الاستراتيجية التونسية لمقاومة الإرهاب:
تأصيل للذّات.. تنمية متضامنة.. وشراكة حضارية
خيرة الشيباني
رئيسة تحرير أفكار أون لاين ـ تونس
يصف باسكال بونيفاس، مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس في كتابه "حروب الغد" الإرهاب بأنّه بمثابة الثمرة مرّة المذاق لطريق سياسي مسدود.
ولا شكّ ان حجم الدهشة، تلك التي عاشها العالم وهو يشهد يوم 11 سبتمبر 2001 ضرب رموز القوّة الأمريكية، والتّي كان يُظَنّ انها من المناعة والصلابة ما يجعلها دائما عصيّة على كلّ اختراق، وكذلك حجم الفاجعة المتمثلة في الحصيلة الكارثية لانهيار برجي مركز التجارة العالمية بنيويورك، ذلك الذي خلّف آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء، ثمّ حجم تداعيات العمليات الارهابية على الصعيد الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري وعلى أكثر من جبهة من جبهات المجتمع الدّولي، بالاضافة الى تحرّك الآلية الاعلامية الغربيّة مسنودةً بالآلية الأكاديمية لمراكز البحوث والدراسات في اتجاه واحد، هو اتجاه ربط الارهاب بالاسلام وبالمسلمين.. لا شكّ أن كلّ هذا قد ضاعف من الاحساس بمرارة الثمرة، دون أن يكلّف الباحثون والمحلّلون ـ خاصة الغربيين منهم ـ أنفسهم عناء البحث ـ إلاّ في ما ندر ـ في شروط انتاج ظاهرة الارهاب، اي في الأسباب التي جعلتها تنمو وتينع في أكثر من ساحة وطنية، وتمتدّ اثارها الى العالم اجمع. بل ان ذلك السؤال ـ ذلك الذي بدا، عند اطلاقه، في ظاهره ساذجا، والذي تداولته اجهزة الاعلام الدولية على لسان الشارع الأمريكي: "لماذا يكرهنا الآخرون" ـ لشديد الدلالة على تلك القراءات التبسيطية التي انبرى بعض المحلّلين في تقديمها مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر لظاهرة الارهاب حيث اختزلت تلك القراءات أبعاد الظاهرة ودوافعها في ثنائيات تقابلية ساذجة، مثل ثنائية الشرق والغرب، والاسلام والمسيحية، والحداثة وبربرية القرون الوسطى، والخير والشرّ واختلاف أنساق القيم وتضادها وما الى ذلك من الثنائيات المتقابلة التي تردّدت اليوم على ألسنة العديد من المفكّرين الغربيين الذين استعادوا مقوله عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الشهيرة "ان الآلهة تتقاتل، ولاشك الى الأبد (...) لأن نظامين من القيم يتصادمان في معركة لا هوادة فيها".
ان هذه الثنائيات تنأى بنا في الواقع عن التاريخ الحقيقي للعلاقات بين الحضارات والثقافات والشعوب عبر مسارها، فضلا عن التاريخ الحقيقي بين الاسلام والمسيحية، أو بين العرب وأوروبا والغرب عموما، وقد جمعتهما، على مدى قرون عديدة، علاقات تأثر وتأثير متبادلين عميقة المدى، كما أنّ هذه الثنائيات تنأى بنا عن فهم الظاهرة ذاتها بالرّغم من تحوّلها الى همّ نظري لدى العديد من المفكّرين العرب والغربيين بعد أن عصفت أحداث 11 سبتمبر 2001 بالعلاقات الدولية والتوازنات الاستراتيجية، وتحوّل خصوم الأمس الى حلفاء جدد يسعون الى الدّفاع عن مصالحهم المشتركة عبر التحرّك الدوّلي لتطويق الارهاب والارهابيين.
وفي الواقع ليس من همّنا في هذا المجال تبرير هذه الظاهرة فكلّ عمليات العنف خارج المقاومة الوطنية المشروعة التي تعمل على تحرير الأرض والانسان والمقدّسات من أسر المغتصب، هي عمليات مدانة سلفا وهي ظاهرة لا يمكن الا ان يرفضها الوعي الاخلاقي والضمير الانساني لأنّها تغلّب منطق الصراع على منطق الحوار، ومنطق الموت على منطق الحياة، ولكنّ محاولة فهم جذور الظاهرة والبحث عن أسباب نموّها وازدهارها وانتشارها وحصادها المرّ، ستسهل علينا، ولا شكّ، الاقتراب من تجربة نعتبرها فريدة في محيطها الاقليمي والدولي في مواجهة ما أسماه الفيلسوف الفرنسي أندريه كلوكسمان "باستراتيجيات الإفناء والتدمير".
وانّنا نعني بهذه التجربة، التي قامت على مواجهة هذه الاستراتيجيات على أكثر من جبهة، تجربة تونس التي راهنت قيادتها السياسية الحالية منذ تولّيها السلطة في 7 نوفمبر 1987، على مواصلة النهج الحداثي الذي أرسته دولة الاستقلال وتعميقه، ومقاومة الحركات الأصولية الظلامية التي كانت تهدف الى إعاقة هذا المسار، والتصدّي لأعمالها الارهابية التي اجمعت قوى المجتمع المدني على ادانتها، وذلك بوضع استراتيجيات تنموية شاملة عملت على جبهات الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي من أجل بناء مجتمع متوازن متضامن، وسدّ كل الثغرات التي يمكن ان تغذي نوازع التطرّف والعنف والارهاب، كما عملت على الساحة الدوليّة على صياغة نظام دولي عادل يوفّر التنمية والأمن والسلم لجميع الشعوب.
I ـ الارهاب: الثمرة المرّة للمآزق السياسية
ان قراءة ـ ولو سريعة ـ للخارطة الدولية ولبؤر الصراع والتوتّر المتفجّرة بها، ولما عرفته بعض الساحات الوطنية ومن ضمنها الساحات العربية منذ ثمانينات القرن الماضي، من ازدهار للحركات المتطرّفة المتستّرة بغطاء الدّين وربطها بين خطاب التشدّد والغلوّ الكلياني وبين الاحتكام الى أعمال العنف والارهاب وسيلة لتعاطيها وفرض نفسها عنوة على الشارع السياسي، تجعلنا نَصلُ الى أن التطرّف والارهاب ينموان حيث تنسدّ الآفاق بفعل المآزق المترابطة التالية:
ـ أوّلها: الاخفاق في مشاريع التنمية والتحديث والعجز عن تأمين وسائل العيش الكريم والآمن والاستقرار للقاعدة الاجتماعية العريضة، وما ينتج عن هذا الاخفاق من استفحال الغبن والاستغلال والتفاوت.
وتمثل ظاهرة التطرّف في هذه الحالة التعبير الأبرز عن تراجع وكبوة نهج التحديث كما اثبتته التجربة العربية، في ساحات عديدة كانت فيها ظواهر الغلوّ والتشدّد ردّة فعل يائسة على حداثة مهزومة لم تتوفّر لها أسباب النجاح والاقلاع.
ـ ثانيها: غياب الأفق النظري أو المشروع الثقافي التنويري الذي هو روح ومضمون النزوع التحديثي التنموي، وبدونه يتقلّص الى مجرّد آليات تقنية مستوردة تؤطرها ثقافة الاستهلاك دون ابداع وحسن ابتكار، ومن ثمّ تنفذ التيارات الظلامية والأفكار الماضوية حيث تغيب النظرة العقلانية، وتُجْهضُ فكرة التقدم ويُغْتَال المنزع الاصلاحي والتحرّري.
