, destinée à préparer les élèves à leur rôle de citoyen.
c. Hist. Garde civique : garde nationale.
2. Propre au bon citoyen.
– Sens civique : dévouement envers la collectivité, l' E tat. » (Larousse-Bibliorom).
3-
« lat. moralis, de mores, mœurs » (Larousse-Lexis);
« morale nom féminin
1. Ensemble des règles d'action et des valeurs qui fonctionnent comme normes dans une société.
– Faire la morale à qqn, lui adresser des exhortations, des recommandations morales, le réprimander.
2. Philos. Théorie des fins des actions de l'homme.
3. Précepte, conclusion pratique que l'on veut tirer d'une histoire . ». (Larousse- Bibliorom).
4-
« éthique adjectif
(grec êthikos, moral)
Qui concerne les principes de la morale. Jugement éthique. ». (Larousse- Bibliorom).
5 - انظر على سبيل المثال: E. Mounier : Le personnalisme , Paris : P.U.F. (Que sais-je ? / 395), 1978 (1949).
Mohammed Aziz Lahbabi : Le personnalisme musulman , Paris : P.U.F. (Sup), 1967.
6-
- « Le principe des principes n'est plus un principe: il est acte », Alain (Emile Chartier, 1868-1951). طباعة >> | إغلاق
النافذة >>
|