ندوة:

20 سنة من الإصلاح والإنجاز في مجالات التّربية والثّقافة والعلوم:

نحت هويّة وطنيّة متفتّحة

احتفالا بالذّكرى العشرين لتحوّل السّابع من نوفمبر 1987 نظّمت المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم بالتّعاون مع اتّحاد الكتّاب التّونسيّين، أيّام 18- 19- 20 أكتوبر 2007 ندوة دوليّة بعنوان "عشرون سنة من الإصلاح والإنجاز في مجالات التّربية والثّقافة والعلوم" وذلك بمساهمة جامعيّين وباحثين من تونس والوطن العربي وأوروبا.

صورة مشرقة لتونس

وفي كلمته الإفتتاحيّة، ذكر الدّكتور المنجي بوسنينة المدير العامّ للألكسو، أنّ المنظّمة أرادت من خلال تنظيم هذه النّدوة تكريم تلك الرّحلة المشرقة من تاريخ تونس الحديث والتّنويه بالعمل الدّؤوب الذي ما فتئ يقوم به "سيادة الرّئيس زين العابدين من أجل تحقيق تنمية دائمة وشاملة للشّعب التّونسي، وذلك من خلال الدّفع من مستواه التّعليمي والثّقافي والإقتصادي والإجتماعي، تطلّعا إلى نقلة نوعيّة تضع هذا البلد العزيز على نهج التّحديث والتّطوير، في تناغم مع ما يشهده العالم من تحوّلات على كلّ المستويات".

وإلى ذلك ثمّن الدّكتور بوسنينة النّموذج الرّائد من الإصلاح الذي أبدعته "تونس التّغيير" وما حقّقه من إنجاز على امتداد عشرين سنة، لافتا النّظر إلى أنّ ما يسترعي الإنتباه في هذا النّموذج الإصلاحي هو تأصّله في تربته التّونسيّة، وذلك عن قناعة راسخة من القيادة التّونسيّة "بأنّ مصير أيّ شعب لا يتحدّد بغير ذكائه، وأنّ النّماذج الجاهزة والحلول المسقطة لا يكتب لها النّجاح والدّوام لأنّها بلا جذور". كما ورد في خطاب الرّئيس بن علي بمناسبة الذّكرى العاشرة للتّحوّل.

وفي هذه التّربة الأصيلة المتأصّلة، كما أضاف الدّكتور بوسنينة، وفي هذا المناخ من الثّقة المتبادلة نما التّمشّي الإصلاحي التّونسي وتطوّر خلال عشرين سنة وكانت من سماته الكبيرة نظرة شموليّة لموضوع الإصلاح، ومنهجيّة مرحليّة متأنّية في تطبيقه، واندراج ذكيّ في القيم الكونيّة المؤسّسة لأيّ إصلاح يهدف إلى تنمية المجتمع والنّهوض بالإنسان.

وبعد تحليله للسّمات الخصوصيّة لهذا النّموذج الإصلاحي خلُص المدير العامّ للألكسو إلى القول "إنّ ما يبقى راسخا في الذّهن بعد عشرين سنة من التّحوّل هو تلك الصّورة المشرقة لتونس من الدّاخل وفي الخارج والّتي جسّمها مشروع مجتمعي متكامل الأركان وحكم رشيد راوح بين التّغيير السّياسي والإصلاح الإقتصادي، والرّقيّ الإجتماعي والثّقافي، في تناغم وفّر لتونس كلّ مقوّمات الإستقرار والتّقدّم، ومكّن المواطن من العيش الكريم في ظلّ سلم اجتماعيّة مستمرّة وتكامل مجتمعي حقيقي.

