ريادة الإصلاحات السياسية في تونس اليوم

د. عبد السلام دمق
حقوقي ـ جامعي مختص في حقوق الإنسان -تونس

لقد كرّس العهد الجديد في تونس ثقافة سياسية جديدة نهضت على منظومة من المبادئ والقيم ومن الاصلاحات التي طالت جميع مجالات الحياة السياسية العامّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية وجعلت من تونس نموذجا في محيطها العربي والاقليمي، حتى أن بعض المراقبين تحدّثوا عن المعجزة التونسية.

وسنعتني ضمن هذا المبحث بما له صلة باختصاصنا أي بجملة الاصلاحات السياسية التي أقرتها القيادة التونسية منذ التحوّل بهدف ارساء دعائم النظام الجمهوري وترسيخ المسار الديمقراطي التعدّدي وذلك لثراء هذه الاصلاحات، وشموليتها، ولارتقاء المبادئ التي قامت عليها من بعدها الخصوصي الى الكونية.

I ـ التجديد الجمهوري... أو تتويج الإصلاح السياسي

إن أهم ما يميّز قوة الدول في الفكر السياسي، هو تطور أنظمتها السياسية، فلا ديمقراطية بدون تحرّر سياسي، وبدون إصلاحات سياسية، وبدون إصلاحات دستورية وقانونية. لذلك أقدم الرئيس بن علي عند توليه السلطة سنة 1987 على إصلاح النظام السياسي. وتكريسا لمبدإ سيادة الشعب وقاعدة الانتخاب، عدّل الرئيس بن علي الدستور في 25 جويلية 1988 ليلغي الرئاسة مدى الحياة، وليتيح للمترشّح لرئاسة الجمهورية عرض برنامجه على الشعب لطلب ثقته فيه، وليعيد للشعب حق اختيار رئيسه بصورة دورية. معلنا بذلك بداية عهد التجديد الجمهوري. فالفكر الجمهوري يرفض الشخصنة، ذلك أن الرئاسة مدى الحياة تبتعد تماما عن فلسفة الدستور، وقيم الجمهورية، بل هي تتنافى ومبادئ الجمهورية، والتي تقوم على نظام للحكم يرفض التوارث في السلطة، ويعتمد على مشاركة الشعب في تعيين الحاكم. وتأكّد هذا التعلق بالنظام السياسي المتطور لتونس في الميثاق الوطني المؤرخ في 7 نوفمبر 1988، والذي أكّد على أهمية قيم الجمهورية في النظام السياسي التونسي.

هذه الإصلاحات السياسية، تعزّزت بترسيخ مبدإ التعددية في تونس الحديثة منذ بداية سنة 1988. فلا إصلاح سياسيا بدون تجذير التعددية، ولا ديمقراطية بدون تعددية سياسية. وفعلا جاء قانون 3 ماي 1988 لينظم الأحزاب السياسية، تكريسا لمبدإ التعددية السياسية في تونس.. وهذا يحدث ولأول مرة في تاريخ تونس. وهذا هام، حيث لم ترسّخ فكرة التعددية.. فكرة التنوع.. فكرة إختلاف البرامج.. فكرة إختلاف الآراء.. في فكر التونسي، لا قبل الإستقلال ولا بعده، إلى أن جذّر الرئيس بن علي هذا التوجه السياسي منذ تولّيه السلطة، وهو ما يحسب له. فما ارتضاه الرئيس بن علي لشعبه هو هذا التنافس النزيه، والبنّاء، في إطار عمل سياسي منظم لبناء ديمقراطي أصبح ملحّا لأجيال، لم تعرف هذا التوجه قبل 1987. فكل حزب سياسي في تونس يحترم مبادئ الديمقراطية، وسيادة الشعب، وقيم الجمهورية، وحقوق الإنسان يجد مكانه ويضطلع بدوره بعد أن يقدّم تصورات، تكون عملية لبرامج سياسية ملموسة. فالتعددية هي دعم للمسار الديمقراطي، وهو ما اتفق عليه كل الفقهاء، وكل رجالات السياسة، لذلك نقّح الدستور سنة 1987، بعد تنقيحه سنة 1988 ليرسي سياسة جديدة، ويكرس التعددية الحزبية في الفصل 8 جديد.

وقد اعتمدت تونس التدرج نحو تعددية حزبية حديثة وجد فيها كل حزب مكانه، ليضطلع بدوره بما أثر على الحياة السياسية في السنوات الأولى للتحول، وما يؤثّر عليها اليوم، بعد أن تمّ إعلاء مبدإ التعددية إلى مرتبة الدستور، بموجب الإصلاح الدستوري في 1 جوان 2002، وما سيؤثّر عليها كذلك في السنوات المقبلة.

كما ضمن الرئيس بن علي سنة 1999 التنافس في الترشح لرئاسة الجمهورية.. وهو ضمان فعلي للتعددية السياسية في تونس.. وفتح الباب أمام المسؤولين الأُوّل عن أحزاب المعارضة للترشح لرئاسة الجمهورية، في صورة عدم توفّر الشروط العادية لتقديم الترشح المضبوطة بالدستور، تكريسا للتعددية، وتعزيزا لدور الأحزاب في تجسيم حق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية. كما أذن الرئيس بن علي بتعديل الدستور في ماي 2003، حيث مكّن الفصل 40 جديد في فقرته الثالثة من فتح الترشح للإنتخابات الرئاسية، لأيّ من أعضاء الهيئات التنفيذية العليا للأحزاب الممثّلة في مجلس النواب، شريطة أن يكون المعني يوم تقديم مطلب ترشّحه، مباشرا لتلك المسؤولية ومنذ مدّة لا تقلّ عن خمس سنوات متتالية، وأن يكون للحزب ممثّل على الأقل بمجلس النواب. ويعتبر هذا إجراء إضافيّا لضمان التّنافس، حيث أنه يتوفّر لأحزاب المعارضة اليوم ـ إذا هي تجمّعت ـ الثلاثون (30) نائبا الضّروريين لتقديم الترشح للإنتخابات الرئاسية.

وفي الحقيقة أن إرساء التعددية كان جهدا متواصلا من قبل الرئيس بن علي منذ سنة 1987. فبالنسبة له فإن التعددية ـ إضافة إلى أنها دعم للمسار الديمقراطي ـ هي في صدارة اهتماماته الشخصية. وفي هذا السياق يقول رئيس الجمهورية: »وإذ سبق أن أكّدنا أن التقدم بمسار التعددية في البلاد يحتل صدارة اهتماماتنا الشخصية (الكرم، 7 نوفمبر 2001). حتى أنه أصبح مع الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002 مبدأ دستوريا، وما تعديل النظام الانتخابي بمقتضى القانون الأساسي المؤرخ في 4 أوت 2003 إلا تكريس لمبدإ التعددية وتجذير له، قصد تعزيز التنافس النزيه والديمقراطي. هذا التعديل الرائع للقانون الإنتخابي لسنة 2003 جاء ليوسّع في المشاركة في الحياة السياسية. فلتمكين أكثر عدد ممكن من المواطنين من ممارسة حقهم الانتخابي جاء بالفصل 6 جديد من المجلة الانتخابية أن القائمات الانتخابية صالحة بصفة مستمرة، وتقع مراجعتها بصورة دائمة. وهذا النظام الجديد كرسته عديد البلدان الغربية مثل كندا في الفصلين 2 و71 من القانون الإنتخابي.

كما أضاف الفصل 8 جديد من قانون 2003 أنه يمكن لكل مواطن أن يطلب في أي وقت وحسب الحالة من نفس الجهات، ترسيمه بقائمة انتخابية إذا توفّرت فيه الشروط القانونية للناخب.

