الأسس الإصلاحية للتشريعات الإعلامية في تونس

د. محمد حمدان
مدير معهد الصحافة وعلوم الإخبار ـ تونس

شهد الفضاء الإعلامي والاتصالي تطورات هامة في تونس منذ ثمانينات القرن العشرين. وساهمت عدة عوامل في تجسيم هذه التحولات. فهناك بالطبع تسارع لنسق نمو تكنولوجيات الإعلام والاتصال في العالم عموما وفي تونس بالتحديد. وهناك انفتاح عالمي للسوق منذ قيام المنظمة العالمية للتجارة مما كان له تأثير في سرعة تداول المنتوجات الإعلامية في تونس. وهناك تطور للمستوى الاجتماعي والثقافي للجمهور التونسي مما جعله أكثر إقبالا على المادة الإعلامية.

ولكن هذه العوامل كانت مرتبطة كلها بعامل أساسي كان له التأثير الرئيسي في تطوير المشهد الإعلامي التونسي، فالتحول السياسي للسابع من نوفمبر 1987 في تونس كان له انعكاس رئيسي على واقع ومستقبل الإعلام. والإرادة السياسية للتوجه بالبلاد في مسار ديمقراطي تجسمت في عدة مجالات من أهمها المجال الإعلامي.

وتتجسم هذه الرغبة الملحة في تطوير قطاع الإعلام في العديد من الفقرات الهامة التي يخصصها رئيس الدولة لهذا القطاع في خطبه خلال المناسبات الرسمية. كما سارع الرئيس بن علي منذ جوان 1988 بتكليف لجنة للنظر في كيفية مواكبة الإعلام لحركة التغيير. وبعد يوم واحد من تسليم تقرير هذه اللجنة لرئيس الدولة تم الإعلان في 19 أوت 1988 عن إجراءات جديدة لتطوير قطاع الإعلام منها بعث مجلس أعلى للاتصال وإحداث مؤسسة وطنية للإنتاج التلفزي وضبط خطة عملية لتحسين نوعية الأخبار ودعم المؤسسات الإعلامية بكفاءات جديدة وتجهيزات عصرية وتكثيف برامج التكوين وإعادة التدريب وتحسين الوضع المادي للصحفيين وإحداث جائزة الهادي العبيدي لأحسن إنتاج صحفي.

وهكذا لم تبق هذه الإرادة السياسية على مستوى الخطاب، بل تمت ترجمتها فعليا من خلال قرارات فعلية. وبتحليل التشريعات الإعلامية يتضح أن إرادة التغيير تبدو شاملة. إذ أن تنقيح التشريعات لم يقتصر على الصحافة المكتوبة بل شمل أيضا القطاع السمعي البصري وتجاوز هذه القطاعات الإعلامية الكلاسيكية لينظم أيضا قطاع التكنولوجيات الحديثة وما يسمى بالخصوص الانترنت والملتيميديا. كما أن الإصلاحات التشريعية اهتمت إلى جانب تنظيم المؤسسات الإعلامية بتنظيم المهن الإعلامية والاتصالية التي تطورت هي أيضا وتعددت. وشملت الإصلاحات الهياكل الإدارية التي تشرف على قطاع الإعلام فضلا عن التنظيم الاقتصادي والمالي لهذا القطاع.

وتقوم هذه الإصلاحات التشريعية على مسار يأخذ بعين الاعتبار واقع البلاد وما وصل إليه بناء الديمقراطية من خطوات ملموسة وما تسمح به المعطيات الموضوعية للمهنة الإعلامية من إجراءات. وبالنظر إلى قانون الصحافة المؤرخ في 28 أفريل 1975 ، والى التنقيحات التي شملته فإننا نلاحظ هذا التمشي التدريجي إذ تمت مراجعة هذا القانون على ثلاث مراحل. وبالرغم من النداءات المتواصلة بتعديل مجلة الصحافة، فإن هذا التعديل لم يتحقق إلا بعد تغيير السابع من نوفمبر. وتم بالفعل تنقيح المجلة بموجب القانون عدد 89 المؤرخ في 2 أوت 1988 في مرحلة أولى، ثم بموجب القانون عدد 85 المؤرخ في 2 أوت 1993 في مرحلة ثانية، وأخيرا بموجب القانون عدد 34 المؤرخ في 3 ماي 2001.