منظومة تنمويّة متكاملة

وكان الدّكتور محمّد العزيز ابن عاشور وزير الثّقافة والمحافظة على التّراث قد ذكر، في افتتاحه لهذه النّدوة، أنّ مسيرة عشرين سنة من الإصلاحات والإنجازات الجليلة في المجالات التّربويّة والثّقافيّة "تمّت بفضل الإختيارات الحضاريّة لسيادة الرّئيس زين العابدين بن علي الّذي نزّل الثقافة المنزلة الرفيعة التي تستحقّ، فاعتبرها سندا للتّغيير، مضيفا أن كل مشروع سياسي لا بدّ أن يوازيه مشروع ثقافي". وأضاف وزير الثّقافة التّونسي أنّ السّياسة الرّشيدة لسيادة رئيس الجمهوريّة انبنت على أساس أنّ التنمية كلٌّ شمولي لا تنفصل مكوّناته بعضها عن بعض ولا تتجزّأ. فالّتنمية الإقتصاديّة لا تكون قابلة للتّحقّق دونما تنمية ثقافيّة تتهيّأ بها الذّهنيّات لقبول المستجدّات وفهم المتغيّرات وامتلاك القدرة والكفاءة الكفيلة بالإنخراط في المسيرة الحضاريّة بثقة وتبصّر.

كما أشار الدّكتور ابن عاشور أن اختيار تونس التّحوّل في المجال الثّقافي والتّربوي والعلمي جامعا بين ثنائيّة الإعتزاز بالإنتماء إلى تونس والإرتباط الحتمي بها تاريخا وحضارة من جهة، ونشر قيم التّحرير والتّنوير والتّسامح و إشاعة ثقافة التّغيير والتّحديث والإنفتاح من جهة أخرى.

وقد عدّد وزير الثّقافة التونسي بعض العناصر الجوهريّة في منظومة التّحوّل في المجالات الثّقافيّة والتّربويّة وكذلك بعض القرارات والإجراءات التي اتّخذت من أجل تنزيل الثقافة وجملة المبدعين المكانة اللاّئقة في مسيرة التّحوّل التي شهدتها تونس في كافّة المجالات.

توسيع مجالات الثّقافة

وفي إطار المحور الثّقافي ألقيَت جملة من المداخلات منها مداخلة الدكتورة ألفة يوسف أستاذة الحضارة بالجامعة التونسيّة حول "الخطاب الثّقافي للتّحوّل: الفلسفة والأهداف" التي اختارت الإنطلاق من خطب الرئيس زين العابدين بن علي في الشّأن الثقافي لتبيّن فلسفة هذا الشّأن وأهدافه. وقد رصدت الباحثة بعض مميّزات هذا الخطاب منها توسيع الموضوع الثقافي حيث أن الخطاب أضاف إلى الفنون والكتابة والنّشر الحرف والصّناعات التّقليديّة لاعتبارها إبداعات مستمدّة من التّراث الثقافي والإجتماعي، كما أضاف مجال الصحافة والمحافظة على التّراث، وهذا التّوسيع يقتضي ضرورة توسيعا للفاعلين الثّقافيّين، وتوسيع المساهمة الثّقافيّة من خلال تكثيف الإستشارات الوطنيّة في المجال الثّقافي ممّا يحوّل المبدع من فاعل إجرائي ينشئ إلى فاعل متصوّري يُبَلور ويقترح.

أمّا السّمة الثانية لهذا الخطاب فهو قيامه على الجمع بين الحفاظ على الهويّة والإنفتاح على سمات العصر. فيما تتمثّل الميزة الثّالثة في إدماج الثّقافة في النّسيج الإقتصادي، حيث نلحظ حديثا عن الإنتاج الثقافي وعن"الصناعة الثقافيّة"، إلاّ أن هذا التّصوّر للثّقافي الذي يجعله صناعة ويتعامل معه من منظور رأسمالي- بالمعنى الفلسفي للكلمة لا يحجب رأس المال الرّمزي الذي يتمتّع به المبدع، فالمثقّف كان "وما يزال مصدر إشعاع فـي محيـطه، وكـان له دائـما تأثـيـر بارز في التّحـوّلات الكبـرى التي شهـدها التّاريـخ" ( خطاب الرئيس بن علي بمناسبة اليوم الوطني للثقافة 9 جوان 2001).