فبعد أن كانت إذًا مراجعة القائمات الانتخابية تتمّ سنويا وتحديدا خلال النصف الأول من شهر جانفي من كل سنة أصبحت تقع بصورة دائمة، فضلا على أنه يمكن لكل مواطن أن يطلب في أي وقت وحسب الحالة من الجهات المعنية ترسيمه بقائمة انتخابية. وهكذا جاء هذا القانون الجديد للمجلة الانتخابيـة تعبيـرا عن إرادة الرئيـس بن علي والتي ترمي إلى تكثيف مشاركة المواطنين في الحياة السياسية حتى تحصل المفاضلة الإنتخابية وهو ما دعا إليه في خطابه المرجعي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول. فتونس هذا البلد الذي كرّس مبدأ التعددية منذ بداية التغيير تحتاج إلى أكبر قدر من المشاركة. كما أن تونس بحكم أنها ديمقراطية حديثة في حاجة لكل مناصرة ولكل صوت.

فالمجلة الإنتخابية نقّحت في العديد من المناسبات (5 مرات) منذ التحول السياسي لسنة 1987، لتضع آليات قانونية قصد تعزيز مكاسب تونس في التقدم بالمسار التعددي وتأمين البناء التدريجي للديمقراطية.

وبقراءة للتنقيحات المدخلة على المجلة الإنتخابية منذ سنة 1987، نعاين هذا التدرّج في بناء الديمقراطية في تونس. ففي الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها التي جرت في 2 أفريل 1989 فاز التجمع الدستوري الديمقراطي (وهو الحزب الحاكم) في هذه الانتخابات بجميع المقاعد (141)، ذلك أن الأحزاب الصغيرة لم تستطع الحصول على أي مقعد داخل مجلس النواب نتيجة اعتماد طريقة اقتراع لا تخدم المسار التعدّدي. ولم تكن هذه النتائج لترضي الرئيس بن علي، لأنها لا تعكس التعدد ية داخل مجلس النواب. لذلك أذن الرئيس بن علي بتطوير النظام الإنتخابي بما يضمن تواجد المعارضة الديمقراطية في مجلس النواب. فصدر قانون 27 ديسمبر 1993، ليعزّز دور أحزاب المعارضة في الحياة السياسية. فكرّس نظام الاقتراع على القائمات دون تعويض الأسماء (الفصل 88). ويجري هذا الإقتراع في دورة واحدة، في نطاق دوائر انتخابية، ويُسند إلى القائمة التي تحصلت على أكثر الأصوات جميع المقاعد المخصصة للدائرة. أما المقاعد المتبقية فلا تهمل، وإنما تحسب لتمثيل وطني إضافي، حيث أن مقاعد مجلس النواب أكثر عددا من مجموع المقاعد المخصصة للدوائر، فيتمّ توزيع المقاعد المتبقية على القائمات التي لم تفز في دائرة أو أكثر حسب طريقة النسبية، وباعتماد أكبر المعدلات. كما مكّن هذا النظام الانتخابي أحزاب المعارضة الديمقراطية من تجميع الأصوات في كل الدوائر التي لم تحصل فيها على مقاعد. وبذلك تقدر الحصول على مقاعد تتناسب مع الأصوات التي حصلت في مختلف الدوائر.

وأدّى هذا النظام في إنتخابات 20 مارس 1994 إلى حصول أربعة أحزاب من المعارضة الديمقراطية على 19 مقعدا من جملة 163. والمتمعّن في هذا النظام يلاحظ حرص الرئيس بن علي على تكريس وترسيخ التعددية السياسية على مستوى مجلس النواب. وحسب علمنا فإنه لأول مرة في تاريخ الأنظمة السياسية يصدر حزب حاكم نظاما انتخابيا ليمكّن المعارضة الديمقراطية من التواجد على الساحة السياسية، وذلك قصد البناء الديمقراطي في تونس. وفعلا فقد حصلت المعارضة بمناسبة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 24 أكتوبر 1999 على 20% من مقاعد مجلس النواب.

وأما بالنسبة للبلديات، فإن النظام الإنتخابي كان متدرجا ومدروسا بحيث يضمن تمثيل كل الحساسيات داخل المجلس البلدي. فقد مكّن النظام الانتخابي البلدي لسنة 1990 ولسنة 1998 المعارضة والقائمات المستقلة، من الحصول بمناسبة الانتخابات البلدية التي جرت يوم 28 ماي 2000، على 243 مقعدا بالمجالس البلدية، وذلك من جملة 4144 مقعدا موزعة على 257 بلدية.

لقد تفطّن الرئيس بن علي منذ نوفمبر 1987، أن لا تقدّم، ولا تطور ولا تحرّر للإنسان بدون بناء ديمقراطي. وهذا البناء لا يمكن له أن يرى النور إلا بإصلاحات سياسية مدروسة وبذلك تغدو إصلاحات النظام السياسي حتمية.

وفعلا، فبعد إرساء التعدّدية في تونس اهتمّ الرئيس بن علي بإصلاح السلطتين التشريعية والقضائية، حتى أن الإصلاح الدستوري لسنة 2002 أتى لمجابهة متطلبات المرحلة القادمة. وليهيّئ لمرحلة سياسية طموحة، ويؤسّس فعلا "لجمهورية الغد" والتي نعيشها اليوم.. هكذا سماها الرئيس بن علي لتمثل مرحلة التجديد الجمهوري.. مرحلة الإصلاحات السياسية اللائقة بديمقراطية ناشئة، حديثة. لذلك قام إصلاح 2002 بتوسيع المشاركة السياسية، وذلك بإحداث غرفة ثانية إلى جانب مجلس النواب، هي مجلس المستشارين تمثل فيها مختلف مكونات المجتمع من أجراء وأعراف وفلاحين، ومن مختلف الجهات.

ويتعزّز بهذا دور المنظمات المهنية، التي كانت منذ فترة التحرير الوطني، ولا تزال إلى اليوم، تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا هاما. حيث أن الترشح لعضوية هذا المجلس سوف يكون من خلال المنظمات المهنية، مما هو كفيل بأن يدعم حضورها.

كما أقر دستور جمهورية الغد مبدأ إخضاع الحكومة للمساءلة الحينية، وهو إصلاح أعطى للعمل البرلماني فاعلية خاصة من خلال مراقبته لأعمال الحكومة، بما يجعل العمل الحكومي أكثر شفافية، حيث يمكّن أعضاء مجلس النواب، في أي وقت، طلب توضيحات من الحكومة حول سياسات قطاعية، بالأسئلة الشفاهية، كما يمكنهم إثارة قضايا الساعة، في كل حين.

هذا هو التجديد الجمهوري في تونس الحديثة: تمكين الشعب من اختيار رئيسه بصفة دورية وتعزيز المشاركة في أخذ القرار من خلال دعم صلاحيات السلطة التشريعية (إحداث الغرفة الثانية أو مجلس المستشارين ـ وهي غرفة متواجدة في كل ديمقراطيات العالم ـ، إخضاع الحكومة للمساءلة الحينية..). لكن التجديد الجمهوري كذلك هو تعزيز استقلال السلطة الثالثة: السلطة القضائية، وتوسيع مشمولاتها. فمن أجنحة الدولة التي عادت بقوة في عهد التغيير هي السلطة القضائية. فلقد عاد القضاء كسلطة مستقلة، وعادت للقضاة صلاحيتهم كاملة، فأصبح لدينا سلطة قضائية مستقلة ولها مشمولات وصلاحيات هامة بما يدعّم الديمقراطية في تونس. فالدولة الديمقراطية التي لديها سلطة قضائية مستقلة وقوية هي ديمقراطية قويّة توفّر أكثر ضمانات لمواطنيها.

