الجامعة الزيتونية في عهد التحول:
نظرة متجددة.. إلى الدين والتاريخ

د. بوبكر الأخزوري
رئيس جامعة الزيتونة ـ تونس

لمعرفة مدى النقلة التي شهدتها الزيتونة مع التحول المبارك، نمهد بما يأتي:

الذي لا شك فيه أنّ الزيتونة معطى حضاري لما كان يعرف بالأمس إفريقية واليوم تونس. فهي زيادة على كونها أسبق المؤسسات التّعليميّة للعروبة مولدا وأقدمها في التاريخ عهدا كما يقول حسن حسني عبد الوهاب، اضطلعت بدور كبير في المحافظة على الشخصية العربية الإسلامية لا في ربوع بلادنا فحسب، وإنما أيضا في الأقطار المجاورة والبلدان الواقعة جنوب الصحراء بما يعرف عند المؤرخين القدامى ببلاد السودان.

في رحاب هذا المعلم تكون ما لا يحصى من العلماء الأفذاذ الذين ذاع صيتهم لغزارة علمهم وعمق معرفتهم وسعة إطلاعهم. والطريف أن المعارف السائدة لم تكن الشرعية واللغوية فقط، وإنما كانت أيضا الصحيحة والفنون بحيث ضمت المقاصد والوسائل معا.

ظلت الزيتونة منارة بفكرها وعلمها، تقوم برسالة حضارية شاملة أسها العلم الحق والقيم الإسلامية من الوسطية والاعتدال والسماحة والتسامح والتفتح على الثقافات والحضارات التي شهدتها المنطقة، وبذلك أعطت الصورة الناصعة والبرهان الساطع على أهلية ثقافتنا للإسهام في الثقافة الكونية.

لا غرابة إذن أن يتخرج من الزيتونة التيفاشي صاحب أول موسوعة عربية، وابن خلدون مؤسس علم العمران البشري ـ ما نسميه اليوم علم الاجتماع ـ وابن عرفة الورغمي وتلاميذه الذين كان لهم الفضل في تواصل المدرسة الفقهيّة الإفريقية التي ابتدأت بابن زياد وسحنون وفطاحل العلماء في القرنين الثالث والرابع للهجرة وانتهت بشيوخ القرنين التاسع عشر والعشرين الذين على أيديهم تجلت خصوصيات هذه المدرسة وأثرها في المدرسة الحقوقية التونسية التي امتازت بالدقة في المصطلح والتأصيل في النصوص والأحكام.

وهنا لا يمكن أن ننسى جهود بعضهم في الإصلاح كقبادو بالمدرسة الحربية بباردو وبيرم الخامس صاحب "صفوة الاعتبار" وسالم بوحاجب والسنوسي ومن جاء بعدهم كداعية تحرير المرأة والنقابي الضليع الطاهر الحداد صاحب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" و"العمال التونسيون" ورجل السياسة عبد العزيز الثعالبي الذي أسس الحزب الحر الدستوري التونسي الذي شهد فيما بعد أدوارا هامة في تاريخ تونس المعاصر بحيث عرف هذا الحزب تجديدات واكبت المتحركات وما تقتضيه الأحوال المتبدلة، فمن الدعوة إلى الدستور، إلى الكفاح بأشكاله جميعا، إلى الاستقلال وبناء الدولة، ثم ليكون التجمع الدستوري الديمقراطي الذي اختزل كل التجربة وتحمل مسؤولية التغيير وبالتالي المواكبة والانصهار في الحداثة والمعاصرة.

ومما زاد هذه المؤسسة ـ أعني الزيتونة ـ حضورا أنها لم تعرف القرار والجمود فقد سعت إلى تطوير مناهجها ومقرراتها. وهنا نذكر جهود طلابها في الدعوة إلى إصلاح التعليم، وما قام به الساهرون عليها أمثال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صاحب "أليس الصبح بقريب" و"التحرير والتنوير"، والمقاصد وغيرها حتى تلك التي تناولت علوم اللسان وما يؤدي إلى إحياء اللغة وجعلها وعاء حضاريا مواتيا.

لقد آل أمر الزيتونة في بداية الاستقلال وتحديدا سنة 1956 إلى جامعة تشتمل على كليات هي كلية أصول الدين وكلية اللغة العربية والمعهد الأعلى للقراءات، وتعد الطلبة للإحراز على العالمية في اللغة والأدب العربي والعالمية في العلوم الشرعية والقراءات.