وإذا ما نظرنا في الوجوه الثلاثة التي اختارتها الباحثة تمثيلا لفلسفة الخطاب الثقافي للتّحوّل، وجدناها قائمة على الإتّساع والشّمول سواء في المجالات الثقافيّة أو الفاعلين الثّقافيّين.

أمّا عن هدف الخطاب الثّقافي للتّحوّل فنجده واحدا ذي تجليّات متعدّدة وهذا الهدف هو التّنمية بجميع وجوهها: تنمية الحسّ الديمقراطي والمدني، لا فحسب بتوسيع مجال الممارسة الثقافيّة وضروبها، ولكن أيضا بتقريب الثقافة من المواطن حيثما كان، تنمية الوعي الثقافي من جهة الوعي بقيمة الثقافة بما يجعلها أداة للتّحديث وأرضيّة لترسيخ السّلوك المدني والتّأسيس للدّيموقراطيّة وغرس مبادئ وحقوق الإنسان...

وقد خلصت الباحثة ألفة يوسف إلى أن الخطاب الثقافي للتّحوّل خطاب يسعى إلى الكمال وينشده، واعيا بأنّ الكمال مستحيل، وواعيا في الآن نفسه بأنّ مجال العقل البشري هو في التّوق نحو الكمال، هو في الحدثان، وبذلك يخرج هذا الخطاب من مقال السّياسي البرغماتي ليلج بابا أوسع فيغيّر خطابا يتجاوز المقامات المتحوّلة ويكتسب ضروب الخطاب الأخلاقيّة الإيطيقيّة الكبرى التي يكون منطلقها وغايتها الإنسان مهما يكن وأينما يكن.

تعدّديّة وانفتاح

ودائما في إطار البعد الثقافي لمشروع التّحوّل في تونس، ركّز الدّكتور المنجي الزّيدي رئيس تحرير جريدة الحريّة، على المبادئ الأساسيّة التي غيّرت المشهد الثقافي وارتقت به إلى مرتبة متقدّمة ومن ذلك قيام المشهد الثقافي على التّعدّديّة والإنفتاح على تيّارات وموجات جديدة ومستحدثة، حيث قطعت الثقافة مع حركة السّابع من نوفمبر مع أحاديّة الفكر ورافقت المصالحة السياسية والإجتماعيّة مصالحة ثقافيّة وحضاريّة تمثّلت أساسا في فسح المجال أمام التّعبير الحرّ المسؤول وكان من أبرز دلائل هذا التّمشّي منع مصادرة الكتب وتنظيم آليّة الإيداع القانوني وإلغاء التّأشيرة على النّصوص المسرحيّة، وعدم اعتماد أيّ نوع من التّأشيرات على سيناريوهات الأفلام التي تتقدّم للحصول على دعم الدولة.

من الوصاية إلى الرّعاية

ومن المبادئ الأساسية التي غيّرت المشهد الثقافي بعد 1987 تعزيز الحقّ في الثّقافة وانتقال دور الدولة في المجال الثقافي من الوصاية إلى الرّعاية حيث أعلن الرئيس بن علي في أكثر من مناسبة أنّ الثّقافة شأن جماعي، في قطاع عمومي وقطاع خاصّ ومجتمع مدني. هذا إلى جانب اعتماد المشروع الحضاري للسّابع من نوفمبر مقاربة توازي بين الإصلاحات الإقتصاديّة والإصلاحات الإجتماعيّة من ناحية وتتكامل مع التّقدّم بالدّيمقراطيّة والتّنمية الثقافيّة بنفس الوتيرة، هذا إلى جانب الإقرار بجدليّة التّنمية والثّقافة، انطلاقا من منهج شمولي يسعى إلى "المحافظة على تكامل وتوازي المسارات السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة والثقافيّة، وكذلك تطوّر الذّهنيّات حتّى تكون البلاد في مأمن من مساوئ التّفاوت المجحف بين هذه المسارات، والذي يتحوّل إلى مصدر لفقدان التّوازن التنموي والإجتماعي وبروز مخاطر التّهميش ومعوقات التنمية المستديمة".