وفي الحقيقة أن في استقلال القضاء تدعيما لنظامنا السياسي الذي يرتكز على قاعدة التفريق بين السلط (توطئة الدستور). فنظامنا السياسي، يثمن هذا التوجه أي استقلال القضاء، ويدعّمه، متناغما بذلك مع المواثيق والصكوك الدولية. فالقضاء المستقل هو الحامي للحقوق والحريات... والقضاء المستقل هو الضامن لاحترام دولة القانون، والقضاء المستقل هو الضامن للشرعية... لذلك تدعّم استقلال القضاء منذ 1987 سواء كان ذلك بإلغاء محكمة أمن الدولة وخطة الوكيل العام للجمهورية.. أو بالتحسين المتواصل للوضعية المادية والمعنوية للقضاة.. أو بإعلاء الحماية القضائية لحقوق وحريات الأفراد إلى مرتبة الدستور منذ اإصلاحه سنة 2002، أو بجعل القاضي هو رئيس اللجنة الجهوية التي تفصل في النزاعات المتعلقة بالترسيم أو التشطيب في القائمات الإنتخابية منذ سنة 2003.. هذا التوجه السياسي المكرس لإستقلال السلطة القضائية ـ الذي أرسي منذ سنة 1987 وتدعّم مع الإصلاح الجوهري للدستور سنة 2002 ـ هو في اعتقادي أبهى مظاهر التجديد الجمهوري في تونس الحديثة.. كما يتجلّى في نظري هذا التجديد الجمهوري من خلال توسيع صلاحيات ومشمولات ومجالات القضاء وذلك بإخضاع عدة ميادين لرقابته وحمايته "La judiciarisation" .

إن في إخضاع عدة مجالات لسلطان القضاء وذلك للمراقبة والحماية، رد اعتبار للسلطة القضائية كسلطة لها صلوحيات هامة، ومشمولات عديدة ومتعدّدة، بما يثمن دورها في نظامنا السياسي في حماية حقوق المتقاضين.. فتعزيز تدخل السلطة القضائية في عديد المجالات ضمان لفض النزاعات بشكل أنجع وأسرع، وضمان لتطوير حقوق الأفراد. وفعلا فإن من مهام السلطة القضائية حماية حقوق المواطنين: فبرزت بذلك نظرية "القاضي الحامي "le gardien-juge" ، وهي نظرية برزت في الديمقراطيات الدستورية الحديثة. وتونس هذه الديمقراطية الحديثة كرست هذه النظرية منذ نوفمبر 1987، وكذلك في الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002 ـ كما أسلفنا الذكر ـ فأصبح القاضي إضافة إلى أنه هو الحامي لحق الملكية، حاميا كذلك للحريات العامة.

إن المتأمل في الإجراءات التي اتخذت لتوسيع المجالات الخاضعة لسلطان القضاء، يلاحظ ثراءها وتنوعها، وقد كانت تهدف كلها إلى دعم استقلال السلطة القضائية، وتعزيز صلاحيات القضاة. فتمّ في 29 ديسمبر 1987 حذف محكمة أمن الدولة التي لم تكن لتتوفّر فيها ضمانات المحاكمة العادلة، كما حذف في نفس التاريخ منصب الوكيل العام للجمهورية، الذي كان بمثابة أداة التدخل في السلطة القضائية. هذه الإجراءات العاجلة منذ الأيام الأولى للتحول السياسي لسنة 1987 جاءت لتهيّئ لمرحلة قادمة لكي تعود فيها السلطة القضائية بقوة، كسلطة مستقلة. فتتالت الإجراءات لتوسيع مجالات تدخل القضاء. وفعلا أحدثت سنة 1991 خطة "المرشد القضائي"، وأحدثت سنة 1993 "مؤسسة قاضي الأسرة"، و"القاضي المنفرد"، ثم أحدثت فـي سنة 1995 "مؤسسة قاضي الطفل"، و"قاضي السجل التجاري"، و"قاضي المؤسسة".

إن إخضاع مثل هذه المجالات لرقابة وحماية السلطة القضائية يؤكّد أهمية دور القضاء في إقامة العدل بين الأفراد وغرس الطمأنينة في نفوس المتقاضين من خلال حماية حقوق الأفراد وإيصالها إلى مستحقيها بأنجع السبل وأسرع الأوقات.

وفي سنة 1998 وبإرادة من الرئيس بن علي، رئيس الدولة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، تدخل المشرّع بموجب القانون عدد 77 المؤرخ في 2 نوفمبر 1998، ليمنح للسلطة القضائية دون سواها إمكانية سحب جواز السفر العادي أثناء مدة صلوحيته. فإخضاع مجال سحب جواز السفر للسلطة القضائية عوضا عن الإدارة شيء هام، لأنه يبعث الطمأنينة في نفوس المواطنين، كما أنه يمثّل ضمانا لحريات الأفراد لما تتمتّع به السلطة القضائية من استقلالية ضمنها الدستور. فضلا على أن هذا الإجراء مطابق للدستور والذي يكرّس في الفصلين 10 و11 حرية كل مواطن في التنقل داخل الوطن وفي مغادرته، وكذلك العودة إليه. كما أن هذا الإجراء يتطابق مع القانون الدولي وخاصة الفقرة الثانية من المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

فحق كل مواطن في الحصول على جواز سفر، وفي استعماله والتنقل به هو حق مضمون بالدستور وبالقانون ولا يمكن سحب هذا الجواز إلا بإذن قضائي. فإخضاع بعض المجالات والتي كانت من اختصاص الإدارة إلى حماية السلطة القضائية، هو ضمان لحريات الأفراد ولحقوقهم بما يتلاءم والتوجه الديمقراطي الحديث في تونس اليوم. ويناغم كذلك مع فكرة التجديد الجمهوري. هذه الفكرة التي تقوم كذلك على مبدإ حقوق الإنسان، حتى أن فكرة الجمهورية انصهرت في مفهوم حقوق الإنسان وحرياته.

II ـ حقوق الإنسان في تونس: من التكريس محليا إلى الإضافة دوليا

يتّسم الفكر الإصلاحي في تونس بالشمولية، وهو ينطلق من مبدإ أساسي وهو أن الإصلاح مسار متكامل المسالك، لا يمكن أن يعطي النتائج المرجوة ـ والتي وُصفت بالمعجزة ـ إلاّ بالتفاعل الإيجابي بين البعد السياسي والبعد الإقتصادي والبعد الإجتماعي والبعد الثقافي.

على أساس هذا الترابط المتين بين كافة الأبعاد، وانطلاقا من نظرة شمولية ثاقبة، انبنت المقاربة التونسية لحقوق الإنسان في تونس التغيير. فالمقاربة التونسية لا تقتصر على جانب وحيد أو جوانب محدودة من حقوق الإنسان، بل اتّسمت بالتكامل والترابط.. وبالشمول. وفي هذا السياق يقول الرئيس بن علي: »إن حقوق الإنسان كل لا يتجزّأ لا مفاضلة بين أصنافها ولا تمييز لإحداها على الأخرى لذلك كان الإنسان وما يزال محور اهتماماتنا وغاية إصلاحاتنا سعينا منذ التّغيير على صيانة حقوقه وحمايتها وإثرائها باستمرار في جميع الميادين. (قرطاج، 10 ديسمبر 2001).

وفعلا فقد اتسمت نهاية الثمانينات وبالتحديد منذ 7 نوفمبر 1987 بتحقيق عديد الانجازات والبرامج المدعّمة لحقوق الإنسان السياسية والمدنية من جهة، والحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، من جهة أخرى في إطار المقاربة التونسية المتسمة بالتكامل والترابط بين مختلف حقوق الإنسان.

فقد شهدت المنظومة الجزائية التونسية تطورا ملحوظا، بفضل الإجراءات التي وقع إقرارها والتي تنصهر في قلب المشروع الحضاري الذي انخرطت فيه تونس.