وخلاصة القول هنا أن الزيتونة قامت بدور كبير في تجذير التونسي وفي المحافظة على الهوية التونسية، لكن بُعيد الاستقلال سرعان ما تقلص حجمها وتحولت إلى كلية تعرف بـ"كلية الشريعة وأصول الدين" واعتراها ما اعتراها من فتور وتهميش فقعدت عن مواصلة دورها الأساسي في تطوير العلوم الإسلامية وترسيخ اللغة العربية والنهوض بالبحث العلمي والاجتهاد إلى أن تداركها صاحب الجميل صانع التحول المجيد.

التحول يعيد الاعتبار للزيتونة :

قيض الله للزيتونة رجلا فذا وابنا بارا لتونس أعاد لها اعتبارها في الأيام الأولى من التحول السّياسي الذي ـ يشهد التاريخ ـ أنه مثال في الرصانة والتحضر والتعقل وجاء لينقذ البلاد التي كانت على شفا حفرة، ويعيد الأمر إلى نصابه، وينسج منهجا قويما بلا تشنج أو انفعال أو ردة فعل غير مدروسة، وإنما نظر غميس وعقلانية تقرأ الحساب لكل العوامل دون استثناء.

ومن هنا يمكن الاستنتاج أن رد الاعتبار لجامعة الزيتونة لم يكن بمعزل عن تصور شمولي، ومشهد عام يتآخى فيه الماضي بالحاضر نحتا للمستقبل وما يلزم ذلك من مراعاة للواقع والمحيط الإقليمي والدولي وما يتطلب كل ذلك من التماس ما به نواكب الحداثة وسمات الراهن الضرورية للانخراط في الحضارة المعاصرة.

إن اللفتة الكريمة التي حظيت بها الزيتونة من لدن سيادة الرئيس زين العابدين بن علي لم تكن تقديرا لما قامت به من وظيفة علمية عالية فقط، وإنما أيضا لرسم منهج قويم يعيد لها دورها في التأثير في الحياة العامة وتنصهر بالتالي في الجهد العام للارتقاء بالبلاد والعباد إلى حيث المكانة المرموقة، وبعبارة أخرى إن ذلك يدخل في إعادة صياغة المشروع المجتمعي الذي لا يمكن إلا أن ينعت بالتواصل والتجديد.

وللتدليل على ما قررنا هنا، نسجل أن تعهد الزيتونة كان ضمن رد الاعتبار للإسلام دينا وحضارة. ففي حديث بن علي لصحيفة الجزيرة يوم 8 مارس 1988 جاء: »"لقد كان أول ما بادرنا إليه بعد 7 نوفمبر رد الاعتبار إلى الدين الإسلامي في هذه البلاد إيمانا منا أن ديننا الحنيف قوام حضارتنا وركن أساسي في مجتمعنا، ونحن عاملون على رعايته ورفع منارته، وإحياء شعائره، واتباع تعاليمه، واتخذنا في سبيل ذلك جملة من الإجراءات العملية والقرارات الهامة في طليعتها إعادة الاعتبار للجامعة الزيتونية المجيدة...

ومما يجلي صفاء التوجه، وعمق النظر أن مفهوم الإسلام كان المفهوم الأقوم الذي معه نقصي الماضوية التي تعلق بها بعضهم، هروبا من مجابهة الواقع الجديد وما فيه من ضغوطات مادية ونفسية.. إنها شجاعة سياسية ورجاحة عقل نراها تضع التوجه في المسار الصحيح فالإسلام الذي نؤمن به كما يقرر بن علي".. هو إسلام الاجتهاد المتواصل والتجديد المستمر، وهو الإسلام الذي يتمثل تطورات العصر ويسايرها ويتخذ موقفا من أمهات المشاكل التي تواجه المسلمين اليوم.. (من خطاب 1 ماي 1998

إنه التحول الإيجابي الذي نراه تجديدا للتفكير الدّيني تجديدا يمثل الحلقة الأسمى من حلقات الإصلاح الذي عرفته بلادنا في لحظات متعددة من تاريخها الطويل، وبهذا لم نر النشاز والخروج عن الوتيرة بل هو بناء إيجابي يؤهل العقائد والشرائع إلى معالجة المسألة الإنسانية في سيرورتها وتنقلها في الزمن الذي لا يتراجع ولا يتقهقر، وإنما يسير إلى الأمام بسرعة متنامية لا تنتكس.. إنها عجلة التّاريخ التي لابدّ من مواكبتها وإلاّ كان التّخلّف عن الركب وهذا نأباه ولا نرضاه. ومن هذه الفلسفة تتحدّد الوظيفة التي يجب أن تكون، وما يقتضي تحقيق تلك الوظيفة.