كما أبرز د. المنجي الزيدي أيضا حرص تونس، في ظلّ العولمة والتّحوّلات الدّوليّة، على الإضطلاع بدورها كقطب حضاري يرسّخ قيمة التّسامح ويعزّز حوار الحضارات الذي اعتبره الرئيس بن علي أفضل السّبل للقضاء على بؤر التّوتّر والصّراع وضرورة حتميّة لترشيد مسار العولمة لا سيّما في بُعديْها الإقتصادي والإجتماعي.

شبكة مثاقفة

وفي مقاربة أكثر شمولا تحدّث د. صلاح الدين بوجاه رئيس اتّحاد الكتّاب التّونسيّين عن دور تونس في النهضة العربيّة من خلال 3 مداخل:

الإيالة (المملكة) التونسيّة التي تحوّلت إلى محميّة فرنسيّة دون أن تنبتّ على جذورها العربيّة الإسلاميّة.

جدل دولة الإستقلال وثنائيّة الأصالة والتّفتّح.

إشعاع العقديْن الأخيريْن أي منذ سنة 1987 إلى اليوم.

وقد خلُص د. بوجاه إثر تعرّضه إلى هذه التّجارب الثّلاث إلى أنّ محتوى الثّقافة التونسيّة قد تبدّل منذ 1987 وأصبح أكثر سعة وشمل الثقافة العلميّة والثقافة الحقوقيّة والثقافة البيئيّة وحريّة المرأة وثقافة الرّفاه والقدرة على الإبتكار وثقافة المشاركة والتّفاعل الحضاري الإيجابي. وأنّ هذا الجهد العامّ الذي بذله النّظام التّونسي، تعاضده فيه النّخب التونسيّة، يقدّم النموذج، بلا صلف أو ادّعاء، إلى البلدان القريبة، والبعيدة للمحاورة والمحاكاة واقتفاء الأثر ويضيف الباحث التونسي، بعد استعراضه لجملة من المبادرات التي ساهمت في تغيير الثقافة في تونس: "إنّنا نرى أن التونسيّين اليوم أقدر على دخول كوكبة الإصلاح بمساهمتهم في إنشاء فكر إصلاحي ذي سمات تفاضليّة ملائم للطّور الذي يمرّون به، محاور للجديد الحضاري، من قبيل التّنوّع الثّقافي والخصوصيّة في خضمّ العولمة، والإستثناء الثقافي والمغالبة المنسجمة في إطار شبكة مثاقفة كبرى مؤمنة بضرورة التّوازن بين الموروث الّلغوي والدّيني وخصوصيّات الهويّة والمرونة والقدرة على التّحوّل انسجاما مع الغير.

اعتراف بالوظائف التّنويريّة للثّقافة

وفي مداخلة بعنوان "إسهام الثّقافة في الحفاظ على القيم الحضاريّة والإنسانيّة"، ذكر الدكتور مصطفى القبّاج أستاذ الفلسفة ومقرّر أكاديميّة المملكة المغربيّة، أنّ التاريخ المعاصر لتونس سواء بفضل الثورة البورقيبيّة أو بفضل التّحوّل التّاريخي للسّابع من نوفمبر يدلّ دلالة قطعيّة على أنّ الدّرجة التي بلغتها متانة النسيج الإجتماعي والإقتصادي تعود في المرتبة الأولى للتّركيز على الإرادة السّياسيّة الصّارمة التي تبوّئ الثقافة مكانة مركزيّة ضمن مشاغل الدولة.