فقد كانت الضمانات القانونية المتعلقة بالاحتفاظ والإيقاف التحفّظي مسكوتا عنها قبل التحول، ولم تمرّ بضعة أسابيع على التغيير حتى صدر في 26 نوفمبر 1987 أول قانون يحدّد مدّة الاحتفاظ والايقاف التحفظي.

كما نظّم أمر 4 نوفمبر 1988 السجون والذي نقّح بدوره بقانون 14 ماي 2001. ويهدف هذا النّص الأخير إلى تأهيل السجين وتحقيق عودته إلى المجتمع. كما وقع إلغاء عقوبة الأشغال الشاقة بموجب قانون 72 فيفري 1989. وبما أن الحماية القانونية للطفل هي من المقوّمات الأساسية لحقوق الإنسان، فقد تدعّمت في تونس بإصدار مجلّة حماية الطفل بمقتضى قانـون 9 نوفمبر 1995. كمـا تـمّ بموجب قانون 17 أفريل 2000 إرساء مبدإ التقاضي على درجتين في المادّة الجنائية. كما وقع بعث مؤسّسة قاضي تنفيذ العقوبات بموجب قانون 13 جويلية 2000 قصد حماية حقوق السجين وجعله تحت الرعاية والمراقبة القضائية أثناء فترة قضاء العقوبة. كما نقّحت الفصول المنظّمة لمؤسّسة قاضي تنفيذ العقوبات في 29 أكتوبر 2002 في اتجاه توسيع مشمولات هذه المؤسسة قصد دعم حماية حقوق السجين وجعله تحت الحماية القضائية أثناء فترة العقوبة.

كما حوّل قانون 3 ماي 2001 إشراف السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل. وصدر في 3 جوان 2002 قانون يتعلق بمنح الإعانة العدلية، ثمّ في 29 أكتوبر 2002 صدر قانون يكرّس الصلح في المادة الجزائية، وقانون خر يرمي إلى التعويض للأشخاص الموقوفين أو المحكوم عليهم والذي ثبتت براءتهم. إلا أن في قناعة الرئيس بن علي، أن هذه الحقوق السياسية والمدنية، لا يمكنها أن تضطلع بدورها، في غياب تكريس فعلي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فتم التأكيد على هذه الفئة الأخيرة من الحقوق، لأنها تمسّ كذلك الإنسان.

وفي هذا السياق يمثّل الحق في التعليم المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه النظام التربوي في تونس، وقد شهد التعليم نقلة نوعية سواء كان ذلك التعليم الإبتدائـي أو الثانـوي أو التعليم العالي والذي شهد اليوم إصلاحا شاملا وعميقا على جميع الأصعدة.

هذه السياسة أفرزت مكاسب كثيرة، حيث تجاوزت نسبة تمدرس الأطفال في سن 6 سنوات 99 بالمائة، كما أن ثلث شباب تونس يؤمون الجامعة التونسية. كما يشهد القطاع الثقافي تطورا ملحوظا وإشعاعا معترفا به داخليا وخارجيا. كما قامت تونس بتكريس الحق في الصحة والذي يعتبر من أسس حقوق الإنسان احتراما منها للمعاهدات والمواثيق الدولية، وذلك بتوفير المؤسّسات الاستشفائية وتطوير التوعية الصحية وتوفير الدواء والذي انعكس إيجابا على المؤشرات الصحية (كانخفاض نسبة وفايات الأطفال، ارتفاع عدد الأطباء، وتطوير مؤشّر التغطية الطبية للسكان..). كما تدعم الحق في السكن اللاّئق في الفترة الأخيرة إذ أصبح عدد المساكن يفوق عدد الأسر، وفي هذا احترام لحرمة الإنسان التونسي وكرامته إذ أن المسكن يمثل عاملا من عوامل استقرار الأسرة وتوازنها. وفي هذا الإطار تدخّل صندوق التضامن الوطني لبناء عدة مساكن أو تجديدها بما كرس مبدأ التنمية العادلة وبصورة أشمل حق كل فرد بأن يتمتّع بخدمات اجتماعية كالصحة والسلامة المهنية وحق كل شخص في التّمتع بمستوى عيش كاف، إذ أدرج التقرير العالمي حول التنميـة البشرية سنة 1987 تونس ضمن الأقطار العشرة الأولى التي حققت افضل النتائج على صعيد تقليص الفقر، كما تراجعت نسبة التونسيين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر مـن (22% سنة 1966 إلى 6,2% سنة 1987 و6% سنة 1999 و4,2% سنة 2000). ويمثل إحداث الصندوق الوطني للتشغيل 12/12 آلية جديدة وناجعة للنهوض بالتشغيل وتقليل نسبة البطالة في تونس وذلك بتوفير فرص العمل. كما دعمت تونس الحق في بيئة سليمة فضلا على حمايتها لحقوق بعض الفئات القابلة للتأثر وتقديم المساعدة لها كحقوق الطفل وحقوق المعوقين وحقوق المسنين وحماية حقوق التونسيين بالخارج.

وفي الحقيقة فإن المجال لا يسمح لتعداد مجمل هاته الحقوق السياسية والمدنية، وكذلك هاته الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لكن لا بد أن نؤكّد أن تونس لم تفرق بين أجيال حقوق الإنسان، فلا تفاضل بين أجيال حقوق الإنسان الأربعة. فلا فرق بين حقوق الجيل الأول الذي يكرّس الحقوق المدنية والسياسية، وحقوق الجيل الثاني والذي يكرّس الحقوق الإجتماعية، والإقتصادية، والثقافية، والتي هي حقوق فردية تتّجه بالأساس إلى الفرد، شأنها شأن الحقوق المدنية والسياسية، وحقوق الجيل الثالث والتي هي حقوق جماعية تتّجه إلى الشعوب، إذ هي مجموعة الحقوق الخاصة بالشعوب، (جيل ما يسمّى بحقوق التضامن البشري، الذي يرتكز أساسا على فكرة حماية النوع البشري وحقوق الجيل الرابع والناتجة عن التقدم العلمي والتكنولوجي وعن الثورة الاتصالية والمعلوماتية.

فتونس ومنذ نوفمبر 1987، كرّست، وبهدي من الرئيس بن علي، كل الحقوق وكل الأجيال دون استثناء. كما أن حماية هذه الحقوق، وهذه الأجيال، ليست بحماية تشريعية فحسب، بل إنها كذلك حماية دستورية. فأصبحت قيم الكونية، والشمولية، والتضامن، والتسامح، والتآزر، وحماية المعطيات الشخصية مثلا، مبادئ دستورية منذ الإصلاح الجوهري للدستور في 1 جوان 2002 وتكمن أهمية هذه في ما سيكون لها من ثار ملموسة على القوانين التي تصدر في مجال الحقوق والحريات. كما أصبح دستور تونس الحديث لسنة 2002، أحد الدساتير القليلة في العالم، التي تمكنت من مواكبة الأجيال الجديدة لحقوق الإنسان.

فإعلاء قيم التسامح والتآخي والتحابب إلى مرتبة الدستور منذ سنة 2002 ليس سوى تكريس لقيمة ثابتة من قيم التحول، واستجابة لحاجة دولية تبرز اليوم بقوة.

إن تكريس قيم التضامن والتآزر لأول مرّة في تاريخ تونس، ليس إلا مسايرة للاتجاهات الدستورية الحديثة التي قرنت الديمقراطية الاجتماعية بالديمقراطيـة السياسيـة. فدستور 2002 أضاف حقوقا اجتماعية إلى الحقوق المدنية والسياسية فجاء أكثر إحاطة وشمولا لمختلف حقوق الأفراد من كل الدساتير التي سبقته ليكرّس خيارات العهد الجديد ويؤكّد سداد رأي الرئيس بن علي حين قرّر إحداث صندوق التضامن الوطني "26/26".