ولقد أدّى غياب المشاريع الثقافية التنويرية، وما ولّد هذا الغياب من مشاعر الانبتات في بعض الساحات العربية والاسلامية الى عداء صريح للثقافة، عداء عبّرت عنه حركة طالبان أبشع تعبير عندما عمدت الى تدمير جزء من الموروث الحضاري للافغان، وهو عداء جسّدته أيضا الحركات الدينية المتطرّفة في الساحات العربية عندما خانت قيم العقلانية والتفتح والاجتهاد التي قامت عليها الحضارة العربية ـ الاسلامية.. حضارة دعا نبيّها الى طلب العلم ولو في الصين، ودعا أوّل فلاسفتها (الكندي) الى طلب الحق عند اهل الحق في كل مكان وزمان، ودعا سُراةُ حركتها الاصلاحية الى الأخذ بفكرة التقدم واحياء فكرة الاجتهاد ورفع غطاء الجهل عن نصف الأمّة من خلال مطالبتهم بتحرير المرأة.
ثالثها: أخطاء وسلبيّات سياسات القوى الدولية الكبرى في تعاملها مع القضايا الدولية العادلة وعلى رأسها قضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية، ممّا ينعكس نقمة وغلوّا مضادًا. وهكذا نجد أنّ البيئة التي صدّرت العنف خارج حدودها هي خاصّة بيئة الشرق الأوسط، والبيئة التي أفرزته داخلها وعبّرت من خلاله عن سياسات الاخفاق الدّولية هي خاصّة البيئة العربية والشرق أوسطية عموما، بسبب تقادم المعضلة الفلسطينية دون ايجاد أيّ افق لحلّ عادل أو شبه عادل لها، وبسبب بقاء جزء من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال الاسرائيلي، وبقاء الشعب العراقي ينزف تحت الاحتلال بعدما عانى طيلة 12 عاما من عمليات الحصار والتجويع.
ان الارهاب الذي تعولم مع احداث 11 سبتمبر 2001 يندرج ضمن سياق، هو سياق السياسات غير العادلة للدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي لم يُخف قادتها السياسيون والعسكريون طوال العقود الماضية ارادتهم في سياسة العالم وقيادته وفق مصالح القوّة الأعظم، واذا ما اضفنا الى ذلك استتباعات العولمة ـ التي هي اساسا ظاهرة امريكية ـ و آثارها على اقتصاديات الدول النامية وأوضاعها الاجتماعية فَهِمنا ما ذهب اليه جون بودريار في مقالة له من أن "لا أحد يمكنه ألا يحلم بتدمير قوّة وصلت الى هذه الدرجة من الهيمنة"حيث أصبحت الحساسية من نظام امبراطوري مهيمن حساسية كونية تتجاوز حركات التطرف والارهاب العربية والاسلامية لتشمل اطرافا عديدة من العالم
II ـ الأنموذج التونسي في مواجهة الارهاب
إننا بعيدون ولا شكّ عمّا يمكن ان نسمّيه "بالإغواء التوتاليتاري " الذي نجحت بعض الحركات الارهابية في ممارسته على فئات تأجّجت لديها مشاعر الغبن والإحباط، كما أننا ـ كما أسلفنا ـ نرى ان الارهاب غير مقبول في الوعي الأخلاقي والضمير الانساني مطلقا، ولكن لا بدّ أن نعترف أن الخلل الجوهري في الرؤية الغربية لما كانت تعاني منه بعض الساحات العربية من استفحال لظاهرة التطرّف وانعكاساتها السلبية على بعض مساراتها التنمويّة، قد شجّع على تنامي هذه الظاهرة وتجاوزها لحدودها الوطنية بعد أن مكّنها الغرب من فرص تنظيم شبكاتها ودعم وسائلها، وبعد أن قدم لفلولها ورموزها الحماية السياسية لتنفيذ مشاريعها الظلامية وذلك باسم منظومة القيم الحداثية التّي تتعارض مع ثقافة الموت التي ظلّت تزرعها الى اليوم.
ولنعترف أيضا أن الضريبة كانت باهضة، تلك التي دفعتها بعض المجتمعات العربية نتيجة تنامي الحركات الدينية المتطرفة وممارستها لأنشطة ارهابية بسبب جملة من العوامل التي اشرنا الى بعضها، ولنقرّ كذلك أن المعالجة الأمنية لم تنجح دائما في القضاء على هذه الظاهرة، بل إن مقاومتها للعنف بالعنف شجّعت على ظهور اشكال جديدة منه، ممّا زاد الظاهرة استفحالاً وخطورةً سواء على الساحات الوطنية أو الدولية، لذلك يأتي تأمّلنا للتجربة التونسية في هذا المجال على قدر كبير من الوجاهة، وجاهة نستقيها من نجاح هذه التجربة في مواجهة هذه الظاهرة، واجتثاث أسبابها وخلفياتها.
ولم تعمد تونس في مواجهة ايديولوجيا الارهاب، او بالأحرى خطابه ـ لأنه ما من ايديولوجيا تغذّي الحركات الارهابية، فالايديولوجيا في معناها الأصيل هي تَـمَـثّـلُ الوعي الجماعي لوجود الجماعة وصياغةٌ لمستقبلها، بما يعني انتصار ارادة الحياة على ارادة الموت ـ بخطاب الشعارات والجنّات الموعودة، بل بوضع استراتيجية تنموية شاملة، من شأنها القضاء على كل الأسباب التي انتجت البيئة الحاضنة لهذه الظاهرة خلال العقدين الأخيرين من الحكم البورقيبي، من سياسات ثقافية تغريبية، انعكست غلوّا وأصولية مضادّة، وبرامج اقتصادية اختزلت التنمية في المؤشرات الاقتصادية الكميّة دون مراعاة للمطالب الحيويّة للفئات الشعبية الواسعة، اي دون مراعاة للابعاد الاجتماعية والانسانية لكل عمل تنموي، ومركزية مُفْرطة للحكم السياسي أدّت الى اتّساع الهوّة بينه وبين تشكيلات المجتمع الفاعلة وقواه الحيّة. وعلى العكس من ذلك وضعت تونس في عهد التغيير استراتيجية تنموية شاملة ضمنت بناء مجتمع متوازن، متضامن، ومواكب لكل التحوّلات العالمية.
ولأنه من الصعب الوقوف على كل اوجه هذه الاستراتيجية التنموية فإننا رأينا ان نقف عند ثلاثة من مفاصلها، نرى أنها كانت حاسمة في اجتثاث جذور ظاهرة الإرهاب من الساحة التونسية، حيث تمّ العمل لتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، على ثلاث جبهات هي:
ـ جبهة الاصلاح التربوي والتنمية الثقافية حيث تمّ التركيز، من خلال الاصلاحات التربوية والسياسات الثقافية المنسجمة والفعّالة، على بناء قاعدة صلبة ومتينة للمشروع التنموي بتجذير مفهوم المواطَـنة وتعميق الانتماء الى الحضارة العربية الاسلامية وغرس قيم التسامح والانفتاح والتضامن والفاعلية الانتاجية.
ـ جبهة "المعاهدة الديمقراطية" والتنمية المتضامنة من حيث ترشيد العمل السياسي وإقرار النهج التعدّدي الديمقراطي ووضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية المواكبة التي جعلت الانسان محورها وراهنت على التوزيع العادل لثمار النموّ الاقتصادي.
ـ جبهة العمل الديبلوماسي الذي ربط بين مفاهيم الأمن والسلم والتنمية والشراكة الحضاريّة حيث طرحت تونس على المجموعة الدولية رؤيتها الديبلوماسية الهادفة الى احتواء أسباب و ثار التطرّف بإقامة موازين عادلة لمعالجة الأزمات والصراعات الدولية.
ويجدر بنا ان نقدّم بعض التوضيحات حول الجهود التي بذلت في هذه الاتجاهات الثلاث.
