تونس: الاستثنائي في مجراه

أ.علي الصراف
كاتب وإعلامي عراقي مقيم بلندن

الذين يتخذون من الإعلام صناعة لهم، يدركون ان الاستثنائي فقط هو ما يثير الاهتمام، وهو ما يجعل تلك الصناعة مصدرا للإثارة. وليس في هذا ما يعيب. فالمثير والملفت يشغل من الحواس ما قد لا يشغله شيء آخر. كما انه كثيرا ما يكون مبعث تفكير ومجادلات، قد تساهم، إذا وضعت في السياق الصحيح، في رسم صورة أوضح للمجرى العام الذي تجري فيه مظاهر الحياة الأخرى... "العادية" و"غير المثيرة للاهتمام".

الحياة الحقيقية، على أي حال، هي كل ذلك الحشد من الأعمال التي، بسبب من طبيعتها بالذات، لا تشغل اهتمام صناعة الإعلام. فالتقدم والبناء والإستقرار قد يكون قضية تمس حيوات الملايين من الناس، وتفرض متغيراتها شؤون كل يوم من أيامهم، إلا إنهم لا يرونها في محطات التلفزيون ولا يسمعون عنها في الإذاعة ولا يقرؤونها في الجرائد أحيانا.

لا شيء استثنائيا في أن يذهب المعلمون والأطباء والمهندسون والمحامون والفنيون والعمال والفلاحون الى أعمالهم. ومع انهم يبنون، ويراكمون الثروة الاقتصادية والاجتماعية، ويحدثون تغييرا ملموسا في مجريات حياتهم بالذات، إلا ان ذلك لا يبدو مثيرا بما فيه الكفاية لكي يكون موضوعا للإعلام.

وهذا، في الحقيقة، شيء حسن، لأن الحياة الحقيقية هي ما يكون طبيعيا، ويمر هادئا، ويبدو عاديا. ومثل النهر الذي لا ينشغل بمجراه، فان نهر الحياة يظل يتدفق ليغذي جداول البقاء والنماء من دون ان يبدو عليه انه يعمل ما يستحق الثناء.

هذا هو الاستثناء الحقيقي، الذي لا يراه كل الناس، ولكنه هو الذي يصنع حياتهم في الوقت نفسه.

ولا شيء أكثر "طبيعية"، وبالتالي أقل إثارة للاهتمام في العلاقة ما بين يوم ويوم، من شجرة الزيتون. إلا إنها إذ تفعل ما تفعله، فإنها تصنع من الحياة ومن مقوماتها ما يستوجب الكثير من التأمل. وهي لا تنتظر الثناء، لأن صنع الخير، هو جزء من طبيعتها بالذات.

شيء ما في مسيرة البناء في تونس يقول إنها نهر يتدفق ليجعل من كل تغيير عملا قد لا يثير الكثير من مشاغل الإعلام، الإيجابي منها والسلبي، إلا انه يصنع من الاستثناء ما لا يصنعه نهر آخر. ويأتي النماء من جرائه طبيعيا، ويمر هادئا بل ويبدو عاديا أيضا. ولكنه هو الذي يصنع الحياة. حتى لقد صار صنع التقدم، في المسار الطبيعي لنهر الحياة، هو نفسه، شيئاً من طبيعة هذا البلد وشخصيته الوطنية.

ويكمن ذلك الشيء في الرؤية الوطنية التي تضع جدلية التغيير والاستقرار، في معادلة تقدم حقيقي وملموس ليس على صعيد واحد، وإنما على أصعدة مختلفة في آن واحد. وهذا، واحد من أبرز امتيازات الرؤية التي انطلق منها تغيير السابع من نوفمبر عام 1987. وتدفع تلك الرؤية بالإمكانيات إلى الأمام، كما تراكم الثروة والمعرفة، لتجعل منهما مصدرا لثروة ومعرفة أكبر يجري "إنتاجهما" في مجرى التدفق الطبيعي للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وذلك على نحو يستم بالعقلانية والهدوء والتوازن.

ونهر التجديد والبناء في تونس يستمد دفقه من إرث ثقافي وفكري عظيم. ولكن ميزته الأهم، ربما، هي انه لم ينقطع. فمنذ ما يقارب قرنين في التاريخ الحديث، وتونس تفكر وتتأمل وتتناظر في مجرى البناء والتحديث، وتمضي فيه.