وظيفة الزيتونة كما أرادها الإصلاح :

أول ملاحظة تساق هنا أن مهام الزيتونة لم تعد متقلبة مرتبطة بأهواء هذا أو ذاك، كما كانت في الفترة الحالكة، إنما أصبحت منظمة بأمر رئاسي غاية في الضبط والإحكام، نكتفي هنا بوضع الإصبع على ما جاء فيه من مفاتيح :

ـ يهدف نظام جامعة الزيتونة في نطاق الأهداف العامة للتعليم العالي والبحث العلمي ومهام الجامعات وفي إطار الهوية الوطنية التونسية والشعور بالانتماء الحضاري العربي الإسلامي والوعي بواجب الإسهام في إثراء الحضارة الإنسانية إلى غايات تخدم حاضر المجتمع ومستقبله.

ـ يجب أن يصل التكوين المعرفي إلى تأهيل المتعلم إلى اكتشاف ما في قيم الإسلام عقيدة وفكرا وحضارة من أسباب الارتقاء بالذات البشرية إلى مصاف الشخصية الحرة المسؤولة المقتدرة على الجمع بين الوفاء لنبل المقاصد وضرورة الاستجابة السليمة لمقتضيات الحياة.

ـ ترسيخ الوعي بأن جامعة الزيتونة رمز يختزل مدرسة فكرية دينية قوامها تسامح دائم ونظرة متجددة إلى الدين والتاريخ وتوق إلى حياة روحية خصبة وعمل دؤوب لخير الإنسانية.

ـ تمكين المتعلم مما يؤهله للتفاعل المعمق مع الثقافات والحضارات وإثراء الفكر الإسلامي والإنساني، وإضافة عبقرية المحدث إلى فذاذة الموروث، وذلك يجعله يحذق أفنان المعرفة الحديثة التي تتيح له فرصة الاطلاع على إنتاج الفكر الكوني اطلاعا مباشرا. واعتقادنا أن مراجعة البرامج ـ وفي مناسبتين ـ كانت تهدف بالأساس إلى تفعيل هذه الوظائف.

المقررات الدّراسيّة تخدم هذه الأهداف:

من البداية أُدرجت في المقررات الدراسية العلوم الإنسانية والاجتماعية بهدف تمكين المتعلم من التفاعل المعمق مع الثقافات والحضارات. وفي هذا الإطار كان الاهتمام بتاريخ الأديان، وعلم الاجتماع الديني وتاريخ الفكر والدّراسات في الأديان المقارنة وفلسفة القانون الوضعي وتاريخ العلوم والفنون، هذا إلى جانب العلوم الشرعية التي مازالت تمثل 60% من المقرر، واللغة العربية واللغات الأخرى الحية والقديمة أملا في تعامل الطالب مع النصوص الحديثة والقديمة بصفة مباشرة.

إن التقييم أعطى صواب التوجه. ومن سلامة المسار واستنادا إلى التوصيات الرئاسية السامية، حُددتْ الأهداف الثلاثة التالية:

1 ـ تعميق المعرفة الدينية : وذلك بدعم المواد التي تخدم القدرة على فهم النصوص وقراءتها قراءة تؤدي إلى الاجتهاد واستنباط الأحكام من مظانها بما يتماشى والزمكان، والرأي. ومثل هذا الصنيع يقطع مع كل نزعة تعصب أو تشبث بفكر هو لا يمكن إلا أن يكون مرتبطا بأوضاع صاحبه. ومن مؤشرات الفلاح في هذا هو أننا أصبحنا نرى أقلاما تخرج للناس إصدارات ومقالات علمية ذات بال فضلا عن رسائل وأطاريح تغيرت شكلا وفحوى، سمتها البارزة المنهجية العلمية، والعقلانية الرصينة، والمضامين التي تخدم الواقع أملا في دراسته الدراسة المستفيضة وللتأثير فيه بما يطوره إلى الأفضل، وهو الغرض الذي يقف عنده كل بحث علمي.

من المواد التي أعيدت إلى البرمجة المقاصد الشرعية بغية تدريب الطلبة على القراءة المقاصدية الضرورية لكل عملية اجتهادية، فهي وحدها الكفيلة بإخراجنا من النصية إلى التأويل الصحيح الذي ليس منه بد لمن يريد الملاءمة بين هذا الموصوف بالحمال ذي الوجوه، وبين المعيش. هكذا يبنى التحديث الذي لا يعرف الانبتات أو المروق.