1) ـ السياسة التربويّة: تأصيل للكيان في مشروع تحديثي
لقد أقرّت تونس منذ حصولها على الاستقلال عام 1956 جملة من الخيارات الحضارية التي طبعت تاريخها المعاصر، وجعلت منها تجربة فريدة ومميّزة في محيطها الاقليمي والحضاري، ونذكر من جملة هذه الخيارات ثلاثة هي على درجة كبيرة من التعالق والترابط الجدليين:
ـ أوّلا: اقرار لامركزية التعليم وبالتالي نشره وتعميمه، وهو ما تحقّق تدريجيا بفضل التضحيات التي قامت بها المجموعة الوطنية التي جعلت من الاستثمار في العلم والمعرفة أولوية من أولويات بلد خلّف له الاستعمار العديد من جيوب الفقر والجهل، حيث عرفت تونس نسبة تمدرس مكثّفة استفاد منها ـ خاصّة ـ أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة الذين يمثلون اليوم القاعدة الأساسية لكوادر الدولة ونخبها.
ـ ثانيا: تحرير المرأة من خلال تبنّي مجلّة حديثة ورائدة للأحوال الشخصية كانت استجابة حقيقيّة لدعوات قادة الحركة الاصلاحية في العالم العربي، وخاصة في تونس وعلى رأسهم المفكّر الطاهر الحدّاد صاحب المؤلّف الشهير "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، كما جسّدت تلك المُدَوّنة الاصلاحيّة رؤية استشرافية وجريئة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان يرى في تحرير المرأة اطلاقا لديناميكية المجتمع بتحرير كل قواه، كما مثّلت أساسا من أسس منظومة حقوق الانسان التي سعت القيادة السياسية التونسية بعد حركة السابع من نوفمبر 1987 الى تثبيتها ايمانا من الرئيس بن علي بأن الشراكة بين المرأة والرجل في تصريف شؤون الأسرة والمجتمع هي من المبادئ الأساسية لقيام مجتمع مدني متكافئ الأطراف.
ـ ثالثا: غرس قيم التقدم والحداثة في الوعي الجماعي للتونسيين من خلال توخّي جملة من الاستراتيجيات التربوية والثقافية والاجتماعية، مثل وضع منظومة تربوية حديثة تقطع مع العقليات الماضوية، وتنظيم الصحة الانجابيّة وغيرها من الاجراءات ممّا جعل من تونس مجتمعا منفتحا، معتدلا، متوازنا، بعيدًا عن كل أشكال التحجّر والانغلاق..
ولقد عبّر البيان الأول لحركة السابع من نوفمبر عن تمسّكه بهذه الخيارات الحضارية ومواصلة تعميقها وتجديدها بما يضمن تحقيق غاياتها الكبرى، لذلك حظي قطاع التربية والتعليم بعناية خاصة تمثلت في جملة من الاصلاحات الهامّة التي شملت عام 1991 قطاع التربية بمستوياته الثلاثة: الأساسي (الابتدائي) والثانوي والعالي.
ودون الدخول في تفاصيل هذه الاصلاحات وبرامجها، فإن قراءة للنصوص المُؤَسّسَة للسياسة التربوية في تونس في اطار قانون الاصلاح التربوي وما تلاه من تصوّرات لـ"مدرسة الغد" ولبعض الخطب الرئاسية المخَصّصة جُزئيّا او كليّا للتربية والتعليم، تجعلنا نقف ـ كما يقول احد تلك النصوص ـ على الارادة السياسية الصارمة لجعل المدرسة "سلاحا للتغيير".. التغيير الذي ينشد تأصيل الذات في هويتها وجذورها الحضارية، وتبصيرها بحقوقها وواجباتها، وهو التغيير الذي ينشد من خلال سلاح العلم والمعرفة تغيير شروط عيش الذّات بالشكل الذي يحفظ وجودها ويصون كرامتها الانسانية، وهو ثالثا التغيير الذي ينشد تغيير موقعها من العالم حتى تساهم بشكل فعّال في دورته التاريخيّة.
ان التغيير الذي اعتُبِرت المدرسة أداته وسبيلا جوهريا من سُبُل تحقيقه، يتجاوز هنا بعده التربوي ـ المعرفي ليرسم في الحقيقة، وجود شعب ما ويحدّد هويته المخصوصة، كما يرسم نمط اجتماعه المدني والسياسي (الديمقراطي التعدّدي الذي أقرّه الميثاق الوطني الذي وقّعت عليه كافة الأطراف والأحزاب السياسية بُعيد حركة التغيير) كما يرسم موقعه من العالم وتحوّلاته الكبرى والقيم الأساسية التي اقرّها.
وهكذا ندرك لماذا كان ملف الاصلاح التربوي في صدارة اهتمامات القيادة التونسية وهي ترتّب، اثر حركة السابع من نوفمبر، أولوياتها في عمليات التحديث الفكري والمؤسسي التي خططت لها في سياق مشروعها المجتمعي الجديد، حيث أوضح الرئيس بن علي في خطاب له يوم 8 جويلية 1988، أي بعد اقلّ من سنة من التغيير:
"ان اضطراب الصلات بين الأجيال واشتداد حيرة الشباب الذي انسدّت أمامه آفاق الاطمئنان على مصيره من أبرز مظاهر الخلل الذي تسرّب في السنوات الأخيرة الى نظامنا التربوي (...) واليوم وقد دقّت ساعة التصدّي لدرس قضايا الحاضر والمصير بجرأة وتبصّر في كنف الاجتهاد الجماعي الذي كان الفضيلة الغائبة، لا بدّ من الاقدام على تصوّر جهاز تربويّ جديد يضمن لنا الاقتدار على إعداد شبابنا، وهو عندنا، أغلى الثروات ومحطّ الآمال، لخوض غمار الحياة في عالم لا تحرّر فيه من التخلّف والتبعيّة إلاّ بتربية رشيدة تفجّر في الكائن قوى الخلق وتُسَهّلُ انخراطه في العطاء الحضاري"..
ولكن كيف امكن للاصلاح التربوي في تونس ان ينحت هذه الذات المتجذرة في أبعادها الحضارية الاسلامية، والمتبصرة بحقوقها وواجباتها المدنية والسياسية، والمتشبّعة بروح الحداثة والقيم الكونية التي بقدر ما تؤسّس لقيم التضامن والتآزر والتسامح، تدعو لاحترام الخصوصيات وحقّ الاختلاف؟
كيف امكن، للمنظومة التربوية التونسية خلال أكثر من عقد ونصف أن تُنْهي مع عهد التغريب والشعور بالانبتات، الذي أدّت اليه بعض خيارات المرحلة البورقيبية التربوية والحضارية، ومع الشعور بالتصدّع الثقافي، وان تجتهد لمحاصرة ظاهرة التسرّب المدرسي التي ذهب ضحيتها آلاف الاحداث والمراهقين، مع ما يصحبها من شعور بالضياع والتهميش والسقوط في احضان دعاة ايديولوجيات الغلوّ والتطرّف والعنف والإرهاب وتمزيق وحدة المجتمع بما تغذّيه من مشاعر الحقد والضغينة وما تشجّع عليه من ضرب لمكتسبات حداثية ناضلت أجيال للحصول عليها، وأن تُعِدّ أبناء تونس لثقافة التعدّد والتسامح، وتتعهّد الذين زلّت اقدامهم أو فشلوا في مواصلة دراستهم الى أرقى مراحلها بالتكوين المهني الذي يعدّهم لحياة منتجة كريمة ويحقق لهم شعور الانتماء الى وطن، هو وطنهم يشتركون في ثمار تنميته وازدهاره، ورفعة مكانته بين الدّول؟
ان تحقيق هذه الغايات كان يعني ان تتحرّك المنظومة التربوية ضمن ثلاث دوائر تخصّ:
أوّلا: نحت الشخصية التونسية العربية الاسلامية، وتأصيلها في جذورها الحضارية وانفتاحها الواعي على معارف الانسانية وثقافاتها.
ثانيا: تربية المواطن تربية تُرَسّخُ في ذهنه ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان وثقافة التسامح واحترام الاختلاف بالإضافة الى ولائه للوطن.
ثالثا: تكوين قوّة العمل المنتجة التي لا تكتفي بالملاءمة بين برامج التعليم والتكوين وحاجيات سوق العمل فحسب، بل تلك التي ترتقي الى مستوى القدرة على المنافسة وفرض الذات في سوق دولية لا بقاء فيها ولا حياة الا لروح الامتياز والتفوّق.