وفي بحث تحليلي مطوّل لعلاقة الثقافة بالقيم يشيد الدكتور قبّاج إلى أن البحث في مصادر القيم يقودنا مؤكّدا إلى أن القيم وخاصّة الإنسانيّة والحضاريّة تنبثق في وجدان الإنسان من منطلقات ثقافيّة وتشترط سلوكه من خلال معايير ونماذج نظريّة متجذّرة في الثقافة.

وهذه العلاقة الديالكتيكيّة بين الثقافة والقيم علاقة تمثّل صلب الإشكاليّة التي اشتغل عليها مفكّرون كُثُرٌ منهم بورديو وحنّا أرندت، التي قالت بصريح العبارة " الثقافة نفسها هي ما كنّا نطلق عليه فيما قبل "قيمة" بمعنى سلطة مجتمعيّة نداولها وننجزها". إلاّ أن الثقافة، ممّا حيث هي تجريدات، هي في أمسّ الحاجة إلى من يجسّدها فوق أرض الواقع وعلى مستوى المعيش اليومي، كما يضيف الباحث المغربي، ويتصدّى لهذه المهمّة المثقّفون الذين يمثّلون الفئة المنوّرة داخل المجتمعات من خلال ما تدعو إليه من قيم التّقدّم والعدالة والإلتزام بقضايا الشعوب.

ويخلُص الباحث إلى القول، وعودة إلى النّموذج التونسي، "أنّ هذا البلد الشّقيق مؤهّل للإعتراف بالوظائف التّنويريّة والقيميّة للثّقافة (....) إنّها دولة مؤهّلة للإعتراف بما يمكن أن تسهم به الثّقافة والمثقّفون في ترسيخ دولة الحقّ، والمؤسّسات، وفي إنجاز المشروع الحداثي الدّيموقراطي الذي كان هو هاجس كلّ الإصلاحيّين الذين عرفتهم هذه البلاد منذ فجر القرن التّاسع عشر إلى يوم النّاس هذا مرورا بالإنجازات البورقيبيّة وبالتّحوّل الصّائب للسّابع من نوفمبر، لا بدّ أن تكون الثقافة والمثقّفون محطّ الثّقة الكاملة والمطلقة لإتّخاذ المسار الصّحيح الموصل بكلّ تأكيد إلى التّقدّم، وبخطى ثابتة".

حوار الحضارات خيار جمهوري

إنّ ما يُحسب لتونس أيضا، ودائما في إطار البعد الثقافي الحضاري لمشروع التّغيير، أنّها، اضطلعت منذ انطلاق حركة التّغيير، في سياق عالمي يسوده التوتّر والصّراع، بدور بارز في ترسيخ قيم التّسامح وتعزيز الحوار بين الأديان والحضارات، عبر استحداث العديد من الآليّات التي ساهمت في النّهوض بهذه الرّسالة النّبيلة، ومنها منتدى تونس للسّلام بالتّعاون مع الأمانة العامّة لمنظّمة المؤتمر الإسلامي، ومركز البحوث والدّراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة وإعلان تونس من أجل التّحالف بين الحضارات، وبعث كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان، الذي كان موضوع العديد من المداخلات في هذه النّدوة منها مداخلة الدّكتور حسين فنطر المشرف على هذا الكرسي والدّكتور محمّد الحدّاد أستاذ الحضارة الإسلاميّة بجامعة منوبة (تونس) والمشرف بدوره على كرسي اليونسكو للأديان المقارنة.