إنه المنهج الرصين الهادئ والخاصة البارزة لفكر بن علي الذي نراه في كل مجالات الحياة عندنا ولعله النموذج التونسي الذي يرى فيه الآخر المقصد والقبلة. إنه النهج السوي الذي جنبنا به ونجنب كل تنطع وخروج عن الجادة، وعليه نعض بالنواذج.

2 ـ التشغيلية: إن خريج الزيتونة لابد أن يقتحم الحياة العامة فيتأثر بها، ويؤثر فيها، ومن هذا المنطلق كان لزاما أن نرفع من تشغيلية هذه المؤسسة وجريا على ما يشهده المد العريض في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، تأسست شعبتان جديدتان بجامعة الزيتونة وهما شعبة الفنون الإسلامية وشعبة الملتميديا المطبقة على الفنون الإسلامية.

إن التكوين في الشعبتين ليس بالنظري وإنما يغلب عليه الجانب التطبيقي المؤدي إلى حذق المهارات مما ييسر الاندماج في الحياة المهنية. وأردفنا كل هذا بما يؤهل أبناءنا إلى بعث مؤسساتهم الخاصة والاستفادة من عشرات الآليات التي وضعتها الدولة على ذمة طالبي الشغل وباعثي المؤسسات، والواقع أن ذلك من توجيه بن علي الذي ما فتئ يدعو إلى تمكين الخريجين من الانتصاب للصالح الخاص.

3 ـ الحوار مع الآخر: من المؤسف أن نرى بعضهم ينظر لصراع الحضارات والأديان ويرى في ذلك حافزا لتطوير القدرات المعنوية والمادية وبالتالي إدراك التفوق والهيمنة، وغير خاف على كل ذي عقل أن هذا مضر بالإنسانية وخير دليل هو ما يشهده العالم المعاصر من صدامات جرت الويلات للبشر جميعا.

ومن الرشاد وحسن التدبير أن نربي الناشئة على الحوار واحترام الآخر والتعايش معه سلميا، وذلك بمعرفته والتحاور معه فكريا، وتبادل المنافع معه في شراكة مخصبة.

ومن الطبيعي أن تكون سياسة بن علي في هذا الاتجاه الأخير، فالرجل مافتئ يدعو لرفاه الإنسان وسبل تمتيعه بحقوقه على اختلاف أجيالها ويسعى إلى دمقرطة الحياة بما يقود إلى الأمن والأمان وإتاحة الفرصة لينشط وينتج.

إن فكرا كهذا لا يمكن إلا أن ينتج دعوة إلى السلم واحترام الذات الإنسانية ومن الطبيعي أيضا أن تترجم زيتونة العهد الجديد هذا التوجه فتقحم في مقرراتها حوار الأديان والحضارات فتتعاون مع كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان، وتدخل في اتفاقيات مع جامعات أوروبية وإسلامية وعربية تعميقا لهذا الحوار، وتؤسس بذلك لشبكة من الجامعات ترسي الدعائم وتثير في الفكر شهية النشاط أملا في الوصول إلى إيتيقا معها يتقوم السلوك وتكتسب القيم الإنسانية الرفيعة من إخاء وتعاون وتضامن وتبادل للمنافع، وتسامح نبذا للتعصب والتحجر والانغلاق التي تقود إلى الضغينة والحقد والكراهية التي تولد العنف والإرهاب بأشكاله المختلفة.

إن ما يحدث في أيامنا هذه في أماكن عديدة من العالم يشهد بصواب هذا التوجه وأسبقية فكر بن علي في التنبيه إليه والتحذير من مخاطر عدم التماسه.

إننا أصبحنا النقطة المقياس التي عليها يقع تعديل المسارات ومن مؤشرات ذلك هذه الرغبة الجامحة في الانتساب الى الجامعات التونسيّة وخاصة الزيتونة التي تضم في مؤسساتها طلبة من كافة الأقطار العربية والإسلامية والإفريقية وحتى الأوروبية.

ودعما لكل هذا لم تغفل الزيتونة على التكوين الموازي من خلال النوادي العلمية والأدبية والفنية، وهي ولا شك أداة ناجعة لصقل الشخصية وإثراء التكوين بما يؤهل إلى الحياة العامة.

إن الزيتونة اليوم مدينة لمن رد لها الاعتبار وهي تتفاعل إيجابيا مع فكره وإنجازاته وترى ذلك مكسبا كبيرا علينا جميعا أن ندعو له ونتشبث به ضمانا للغد الأفضل

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org