لقد كانت مصالحة تونس مع هويتها العربية الاسلامية ومع ذاكرتها الوطنية والحضارية ـ التي اعلنت عنها حركة التغيير في بيانها الأوّل، بيان 7 نوفمبر 1987 ـ من أولى المبادرات التي تحققت في مجال التربية والتعليم، حيث لم تمرّ الا بضعة اسابيع على حركة التغيير حتى بادر الرئيس بن علي الى اعادة الاعتبار للجامعة الزيتونية ـ التي كانت قد هُمّشت خلال المرحلة البورقيبية الى مجرّد كلية للدراسات الاسلامية ـ بأن اعاد اليها موقعها الاكاديمي وأتاح لها من الوسائل وأذن لها من الاصلاحات الجوهرية لبرامجها ومناهجها التربوية ما يهدف الى استعادة سالف عزّها ومجدها ـ وتمكينها من اداء رسالتها الدينية والحضارية التي اضطلعت بها على امتداد اكثر من ثلاثة عشر قرنا من العطاء الزاخر والاسهام في التراكم المعرفي الانساني، ولتكون منارة من منارات الفكر الحرّ المستنير، تؤسس للاجتهاد والتسامح وتشيع روح الاعتدال والانفتاح. وتعمل الجامعة الزيتونية ـ التي تستقطب طلاّبا من اكثر من 40 جنسية افريقية وآسيوية واوروبية بالاضافة الى الطلاّب العرب ـ على التقريب بين المذاهب الاسلامية، وعلى تنشيط الحوار بين الاسلام والمسيحية، وعلى الانفتاح على قضايا العصر التي تطرحها تحوّلاته وتطوّر تقنياته، وتأخذ بعلومه المتطوّرة ومناهجه واشكالات بحثه الجديدة بالاضافة الى تدريسها للّغات الاجنبية القديمة والحيّة لتكون نافذة على مختلف الثقافات والحضارات.
ولا شك ان مُؤَسّسةً جامعية بَحْثيّةً كهذه، تقوم على تشجيع الاجتهاد واشاعة الفكر المستنير والانفتاح على الآخر المتعدّد المختلف دينيا وفكريا وثقافيا لكفيلة بأن تربّي اجيالها على غير ما تدعو اليه الحركات الدينية المتطرفة من تحجّر وانغلاق وتشويه لصورة الاسلام وروحه الانسانية السمحاء. ولا شك أن طالبا يدرس آراء ومواقف الامام مالك وابي حنيفة والغزالي وابن سحنون والفارابي وابن رشد والتوحيدي وابن خلدون جنبا الى جنب ارسطو وسبينوزا ودوركايم وكلود لفي شروس، وجاك بيرك واتيان برنو ومحمّد أركون، لقادر على التفكير النقدي وتشغيل ملكة التمييز بين ثوابت الدّين ومبادئه، وثوابت الحضارة العربية الاسلامية وقيمها، ومتطلبات العصر وشروطه، وبين السقوط في التقليد الأعمى، والتعلّق بالقشور والخوف من كلّ اجتهاد وتجديد، ذلك الخوف الذي يشلّ فكر العاجزين القاصرين عن الابداع ومسايرة مجرى الحياة، لا الخوف الذي هو بالأحرى حذر وتعقّل وتدبّر وتقليب للأمور على وجوهها للاختيار المتبّصر، ذلك "السوفرينيس" الذي اعتبره ارسطو شرط حكماء الأمّة وجوهر كلّ فعل مدنيّ مسؤول.
واذا ما كانت اعادة الاعتبار للجامعة الزيتونية مظهرا من مظاهر التمسّك بأحد رموز المحافظة على الهوية العربية والاسلامية والشخصية التونسية المتأصلة في جذورها، والمنفتحة في آن واحد على محيطها، فإن قرار تعريب التعليم في مراحله الثلاث ـ فيما عدا بعض الشعب العلمية بالمرحلة الجامعية التي هي الآن في طور التعريب ـ مثّل مظهرا آخر من مظاهر التمسّك بمقوّمات الهوية التي حرصت عليها القيادة التونسية التي لم تكتف بجعل اللغة العربية اداة تدريس للعلوم الانسانية والصحيحة، بل انها خطّطتْ ـ وهي على مشارف القرن الحادي والعشرين، والعولمة تعصف بجلّ الثقافات والخصوصيات القومية ـ لأن ترتقي الى مرتبة انتاج العلوم والتقنيات المتطورة.
لقد تردّدت هذه المعاني العديد من المرّات في الخطب الرئاسية خاصة منها التي يلقيها الرئيس بن علي في عيد العلم تكريما للمتفوّقين من التلاميذ والطلبة ورجال التربية حيث جاء على لسانه في احدى هذه الخطب:
"ووفاء لانتمائنا العربي ولغتنا القومية، وعملا على اشاعة روح العصر في الثقافة الوطنية، وتأصيلا لها في الوجدان الجماعي، كان من غايات الاصلاح التربوي الا يقتصر استعمال اللغة العربية على تدريس المواد الأدبية والانسانية فحسب، وانما يتعدّى ذلك ليشمل تدريس المواد العلمية والارتقاء باللغة العربية الى مرحلة التعبير عن التقنيات والتكنولوجيات المتطوّرة دون التخلّي على سائر اللّغات" التي اعتبرت في اطار هذه المنظومة التربوية سبيلا لحماية الثقافة الوطنية وأبنائها من خطر الانغلاق على الذات، ونافذة يتمكّن عبرها الجمهور التلمذي والطلابي من الانفتاح على انتاج الفكر الانساني "بما يثري الذات ويقرّب المعارف الانسانية الى بعضها بعضا، ويسهم في نشر ثقافة التآخي البشري في عملية بناء الشخصية المستنيرة المتزنة".
إنّ قراءة لمضامين المناهج التربويّة التّي تقدّمها المدرسة التونسيّة، في مختلف مراحلها، تجعلنا ندركُ ان قانون الاصلاح التربوي قد وضع ـ بالاضافة الى تنْزيل اللّغة العربية المنزلة اللائقة بها وتجديد الخطاب الديني من خلال اعادة الاعتبار للجامعة الزيتونية ـ مسالك أخرى لتأصيل التلميذ التونسي في هويته الوطنية والحضارية، منها مراجعة مناهج التاريخ قصد المصالحة مع مختلف حقبه ورموزه، ومناهج التربية المدنية، لتجذير مفهوم المواطَـنة وادراك حقوقها وواجباتها عبر ادراك منظومة من التصوّرات الخاصّة بمفهوم الدولة ومؤسساتها ودولة القانون وعلاقة المجتمع بالتشريعات وعلى رأسها الدستور، والميثاق العالمي لحقوق الانسان، وغير ذلك من المفاهيم التي تهدف الى تأصيل الكيان التونسي في مشروع مجتمعي تحديثي غير منقطع عن أصوله الحضارية، وقيمه الروحية.