كما أن مختلف الإصلاحات التشريعية والإدارية للإعلام تدخل ضمن رؤيا سياسية واضحة وهي تقوم على أسس ومبادئ رئيسية سنتولى تحليلها ضمن هذه الدراسة.

وتتمثل هذه المبادئ بالخصوص:

ـ في تحول لمنظور السلطة السياسية لهذا القطاع واستعمال مفهوم جديد هو الاتصال بدأ يعوض تدريجيا مفهوم الإعلام.

ـ كما أن النظام السياسي للسابع من نوفمبر أعاد الاعتبار للإعلام وعزز صلاحياته ودوره كسلطة.

ـ وتحول المشرع في منظوره لحرية الإعلام إذ أدرج مفهوما جديدا هو الحق في الإعلام والاتصال. وهذا التطور يفترض أن يكون للمواطن الحق في إعلام موضوعي نزيه بعيد عن التوجيه والتشويه.

ـ ولضمان حق المواطن في الإعلام أرست سلطة السابع من نوفمبر آليات جديدة لتكريس تعددية إعلامية فعلية وتندرج في مساق تعددية سياسية أشمل.

I ) تحول من مفهوم الإعلام إلى مفهوم الاتصال

جاء بيان السابع من نوفمبر بمنظور جديد لعلاقة السلطة بالشعب. فالنظام الجديد لا ينظر الى المواطن نظرة القاصر الذي يفقد قدرة التمييز والذي يحتاج الى الحماية من التيارات الفكرية الهدامة. بل إنه يعتبر هذا المواطن على درجة من النضج تؤهله للديمقراطية ولحرية التعبير. لذلك لم تمر أشهر قليلة على التغيير حتى تم تنقيح مجلة الصحافة في 2 أوت 1988 وجاء في تقديم مشروع القانون أمام مجلس النواب أن هذا المشروع يترجم عن روح بيان السابع من نوفمبر ويهدف إلى إقامة حياة ديمقراطية وإرساء تعددية حقيقية.

ونتيجة هذا المسار الديمقراطي الجديد، تغيرت النظرة لعملية تناقل المعلومات والآراء.

فمفهوم الإعلام الذي كان سائدا يفترض تناقلا للمعلومات في اتجاه واحد من المرسل الى المتقبل ومن الحاكم الى المحكوم. وفي إطار تمش جديد، تحولت السلطة السياسية عن استعمال مصطلح الاعلام لتدرج في الخطاب السياسي وفي القاموس القانوني التونسي مصطلحا جديدا هو مصطلح الاتصال. وهذا ما يعكس تحولا هاما في عملية تناقل المعلومات والآراء ويجعل منها عملية تبادل وتقاسم واشتراك في الأدوار بين المرسل والمتقبل. بل إن مفهوم الاتصال يعطي للمتقبل مكانة رئيسية تعكس المكانة الجديدة للمواطن في المشاركة في الحياة السياسية وإبداء الرأي واتخاذ القرار.

ويتجسم هذا التحول الهام في المفاهيم من خلال التسميات التي أعطتها حكومة التغيير لهياكل الإشراف على قطاع الإعلام سواء تعلق الأمر بالوكالة التونسية للاتصال الخارجي أو بوزارة تكنولوجيات الاتصال، كما تم تعويض المجلس الأعلى للإعلام بهيكل جديد هو المجلس الأعلى للاتصال بموجب الأمر عدد 238 المؤرخ في 30 جانفي 1989.

وتدل تسمية المجلس على توجه سياسي جديد، فلأول مرة يقر هذا النص الرسمي بمبدإ حق المواطن في الاعلام وبمبدإ التعددية الاعلامية بصفة صريحة. وجاء في الامر المذكور أن المجلس هيئة استشارية »يسهم في إعداد سياسة عامة للاتصال ترمي أساسا الى تمكين المواطن من حقه في إعلام حر ومتعدد المصادر.

وانطلاقا من نفس التمشي المتدرج، ما فتئت السلطة السياسية تعزز من صلاحيات المجلس كهيئة تنظر لزوميا في مشاريع القوانين الإعلامية ثم كمرصد يقوم بتجميع وتحليل مختلف مظاهر الحياة الاعلامية.