لقد وضع الدّكتور فنطر إطارا نظريّا لمداخلته سعى من خلاله إلى تحديد ماهيّة الحوار بين الحضارات وغاياته وآليّاته حيث ذكر أنّ الحوار يمثّل سعيا لمعرفة الآخر وحضارته ودينه وإلى التّعريف بالأنا وبحضارته وبدينه، وإنّ هذا السّعي يستلزم معرفة الذّات. كما أن الحوار يجب أن ينطلق من قاعدة المساواة بين الشّعوب والحضارات وأن لا يتمّ إلاّ بروح التّعاطف والمحبّة والإطمئنان فلا حوار في العالم يسوده الخوف، كما أن الحوار لن يتمّ إلاّ إذا توفّر قاسم مشترك بين المتحاورين، وقد أكّد عهد قرطاج الذي صدر بالتّعاون مع منظّمة اليونسكو عام 1995 على أهميّة هذه القاعدة الصّلبة، قاعدة القيم المشتركة، لإحلال السّلام في العالم حيث جاء فيه: "أن التّجربة الإنسانيّة الطّويلة تبيّن بوضوح أنّّه لا سبيل إلى إحلال السّلام في العالم بين البشر بدون القناعات السياسيّة والدّينيّة، ويتعيّن على الدّيانات التّوحيديّة الثّلاث، أن تعزّز فيما بينها، وبين علاقاتها، وفي مجتمعاتها المتنوّعة قيم الحريّة والتّسامح وحقوق الإنسان". إن حوار الحضارات، كما يضيف الدكتور فنطر، يحوّل المواجهة إلى لقاء ويقصي التّهميش ويؤسّس للتّفاهم وقبول الآخر. وضمن هذه القناعات كان بعث كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان بعد فترة قصيرة، كما يذكر الدكتور محمّد حدّاد، من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وهو الحدث الجلل الذي أطلق بقوّة شبح صدام عالمي على أساس حضاري وديني يقوم مقام الصّراع السّابق بين الكتلتين الرّأسماليّة والإشتراكيّة.

لذلك سعت بعض الهيئات الدّوليّة وبعض الدّول والقيادات الفكريّة والسياسيّة إلى العمل بمختلف الوسائل "لتجنّب هذا المنزلق الخطير".

ومن جهة أخرى، كما يذكّرنا المشرف على كرسي اليونسكو للأديان المقارنة، بالسّياق العالمي والوطني الذي بعث فيه هذا الكرسي، كانت الأصوليّة الإسلاميّة التي فشلت في تحقيق أهدافها "بالحيلة والخداع" تذهب نحو الكشف عن حقيقتها واستعمال العنف لتحقيق غاياتها، ومن حسن الحظّ أن تونس تجنّبت الهزّات والأزمات بتولّي الرئيس بن علي رئاستها عام 1989 حيث أعلن منذ تولّيه السلطة عن سياسة واضحة تقوم على احترام الهويّة الإسلاميّة للشّعب مع التّمييز بين الإسلام دينا للتّسامح والعيش المشترك والأصوليّة مشروعا للعنف والدّمار. ويخلص الباحث من هذا التّذكير بمعطيات من أواخر ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، إنّ بعث كرسي لحوار الحضارات والأديان لم يكن قرارا مجرّدا من أبعاده الحضاريّة، "إنّه جزء من سياق إصلاحي تونسي تمتدّ روافده بعيدا إلى القرن التّاسع عشر"، كما أن "نسبة كرسي جامعي إلى رئيس الدولة يحمل تأكيدا على أن الحوار ليس موضوعا للتّجاذب السّياسوي وإنّما هو خيار جمهوري مشترك بين جميع فئات الشعب واتّجاهات النّخبة".