ان اجبارية التعليم التي رفعت نسبة التمدرس في المرحلة الأساسية الى ما يقارب المائة في المائة واستفادت منها الفتيات بنسبة كبيرة بلغت 56% من عدد الطلاب الجامعيين، ممّا ساهم في تطوير وتحرير عقلية المجتمع التونسي من خلال ارتقاء نظرته الى المرأة، ووضع تعميق الوعي بالهوية ومقوّماتها الدينية والثقافية الوطنية لدى الناشئة أولويةً أساسية من أولويات الاصلاح التربوي الذي بدأته تونس منذ بداية التسعينات بالاضافة الى تنمية الحسّ المدني لديهم و»الشعور بالانتماء الحضاري مغاربيا وعربيا واسلاميا وافريقيا ومتوسّطيا، زيادة عن تبصير الناشئة بضرورة الجمع بين القيام بالواجب وممارسة الحقوق في نطاق شرف الانتماء الى الوطن، وغرس ثقافة حقوق الانسان ـ وعلى رأسها حقوق الطفل التي تحظى بعناية كبرى في تونس وثقافة التسامح.. كلّ هذه العوامل ساعدت خلال العقد والنصف الأخير على تنشئة جيل متأصّل في هويته الوطنية والحضارية، جيل متّزن، منفتح، قادر على التمييز وممارسة الفكر النقدي الذي لا يستسلم لمحاولات التغرير به مهما كانت قوة اغراءات الايديولوجيات المتطرفة ـ يمينا ويسارًا ـ التي تحاول جرّه الى دوائر جذبها، لذلك نفهم لماذا ساهمت السياسة التربوية في تونس ـ الى جانب عوامل اخرى بالغة الاهمية ـ سنأتي على بعضها ـ في سحب البساط من تحت اقدام تلك الحركات المتطرفة التي وجدت خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضي في المعاهد الثانوية والجامعية ملجأ لها لاستقطاب واحتواء العديد من الشباب الذين انسدّت امامهم آفاق التشغيل لعدم مواءمة شهاداتهم لحاجيات سوق العمل، او لانقطاعهم المبكّر عن التعليم وعدم تأهيلهم مهنيا لدخول السوق، او لإحساسهم المبكر بالضياع امام ثقافة الغرب، او شعورهم بالتغريب المفرط وبحثهم المشروع عن هوية مفقودة، او منشطرة انشطارًا..
واذا ما كانت التربية على التعلّق بمنطق الهوية ومنطق الاختلاف هدفا اساسيا من اهداف الدائرة الأولى من دوائر المنظومة التربوية التونسية ـ كما ارادها الاصلاح التربوي ـ فإن الهدف الأساسي من الدائرة الثانية هو تربية الانسان المواطن على ادراك حقوقه وواجباته، وباختصار، التربية على النهج الديمقراطي في التعامل مع الذات ومع الآخر، المختلف جنسيا، عرقيا، اجتماعيا او فكريا وسياسيا، وهو ما نصّت عليه الفقرة الثالثة من الفصل الأوّل لقانون الاصلاح التربوي لعام 1991 التي دعت المدرسة التونسية الى اعداد الشباب الى حياة لا تترك مجالا لأي شكل من اشكال التفرقة او التمييز القائمين على الجنس او الأصل الاجتماعي أو العرق او الدّين.
ولا شك ان التربية على ادراك الحقوق المدنية عبر مادّة التربية المدنية التي تدرّس بدءا من المرحلة الاساسية (الابتدائية) وتنزيل مسألة حقوق الإنسان في البرامج التربوية والجامعية المنزلة اللائقة بها، حيث تدرّس مادّة حقوق الانسان جنبا الى جنب المواد العلمية الأخرى في المعاهد والجامعات، لكفيلة بأن تدعو الناشئة الى نشدان مجتمع ديمقراطي، تعدّدي، تتوفّر فيه هوامش للتفكير الحرّ والاختلاف المسؤول، مجتمع من نمط الوجود الذي يرفض الأشكال الكليانية التي قال عنها ريمون آرون في كتابه "الارهاب الفكري" انها تظل اسوأ اشكال العيش التي عرفتها الانسانية خلال القرن العشرين مهما كانت اشكال البهرج الرخيصة التي تحلّت بها.
وتنضاف الى هاتين الدائرتين الدائرة الثالثة من المنظومة التربويّة التونسية التي يُمثّل مُنْتهَى غايتها اعداد الناشئة في تونس على ان يكونوا قوّة عمل منتجة تُقَدّر قيمة العمل وتنشد أفضله واكثره امتيازا، كذلك توفير حظوظ أوفر لحاملي الشهادات للاندماج في الدورة الاقتصادية الوطنية والانتفاع من تحوّلات سوق العمل العالمية، ومن الديناميكية الاقتصادية التّي أصبحت تُتيحها العولمة. وفي هذا السياق تمّ التركيز على مفهوم تشغيلية الشهادات وربط التعليم بحاجيات السوق الوطنية وبالتحوّلات الطارئة على سوق العمل على الساحة الدولية، ومن ذلك تنويع شعب التعليم العالي التي وصلت اختصاصاتها الى 800 اختصاص.
كما بُذلت جهود جبّارة من قبل الوزارات المعنية لتكوين من خذلهم النجاح الدراسي فتم استيعابهم في دورات تكوينية لإعدادهم مهنيا للقيام باختصاصات غير تلك التي لم يتمكّنوا من النجاح فيها، ولادماجهم في الحياة المهنيّة الوطنية ليكونوا فاعلين في مجتمعهم. وندرك حينئذ لماذا لم تجد الحركات المتطرفة المتستّرة بغطاء الدّين في تونس، خلال فترة العقد ونصف الأخيرة، مجالا للعزف على وتر اقصاء وتهميش الشباب أو ارتفاع نسبة البطالة، حيث تمثل نسبة بطالة الشباب في تونس اضعف النسب في الدّول النامية، وذلك بفضل برامج التكوين وتأهيل الشباب، والبرامج التضامنية التي تحفّزهم على بعث مشاريع خاصّة بهم يتم دعمها ماديا من خلال العديد من الآليات وعلى رأسها صندوق 12 ـ 12 اشارة الى الفئة العمرية، فئة الشباب التي تتمتع بخدمات هذا الصندوق الذي يعتبر انجازا تونسيا رائدا في الدول النامية.
2) ـ السياسة التنموية التضامنية: الانتصار على الفقر والتهميش الاجتماعي
إن استراتيجيات البقاء والتحكّم في شروط الوجود ووجهات المصير وتصريف شؤونه بعقلانية ومسؤولية هي وحدها القادرة على مواجهة استراتيجيات العدمية والإفناء والتدمير، هذه التسمية التي بدا ـ كما أسلفنا ـ للمفكر الفرنسي اندريه جلوكسمان ان يُطلقها على مخطّطات الحركات الارهابية المتطرّفة التي استغلّت، في ساحات عربية عديدة، الرأسمال الرمزي الأعمق في وجدان المجتمعات العربية، أعني الدّين، لتوظيفه للوصول الى السلطة دون ان تكون قد أعدّت لهذه المجتمعات ما يبعث فيها روح الحياة المتوثبة لتؤمّن لنفسها شروط العيش الكريم، ولتنخرط في تحولات العالم وتُسْهِمَ في توجيهها الوجهة التي تخدم الانسانية كافة، بدلا من الانطواء والانغلاق على الذات انغلاقا رفضه الاسلام ذاته، وهو ينفتح، في اطار ديناميكيته الحضارية الكبرى، على عديد الحضارات والثقافات.
إن مواجهة الذهاب عكس حركة التاريخ والمجتمع، أي عكس حركة الحياة مهما كانت متدرّجة خطاها، هو ما فهمته القيادة التونسية وهي تستأصل ما يمكن ان يكون دوافع لبعث الاحساس بالغبن والاقصاء والتهميش، وتؤسس لا فقط لسياسة تنموية شاملة، تتحكّم فيها بالضرورة المواءمة المدروسة بين الموارد والحاجيات، وتقديرات الدراسات الاستشرافية لنسق معدّلات التنمية، بل أيضا لسياسة تضامنية تهدف الى تحقيق التماسك الاجتماعي وترسيخ روح التضامن والتآزر، واستفادة الجميع من ثمار التنمية وتوزيعها توزيعا عادلا وتحقيق وحدتهم الوطنية مهما كانت النظرة تعدديّة لنمط المجتمع المنشود.