وفعلا تميّزت تونس العهد الجديد في مجال التضامن بمقاربة رائدة أخذت في الاعتبار جوهرية البعد التضامني، وأقامت التنمية على ثنائية المسارين الاجتماعي والاقتصادي تحقيقا لشموليتها وعدالتها.

وإن العناية بالتضامن من أهم ما يسجل لتونس الحديثة والفضل يعود للرئيس بن علي الذي أعطى لهذا المفهوم بعدا سياسيا وحضاريا، فضلا على إيلائه العناية الفائقة والاهتمام المستمر لتكريسه في فكر ومعاملات كل المواطنين. فقد بوّأ الرئيس بن علي التضامن في مكان الصدارة من سياسته الإنسانية مؤكّدا عن عزمه على جعل الإنسان يحتلّ المكانة المحوريّة في كلّ عمل سياسي وطني. وهو ما ركّز عليه في خطابه في 7 نوفمبر 1993 حين ذكر "وإن اهتمامنا بالبعد الاجتماعي للتنمية يؤكّد قناعتنا الراسخة بأن الإنسان هو محور كل عمل سياسي وازدهار اقتصادي، وإنّ الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان لا قيمة لها إذا بقيت فئات من المواطنين مهمّشة أو محرومة من المرافق الضرورية". وإنّي أودّ هنا أن أنقل رأي الكاتب "سالفاتوري لومباردو "Salvatore Lombardo" حول هذا المقتطف من خطاب الرئيس بن علي في 7 نوفمبر 1993: "إنه تصريح ذو بعد ثوري في قارة إفريقية هي أكثر شغفا بالتقدّم من أجل التقدّم منها بالتقدّم من أجل الإنسان".

وإذ لا يدّعي لنفسه أكثر من كونه الحافز لإرادة الشعب العليا وبحثه عن حداثة إنسانية شاملة، فإن الرئيس، مرّة أخرى، يتجاوز السياسة بكثير. إنه بذلك ينفذ إلى جوهر "حقّ المواطنة" الذي عبّر عنه فلاسفة من اليونان أو من العرب القدامى. إنّه لا يصيب هدفا عاديا، بل يرمي إلى مقصد نبيل، بعيدا عن التّباهي كَبعد صغار الأسياد الغربيين ملقني الدروس عن رغبة الشعوب في أن تحقق ذاتها.

هذه هي آراء العديد من السياسيين والصحفيين والبرلمانيين والخبراء الأجانب.. وهي نظرة كل من تابع باهتمام نجاح التجربة التونسية في مجال التضامن فلاحظ كيف أن الرئيس بن علي هو الذي جذّر هذه القيم النبيلة في المجتمع التونسي.. وهذا هو إعجاب كل الخبراء الذين تابعوا بانتباه المسيرة الناجحة في تونس العهد الجديد، بفضل عمل "صندوق التضامن الوطني 26 ـ 26". فالتجربة التونسية المتعلقة بصندوق التضامن الوطني فريدة من نوعها في العالم. وقد نالت تقدير وإعجاب الدول الصديقة والشقيقة.

كما عبّرت المنظمات الدولية المختصة في ميدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن إعجابها بإنجازات الصندوق. كما تمت الإشارة إلى صندوق التضامن الوطني في عدة مناسبات دولية من قبل عديد الدول (قمة كوبنهاغن، وقمة بكين) كمثال يحذى به.

فصندوق 26/26 مُعترف به كعلامة على التكريس الفعلي لحقوق الإنسان، خاصة بمعنى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وهكذا فإن سياسة "تونس بن علي" في مجال التضامن تتطابق ومتطلبات القانون الدولي وبالتحديد مع القرار عدد 52 ـ 194 المتعلق بدور القرض الصغير في القضاء على الفقر والمعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 ديسمبر 1987.

وهنا، يحضرني ما كتبه الأستاذ "شرمارز" "Schermers" ، حين لاحظ أنه انطلاقا من ضرورة تدعيم التضامن تتفرّع تنمية ما نسميه بالديمقراطية الاجتماعية التي توسّع فكرة الديمقراطية إلى جميع ميادين الحياة، وتعطي للفرد حق المشاركة في القرارات التي تؤثّر عليه، وذلك في مختلف المجالات.

هذه المسيرة الناجحة والتجربة الذكية والمقاربة الأنموذج لحقوق الإنسان.. تمّ الإرتقاء بها إلى العالمية، لتصبح إضافة تونسية إلى المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.

إن تونس أعلنت التزامها بجميع الصكوك الدولية تقريبا، وأمرت بنشر الاتفاقيات الدولية في الداخل، فأكسبتها علوية على القانون الداخلي ونفاذا مباشرا وهو ما اقتضاه الفصل 32 من الدستور بعد تنقيحه سنة 1987 وعزّزه الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002. هذا المبدأ قلّما يوجد في الديمقراطيات حتى الغربية منها، أدرجه الرئيس بن علي صلب نص الدستور ليؤكّد عن عزم وانخراط تونس في المنظومة الدولية.

وكان من أهم أهداف تونس منذ التحول الإسهام قدر الإمكان في تطوير معايير حقوق الإنسان والتعريف بها وإعطائها النفاذ الكامل داخل الدول.

إلا أن تونس وبهدي من الرئيس بن علي فضلا عن احترامها المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، أضافت لها.

فقد كانت للرئيس بن علي منذ بداية التحول السياسي سنة 1987 المبادرة بالاهتداء إلى عدم المفاضلة بين حقوق الإنسان، حيث اعتبر أن حقوق الإنسان المدنية والسياسية لا معنى لها في حال غياب حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية فعلية. فتوفّق دائما إلى إيجاد توازن بين حقوق الإنسان على اختلاف أنواعها، إيمانا منه بأن حقوق الإنسان لا تتجزّأ ولا تتغيّر مراتبها حسب الأهواء والأزمان.

ولقد سبق أن أكّد منذ بداية التسعينات أن لا مجال للمفاضلة بين مختلف حقوق الإنسان بتقديم صنف منها على آخر. ولقد جاء إعلان "مؤتمر كوبنهاغن" لسنة 1995 متجاوبا مع خيار الرئيس بن علي للتنمية الاجتماعية ومصرّا على ضرورة النهوض بكل الحقوق دون استثناء. وهذه إضافة تونسية للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، تدعّمت سنة 2001 حينما تبنّت بعض منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية هذا الموقف، معتبرة بأن النضال من أجل حماية حقوق الإنسان لا يجب أن يقتصر على الحقوق المدنية والسياسية فحسب، بل لا بدّ أن يشمل كذلك كل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومن ضمن هذه الفئة من الحقوق نجد الحق في التعليم والذي بوّأته تونس المكانة اللائقة به. ثمّ تدعّم هذا التوجّه مع التحوّل، إذ أن السياسة التي انتهجتها تونس لضمان هذا الحق المقدّس منذ بداية التسعينات تتجاوز ما جاءت به المواثيق الدولية في الغرض. ففي مجال مجانية التعليم نصت القوانين التونسية (قانون 1991 والذي أُلغي وعُوّض بقانون 2002) على أن الدولة تضمن حق التعليم مجانا لكل الذين هم في سن الدراسة، وتوفّر لجميع التلاميذ فرصا متكافئة للتمتع بهذا الحق (الفصـل 4 مـن قانون 2002). في حين نجد أن الفقرة الثانية من المادة 82 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تكتفي بجعل المجانية مقتصرة على التعليم الابتدائي. ولم يوسّعها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا إلى التعليم الأساسي (الفقرة الأولى من المادة 26). أما فيما يتعلق بالإلزامية فقد أوجبها المشرع التونسي من »سن السادسة إلى سن السادسة عشرة. وفي المقابل فقد اكتفت المنظومة الدولية بحصر هذه الإجبارية في التعليم الإبتدائي، أي من سن السادسة إلى سن الثانية عشرة.