وأشار رئيس الدولة في خطابه يوم 7 نوفمبر 2003 الى إمكانية إسناد المجلس صلاحيات جديدة في تنظيم القطاع السمعي البصري الخاص.

وبالإضافة الى الامر الرئاسي الذي أحدث المجلس الأعلى للاتصال فقد نص المشرع التونسي على مفهوم الاتصال عند إحداثه للوكالة التونسية للاتصال الخارجي بموجب القانون عدد 76 المؤرخ في 7 أوت 1990 . ويتضح من خلال مداولات مجلس النواب بهذه المناسبة أن " الاتصال ليس إعلاما خارجيا فقط ولكن الاتصال بهذا المفهوم الواسع يجمع بين مفهوم العمل الاقتصادي والعلمي والإعلامي والسياحي ويمس كل القطاعات " .

وقد تم إنشاء هذه الوكالة لأداء وظيفة إعلامية قصد التعريف بتونس في الخارج وإبراز حقيقة تجربتها التنموية الرائدة. وجاءت هذه الوكالة لتقتطع في مرحلة أولى جزءا هاما من صلاحيات وزارة الإعلام المشرفة على القطاع. وبما أن قيام وزارة الإعلام كان مقترنا في العديد من الدول بوظيفة الرقابة على الإعلام وتقييد حريته، فقد انتهى الأمر في تونس التغيير بإلغاء هذه الوزارة وتعويضها بإدارة للإعلام تابعة للوزارة الأولى إلى جانب الوكالة المذكورة.

وفي المقابل تعززت مكانة تكنولوجيات الاتصال وتحولت تسمية وزارة المواصلات لتصبح وزارة تكنولوجيات الاتصال. وتدخل هذه التسمية أيضا في هذا المنظور الجديد لعملية تناقل المعلومات.

II ) تكريس للإعلام كسلطة رابعة

الى جانب هذا التحول على مستوى المفاهيم، جاء التغيير بتحول على مستوى الوظيفة الموكولة لوسائل الإعلام والاتصال. فقد كانت تونس عند استقلالها غيورة على سيادتها وحريصة على وحدتها ومسخرة كل طاقاتها للخروج من التخلف. وفي ظرف سياسي تميز بالأحادية السياسية طوال ستينات ثم سبعينات القرن العشرين كانت السلطة تنظر للإعلام كأداة لخدمة التنمية ولبناء الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية. وجاءت مجلة الصحافة لسنة 5791 بمجموعة من الإجراءات لضمان تحكم السلطة السياسية في الصحافة وتوجيهها في المسار الذي ترتئيه.

ولكن تغيير السابع من نوفمبر جاء بتصور جديد لمكانة الإعلام في الحياة العامة. وعوض أن يبقى مجرد أداة في خدمة السلطة، أصبح الاعلام سلطة رابعة يساهم في الحياة العامة كطرف فاعل انسجاما مع المسار الديمقراطي للدولة ولمبادئ الحرية والتعددية التي نادى بها التغيير. لذلك تطورت العلاقة بين السلطة السياسية والصحافة. ففي حين تقلصت صلاحيات الادارة في مراقبة الصحف، تعززت صلاحيات الصحافة في مراقبة السلطة.

وعلى المستوى القانوني تجسم تحكم الدولة في الصحافة من خلال الصلاحيات الواسعة التي كان يحظى بها وزير الداخلية للحجز الاداري للصحف بموجب مجلة الصحافة سنة 1975 وكانت النيابة العمومية تحظى قانونيا بحق التعطيل الاداري للصحف. فبموجب الفصل 37 من مجلة الصحافة كان بإمكان النيابة العمومية الإذن بتوقيف النشرية الدورية لمدة معينة إذا كان تتبع هذه الدورية قائما على جريمة التحريض على ارتكاب الجنايات والجنح أو على الجنح المرتكبة ضد النظام العام. ولم يحدد المشرع المدة التي يتولى فيها نائب الحق العام تعطيل الدورية مما يوسع من مجال هذا التعطيل. ولا يمكن لصاحب الصحيفة إعادة إصدار صحيفته بأية طريقة أخرى لأن نفس الفصل 37 يعتبر الصحيفة مستمرة إذا ما تبين من الظروف الواقعية أنها في الحقيقة استمرار للنشرية المعطلة.

