التغيير .. حركة اصلاح شاملة
أ.عبير موسي
محامية -تونس
تعيش تونس خلال هذه الفترة على وقع الاحتفالات بمرور عشرين سنة على تحوّل السابع من نوفمبر 1987 وتولي الرئيس زين العابدين بن علي مسؤولية قيادة البلاد وانطلاق مسيرته الموفقة للنهوض بها من الوضع المتردّي الذي تخبطت فيه طوال سنوات سابقة للتغيير وتحقيق مطمح كل التونسيين في حياة كريمة قوامها العدل والإنصاف والتضامن والتآزر واحترام حقوق الفرد والمجموعة وتركيز دولة القانون والمؤسسات.
وفي خضم هذه الاحتفالات وبعد مرور عشريتين على هذا المنعرج التاريخي والتحوّل الحضاري الحاسم، لا بدّ من التواقف عند أهم ما أنجز لتونس والتونسيين بقيادة رجل التغيير ولا بدّ من التمعّن في عمق الإصلاحات التي شهدتها بلادنا على كل المستويات والتي بلغ صداها أقصى بقاع العالم وشهدت بها المنتديات العالمية والمؤسسات الدولية وتبوأت بفضلها تونس مكانة عالمية متميّزة وأصبح لمبادراتها تأثير ونجاعة منقطعي النظير ولا أدل على ذلك من مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة والخمسين سنة 2002 على مبادرة رئيس الدولة إنشاء صندوق عالمي للتضامن واختيار تونس لاحتضان المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات خلال شهر نوفمبر سنة 2005.
لا يمكن لأي تونسي وطني غيور على بلده أو لأي متابع نزيه وموضوعي لمسيرة تونس طوال هاتين العشرتين أن ينكر أو يتجاهل أو يشكك في قيمة وجوهر الإصلاحات التي شهدتها البلاد على المستوى السياسي فضلا عن الكم الهائل من القرارات والإجراءات والتشريعات الضامنة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والمكرّسة لعلوية القانون.
ان المتتبع للأحداث السياسية بتونس يتبيّن أن جهود القيادة اتجهت منذ فجر التغيير نحو إرساء التعددية وتأسيس ديمقراطية ثابتة لا تقبل الانتكاس والتقهقر وهو ما تجلى بوضوح من خلال دعوة كافة القوى السياسية والاجتماعية والتوجهات الفكرية إلى ميثاق وطني تمّ إمضاؤه في 7 نوفمبر 1988 قصد تهيئة المناخ الملائم وتنقية الأجواء السياسية والالتقاء والاتفاق حول المضامين والثوابت المشتركة التي لا محيد عنها، هذا كما مثل تنقيح الدستور وإلغاء الرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية معرجا هامّا في الحياة السياسية تدعم بإصدار قانون الأحزاب خلال الفترة نفسها وقانون الجمعيات سنة 1989 ـ كل ذلك بعد فترة وجيزة من التحوّل ـ وشهت تونس انتخابات عامة سابقة لأوانها مما أكد العزم الراسخ للقيادة للمضي قدما في إطار تدعيم المسار الديمقراطي وتشريك مختلف الحساسيات في الحياة العامّة.
وبدأت تونس اليوم في قطف ثمار هذه السياسة الحكيمة الثابتة من خلال ما نشاهده حاليا من تطوّر في عدد أحزاب المعارضة ومن مشاركة فعّالة لهاته الأحزاب في الحياة السياسية وذلك بتواجدها بنسب محترمة في مختلف المؤسسات الدستورية على غرار المجالس التشريعية والمجالس البلدية وتواجدها كذلك في مختلف الهيئات الوطنية والمنظمات القومية بعد الإذن بتوسيع تركيبتها لتشمل مخلتف الحساسيات والتيارات الفكرية التي يزخر بها المجتمع.
كما شهدت بلادنا سنة 2004 أول انتخابات رئاسية تعددية في كنف الشفافية واحترام القانون الانتخابي.