وما دمنا نتحدّث عن الطفل فقد تميّزت مجلة حماية الطفل لسنة 1995 بابتكارات وإسهامات خاصة بها، فأضافت بذلك عدة ضمانات للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان. فقد حققّت مجلة حماية الطفل درجة أرقى من الاتفاقية الدولية في ما يتعلّق بحماية الطفل من المشاركة في الحروب. ففي حين تمنع الاتفاقية الأممية في مادتها 38 تشريك الطفل الذي لم يبلغ سنّه خمس عشرة سنة في الحروب، يكفل الفصل 18 من مجلة حماية الطفل التونسية هذه الحماية إلى سن الثمانية عشرة سنة. وهذه إضافات أخرى ساهمت بها تونس لتطوير وتثمين ما جاء في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.

لقد سبق أن أشرنا إلى أن التوجه الدستوري الحديث في تونس (2002) هو أيضا إستجابة لحاجة دولية تبرز اليوم بقوة. وما إحلال قيم الكونية والتسامح والتضامن، هذه القيم النبيلة والسامية، مرتبة الدستور، إلا دعوة من الرئيس بن علي إلى العالم لتكريس هذه المبادئ في تشاريع الأمم الأخرى.

فأن يصبح التضامن قيمة دستورية عليا، فهذا في اعتقادنا دعوة من "تونس بن علي" إلى العالم لكي يصبح التضامن قيمة سامية تقوم عليها الإنسانية في عصرنا هذا، شأنها شأن الحرية والعدالة والمساواة، بما يتيح تكريسها في نفس كل إنسان في هذا الكون. لذلك عملت تونس على تعزيز التضامن والتعاون الدوليين لإيمانها بأن لا غنى عنهما في حل المشاكل العالمية التي تؤثّر في حياة الأفراد والمجتمعات وفي ممارسة حقوقهم وحرياتهم الأساسية. وعلى هذا الأساس، وانطلاقا من نجاح التجربة التونسية في مجال التضامن، دعا الرئيس بن علي إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن، لمقاومة الفقر والحرمان والإقصاء والتهميش والذي تجسّم اليوم فعلا على صعيد الأمم المتحدة، وبالإجماع. وهذا يحسَب للرئيس بن علي الذي أضاف للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان، فجعل من تونس بلدا مشعّا على العالم، فاعلا فيه.

فقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر 2002، بإحداث الصندوق العالمي للتضامن، ما هو إلا اعتراف بنجاح التجربة التونسية التي سبقت كل دول العالم بسنوات، والتي أرسى دعائمها الرئيس بن علي انطلاقا من إيمانه بضرورة "تعزيز الشعور بالانتماء إلى أسرة عالمية واحدة متضامنة ومتماسكة تسودها قيم الخير والعدل المشتركة بين البشر كافة".

وهنا لا بد من أن أشير إلى أن بن علي نجح في تجذير مفهوم "التضامن العالمي"، في حين حاول شرّاح القانون الدستوري مثل الفقيه "كرال فازاك "Karel Vasak" "رماند هامر "Armand Hammer" تجسيم هذه الفكرة في المنتظم الأممي منذ سنة 1977، إلا أنهما فشلا في ذلك. »فآرماند هامر مثلا حاول في نفس الفترة مناقشة »مشروع عهد دولي خاص بالحق في التضامن، إلا أن هذا المشروع لم ير النور. وهنا تكمن أهمية إحداث هذا الصندوق العالمي للتضامن سنة 2002 بمبادرة من الرئيس بن علي. وهنا يتأكد إشعاع سياسته دوليا. وبذلك تلتحق تونس بمصاف الدول التي بادرت فنجحت. فبعد "السياد" "وإوزر" والتي دعت ـ ومنذ إحداث المنتظم الأممي ـ إلى الحد من التسلح، وبعد "مالطا" "Malte" والتي ناضلت من أجل حماية البحار، ها هي تونس اليوم تناضل بمبادرة من رئيسها من أجل مقاومة الفقر في العالم من خلال إحداث الصندوق العالمي للتضامن. فتدخل التاريخ بفضل قائدها الفذ، بما يحق لنا أن نفتخر، ونعتز لما يتحقق "لقرطاج بن علي".

هذا الإجماع الأممي حول بعث صندوق عالمي للتضامن يؤكّد نجاح التجربة التونسية، كما يؤكّد رغبة المجتمع الدولي في تعميم هذه التجربة دوليا. كما يؤكد اتساع نطاق الرؤية إلى هذا المفهوم »التضامن العالمي من فهم مجرد له، مبني على الجدل الإيديولوجي إلى فهم واقعي ملموس من خلال اسهامات بلد صاعد مثل تونس. »فالتضامن العالمي والذي تكرّس اليوم على صعيد الأمم المتحدة هو تجسيم لكونية حقوق الإنسان حيث أعلن الرئيس بن علي على مبدإ »كل الحقوق لكل الناس. والكونية التي قرّر الرئيس بن علي إحلالها مرتبة مبادئ الدستور سنة 2002، تعني أن حقوق الإنسان المضمّنة بميثاق الأمم المتحدة والمكرّسة في الإعلان العالمي الصادر سنة 1984 وكذلك في المواثيق والمعاهدات ذات الصّلة، كلّها حقوق تتّجه إلى الجميع دون أي ميز وعلى قدم المساواة. فمضامينها واحدة في كل مكان، لا تحدّها جغرافيا ولا ينقص منها التاريخ. والعمل في سبيل حماية هذه الحقوق لا يعرف حدودا. وليس في علمنا أنّ هناك دستورا آخر يقرّ بمبدإ الكونية وهذه إضافة من جملة الإضافات التونسية، إلى المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. وقد رُفع في تونس الشعار التالي: "حقوق الإنسان من التكريس المحلي إلى الإضافة الدولية".

إن إضافة الرئيس بن علي للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان واضحة، هادفة، وفعالة. فلكل إنسان في هذا الكون الحق في التمتع بكل الحقوق. ولكل إنسان في هذا الكون الحق في أن يعيش في تآخ، وتحابب، وسلام. لذلك قرّر الرئيس بن علي إعلاء قيمة التسامح إلى مرتبة الدستور. فإعلاء هذا المبدأ إلى "أب القوانين" يعتبر إستجابة لحاجة دولية تبرز اليوم بقوة. فالتآخي بين الشعوب، والسلم بين المجتمعات، والأمن الدولي بصفة عامة هو رهين ثقافة التسامح، وقبول الرأي الآخر واحترام خصوصيات الآخر. فجاء إعلان الرئيس بن علي بمثابة الدعوى إلى الأمم لترسيخ هذه القيم النبيلة، وتجريم الدعوى إلى الكراهية على أساس الدين والعرق والجنس، والتصدّى لكل أشكال التعصّب الدافعة إلى الإرهاب. فإعلاء مبدإ التسامح في الدستور، هو بمثابة دعوة للدول الأخرى إلى العمل بالمثل، وإبراز أهمية تعاون الدول على إشاعة ثقافة التسامح، والقضاء على مظاهر التطرف التي أزالتها تونس منذ بداية التحوّل. والمتأمل فيما حدث يوم 11 سبتمبر 2001، يمكنه أن ينتبه إلى وجود مرجعية تونسية مندّدة وشاجبة للإرهاب منذ أكثر من عشر (10) سنوات.