لذلك كان هذا الفصل مستندا لتعطيل العديد من الصحف المعارضة والمستقلة نظرا لما يتيحه للسلطة الإدارية من صلاحيات. وقد تم الاعتماد على هذا الاجراء الاداري بصفة مكثفة منذ وضع قانون الصحافة عام 1975 . وأصبح التعطيل أهم إجراء تتخذه السلطة الادارية للحد من حرية الصحافة. ولهذا الغرض أثار هذا الفصل جدلا كبيرا باعتباره يمس من حرية الاعلام والتعبير. وقد أوصى المجلس الأعلى للاعلام ذاته بتنقيح هذا الفصل وبتحديد التعطيل الاداري بمدة 51 يوما وبعرض القضية على العدالة إلزاما في ظرف 51 يوما للبت فيها.

وبعد تغيير عام 1987 على رأس السلطة جاء تنقيح مجلة الصحافة في 2 أوت 1988 بتحوير للأحكام الواردة في الفصل 73 . وأصبح التعطيل بموجب هذا التحوير من صلاحيات القضاء. أما السلطة الادارية فقد مكنها المشرع من الحجز الاداري لعدد الصحيفة المخلة في نظر الادارة بصفو النظام العام أو المرتكبة لجنح ضد النظام العام أو المحرضة على ارتكاب الجنايات والجنح. وأحيلت هذه الصلاحيات الادارية الواردة في الفصل 37 من النيابة العمومية الى وزير الداخلية إذ أصبح هذا الأخير مكلفا بالحجز الاداري للصحف في الحالات المذكورة.

وبالتوازي مع التقليص من صلاحيات الادارة في فرض رقابتها على الصحافة فقد أعاد التغيير الاعتبار للصحافة في وظيفتها الاعلامية لضمان حق الوصول الى المعلومة. واتخذ المشرع عديد الاجراءات للتقليص من القيود التي تسلطها الادارة للوصول الى المعلومات التي تهم الشأن العام.

وبالاضافة الى حق الصحفي في الاعلام، تطور موقف المشرع بشأن حق الصحافة في ترويج المعلومات حتى وإن لم تكن مريحة بالنسبة لأصحاب الوظائف العامة. ويدخل هذا التحول في إطار منظور ديمقراطي للصحافة يجعل منها سلطة رابعة. وفي إطار فصل السلط الذي تنبني عليه الديمقراطية والذي تراقب بموجبه كل واحدة منها الاخرى، تحتل الصحافة المكانة الرابعة كسلطة تشارك هي أيضا في الحياة العامة وتساهم بدورها في مراقبة تجاوزات السلط الأخرى. ويتجلى هذا التحول بالخصوص من خلال العلاقة القانونية التي أرساها التغيير بين الصحافة وأصحاب الوظائف العامة في ما يخص ممارستهم لهذه الوظائف.

لقد كانت مجلة الصحافة لسنة 1975 تنص على حماية خاصة لرجال السلطة. وكانت الأحكام الواردة في هذه المجلة والمتعلقة بالثلب تعاقب كل من ينشر أخبارا زائفة من شأنها المس من كرامة الشخص. ولكن الصحفي يتنصل من هذه الجريمة إذا ثبتت صحة المعلومات التي أوردها. ولكن القانون كان يحمي السلط العمومية وينص على أنه لا يمكن إثبات موضوع الثلب بالنسبة لأعضاء الحكومة والنواب في مجلس النواب ولأي موظف عمومي أو صاحب سلطة عمومية أو عون من أعوان السلطة. وبذلك لا يمكن للصحفي التعرض لأي عون للسلطة بأي خبر يتعلق بوظيفته إذا كان يسيء له حتى وإن كان الخبر صحيحا وإلا تعرض للتتبع بتهمة الثلب. وبذلك تُحرَم الصحافة من وظيفتها في مراقبة السلط الأخرى وفي الاعلام بتجاوزاتها.

وكانت هذه الاحكام محل نقد الى أن جاء التغيير بتنقيحها في 2 أوت 1988 وأصبح بالامكان إثبات موضوع الثلب بالنسبة لأصحاب وأعوان السلطة العمومية.