ولا يمكن أن نغفل كذلك ما شهه مفهوم المجتمع المدني من تطوّر وازدهار وما بلغه المجتمع المدني التونسي من درجات النضج والمسؤولية نظرا للعناية الفائقة بالنسيج الجمعياتي وتوفير الإطار القانوني الكفيل بدعم تكوين الجمعيات وتنويع مجالات تدخلها وتيسير عملها وتكريس مفهوم الشراكة بين أجهزة الدولة ومؤسساتها من ناحية والجمعيات من ناحية أخرى وهو ما أدّى إلى تنامي عدد الجمعيات والمنظمات بشكل ملفت للانتباه اذ تعد تونس اليوم أكثر من 9000 جمعية تنشط في مختلف المجالات الاجتماعية والعلمية والرياضية والخيرية الإسعافية وذات الصبغة العامّة.
ولعلّ أبرز حدث عاشته تونس خلال السنوات الأخيرة هو إجماع التونسيين ـ خلال استفتاء عام جرى لأوّل مرّة في تاريخ البلاد يوم 26 ماي 2002 ـ حول مشروع الإصلاح الدستوري الجوهري الذي جاء ليؤسس جمهورية الغد وصدور القانون الدستوري عدد 51 لسنة 2002 بتاريخ 1 جوان 2002 المتعلق بتنقيح بعض أحكام الدستور والذي ارتقى بالعديد من المبادئ والقواعد القانونية إلى مرتبة دستورية وأرسى مفهوم حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها وأقر دون أي شك قيام الجمهورية على مبادئ القانون والتعددية والعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته وعمل الدولة على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال كما جاء هذا التنقيح بإحداث مجلس المستشارين ضمانا لتمثيل أوسع للجهات ولمختلف مكوّنات المجتمع وتدعيم صلاحيات رقابة مجلس النواب على الحكومة وتوسيع صلاحيات المجلس الدستوري في مجال مراقبة دستورية القوانين وفي مجال الانتخابات الرئاسية والتشريعية في جميع مراحلها ودعم استقلالية أعضائه وحيادهم.
هذا التطوّر في المشهد السياسي اقترن بصدور ترسانة من التشريعات والمبادرات والإجراءات والتدابير الهامّة قصد تكريس حقوق الإنسان في الواقع المعيش لعل أبرزها في المادة الجزائية وتتمثل في تنقيح القانون المتعلق بالاحتفاظ والإيقاف التحفظي في اتجاه مزيد من الضمانات لفائدة المتهم وإلغاء عقوبة الأشغال الشاقة وإلغاء المحاكم الاستثنائية وإقرار مبدأ التقاضي على درجتين في المادة الجزائية وإنشاء خطة قاضي تنفيذ العقوبات وإرساء الصلح بالوساطة في المادة الجزائية وإصدار قانون يقرّ حق الموقوفين والمحكوم عليهم الذين ثبتت براءتهم في التعويض وتمكين المتهم من الاستغاثة بمحام لدى باحث البداية في حالة الإنابة القضائية.
كما شملت الإصلاحات كل الفئات العمرية إذ حظي مجال حقوق الطفل بعناية سامية تجلت بالخصوص في إنشاء مجلة حقوق الطفل التي أقرّت جملة من الحقوق والتدابير الوقائية والعلاجية لفائدة الأطفال المهددين أو الجانحين وأفردت الأطفال بإجراءات خاصّة عند التقاضي.
هذا كما تدعّمت مكانة المرأة ومكاسبها المضمنة بمجلة الأحوال الشخصية بفضل تنقيح 1993 الثوري الذي ألغى واجب الطاقة وأرسى مبدأ الشراكة بين الزوجين في تسيير شؤون الأسرة والأبناء وتمّ إحداث صندوق للنفقة وجراية الطلاق ويتولى خلاص معينات النفقة المحكوم بها في حال تخلي الملزم بالنفقة عن القيام بواجبه كما تمّ إصدار قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين.
وإضافة إلى كل هذه التشريعات المكرّسة لحقوق الإنسان تمّ تطوير الأجهزة والمؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان لما تقوم به من دور هام في ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان ونشر ثقافتها ومن بين هذه الأجهزة والمؤسسات الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية وخلايا حقوق الإنسان في الوزارات إضافة إلى أجهزة الحماية القضائية من قضاء عدلي وإداري والمجلس الدستوري وإنشاء خطة المرفق الإداري والمواطن الرقيب كما تمّ إلحاق مصالح السجون بوزارة العدل وحقوق الإنسان وإحداث مرصد الإعلام والتوثيق والدراسات حول حماية حقوق الطفل والمجلس الأعلى لطفولة إلى غير ذلك من الهيئات والمجالس العليا في مختلف المجالات.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>