هكذا أضاف الرئيس بن علي للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان. وهاهو يدعو اليوم، وفي أكثر من مناسبة المجموعة الدولية لعقد "مؤتمر دولي لتحديد مفهوم الإرهاب" حتى يضع مدوّنة سلوك يلتزم بها الجميع.. مدوّنة، من شأنها أن تساعد على إقامة حوار مسؤول، يتجاوز إزدواجية المعايير، ويحدّد القواسم المشتركة لمقاومة الإرهاب.

كما يدعو الرئيس بن علي دوما إلى احترام الشرعية الدولية أي القانون الدولي، في حل كل المسائل العالقة في العالم. فالقانون بالنسبة للرئيس بن علي هو فوق الجميع، سواء كان دوليا أو داخليا. لذلك برز في تونس منذ نوفمبر 1987، مفهوم جديد، هو مفهوم دولة القانون.

III ـ دولة القانون.. دولة الشفافية

الدولة الديمقراطية في أساسها هي دولة قانون أو لا تكون. وتونس كما يشهد الملاحظون المحايدون هي دولة قانون كلما تمسكت بقيم قانونية، تحرّرت سياسيا.. كما أنها كلما عززت الإصلاحات السياسية، تجذّرت مبادئ إحترام القانون. والتاريخ شاهد على ذلك إذ أنها رسخت فكرة سلطان القانون منذ أول دستور لها قبل ثلاثة آلاف سنة وهو دستور قرطاج.. هذا الدستور الذي يقف شاهدا على المرجعية الدستورية والقانونية في بلادنا.. هذه المرجعية الدستورية والقانونية تبلورت في مراحل أخرى عديدة في تاريخ تونس، لعل أهمها عهد الأمان الصادر في 10 سبتمبر 1857 والذي اعتبر آنذاك إعلانا لحقوق الإنسان، ثم الدستور الذي تجسّد في 26 أفريل 1861، وهو أول دستور عربي إفريقي مكتوب بالمعنى الحديث. ثمّ تواصل المدّ الإصلاحي والتعلق بفكرة الدستور والقانون مع الاستقلال، فوضعت تونس لنفسها دستورا جديدا في أول جوان 1959.. ثم جاء التحول الحدث سنة 1987، فكان بيان 7 نوفمبر التاريخي حاملا لمشروع حضاري، يقوم على علوية الدستور والقانون وسيادة الشعب. فكان المرجع لكل الإصلاحات الدستورية والقانونية التي تلت. فالرئيس بن علي مؤمن بأهمية مبدإ دولة القانون في الحفاظ على حقوق جميع المواطنين وتحقيق المساواة بين جميع أفراد الشعب، وهو ما أكّد عليه أكثر من مرة: "إننا مقرون العزم على أن تكون الدولة دوما دولة القانون، وعلى أن يبقى القانون فوق الجميع"... لذلك ركّز الرئيس بن علي خمسة أسابيع فقط بعد التحول السياسي لسنة 1987 المجلس الدستوري كأحد المكونات لاحترام الدستور وهذا المجلس اعتُبر من قبل رجالات الفقه القانوني والسياسي بأنه المعيار الأساسي لترسيخ الديمقراطية في نظام ما. فهو الضامن لاحترام الدستور، لأنه يراقب دستورية القوانين أي مطابقة النصوص التشريعية للدستور الذي يعتبر بدوره "قانون القوانين"، "قانون الدولة"، "أب القوانين". وأن يركّز المجلس الدستوري بعد فترة وجيزة جدا بعد التحول السياسي لسنة 1987، وتحديدا في 16 ديسمبر 1987 فهذا إجراء سياسي رشيد وذلك بالنظر لأهمية هذا المجلس في الحياة السياسية في تونس. ثم وقع تطوير الدرجة القانونية للنص سنة 1990.. فمن نص ترتيبي (أمر).. أصبح المجلس ينظمه نص تشريعي، قانون 16 أفريل 1990، ثم وفي سنة 1995 وقع الإرتقاء به إلى مرتبة الدستور حتى تقوم هذه المؤسسة الدستورية بوظيفتها النبيلة، حماية لعلوية الدستور، وتجسيما للحقوق الواردة فيه، فأصبحت رقابة دستورية القوانين في تونس، لها قيمة دستورية عليا، فضلا على أن هذه الرقابة تنظر في مطابقة النصوص القانونية لنص الدستور وروحه كذلك، ولهذا أهميته سياسيا وقانونيا خاصة إذا ما اعتبرنا أن راء هذا المجلس أصبحت ملزمة لجميع السلطات العمومية منذ سنـة 1998، ليصبـح سنة 2002 بمناسبة الإصلاح الجوهري للدستور ـ إضافة الى اضطلاعه بمهمته الأصلية، أي مراقبة دستورية القوانين ـ المراقب لعملية الإنتخابات الرئاسية والتشريعية في جميع مراحلها، حتى أنه سمّي "بقاضي الإنتخابات".

كل هذه الإصلاحات السياسية والإجراءات القانونية... المتتالية، والمترابطة، والمتكاملة... عززت البناء الديمقراطي في تونس ورسخت مبادئ لم تكن معروفة من قبل، كمبدإ دولة القانون. فالإقرار بـ"دولة القانون" من أبرز خيارات وثوابت تونس الحديثة. وتكريس هذا المبدإ بالدستور في الإصـلاح الجوهـري لدستـور سنة 2002، هو تجسيم لإيمان الرئيس بن علي بسلطان القانون وتمسّكه به، وإستجابة للتطور الهام الذي عرفته المنظومة الفكرية الدولية في هذا المجال. فمبدأ دولة القانون يرتبط اليوم بمفاهيم استقلال القضاء، وتكريس حقوق الإنسان، والحكم الرشيد، والشفافية.

وفعلا تعزّز مبدأ دولة القانون مع القانون الإنتخابي الجديد لسنة 2003 لضمان شفافية التنافس الديمقراطي. فلهذا المبدأ أي "دولة القانون" الأثر الملموس على مشروع تنقيح المجلة الإنتخابية. هذا التنقيح الذي جاء متطورا، ذلك أن الضمانات الواردة فيه فاقت حتى القوانين الانتخابية في الديمقراطيات العريقة. وقد أكّد الرئيس بن علي في خطابه المرجعي بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للتحول على تأمين شفافية العملية الإنتخابية نظرا للأهمية التي يوليها لهذه العملية بمختلف مراحلها في تكريس الممارسة الديمقراطية، وضمان مصداقيتها، وتأمين حسن سير الإنتخابات في كل مستوياتها. فأذن بوجوب تسليم كل مواطن تقدّم بمطلب للترسيم بقائمة انتخابية، وصلا يمكّنه من تأمين حقه في المنازعة عند الاقتضاء، وهو ما جاءت به الفقرة الثانية من الفصل 8 جديد من القانون الجديد للمجلة الانتخابية. كما منح القانون الجديد مزيد الضمانات للناخبين من خلال مراجعة تركيبة اللجان الجهوية التي تفصل في النزاعات المتعلقة بالترسيم أو التشطيب والتي أسند الفصل 14 جديد من المجلة الإنتخابية في نسختها الحديثة رئاستها إلى قاض. فبعد أن كان الوالي هو الذي يترأّس هذه اللجان أصبح القاضي هو الذي يقوم بهذه المهمة. وفي هذا تطوير لحقوق الأفراد، فتوسيع مجالات ومشمولات القضاء لمراقبة العمليات المتعلقة بالترسيم والتشطيب في القائمات الإنتخابية يدعّم حماية حقوق المواطنين ويطوّرها ليثمنها وذلك لما يتصف به القاضي من حياد واستقلالية تجاه السلطتين التنفيذية والتشريعية بما يدعّم الشفافية ويوفّر الضمانات القانونية للناخبين، فضلا على أن المواطن يعتقد أن القاضي هو الحامي لحقوقه.

