على ضوء وثيقتين للإصلاح في العالم العربي
التعليم العالي في تونس: رافد للتنمية وبناء مجتمع المعرفة

* د. سعيد بحيرة
جامعي - جامعة المنار ـ تونس

إن مسألة الإصلاح من المواضيع التي تستأثر باهتمام النخبة الفكرية والسياسية وحتى الاقتصادية العربية في بداية هذا القرن الجديد، وذلك بالرغم من تطارحها منذ القرن التاسع عشر.

ولعله من اللافت للانتباه حقا أن يحتل موضوع الإصلاح كل هذا الزمن دون تحقيق الانتقال الفعلي من زمن النظام القديم الى زمن الإصلاحات الجوهرية القادرة على مواكبة التحولات الأخرى التي يشهدها وسيشهدها العالم المتقدم.. وربما تُمَثّلُ مقاربة العرب مسألة الإصلاح من منظور "خصوصي" إحدى العوائق الاساسية لإحداث النقلة المرجوة.. بل إنّ فكرة "الخصوصية" وسّعت الفجوة بين النسق الإصلاحي العربي والأنساق الإصلاحية الأخرى إذ إنها دفعت قوى غير إصلاحية أصلا الى الصعود الى حلبة مواجهة التحديات الراهنة وأدخلت ارتباكا خطيرا على الفكر الإصلاحي والتحديثي وطرحت نفسها كبديل عنه.

ولقد اهتمّت وثيقتان، عربية وأخرى أممية بقضيّة الاصلاح في العالم العربي وهما وثيقة الاصلاحات العربية في الشرق الأوسط التي طرحت للنقاش في مؤتمر مكتبة الاسكندرية سنة 2003، وكذلك تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2003 الذي صاغه باحثون وجامعيون عرب أساسا، وقد ركّزت هاتان الوثيقتان على ضرورة الإصلاح في المجتمعات العربية كما تعرضت الى بعض معوقاته.

وقد خلص التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الى أن ثلاثة أوجه من النقص والقصور يعاني منها العالم العربي وهي:

ـ الحرية والديمقراطية

ـ حقوق المرأة

ـ المعرفة

ولئن كان هناك ما يبرر الإقرار بهذه النقائص الهامة والخطيرة، فإنه لابد من الإشارة الى التفاوت الحاصل في أهميتها وخطورتها من بلد عربي الى آخر.

ومن هذا المنطلق أردنا التركيز على الأنموذج التونسي في عهد التحوّل الذي أعلنه الرئيس زين العابدين بن علي سنة 1987 وأراده عهدا يستند الى الحركة الإصلاحية التونسية ويواصلها بصفتها حركة تحديثية أسهم في تشكيل أدبياتها وإثراء مضامينها عدد هام من رموز النهضة والإصلاح مثل أحمد ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي والبشير صفر والطاهر الحداد وغيرهم.. حتى صرنا نرمز الى الترابط بين الحركة الإصلاحية الأولى وعهد التغيير بشعار له أكثر من دلالة وهو: "من خير الدين الى زين العابدين".

وباعتبار المعرفة إحدى مفاتيح النجاح والإصلاح الحقيقي، فإن تونس راهنت منذ الاستقلال على نشر التعليم وتعميمه في مختلف المناطق وبين كل الشرائح الاجتماعية وفتحه أمام الفتيات والفتيان على السواء وجعله مجانيا مما أكسبه صفة الوسيلة الناجعة للرقي الاجتماعي والدافع للانخراط في الاصلاحات التحديثية. وقد جاء عهد التغيير سنة 1987 ليعمّق هذا الخيار ويحدث فيه إصلاحات جوهرية لم تشهدها المنظومة التربوية والتكوينية منذ 1958.

ويعتبر قطاع التعليم العالي مجالا رمزيا لهذه الاصلاحات التي تنبني على فكرة الاعتماد على الموارد البشرية الذاتية للبلاد لتحقيق طموحها في التقدم.

ويبدو ان الاضافة الصريحة خلال عهد التغيير تمثلت خاصة في برنامج "إصلاح النظام التربوي" الذي اعتمد قانون جويلية سنة 1991 وهو الذي أعاد هيكلة المؤسسة التعليمية والمعرفية من رياض الأطفال حتى خر مراحل التعليم العالي.

وبدون تخوّف تم إقحام الجامعة التونسية في منظومة التعليم العالي الحديثة وذلك من خلال مراجعة هيكلة المؤسسات والبرامج وإحداث التخصصات الجديدة التي تيسر الانتقال من التكوين الأساسي في إطار الأستاذيات وأنظمة المرحلة الثالثة التقليدية الى تكوين يرتبط أكثر فأكثر بسوق الشغل الوطنية والعالمية وينفتح على المحيط الاقتصادي والثقافي.