ولكن هذا التنقيح نص صراحة على أنه لا يمكن إثبات موضوع الثلب إذا كان الأمر المنسوب يخص عضوا أو أعضاء من الحكومة، وفي إطار نفس التمشي التدريجي لإرساء الديمقراطية جاء قانون 2 أوت 1993 بإلغاء هذا الاستثناء المقرر لفائدة الوزراء وأصبح بالامكان إثبات موضوع الثلب لإيقاف التتبعات. وتؤكد هذه الأحكام الجديدة بالتالي حق الاعلامي في متابعة نشاط أعضاء الحكومة وحريته في نشر الأخبار السياسية المتعلقة بنشاط الحكومة وأعضائها. وبذلك أسند القانون للصحافة صلاحيات هامة، وجعلت الإرادة السياسية من الاعلام سلطة رابعة.

III ) الحق في إعلام نزيه وموضوعي

وتنطلق السلطة السياسية من منظور جديد لحرية الاعلام منذ التغيير. فهذه الحرية يحظى بها الصحفي لضمان حق المواطن في الاعلام. ولا يمكن لحرية الصحفي ولحق المواطن في الاعلام أن يتحققا ما لم يهتم التشريع بالأبعاد الاقتصادية والمالية لوسائل الاعلام. ولا يمكن للجمهور أن تكتمل معرفته بالخبر ما لم يقف على من يدير ويملك ويمول المؤسسة الاعلامية. لذلك جاءت تنقيحات مجلة الصحافة منذ سنة 1988 بمجموعة من الاجراءات لضمان شفافية الاعلام ولتفادي التغرير بالمواطن ولتعريفه بظروف إنتاج الاعلام ولمعاقبة كل تمويل مشبوه لوسائل الاعلام.

وهكذا ضمن التغيير من خلال تنقيح مجلة الصحافة حق الجمهور في معرفة مسيري الصحف الحقيقيين حتى يتعرفوا على من يقفون وراء الأخبار ومن يوجهونها، وجاء تنقيح مجلة الصحافة لسنة 1988، في فصله الثامن عشر بضرورة تعريف كل نشرية دورية للعموم بأسماء من يمارسون إدارتها.

ويربط القانون الجديد بين إدارة الصحف وملكيتها حتى لا يتهرب الممولون الفعليون من المسؤولية وحتى لا يكون المدير مجرد أداة يتحمل المسؤولية ظاهريا في حين يكون الممولون أصحاب القرار الفعلي في تحديد سياسة تحرير الصحيفة وفي توجيه محتواها. وينص الفصل 61 من مجلة الصحافة المنقحة سنة 1988 على ما يلي:

»إذا كانت النشرية الدورية صادرة عن شخص معنوي فيجب اختيار مديرها حسب الأحوال إما من بين أعضاء مجلس الإدارة أو الهيئة المديرة.

وفي صورة ما إذا كان شخص مادي واحد يملك أغلبية رأس المال الاجتماعي للمؤسسة التي تصدر نشرية دورية يكون هذا الشخص وجوبا مديرا للنشرية.

ويذهب الفصل 91 من القانون المنقح سنة 1988 الى أبعد من هذا إذ يعاقب »كل شخص ثبت أنه أعار اسمه بأية طريقة لمالك نشرية أو لممولها.

ويهدف هذا الاجراء الى تفادي أي تغرير بالقارئ والى تحميل مسؤولية الكتابات الصحفية للمسير الحقيقي للنشرية.

وقد عزز القانون المنقح لمجلة الصحافة لسنة ـ2001 العقوبات الخاصة بإعارة الاسم إذ أصبحت الخطية المسلطة في هذه الحالة تتراوح بين 10 آلاف و40 ألف دينار.

ويولي المشرع أهمية خاصة لكل توجيه للصحافة والصحفيين من قبل الأجانب. وحرصا على حماية القارئ من تلاعب الأجانب وتوجيههم الخفي للأخبار والاراء، يعاقب قانون الصحافة بموجب الفصل 22 كل مالك صحيفة أو مدير أو صحفي يتحصل على أموال، أو منافع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من قبل شخص مادي أو معنوي أجنبي الجنسية.