ان هذه السياسة التضامنية التي بعثت آليات جديدة وصيغا مجتمعية مستحدثة لمقاومة الفقر والتهميش الاجتماعي وإلغاء اسبابهما، هي تجسيد في الحقيقة، لما يمكن أن نسمّيه بالإتيقا السياسية، والانسانية، وهي "إتيقا" تجسّد ادراك المسؤول السياسي لواجباته والتزاماته تجاه الذين انتخبوه رئيسا لهم كما تتنزّل في اطار منظومة القيم التي يتأسس عليها المجتمع التونسي والتي تجد اصولها النقية في تعاليم الدين الاسلامي الدّاعي الى ترسيخ قيم التضامن والتكافل والتآزر، بين افراد البيت الكبير الواحد الذين هم "كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضا"...
لذلك لم يكن غريبا ان يشرف الرئيس بن علي بنفسه على اطلاق صندوق التضامن الوطني 26 ـ 26 اثر إحدى زياراته الى إحدى المناطق النائية التي اصطلح على تسميتها في تونس بعد ذلك بمناطق الظلّ، تلك التي ظلّت محرومة خلال السنوات الثلاثين الأولى من الاستقلال من أدنى أسباب العيش الكريم. ولقد استطاعت برامج هذا الصندوق التي حدّدت لها نهاية عام 2002 لتحقيق جلّ اهدافها، من انتشال اكثر من مليون تونسي من دائرة الفقر والخصاصة والذلّ، حيث توفّرت لها مقوّمات العيش الكريم من سكن وماء صالح للشراب وكهرباء وبنية أساسية ومراكز صحيّة. وساهم صندوق التضامن الوطني ـ هذا الذي تولّت كلّ المجموعة الوطنية تطوّعا تمويله ـ بالاضافة الى مساهمة الدّولة في اعادة 11% من السكان الى الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وفي تدارك الفوارق الاجتماعية والتنموية التي كانت تفصل تلك المناطق عن بقية مناطق البلاد، حيث كان الصندوق من اهمّ الآليات التي ساهمت في تقليص نسبة الفقر في تونس الى 2،4% علما بأن هذا المعدّل كان قبل ثلاثة عقود في حدود 40%.
ان السياسة التضامنية التي اختارت القيادة التونسية أن تكون الوجه الانساني للتنمية، تنمية لا تتعامل مع الوضعيات، وضعيات الفقر او الحاجة والخصاصة وهشاشة الشرط الانساني للوجود، كأرقام نكرة، بل كوضعيات مخصوصة، وضعيات فقراء ومحتاجين وأيتام وأرامل، ومسنين عجّز، ومعوقين ومهمّشين لفظتهم المدارس أو لفظتهم أسرهم، وضعيات لها آلامها وأحزانها ولكن لها كرامتها التي اعادتها اليها برامج التضامن بتوفير أسباب العيش الكريم بشكل مباشر، وفقا لمتطلّبات الحالة، من سكن وامكانيات العلاج المجاني وبنية تحتية كما اسلفنا. كما عملت برامج صندوق التضامن الوطني ورديفه الصندوق الوطني للتشغيل المعروف بصندوق 12 ـ 12 على تمكين آلاف التونسيين كهولا وشبابا من فرص العمل بمنحهم قروضا صغرى تفتح لهم ابواب التشغيل الذاتي في مشروعات تتعلّق بالفلاحة او بالصناعة التقليدية او المهن الصغرى، او بتمكينهم من تكوين مهني يفتح لهم فرص الاندماج في الدورة الاقتصادية من خلال سياسة تشغيل تشترك فيها مؤسسات القطاع العام والخاص على حدّ السواء. وتسري هذه التشجيعات أيضا على المعوّقين من الشباب الذين صدرت الأوامر والاجراءات بتمكينهم من الدراسة الملائمة لوضعياتهم المخصوصة ومن العمل في ظروف تكفل لهم كرامتهم... هذا فضلا عن تقديم الاعانات لأرباب العائلات الذين أقعدهم المرض او الشيخوخة أو الاعاقة عن أن يكونوا من ضمن الفئات النشيطة..
ان مقاومة الفقر وسدّ منابع الحاجة والخصاصة والقضاء على جملة الأسباب التي يمكن ان تجعل من الحرمان سببا من أسباب ازدهار ظاهرة الارهاب وتسلّل المتطرّفين لاستدراج المحرومين لدائرة العنف والانتقام وبث عوامل الفوضى والفتنة الاجتماعية، مثلت جزءا أساسيا من الاستراتيجية التونسية لمقاومة الارهاب، هذه الاستراتيجية التي تعمل على عدة جبهات لتحقيق الوحدة الوطنية ـ حتى لو أن النمط السياسي المنشود ـ كما أسلفنا ـ هو الشكل الديمقراطي التعدّدي، وقد تبيّن أن هذه الوحدة قد تأكّدت بفضل سياسة تعاقدية نرى أنها تتنزل هي أيضا في صميم هذه السياسة التضامنية التي تمثل مفصلا جوهريا في الاستراتيجية التونسية لمقاومة الارهاب. وتخصّ هذه السياسة التعاقدية، التي ترمي الى تركيز السلم الاجتماعية التي تعدّ مفتاح كل استقرار سياسي ونمو اقتصادي، العلاقة بين أرباب العمل والشغالين بمختلف اصنافهم، حيث تلتقي هذه الأطراف الاجتماعية مرّة كل ثلاث سنوات للاتفاق على مراجعة الاجور في جوّ من الحوار التفاوضي المسؤول يراعي تحسين الطاقة الشرائية للشغالين بقدر ما يحافظ على مصلحة المؤسسة وتوازناتها المالية وقدرتها التنافسية.
ولقد مكّن هذا النهج التعاقدي التفاوضي ـ ولنُضفْ التضامني ـ من تحقيق التماسك الاجتماعي ونزع فتيل الاضرابات والنزاعات الاجتماعية تلك التي اكتوى بنيرانها التونسيون في اوائل الثمانينات وعرفت أوجها في ما يعرف بثورة الخبز في يناير 1984، وسحبت البساط من تحت العاملين على زرع التفرقة بين أبناء المجتمع الواحد وبث بذور الحقد والعنف تحت غطاء الصراع بين رأس المال والمجموعة الشغيلة.
ان هذه التوجهات الاجتماعية التي تدخل في اطار ما أطلقنا عليه السياسة التنموية التضامنية التي تضفي على السياسات التنموية، على طموحها ونبل غاياتها، بعدا انسانيا هي من خاصيات المجتمع التونسي المتأصّل في جذوره العربية الاسلامية ومن خاصيّات زعيم سياسي تحمّل مسؤولية قيادة سفينة بلاده الى بَرّ الأمان بعد أن تلاطمتها العواصف وكادت تؤدي بها الى التيه والغرق قبل 7 نوفمبر 1987. فكان ان أنقذها من حمّامات الدم التي كادت تقع فيها، وجنّبها ما عانته ساحات عربية عديدة اقتتلت فصائلها واحزابها وقواها السياسية على السلطة، وتنافست من أجل الوصول اليها، دون أية مشروعية تذكر، وبذلك تمّ انقاذ المكاسب التي حققتها المجموعة الوطنية طوال سنوات التحرّر من أجل الاستقلال وطوال فترة بناء دولة الاستقلال الحديثة، التي كادت ان تعصف قوى الردّة والإظْلاَم بأسُسِها وثوابتها وخياراتها الحضارية التي تحقق منها الكثير، وعملت على تعميقها دولةُ العهد الجديد التي أكّد رئيسها في العديد من المناسبات ان حب الوطن والذود عنه والرفع من شأنه واجب مقدّس على كل المواطنين، واعتبر "انّه من الوفاء لهذه الأرض بماضيها وحاضرها ومستقبلها وبإنجازاتها ومشاريعها ان يبلغ اخلاصنا لها مبلغا لا يكون معه بيننا من لا يَسْكُنُ الى انتمائه الوطني ولا يطمَئِنّ الى كونه تونسيّ المصير، في ظلّ حضارة عربية اسلامية، التزمنا بإثرائها والمساهمة في تجديد عهدها بنضالات الانسانية التائقة الى مزيد من الوعي الصحيح بحقائق الاشياء، والى مزيد من الحرية المسؤولة والديمقراطية المنظمة تنظيما تتدعّم به حقوق الانسان في أشمل معانيها وأنبل مقاصدها".