ولو حددنا المآخذ التي شخّصها تقرير التنمية الانسانية العربية سنة 2003 على منظومة التعليم العالي العربية لوقفنا على الاصلاحات الحقيقية الهامة التي تحققت في عهد التغيير في تونس. وتلك المآخذ هي:

1 ـ عدم وضوح الرؤيا وغياب سياسات عربية واضحة تحكم العملية التعليمية

في هذا الباب يجدر التذكير بوجود استراتيجية واضحة لنظام التعليم العالي في تونس في عهد التغيير وهي تعتمد على اعتبار الاستثمار في التعليم العالي أداة لبناء مجتمع المعرفة وسبيلا الى الحركية الاجتماعية وارتقاء الافراد الى مراتب اجتماعية أعلى مهما كانت أصولهم الاجتماعية، كما تعتبر أن التكوين في التعليم العالي مطالب بأن يضمن لحاملي الشهادات العليا أوفر الحظوظ للاندماج في الحياة المهنية الوطنية والانتفاع من الحركية التي أصبحت تتيحها العولمة والتسلح بالعوامل التي تتيح التأقلم مع متغيرات عالم الشغل. وباختصار فإن التكوين في الجامعات مطالب بأن يخرّج فاعلين نشطين في مجتمع المعرفة.

وفي هذا السياق ابتكر الرئيس زين العابدين بن علي مفهوم تشغيلية الشهادات والتكوين وربط بين الحاجيات الفعلية للمجتمع وبين منظومة التعليم العالي.

ولعل من مظاهر تجسيم هذا المفهوم إحداث شبكة المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية التي تغطي كل جهات البلاد وتمثّل أحد أوجه الترابط بين الجامعة والمحيط وهي تستوعب اليوم 20 بالمائة من الطلبة. وقد بدأ هذا النمط من المعاهد التي تكوّن إطارات متوسطة بتغيير هياكل التكوين إذ انتشرت الشعب التكوينية القصيرة ومن المؤمل أن يصل طلبتها الى 30 بالمائة من مجموع الطلاب سنة 2006.

كما اتجه التكوين الجامعي الى اعتماد الشعب الواعدة مثل الاعلامية والبيوتكنولوجيا والمجال الصحي واللغات والهندسة. ولتجنّب الانزلاقات المحتملة تعمل المنظومة الجامعية التونسية على المتابعة الدقيقة لتحوّلات سوق الشغل واستشراف مهن المستقبل والاطلاع المتواصل على التكوين الجامعي في البلدان الشريكة لتونس.

2 ـ عدم استقلال الجامعات ووقوعها تحت السيطرة المباشرة للنظم الحاكمة

على العكس من هذا الوضع غير السويّ للمؤسسة الجامعية العربية عموما، تتمتع الجامعات التونسية بحرّية أكاديمية ثابتة لا تخوّل أي نوع من الرقابة على البحوث والدراسات والأنشطة البحثية.

وبعدما كانت الجامعات تقوم بدور صندوق البريد بالنسبة للوزارة وسلطة الإشراف حتى سنة 1986 صدر أوّل قانون للتعليم العالي في عهد التغيير سنة 1989 ومنح للجامعات مشمولات واضحة لاسيما التصرف البيداغوجي والعلمي والإداري.

وعندما بلغ عدد الطلبة 200.000 طالب سنة 2000 واتسعت الخارطة الجامعية التونسية خطت الجامعات خطوة أخرى نحو التسيير الذاتي عن طريق قانون جويلية 2000 الذي شكّل منعرجا نحو استقلالية الجامعات ومنح صلاحيات واسعة للتصرف في مختلف المجالات.

وقد برهنت الجامعات على مقدرتها الفاعلة في التسيير الناجع والمسؤول خلال السنوات الفارطة وفرضت نفسها كفاعل هام في ديناميكية التنمية الجهوية والوطنية وتمكين البلاد من وسائل المنافسة والإنتاجية الناجعة من خلال الإنتاج الجامعي المتنوع (شراكة، استشارات، دراسات).

3 ـ التكدس المخيف لأعداد الملتحقين بالجامعات

في عهد التغيير أصبح عدد الناجحين غير مخيف بل إنه مصدر للأمل وفرصة للبلاد للانتفاع من مهارات متزايدة تتدفق على مختلف قطاعات الحياة.

وبعد أن كان النظام الجامعي انتقائيا يلفظ كل سنة أعدادا متزايدة من المنقطعين، ابتكر الرئيس زين العابدين بن علي مفهوم التعلّم مدى الحياة وانفتحت الجامعات أمام حوالي 5000 منقطع سابق ليلتحقوا من جديد بالدراسة الجامعية فيحسّنوا تكوينهم ويطوروا مهاراتهم. وقد تفوّق العديد منهم في النجاح الذي بلغ نسبة 46 بالمائة.

ومن ناحية ثانية ارتفع المردود الداخلي للتعليم العالي وبلغ عدد الخريجين سنة 2004 حوالي 40 ألف خريج. كما بلغ عدد الشبان من الفئة العمرية 19 ـ 24 سنة الذين يوجدون في الجامعات 33.3 بالمائة وبلغت نسبة الفتيات 57 بالمائة وبلغت شعب التكوين 881 شعبة في كل المراحل. وهذه مؤشرات بالغة الدّلالة على ما حقّقته تونس في هذا المجال.

