ما العهد الجديد؟ 1

محمّد محجوب
أستاذ فلسفة ـ باحث في العلوم الإنسانية - جامعة المنار- تونس

يستشري بيننا التقاول بقدر ما يستشري التصامم عن الأشياء. وعندما يتحول حديث أمّة برمّتها الى تصادٍ للشعارات، فقد تبلغ الى أعلى مراتب التنظيم الحضيري، ولكنها تظل من غير علاقة بالزمان. واينما حلّ الروح من الأمة حلّ الإمكان. ولكن الروح عليه تغاليف التقى بها الزمن الراكم والزمن الهاجم، وها هو بغير آ ن.

لذلك كانت مهمة الفكر أن يستدرك، وكان همّه أن يضطلع. وهل أعسر على الفكر من أن يضطلع بمفهوم العهد؟

وكيف يستقيم للفكر أن يضطلع بالجدة، والجدة تستهوي انفعاله؟ ولولا الضوابط لكفر بالأمس أو لكفر باليوم. وإنّه لكافر بالزمان. لذلك كان الأمر جسيما. فنحن نريد أن نقبل على العهد الجديد على قدر جِدّته، فلا ننتقش من سحر بيانه بآذان التقليد. لذلك لا يجب أن يفهم منا بالضرورة أننا نشير تحت العبارات، الى برنامج سياسي مخصوص. فإننا نطرح من حيث الإمكان النظري، الواعي مع ذلك بالتاريخ والواقع، سؤالا نحن أول من يعاني منه: ما العهد الجديد؟ فإنْ نحن التقينا في هذه الهموم مع معاناة فكر يبتغي استشراف الجدة والاضطلاع بالحداثة، فليكن ذلك بداية أخرى من بدايات هذا العهد: ونقصد بداية استنارة السلطان السياسي استنارة حقيقية، تمكّنه من التنزّل تدريجيا ضمن حركية الروح الهادفة، ومن الاهتداء بإحداثيات العقل. كما نقصد بداية استنارة الجمهور من اجل التناغم مع إيقاع السياسة باعتباره إيقاعا مواتيا للزمان والمعقولية.

فمهمّة الفكر هذا التوليف الذي يعهد فيه للسلطان السياسي باستنارة الجمهور، ويعهد فيه للجمهور باستنارة السلطان السياسي، وذلك هو العهد: التقاء الإنسان (جمهورا كان أو امّة أو غير ذلك من الاسماء) والروح (بما هو الحاصل من التمثيل السياسي بطرفيه).

وأنّى للمشروع السياسي، كمشروع سياسوي، أن يضطلع بهذا التوليف. فما هو إلا أحد الاطراف التي طال تنافرها مع الإنسان، وإنه لفي أمسّ الحاجة الى التصالح.

هذا المشروع إذن، مشروع حضاري، لا يستقيم بغير تصور عن جوهر الإنسان الجديد، وهو الجوهر الذي لا اضطرار فيه الى التطابق مع ما تنزّل فيه الإنسان من المراتب الماضية، ولا مع ما يتنزّل فيه الإنسان من المراتب ضمن حضارات أخضعها نضجُها التاريخي الى اشكاليات متباعدة العمق ومتابينة الاحداثيات. فالجمهور، والسلطان السياسي، لا بد أن يحملهما مشروع حضاري أول مقوماته تحديد جديد لجوهر الإنسان.

ولكن تحديد جوهر الإنسان، لئن كان يتحكم في طبيعة المشروع الذي يتصالح على أرضيته السلطان السياسي والجمهور، فإنه قد يقصر عن استيفاء حقيقة ذلك المشروع، إذا لم ينضف إليه تصور عن معنى الوجود لا يتلفت الى الماضي إلا لقيس المسافة وتجديد المعنى بحسب المشروعية التاريخية للتجديد. فالجدة ليست مجرد إقبال على الآخر، ولو كانت كذلك لما اضطلعت بها إلا الأهواء. أما الجِدّة بالحقيقة، فهي ما يقترحه العقل، أي ما يجود به من قريحته، وفقا لمعاناته الأصلية. لذلك تتوالى خيبات الجدة في جرف العقل العربي ـ إذا صح القول بوحدة معاناته ـ داخل معضلة النمو من خلال شبكات القراءة والتحليل التجديدية بمختلف لياتها. فلا تجارب المعسكر الشرقي مع ما يعتريها من التنويعات ـ ولا تجارب المعسكر الغربي ـ بتداول اغراءات السهولة فيها ـ أنجبت حركية الحداثة المنشودة. لذلك يرتدّ الفكر مفعما باليقين من ضرورة الاضطلاع مجددا بهذا السؤال: ما العهد الجديد؟ وان منطلقه الحميم لهو اليأس من مآل أحلامه. فالإجابات لا تنفكّ تتوارد بأنه لا بد أن يكون عهد رد الاعتبار. ومهما تكن الجهات التي تقصد برد الاعتبار هذا، فإن جدّة العهد قد أضحت تقاس بمدى توفقه الى تكريس نموذج ما، وفي مدى اهتدائه الى التعامل مع الإنسان ومع المؤسسات وفق ذلك النموذج. ولكن ما يربك مثل هذا التعامل هو تداخل تعيينات هذا النموذج، تداخلا قد يبلغ حد الالتباس والفوضى.