ولم يكن من الممكن تحقيق هذه الاستراتيجية التنموية دون ترشيد للحياة السياسية وتطويرها بتكريس التعدّدية الديمقراطية وتوطيد المشاركة الشعبية في مختلف مستويات القرار المحلية والوطنية، ودعم الحريات العامّة والخاصّة، وحماية حقوق الانسان والارتقاء بها الى مستوى الثواتب التي يضمنها الدستور، وسن قانون الأحزاب لتشجيع الاحزاب السياسية ودعمها لتضطلع بدورها، ضمن التشكيلات والفاعليات المجتمعية الأخرى، في تكوين مجتمع مدني فاعل ومسؤول، وذلك في اطار ما أسماه الخطاب السياسي التونسي بـ "المعاهدة الديمقراطية" التي هي من روح ونصّ بيان السابع من نوفمبر والميثاق الوطني بهدف تنمية المصلحة العامة وحمايتها:
"ان المعاهدة الديمقراطية هي اليوم من أهمّ ما نحرص على تحقيقه في تونس منذ السابع من نوفمبر لإرساء أسس الحوار والتفتّح وتنمية روح المواطنة وحبّ المصلحة العامّة".
ولقد حرص هذا الخطاب السياسي على عملية الربط الوثيقة بين التنمية والديمقراطية بشكل لا لبس فيه، وليس أفصح من ذلك ممّا جاء في خطاب لرئيس الدولة في 8 نوفمبر 1992:
"لسنا في حاجة الى التأكيد بأنه لا ديمقراطية بدون تنمية ولا تنمية بدون ديمقراطية لأن الخصاصة في العيش لا تشجع على سموّ الروح". وليس في يقين الخطاب السياسي التونسي من سبيل للقضاء على التطرّف سوى "بالتدعيم المتواصل للديمقراطية والتنمية الاجتماعية والسياسية" اللذين يشكلان الجبهة الثانية التي عملت القيادة التونسية من خلالها على اجتثاث جذور الغلّو والعنف والارهاب التي تؤكّدها مشاعر الاحباط والاقصاء والتهميش.
أما الجبهة الثالثة، او البعد الثالث من الاستراتيجية التونسية لمقاومة الارهاب فهو بُعْدٌ ينقل التجربة التنموية التضامنية الى أفق أممي وذلك من خلال مقاربة شاملة في العلاقات الدولية تقوم على الترابط المتين بين السلم والأمن والتنمية، مقاربة يمكن أن نطلق عليها ديبلوماسية السلم والتضامن والشراكة الحضارية.
3) ـ ديبلوماسية السلم والتضامن والشّراكة الحضارية:
ان المقاربة التونسية للتصدّي لجميع اشكال الارهاب ولمختلف مظاهر العنف والتطرّف والتعصّب والكراهية عملت ـ كما أسلفنا ـ على الربط بين مفاهيم السلم والأمن والتنمية، وذلك ضمن الاتجاهات الأربعة التالية:
ـ أوّلا: العمل من خلال علاقات تونس الاقليمية والدّولية على ايجاد حلول عادلة ودائمة لأمهات القضايا الدولية الراهنة.
ـ ثانيا: الدعوة الى مؤتمر دولي حول الارهاب في إطار الأمم المتحدة يضع مدوّنة سلوك لمكافحة الارهاب تلتزم بها جميع الأطراف والى تكثيف التنسيق والتعاون داخل المجموعة الدولية في هذا المجال.
ـ ثالثا الدعوة الى ابرام ميثاق للسلم والتنمية والتضامن بين الشعوب.
ـ رابعا: الدعوة الى انشاء صندوق عالمي للتضامن صادقت عليه الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة بالاجماع في اطار دورتها الخامسة والخمسين، وهي دعوة تتجدّد راهنيتها اليوم مع الصرخات المتتالية للمناهضين للعولمة أو للحدّ من ثارها السلبية واستتباعاتها الخطِرة خاصّة على دول الجنوب.
ـ خامسا: الدعوة الى تنشيط الحوار بين الحضارات والأديان وهي دعوة توجتها تونس بانشاء "كرسي بن علي للحوار بين الحضارات والأديان".
وإنه لمن الصعب الوقوف عند تفاصيل اتجاهات هذه الاستراتيجية الديبلوماسية المتكاملة، ولكن من الضروري المبادرة بالقول إنها تنطلق من تشخيص القيادة التونسية الدقيق للأوضاع الدولية وتعقّدها وتشابكها ومن عزم صادق على ارساء دعائم الاستقرار العالمي سواء على مستوى الساحات الداخلية للدول او على مستوى العلاقات بين الدول، وذلك بنزع فتائل الصراع والتوتّر ورفع المظالم الدولية وايجاد الحلول العادلة للقضايا العالقة وعلى رأسها قضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية وباعلان قرطاج للتسامح:
لقد كانت تونس من الدّول السبّاقة الى الدعوة الى المساواة في صياغة النظام الدولي الناشئ وتمكين جميع الشعوب والدول بقطع النظر عن حجمها الجغرافي أو الديموغرافي أو موقعها في سلّم التنمية، من حقّها في بلورة وارساء الآليات السياسية والاقتصادية التي تنظمه وتسوس شؤونه وتحدّد الأساليب التي يدار بها، وذلك بغية تركيزه على أساس الشرعية الدولية بما تعنيه من رفض ازدواجية المعايير، والعمل على ايجاد حلول تعاونية اقليمية ودولية للقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الملحّة بما ينسجم مع مبادئ العدالة الدولية ويجسّم كونية القيم، وعلى رأسها حقوق الانسان، تلك التي لا تلغي خصوصيات الشعوب والثقافات ولا تحرمها من حقوقها على أساس عرقي او ثقافي.
لقد كانت الشعوب العربية ـ وعلى رأسها الشعب الفلسطيني ـ من أبرز ضحايا سياسة المكيالين، وأبرز ضحايا النظام الدولي الجديد الذي رسّخ هذه السياسة. ولتجنّب مواصلة اشتعال المنطقة العربية، وتأجّج أسباب الصراع بها، مع ما يسبّبه استمرار المظلمة من تنامي مشاعر العداء والكراهية للغرب المنحاز، وتنامي ثقافة العنف، وحماية للسلم العالمية، ومن أجل تحقيق الأمن والاستقرار لجميع شعوب العالم، كرّر الرئيس بن علي دعواته في العديد من المناسبات الوطنية والدولية الى دَمَقرطة العمل الأممي، والى ادخال اصلاحات جوهرية على مجلس الأمن وتوسيع قاعدة التمثيلية فيه واضفاء مزيد من الشفافية والعدالة على قراراته وآليات عمله، وجعله وسيلة من وسائل تحقيق العدالة الدولية والسلم العالمي، وهما غايتان لا تتحققان الا بإطفاء الحرائق التي تشتعل على أكثر من ساحة وطنية ودولية، وتؤجّح بدورها روح الكراهية والتعصّب والتطرّف والارهاب.
لقد آمنت تونس ايمانا راسخا، بأن التطرّف لا يخدم أيّة قضيّة وأن منطق العنف لا يولّد إلا شبيهه، لذلك بقدر ما استنهضت الضمير الدّولي للقضاء على بؤر التوتر والصراع والتعجيل بحلّ قضايا الشعوب حلاّ يقتضي تخليص تلك الشعوب من القهر المسلّط عليها، ومراجعة السياسات الدولية القائمة على المعايير المزدوجة، فإنها أدانت التطرّف والارهاب في جميع اشكالهما وطالبت العالم بدراسة خلفياتهما والقضاء على أسبابهما.