وأمام التزايد المتواصل لأعداد الطلبة والذي من المتوقع أن يبلغ نصف مليون طالب سنة 2010 فإن مسائل جديدة بدأت تطرح نفسها مثل تمويل التعليم العالي. وقد تمسّكت تونس في عهد التغيير بضرورة توفير مقعد لكل حامل بكالوريا بالجامعة وتمكين أبناء الأسر الضعيفة من المنح الجامعية والخدمات بأسعار رمزية وفي ذلك تكريس لأحد حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية.

4 ـ انخفاض الإنفاق والتوسع الكمي على حساب النوعية والجودة

وفي تونس التغيير تمثل الموارد العمومية المصدر الأساسي والأول لتمويل التعليم العالي، وخلال العشريتين الماضيتين خصصت الدولة 1.2 بالمائة من المنتوج الداخلي الخام و5 بالمائة من ميزانيتها لقطاع التعليم العالي.

وهناك وعي صريح بعبء الأعداد المتزايدة للطلبة في مستوى الإنفاق إلا أن الدولة تعتبر هذه الأعداد فرصة لتونس للنمو والتقدم وهو ما يستوجب إقحام أطراف اجتماعية اخرى في عملية تمويل التعليم العالي.

وقد تم إعداد عديد الدراسات في هذا الشأن الى جانب الاستشارات المختلفة لتشريك مختلف المتدخلين. ومن الاستنتاجات الهامة ضرورة تحسين المردود الداخلي والترفيع في مساهمة المواطن في التكوين الجامعي وتنمية الموارد الذاتية للمؤسسات ودعم استقلالية التصرف للجامعات ومؤسساتها ومساهمة أكبر للقطاع الخاص في المجهود الوطني للتعليم العالي والخدمات الجامعية.

هذه بعض ملامح منظومة التعليم العالي في تونس التغيير وقد تدعمت سنة 2001 بإحداث الجامعة الافتراضية التي تستعمل الوسائط الحديثة لتأمين تكوين جامعي غير حضوري يخفف عبء العدد وينخرط في بناء مجتمع المعرفة.

ومن المؤمل أن توفر هذه الجامعة 20 بالمائة من المقاعد سنة 2006 يتلقى أصحابها تعليمهم عن بعد.

ويبقى محرّك التعليم العالي في عهد التغيير هو الطموح والمسؤولية والعدالة:

ـ الطموح في بلوغ مستوى التعليم العالي الموجود لدى شركائنا الاوروبيين أساسا وبناء اقتصاد المعرفة.

ولهذا الغرض سيبقى التعليم العالي في عهد التغيير مفتوحا أمام الشباب الحامل للبكالوريا وفي متناول أبناء الفئات الضعيفة وبهذه الصفة يُساهم في تكريس الحركية الاجتماعية ويضمن التحصن ضد الجهل والتزمت والتعصب.

ولا يمكن للصعوبات الظرفية لتشغيل الخريجين أن تثني عهد التحوّل في تونس عن الخيارات الاستراتيجية في تنمية التعليم العالي واعتباره رافدا للتنمية الشاملة وبناء مجتمع المعرفة.

ـ مسؤولية إنجاح هذا القطاع هي مسؤولية مشتركة بين كل المتدخلين والفاعلين الاقتصاديين.

فإذا كان مطلوبا من الجامعة أن تبحث عن سبل جديدة للتكوين والمهن وضبط مسارات التكوين وتطويرها والعمل على التجديد والإبداع والإصغاء الى المحيط العام وإبرام شراكة فاعلة مع المجال القريب والبعيد فإنه من المطلوب أيضا أن تتحمل الأطراف الأخرى مسؤوليتها في مزيد المساهمة في تمويل القطاع والتفاعل معه لضمان النجاعة والتوافق.

وعلى الطلبة أن يقتنعوا أيضا بأنهم شريك رئيسي في المنظومة التي تؤمّن تكوينهم وتحدد مستقبلهم. وقد أصبح الطالب في عهد التغيير يتمتع بحرية أكبر في اختيار مجال تكوين وبمرونة أكثر في الانتقال وتغيير المسارات التكوينية. كما أنه أصبح أكبر مسؤولية في اختيار مستقبله المهني عبر ثقافة بعث المشاريع.

ـ العدالة هي أيضا أحد طموحات التعليم العالي في تونس. ويعمل الرئيس زين العابدين بن علي على أن لا تكون الظروف المادية عائقا أمام الشباب التونسي لكي يدرس في الجامعة وفي ذلك تكريس لحقوق الإنسان ومبادئ الإصلاح الحقيقي الذي لا يمكن إلا ان يكون نابعا من الداخل ومنبثقا عن العبقرية الوطنية والقومية لا مفروضا في مشاريع وهمية أثبتت حركة الاستعمار زيفها وتثبت اليوم محاولات فرضها فشلا ذريعا وضررا بالغا بالعرب.

**********

* هذا البحث شارك به الكاتب في ندوة " منظومة الإصلاح العربي: تونس نموذجا" التي عقدتها بتونس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في 23 سبتمبر 2004.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org