من هنا صنعت تونس فلسفتها الإصلاحية. ومن هنا جعلت من تلك الفلسفة عملا، كما يبدو من نتائجه، ثوريا وجذريا بدرجة تكاد تبدو غير قابلة للتصديق. ولكن ها نحن هنا نراها حقيقية وطبيعية وكأن لا شيء جذريا او ثوريا فيها.

من الموقف من قضايا الحرية والمساواة للمرأة، الى إرساء ثقافة التضامن الاجتماعي، إلى الإصلاحيات السياسية المتأنية، الى مواكبة المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية في العالم، الى تبني سياسات خارجية عقلانية وعادلة، إلى آخر مؤشرات التنمية، ثمة تونس واحدة تمتد من خير الدين التونسي إلى زين العابدين بن علي، تتدفق، في معترك التجديد والبناء، كما يتدفق نهر.

وإذ تحظى تونس بمكانة مرموقة بين الدول النامية، وإذ تسجل مؤشرات تنموية تجعلها في مقدمة دول العالم، فإنها لم تكسب الكثير من شهادات التقدير الدولية إلا لأنها تصنع تجربة تقوم على فلسفة بناء أثبتت جدواها على مدى قرنين على الأقل. وكان من "الطبيعي" ان تحتل السنوات العشرون الأخيرة منها مكانة حاسمة، ولكن ليس لأنها جعلت البناء الاقتصادي والاجتماعي استمرارا فحسب، بل تغييرا أيضا، يواكب ما يجري في خضم متغيرات اقتصادية ودولية أقل ما يقال فيها انها عاصفة.

ناظرا اليها من الخارج، أين يمكن ان توضع تونس في مصاف القضايا التي تأسرنا جميعا؟

الموقف التضامني مع الشعب العراقي ربما كان من بين أكثر ما يدفع المرء الى الشعور بالرضا والامتنان. فقد وقفت تونس، شعبا وقيادة، ضد الاحتلال وضد جرائم الاحتلال، ودافعت عن حق العراقيين في الحرية والسيادة والاستقلال. وقدمت من دلائل التضامن معهم ما سيكون علامة مضيئة وخالدة في تاريخ العلاقات بين الشعبين.

وأجرؤ على القول، مما أعرفه، ان قلب تونس موجود في العراق، مع الضحايا، ومع الشرف والوطنية ومع كل أوجه البسالة والبطولة التي يعبر عنها الباسلون والأبطال. وقلب تونس ينبض، هنا، حبا وتضامنا، كما تنبض كل قلوب الأحرار.

وهو نفسه نبض الحب والتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي يقدم نفسه في كل صورة من صور الدعم السياسي والدبلوماسي والعون المادي. وهو يقوم على الرؤية نفسها للدفاع عن قضايا الحرية وحق تقرير المصير. وشواهد التضامن، هنا أيضا، أكثر من كثيرة.

وتونس رائد بارز من رواد الدعوة لاستعادة أواصر التضامن العربي، على أي وجه ممكن، وعلى أي مستوى كان. فسواء بدأنا من مؤسسة القمة العربية، أو بدأنا من علاقات التجارة والاستثمار، فان تونس تبني علاقاتها مع الدول العربية وفقا لقيم شراكة وتعاون هي من بين أرقى ما أمكن بلوغه في تاريخ العلاقات العربية ـ العربية.

والأمر نفسه ينطبق على مسار العلاقات بين الدول المغاربية، حيث تبدو تونس قوة دفع لتجاوز العثرات والارتقاء فوق الخلافات، وذلك من اجل البناء فوق ما يمكن التوافق عليه.

وما من أزمة، ومنعطف، في العالم العربي، إلا وكانت تونس فيها سندا للخيار الصحيح والمثمر والخلاق.

إنها قوة خير ومحبة وتضامن على مستوى العلاقات مع كل طرف من أطراف العالم أيضا.

تلك هي الشجرة.

وهذا هو النهر الذي يتدفق هادئا، وطبيعيا، ولا ينشغل كثيرا بما يفعله لأن الخير جزء من طبيعته، إلا انه استثنائي في مجراه.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org