وعلاوة على ما تقرّه المجلة من ضمانات للملاحظين في خصوص عملية الفرز، فقد أقرت الفقرة الأخيرة جديدة من الفصل 93 من القانون الإنتخابي الجديد إمكانية الملاحظين ـسواء كانوا الممثلين الرسميين أو نوابهم ـ من تدوين ملاحظاتهم حول سير عملية الإقتراع ضمن مذكرة ترفق وجوبا بمحضر عمليات الإقتراع، وذلك تعزيزا للضمانات المتوفرة للمترشحين وتطبيقا لمبدإ المساواة بينهم والذي أرساه الرئيس بن علي، ضمانا للتنافس الديمقراطي. لذلك ترى الرئيس بن علي يؤكّد دوما بمناسبة الإنتخابات البلدية والتشريعية منذ بداية التسعينات على وجوب احترام القانون من قبل كل الأطراف والتزام الإدارة بالحياد التام ومعاملة كل المترشحين على قدم المساواة، وذلك تكريسا لعلوية القانون وضمانا لشفافية العملية الإنتخابية في مختلف مراحلها. ونتيجة لهاته السياسة الرامية إلى تأمين الشفافية، جاء في خطاب الرئيس بن علي في الذكرى الخامسة عشرة للتحول ما يلي: "نأذن بأن يتضمّن المشروع الجديد تحجير حمل أعضاء مكتب الإقتراع إشارات تدلّ على الإنتماء السياسي"، ويسهر رئيس المكتب على تنفيذ ذلك الإجراء مع سحبه على الملاحظين أيضا، وهو ما كرّسه الفصل 40 جديد في فقرته الثانية من المجلة الإنتخابية في نسختها الحديثة، بما يمثّل إطارا قانونيا لضمان التنافس الديمقراطي.

كما أعاد الفصل 38 جديد في فقرته الثانية النظر في معايير إحداث مكاتب الاقتراع وذلك بتحديد عدد الناخبين في كل مكتب بـ 450 ناخبا بالنسبة إلى البلديات التي يتجاوز عدد الناخبين فيها 7000 ناخب، عوضا عن سقف 250 ناخبا المعمول به قبل التنقيح وهو ما سيقلّص بصفة جلية من عدد مكاتب الاقتراع. وقد جاء هذا الإجراء تنفيذا لما نادى به الرئيس بن علي في خطابه المرجعي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول، حرصا منه على مزيد دعم شفافية العمليات الإنتخابية وتمكين كل الأطراف المشاركة في الإنتخابات، من مراقبة سيرها.

وفي نفس هذا السياق أقرّ الفصل 48 جديد من المجلة الإنتخابية في نسختها الحديثة في فقرته الثالثة تمكين الناخب من الإمضاء بنفسه بقائمة الناخبين أمام اسمه ولقبه بمكتب الإقتراع بعد الإدلاء بصوته وهو خيار متطور اعتمدته قلة من الدول مثل فرنسا في الفصل 62 (فقرة أولى) من المجلة الانتخابية. كما حجّر الفصل 49 جديد في فقرته الأخيرة التصويت بالوكالة. كما لا نجد في القانون الإنتخابي الجديد ما يفيد التصويت بواسطة الأنترنات، أو بواسطة "آلات التصويت" "Machines de votes" ، وذلك درءا لكل تأويل ودعما لشفافية العمليات الإنتخابية، فضلا على أن الفصل الأول من المجلة الإنتخابية ينص صراحة على أن الإنتخاب مباشر وسرّي.

ولتأمين أرفع مستويات الشفافية لإنتخابات 24 أكتوبر 2004 بعث الرئيس بن علي مرصدا وطنيا للإنتخابات، لمتابعة سيرها بمختلف مراحلها. فإحداث هذا المرصد هو حلقة من حلقات إستقراء الواقع الإنتخابي، فهو حلقة من بين حلقات عديدة مهمتها تأمين نجاح إنتخابات نزيهة وشفافة، خاصة إذا ما إعتبرنا أن معايير عمل المرصد هي المعايير الدولية المعمول بها في مجال مراقبة الإنتخابات ورصد أحداثها وتفاصيلها. وفي الحقيقة فإن بعث المرصد ليس شيئا جديدا على تونس، حيث بعث الرئيس بن علي في أول إنتخابات رئاسية تعددية في تاريخ تونس سنة 1999، مرصدا وطنيا، وها هو اليوم يعيد التجربة، رغم أنه في إنتخابات 24 أكتوبر 2004 ركّز مجلس دستوري، لمراقبة العملية الإنتخابية. إلا أن حرص الرئيس بن علي على تأمين أرفع مستويات الشفافية في العملية الإنتخابية، جعله يحدث هذا المرصد لإيجابياته العديدة، خاصة المتابعة، والمراقبة الميدانية لظروف سير العملية الإنتخابية في مختلف مراحلها، كمتابعة توزيع بطاقات الناخب، وحضور متابعة تقديم الترشحات للقائمات الإنتخابية، ومتابعة الحملة الإنتخابية، وزيارة مراكز الإقتراع ومتابعة عمليات التصويت يوم 24 أكتوبر 2004. والمتأمل في كل هذه الإجراءات: دعم صلاحيات المجلس الدستوري لمراقبة العملية الإنتخابية منذ سنة 2002، تنقيح المجلة الإنتخابية لتوسيع سبل المشاركة في الحياة السياسية ولضمان سلامة العملية الإنتخابية في مختلف مراحلها منذ سنة 2003، إحداث المرصد الوطني للإنتخابات، يلاحظ الحرص الشخصي للرئيس بن علي على توفير كل الضمانات للمواطن التونسي لكي يشارك في الشؤون العامة لبلده، أي أن يَنتَخِب يُنتُخَبَ في إنتخابات نزيهة، تجرى دوريا بالإقتراع، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السري، وتضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين. فالرئيس بن علي يريد أن يضمن لكل مواطن هذا الحق، يمارسه في كنف الحرية، لإيمان الرئيس بن علي بأن هذا الحق هو حق سياسي مكفول للمواطن التونسي. فبهذا الحق يشعر المواطن بمسؤولياته في وطنه، ويحس بنخوة الإنتماء إليه. وهذا الحرص الرئاسي الشخصي على شفافية ونزاهة العملية الإنتخابية في مختلف مراحلها، غايته نبيلة، وهو أن يشعر المواطن التونسي، بأنه مواطن بحق، يقوم بعمله السياسي في أحسن الظروف، وارفع المستويات، ويشعر كذلك بأن رأيه محترم وله الحق في إبدائه، والمشاركة به في الحياة السياسية. لذلك برز حق كل فرد في المشاركة في الشؤون العامة لبلده، كمؤشّر هام على ممارسة الديمقراطية باعتباره نقيضا للامبالاة وللإستقالة تجاه الحياة السياسية، وتجاه الشؤون العامة للدولة، فضلا على أنه أصبح من ضمن تعريفات المواطنة.

هذه هي مجمل الإصلاحات في تونس: غزيرة، مدروسة أفرزت نتائج جد ذات جدوى حتى المثقف في الوطن العربي، وفي العالم، يتحدث عن منظومة إصلاح في تونس مؤكدا أن هذه المنظومة هي أنموذج..كما أصبح يبيّن كيف أن التجربة التونسية باتت رائدة لمنظومة الإصلاح العربية... وكيف أن المثال التونسي للإصلاح الذي تحقّق خلال سبع عشرة سنة، جعل تونس قابلة لأن تكون مثالا، ومصدر إلهام، ومنطلقا للتفكير... هذه هي الإصلاحات التي نعيشها نحن جيل هذا اليوم ونفتخر بها... وهو ما نرويه لأجيالنا المقبلة.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org