ويمثل الاشهار وما يدره من موارد مالية للمؤسسة الصحفية وسيلة أخرى قد يستعملها المعلن للضغط على أصحاب الصحف ولتوجيه الاخبار وللتغرير بالقارئ.. لذلك فرض المشرع على كل مؤسسة صحفية الحصول على ترخيص مسبق للاستفادة من الموارد المسددة من قبل الأجانب مقابل إشهار. كما يمنع المشرع كل تغرير بالقارئ وذلك بتقديم النص الاشهاري في صيغة نص إخباري. وفرض المشرع أن يكون كل إشهار مسبوقا أو متبوعا بإشارة (إشهار) أو (بلاغ). وضاعف تنقيح سنة ـ2001 لمجلة الصحافة من العقوبات الخاصة بمخالفة هذه الأحكام.

وفي نفس التمشي الرامي الى ضمان شفافية تسيير الصحف وتعريف الجمهور بمكانتها الفعلية في المشهد الاعلامي، حرص المشرع أيضا على إلزام أصحاب الصحف بالتعريف بالسحب الفعلي لأعداد كل صحيفة. وبذلك لا يقع التهويل من هذا السحب للتغرير بالمعلنين ولإيهام القارئ بمكانة للصحيفة لا تستحقها.

وتكريسا للشفافية المالية للمؤسسة الاعلامية وتدعيما للإجراءات السالفة الذكر، فرض المشرع منذ سنة 1988 على كل نشرية دورية نشر موازنتها السنوية وحسابات التصرف ونتائجها بصفة منتظمة، وبذلك يطلع القارئ على ما تجنيه الصحيفة من موارد وعلى ما تتحمله من مصاريف وعلى ما يعود إليها من أرباح. وتكون هذه المعلومات نفيسة للتعرف بالخصوص على المصادر المالية للمؤسسة الصحفية وعلى من يمكن له التأثير في توجهاتها.

وهكذا أعطت الإصلاحات التشريعية بعدا اقتصاديا واضحا لمفهوم حرية الصحافة. ولم تعد هذه الحرية مجرد شعار بل أصبحت حقا يتعين اتخاذ مختلف الإجراءات لحمايته من أجل ضمان إعلام موضوعي نزيه.

IV ) ضمان التعددية الإعلامية

ويدخل حق المواطن في الإعلام في إطار منظومة سياسية تقوم في خياراتها الرئيسية على ضمان التعددية بمختلف أشكالها. فبالإضافة الى الاجراءات التي اتخذتها قيادة التغيير لإرساء التعددية الحزبية والى جانب التعددية الانتخابية الهادفة الى تشريك مختلف الحساسيات السياسية في الحياة العامة، جاءت التعددية الاعلامية لتكون تجسيما للتعددية السياسية وأداة لتمكين مختلف الأطراف السياسية من التعريف بنشاطها وترويج أفكارها وعرض برامجها. واتخذت قيادة التغيير إجراءات تشريعية جديدة منذ سنة 1988 لتكريس هذا التوجه الجديد. ومن أهم هذه الاجراءات الحد من تجميع الصحف.

لقد أقر تنقيح 2 أوت 1988 مبدأ هاما جديدا يهم ملكية الصحف وهو مبدأ الحد من تجميع الصحف. فقد نص الفصل 15 الجديد من مجلة الصحافة أنه " يمكن لشخص واحد سواء كان ماديا أو معنويا أن يملك أو يدير أو يتحكم على أقصى تقدير في نشريتين دوريتين ذات صبغة إخبارية جامعة تكون لها نفس دورية الصدور. ويهدف هذا المبدأ حسبما جاء في تقديم المشروع " الى ضمان التعددية في مستوى التعبير عن الرأي.. والحيلولة دون ممارسة أية ضغوط على الرأي العام وللحيلولة دون توجيهه.. عن طريق احتكار نشر الخبر.. والى جعل وسائل الاعلام بمأمن من المضاربات المالية. وبذلك يعتبر هذا المبدأ الجديد من ضمانات التعددية الفكرية التي يقوم عليها كل نظام ديمقراطي.. وهو يساعد المؤسسات الصحفية الصغرى بما فيها صحف المعارضة السياسية على مواجهة احتكار المؤسسات الصحفية الكبرى للصحافة ويفسح المجال للمنافسة العادلة. وقد اقتصر المشرع في وضع مبدإ الحد من تجميع الصحف على معيار وحيد هو دورية الصدور بحيث لا يمكن تجاوز هذا المبدإ إذا كانت هذه الصحف تصدر في لغات مختلفة أو بأشكال متنوعة (كجرائد أو مجلات أو غيرها).. ولا يمكن بالتالي لنفس المؤسسة الصحفية إصدار أسبوعيتين بالعربية وأسبوعيتين أخريين بالفرنسية. ولا يمكن أيضا إصدار جريدتين ومجلتين في نفس الوقت وبنفس الدورية.