كما نوّه الدكتور الحدّاد إلى أن اختيار الدكتور فنطر للإشراف على هذا الكرسي، وهو المختصّ في التّاريخ القديم، ما يفيد أن تونس لا تتنكّر لأيّة فترة من فترات تاريخها وأيّ دين من الأديان التي استقبلها على أرضها، فهويّتها هي احترام هذه التّعدّديّة الخصبة المثرية التي تجلّت في تاريخها واستمرّت في حاضرها. ولقد انطلق كرسي بن علي هذا التّنوّع فلم يكن، كما يؤكّد الباحث، مجرّد أداة لتنسيق الملتقيات بين اللاّهوتيّين، وإنّما كان خاصّة فرصة لتوجيه الأنظار لأهميّة التّعدّديّة في البناء الحضاري. وانطلاقا من فكرة البناء لا الصّراع والهدم والإقصاء، تجنّب كرسي بن علي أن يجعل حوار الأديان محالفات بين أديان ضدّ أخرى، كما تجنّب أن يجعل مفهوم الحضارة مفهوما إقصائيّا مصرّا على إبراز المشترك والإرث البشري الجامع، كما أكّد على ضرورة المشاركة العربيّة الإسلاميّة على الحوار العالمي دون عقد و لا شعور بالنّقص.

التّربية أولويّة مطلقة

وفيما يخصّ نشاطات كرسي بن علي أكّد الدكتور الحدّاد على عدم نخبويّتها، حيث حرصت على التّنوّع في المواضيع لتقترب من الجميع، وعلى تنوّع آفاق المساهمين في تلك الأنشطة.

وقد ختم الدكتور حدّاد مداخلته بقوله: "كان من حقّ الجمهور المستنير في الضّفّة الجنوبيّة أن يتابع التّطوّرات الحديثة في مجال معالجة المواضيع الدّينيّة والحضارية وتحليل القضايا الدّوليّة والرّاهنة وقد وفّرت له نشاطات كرسي بن علي هذه الفرصة كأحسن دليل على التّفتّح الفكري والحضاري".

إن التّحوّل في الذّهنيّات الذي تتطلّبه ثقافة حداثيّة متفتّحة، أو ذلك الذي يتطلّبه حوار الحضارات يقتضي، ولا شكّ وجود منظومة تربويّة تساهم في إحداث ذلك التّحوّل وتُنَمِّيه وترعاه وتُرشِّدُهُ. وفي عالم تسارع فيه نسق التّطوّر وفي ظلّ ثورات علميّة وتكنولوجيّة هائلة وما يترتّب عنها من تغيّرات اجتماعيّة وثقافيّة هامّة، جاء البرنامج التّربوي للرئيس بن علي ليعكس جملة من الإختيارات الإستراتيجيّة الرّائدة التي جعلت من التربية والتعليم والتكوين والبحث قطاعات مصيريّة.

الدكتورة نجوى الفزّاع غريس، الأستاذة بالمعهد الأعلى للتربية والتكوين المستمرّ بتونس، قدّمت خلال هذه النّدوة التي عرضت لعشرين سنة من الإصلاح والإنجاز في تونس في مجالات التّربية والثقافة والعلوم، أبرز معالم هذا المشروع التّربوي. ولقد أشارت الباحثة، في مداخلتها، أن المقاربة التربويّة التي انطلقت، بُعيْد التّحوّل، انطلقت في إطار مفهوم التّنمية الشّاملة التي تهتمّ بالإنسان في جميع أبعاده، خاصّة أن الإصلاح الأوّل بالمنظومة التربويّة الذي انطلق عام 1991 جاء في فترة تاريخيّة بدأت فيها المدرسة التّونسيّة تعيش أزمة توافق مضاعفة، إذ أصبحت في نفس الوقت عاجزة على التّوافق مع ظروفها الدّاخليّة من ناحية وغير قادرة على مواكبة التّحوّلات الخارجيّة من ناحية أخرى.