واستكمالا لهذه النظرة الشاملة والجذرية لمقاومة الارهاب والقضاء على أسبابه دعا الرئيس بن علي الى تجسير الهوّة بين بلدان الشمال والجنوب بإقامة عقود شراكة بين المجموعات الاقليمية تقوم على مبدإ التنمية المتضامنة وذلك تفاديا لاتساع التفاوت بين البلدان وتنامي الشعور بالحرمان والاحباط لدى شعوب كثيرة، أصبحت تمثّل أحزمة للفقر حول البلدان الصناعية المتقدّمة.
ان فكرة التضامن تجاوزت في الخطاب السياسي التونسي المضمون الأخلاقي لتُمثلَ المرجعية القيمية للعمل السياسي المدني في تحديده لشروط التنمية، وحفظ الكرامة الانسانية، وتوفير الأمن والاستقرار، لا فقط على مستوى الساحة الوطنية، بل أيضا على الساحة الدولية التي تشهد اليوم مزيدا من الاختلالات بفعل انهيار التوازنات الدولية وتوسّع العولمة وتوحّش اقتصاديات السوق القائمة عليها.
لقد صاغ الخطاب التونسي مفهوما جديدا لترتيب العلاقات الدولية على مبدإ العدالة والتضامن وتحقيق السلم والأمان، وهو مفهوم "الشراكة الحضارية" الذي يحدّد ما يمكن ان تلتقي عليه شعوب العالم ودوله من مُـثل وقيم كما يحدّد حقوق وواجبات كلّ منها تجاه الأخرى. وهو مفهوم يستمدّ مرجعيته من مقوّمات الشخصية الوطنية والهوية العربية الاسلامية ومن رؤية شاملة للنهوض بالانسان، كما يوضح الرئيس بن علي في خطاب له يوم 4 نوفمبر 1988:
"اعتبارًا لتاريخ بلادنا العريق، وارثنا الحضاري الزاخر، فقد توخينا في تونس مقاربة تنبع من مقوّمات شخصيتنا الوطنية وهويتنا العربية، الاسلامية في اطار رؤية شاملة للنهوض بالانسان، وتنمية المجتمع، والارتقاء بالعلاقات الدولية الى مستوى الشراكة الحضارية، من أجل وجود أفضل للانسانية جمعاء. وان بلادنا ترى ان تجسيم هذا الوضع الحضاري، انما هو مسؤولية مشتركة تتحمّلها جميع الدول والشعوب ومختلف المنظمات والهيئات العالمية، مثلما تنهض بها النخب وهياكل المجتمع المدني في مختلف ارجاء العالم، من اجل أن يظل الانسان حيثما كان قيمة القيم ورهان الرهانات، يوفّر له التقدم مزيدا من الحرية والكرامة والوفاء، ويفتح أمامه مجالات جديدة للعمل والابداع والتألق".
وفي هذا الاطار أيضا انطلقت مبادرة الرئيس بن علي بإنشاء صندوق عالمي للتضامن بغية مساعدة الدول الفقيرة على الخروج من دائرة الفقر والخصاصة. ولقد وجدت هذه المبادرة الانسانية صدى دوليا كبيرًا، واستجاب لها الضمير الأممي لأنها تجسّم شكلا من أشكال مسؤولية الانسانية إزاء بعضها البعض، وتكرّس مبادئ التضامن البشري وقيمه في العلاقات الدولية، بعد ان تأكّد خلال العقود الأخيرة بأن من أسباب نمو نوازع التطرف والارهاب وانتشارها، اختلال التوازن بين الشعوب وازدياد الفجوة بين الأمم، وهي من مظاهر المشهد العولمي اليوم ما يضع المجموعة الدولية امام مسؤولياتها الملحّة.
ويأتي بعث "كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان" استكمالا لإرادة الربط بين السلم والأمن والتضامن، على المستوى العالمي، فلن "تنفجر الحروب بين الآلهة" ـ على حدّ قولة ماكس فيبر ـ طالما تقاربت الشعوب والثقافات والأديان واتسعت دائرة قيمها المشتركة، واتحدّت جهودها من أجل مواجهة التحديات المطروحة اليوم، وعلى رأسها تصاعد موجات الكراهية والحقد والتعصّب البغيض، وموجات العنف التي ولّدتها مشاعر الاحباط واليأس واختلال الموازين الدولية، والتي يظلّ تنشيط الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان مدخلا من المداخل الأساسية للحدّ منها ان لم يكن القضاء عليها نهائيا.
وان موقع تونس الحضاري، التي تعايشت على أرضها مختلف الحضارات والثقافات، والتي تفتخر أنها أرض التسامح والتضامن الانساني، والتي ساهمت في الحضارة الكونية عبر التاريخ فكرا ودينا ومنجزات، فمنها انطلق دستور قرطاج الذي نوّه به أرسطو في كتاباته السياسية، ومنها انطلقت آراء القديس اوغسطين التنويرية، وفلسفة علم الاجتماع الخلدونية التي أسّست علم فهم المجتمع المدني، ان كلّ هذا ـ بالاضافة الى ايمان قيادتها السياسية ونخبها وشعبها وتشبّعهم بالقيم والمبادئ الانسانية ـ ليؤهل هذا البلد الذي يمثل بوّابة افريقيا والعالم العربي على الضفة الغربية للمتوسّط أن يلعب دورا في تنشيط الحوار بين الثقافات والأديان تقريبا للشعوب واطفاء لأسباب النزاع والفتن.
ان بعث "كرسي بن علي لحوار الحضارات والاديان" آلية أخرى من الآليات التي تجسّم بها تونس هذه القناعة بأن امام الاديان والحضارات مجالات واسعة للعمل المشترك من أجل اسعاد الانسانية عبر تضميد جراحها والعمل على تماسك افرادها، واطفاء الحرائق التي أشعلتها، لتدخل عهدا جديدًا ينهي عقود البربرية التي عاشها العالم المعاصر خلال السنوات الماضية.
وتأتي هذه القناعة على رأس المبادئ والأفكار التي لا ينفك الرئيس بن علي يدعو إليها ويعمل على ترسيخها، حيث يقول في خطاب ألقاه بمناسبة مرور ثلاثة عشر قرنا على انشاء الجامعة الزيتونية: »إن أمام الاديان مجالات عمل واسعة، تلتقي فيها بما تسعى إليه لتحقيق سعادة الإنسان، كما أن مجال الحوار بينها كبير، وبالغ الأهمية في التقريب بين الشعوب، وتوحيد العزائم الصادقة لبناء عالم أفضل. وهو ما يدعو جميع قوى الخير في العالم الى نبذ التحجّر والانغلاق، والوقوف بحزم أمام ظواهر التطرف بأشكاله وأصوله المختلفة، الدينية منها والثقافية والعرقية، والذي شوّه تاريخ الإنسانية في عديد الفترات بالفتن والعسف والحروب، حتى تصان كرامة الإنسان وحرمته وحقه في الحياة وفي الحرّية والحماية من مخاطر العنصرية والإرهاب والميز الاجتماعي في كل المجتمعات على حد سواء.
خلاصة :
ان نظاما دوليا يستند الى الأسس التي تؤكد عليها يوما بعد يوم المقاربة التونسية للعلاقات الدولية.. نظاما كفيلا "بعولمة التضامن" وتحقيق طموحات الشعوب في الحرية والكرامة والتنمية والسلام والاستقرار، هو هذا النظام الذي تدعو إليه تونس.. ان نظاما كهذا، بالاضافة الى سياسة تضامنية داخلية تمكّن كل فئات المجتمع من ثمار التنمية، لكفيل بأن يجتث نوازع التطرّف والعنف والارهاب قبل أن تندلع حرائقه، تلك التي اكتوى بها المجتمع التونسي خلال عقد الثمانينات وظلّت تحديّا غَالَبه وغَلَبَه بمشروع حضاري رائد من مفاخره: سياسة تربوية رشيدة، مستنيرة، وسياسة تنموية تضامنية، وديبلوماسية سلم وتضامن وقائية.. وتلك هي المعجزة التونسية التي تحدّث عنها يوما الرئيس الفرنسي جاك شيراك.. وما أندر أن يشهد الغرب لتجارب العرب!..