وقد ذهب المشرع الى أبعد من ذلك لضمان التعددية الفكرية والصحفية. فموجب الفصل 15 في فقرته الثانية " لا يمكن ان يكون السحب الجملي للدوريات التي يملكها او يديرها أو يتحكم فيها شخص واحد.. متجاوزا لثلاثين بالمائة من السحب الجملي للدوريات ذات الصبغة الاخبارية الجامعة المنشورة بالبلاد التونسية والتي لها نفس دورية الصدور. ولضمان تطبيق هذا الاجراء يلزم الفصل 18 الجديد من مجلة الصحافة " كل نشرية دورية أن تنص على عدد النسخ التي تسحبها عند كل إصدار وتعزز هذه الاجراءات الجديدة مبدأ التعددية إذ أن الحد من عدد الدوريات التي تصدرها مؤسسة صحفية واحدة لا يمنع هذه الاخيرة من فرض هيمنتها الفكرية وإغراقها للسوق بأعداد هائلة من نفس العنوان الصحفي. والحد من كمية السحب يأتي بالتالي ليحول دون هذه الهيمنة الصحفية.

ولا يقتصر المجهود السياسي على إرساء التعددية الاعلامية على مستوى الصحافة المكتوبة فحسب بل شملت كذلك القطاع السمعي البصري. وتجسمت هذه الإرادة السياسية في مراجعة نظام البث الإذاعي والتلفزي لتجاوز نظام الاحتكار الذي كانت تحظى به قانونيا الاذاعة والتلفزة التونسية. والى جانب هذه المؤسسة، سمحت الدولة منذ جوان 1989 للقناة التلفزية الفرنسية الثانية بالبث المباشر لبرامجها في تونس منتهجة بذلك خيار التفتح على الثقافات والحضارات الأخرى ومتجاوزة المخاوف بشأن مخاطر البث الاجنبي. وفي 4 سبتمبر 1991 تم التوقيع على كراس شروط لتمكين أول قناة تلفزية خاصة (هي قناة أفق) من بث برامجها في تونس. وكانت تونس التغيير سباقة أيضا في انصهارها في منظومة البث التلفزي المباشر عبر الأقمار الصناعية إذ سنت قانونا منذ 15 جانفي 1988 لتمكين الخواص من استغلال هوائيات التقاط البرامج التلفزية الفضائية. وتكرست هذه الارادة السياسية خلال السنوات الأخيرة من خلال السماح لإذاعة موزاييك الخاصة من الشروع في البث. وتنطلق في البث كذلك قناة تلفزية خاصة هي قناة حنبعل. وينتظر أن تتخذ الاجراءات التشريعية المناسبة لتنظيم مشاركة الخواص في المشهد الاعلامي السمعي البصري على أسس واضحة.

واعتبارا لوضعية الاذاعة والتلفزة التونسية كمؤسسة عمومية فقد وضعها المشرع في خدمة التعددية السياسية خلال الحملات الانتخابية. وبموجب المجلة الانتخابية، يمكن للمترشحين للانتخابات الرئاسية وللانتخابات التشريعية استعمال الإذاعة والتلفزة لتمكينهم من التعريف ببرامجهم. وتنظم المجلة عملية توزيع الحصص الاذاعية والتلفزية المخصصة لهذا الغرض.

وهكذا ساهمت التشريعات الاعلامية في تعزيز المسار الديمقراطي في تونس منذ نوفمبر 1987. وكانت القوانين الاعلامية عاكسة للتحولات التي تشهدها الحياة السياسية في بعض الاحيان وكانت أحيانا أخرى سباقة في تنظيم وتأطير المشهد الاعلامي، وكانت السلطة السياسية وما تزال عنصر دفع وتشجيع للتحولات التي يشهدها الاعلام.

**********
* هذا البحث شارك به الكاتب في ندوة " منظومة الإصلاح العربي: تونس نموذجا" التي عقدتها بتونس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في 23 سبتمبر 2004.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org