وقد جاء هذا الإصلاح، كما تقول الدكتورة غريس، في مداخلتها العميقة والشاملة، بعمليّة مراجعة جذريّة للجهاز التربوي قصد الإرتقاء به إلى مستوى المأمول. كما أعقبته جملة من الإصلاحات منها صدور القانون التّوجيهي للتّربية والتعليم المدرسي عام 2002 والذي يُعَدُّ تتويجا لعمليّات التّقييم التي خضعت لها مدرسة "إصلاح جويلية 2001"، وعمليّة الإستشراف الموسّعة "لمدرسة الغد" التي مكّنت من حصر الإشكاليّات والإحتياجات المستجدّة. وقد قامت جملة من هذه الإصلاحات على مبادئ أساسيّة جعلت منها اعتبار التّربية أوّليّة مطلقة في البرامج التنمويّة، والعنصر البشري ثروة البلاد الأساسيّة، والمعرفة مفتاح التّنمية الشّاملة المستديمة، ومواكبة الحاضر والإستعداد للمستقبل، ونحت هويّة تربويّة وطنيّة تتناغم فيها الأصالة مع آفاق الحداثة. وهذه المبادئ السّامية تهدف إلى إرساء منظومة تصليحيّة وتكوينيّة جيّدة توفّر تعليما ديمقراطيّا، وإبداعيّا، وجيها في أهدافه، متوازنا في مضامينه، متجدّدا في وسائل عمله، ومستمرّا مدى الحياة.

ولقد عكست خُطب الرئيس بن علي المنزلة المرموقة التي بوّأها للتّربية، في المشروع الحضاري للتّغيير، حيث جعل المدرسة الأمل في المستقبل، إذ جاء في خطابه في جويلية 1991 قوله: "إنّ المدرسة في تونس أمل الجميع، أمل الفئات الإجتماعيّة المتواضعة اقتصاديّا في تحسين أحوال معيشتها، وهي أمل الشعب كلّه في أن يحفظ استقلاله، ويصون عزّته، ويتبوّأ مكانة مرموقة بين شعوب الدّنيا. لذلك حرصنا، من موقع المسؤوليّة والأمانة، أن لا نفرّط في هذا الأمل".

إنّ المراهنة على المدرسة في تغيير الحاضر وصنع المستقبل تأخذ في الإعتبار المشروع التّربوي التّونسي، خصوصيّات الواقع وحاجياته، ولكن أيضا التّحوّلات الكبرى التي يشهدها العالم، ومن هنا كان الإهتمام بمتابعة المسيرة التّربويّة بحثا وتقييما من خلال تطوير مراكز البحوث وتشجيع الدّراسات التّقييميّة الدّاخليّة والمشاركة في التّقييمات الدّوليّة. وهو ما أكّده الرئيس بن علي في الذّكرى العاشرة للتّحوّل حيث جاء في خطابه، "أن العالم يعيش تحوّلات لم يألفها، سَتُفْضِي إلى وضع لم تتحدّد معالمه إلى حدّ الآن. والمستقبل يخفي معارف وتقنيّات وصناعات ومهنًا، وأنماط عمل وتعليم وترفيه يصعب تحديدها اليوم. وهو ما يستدعي إحكام استشراف هذه المتغيّرات، لذلك اعتبرنا الدّراسات الإستراتيجيّة والإستشرافيّة أداة مثلى في صيانة العمل التنموي".

وقد خلُصت الدّكتورة غريس من استعراضها لأهمّ ملامح البرنامج التّربوي خلال 20 عاما من مسيرة التّغيير إلى القول، إنّ المُتَتَبِّعَ لحركة الإصلاح التّربوي التي عرفتها البلاد ونمط الإستقلال عموما ومنذ عهد التّغيير خصوصا، سرعان ما يتبيّن مدى التّطوّر الذي تحقّق للمنظومة التّربويّة التّونسيّة، سواء على مستوى التّشريعات أو الخيارات المنهجيّة والمحتويات التّعليميّة أو الوسائل التّبليغيّة، فالنّقلة النّوعيّة التي تميّز بها البرنامج التّربوي لتونس الغد وضعت الأسس المتينة لإرساء منظومة تربويّة بمواصفات ومقاييس متطوّرة تضاهي تلك المعمول بها في المنظومات المتقدّمة، وذلك من المرحلة ما قبل المدرسة إلى مرحلة التّعليم العالي.

باعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org