فما هو الإنسان الذي يقصد رد الاعتبار إليه؟ وما هي المؤسسات التي يقصد رد الاعتبار إليها؟ وها هنا نورد الأطروحة الأولى لهذا التحليل: أن القول بردّ الاعتبار الى الإنسان الفرد هو قول غير دقيق، لأن الإنسان، ضمن البنية العقلية العربية ـ في اختمارها التاريخي، وعلى تنوع مراجعها واختلاف لياتها ـ لم يكن ذا اعتبار، ولم يتكون كذات فاعلة ومريدة. لذلك لا يمكن أن يتعلّق الأمر بردّ الاعتبار إليه، بل هو إنشاء لذلك الاعتبار، وفق إحداثيات الازمة التي تشكّل فيها اختناقه وغيابه، أي بحسب الأفق الذي يلوح له فيه حل تلك الازمة، يماهي ازمته هو، ومن حيث هو الحاصل من تاريخه، لا بحسب إحداثيات الأزمة التي يتحمل " الإنسان ـ الذات في أقصى تمظهراتها الغربية والتي يلوح حلّها كتجاوز للإنسانوية في ما بات يعرف بعهد ما بعد الحداثة " .

هكذا نتلفت عن نموذج الإنسان الذي يقدّمه لنا التراث، مهما تعلل في ذلك بشعارات الأصالة والهوية، ومهما استفحلت عندنا آ لام الفراق. ولكن هكذا أيضا، ندير الظهر عن الانخراط ضمن أزمة الوعي الأوروبي بدعواها الكلّيانية التي تدعّمها إغراءات السيطرة الجاهزة والمأمونة على كل الموجود: وليس أقل التعابير دلالة على هذا التمزق الحيوي، ما يتنازع العقل العربي والواقع العربي من الحرب العربية الإسلامية التي أضحى هدفها واضحا في الاستيلاء على الوعي الزمني لهذه الأمة، واستبداله بتكريس الماضي حاضرا أزليا، ولكن كذلك ما يتنازع هذا العقل وهذا الواقع من الحرب العربية الغربية التي أضحى هدفها واضحا في الاستيلاء على الوعي الزمني لهذه الأمة ودفعه الى الانخراط في الحداثة بدون ذاكرة، أي بدون سيطرة. ولعل الكارثة الحقيقية تكمن في أن يخر العقل صريع إحدى هاتين الحربين: فإنه لا شك، إذ ذاك، مضطلع بأحد النموذجين، ولكنه اضطلاع شعائري بغير إرادة.

هل من وجاهة في أن نذكر اليوم، بأن جوهر الإنسان قد ظل يتحدد لدينا منذ انبجاس الوعي القر آ ني الديني في وجوده، وفي معرفته، وفي حريّته، وفق إسلامه، وبحسب إسلامه الى الذات المتعالية التي هي معنى الوجود وقيمته الحقيقية؟ فلعل عبقرية الإسلام التي تمحورت حولها جميع الأدبيات الدينية وتبلورت ضمنها انساق فكرية كاملة وخصومات حضارية حامية تتلخص في هذه الدعوة التي فتحت للإنسان فتحا تاريخيا مبينا، ورفعت وعيه من بساطة الصحراء وامتدادها الذي ترتد عنه العين، وتتماهى مع رتابته بغير حدّ، فإذا به يتأول ذاته وجوهره على انه العبد المخلوق المتحرر بقدر إسلامه، الخيّر بقدر إنكاره للزّمان.. ولكنه بذلك قد بلغ أقصى مداه. لذلك سرعان ما نابت عن مجهود الفكر النهضوي، وهو الفكر الذي اعتزم ذاتيا أن يضطلع بالجِدّة، حضارة التبشير الاستعماري التي ليس من المؤكد أننا بتنا في مأمن من غزوها ما دامت مشاريع التنمية ما تزال تطرح في إطار العقد الحضاري بمختلف مضامينه التي تتحد رغم كل شيء في الدعوة الى اعتلاء الركب الحضاري من نقطة زمانية لا بداية لها أو على الأقل لا وعي عندنا ببدايتها تلك.

لقد قامت على أساس عبقرية الدعوة الاسلامية حضارة ودول. ولكن الحضارة التي أودعت نموذجها خارج التاريخ والزمان، لم تكن تقدر على أن تفرز من الدول إلا ما كان فاقد السيطرة على الزمان، فإذا الدول حاكمة بأمر الزمان، غير حاكمة فيه.

لذلك لم يكن بإمكان تلك الدول أن تشهد قيام الإنسان ولا قيام الفرد، ولا قيام البطل. لذلك أيضا لم يكن بإمكان تلك الدول أن تتسع لذاتية الرأي في غير إطار ثنائيات الحرام والحلال والخير والشر، أي في إطار الاقصائيات المميتة لكل حياة اجتماعية حقيقية. وان تقدير الأحقاب التاريخية ـ وفق هذا النظر ـ لكفيل بأن يكشف أمامنا عن تعاقب الدول، وتداول الحكام على وضع الغياب، تعاقبا يمثلون فيه خر الحياة، ويشيرون ضمنه الى الغائب، فلا يملأ حضورهم ركح المشهد، بل كانوا مراقص الزمن الدقائق.

فأي فرد نعيد إليه الاعتبار إذن، وهو الذي يتبوأ في أقصى المجهودات النظرية السياسية أكثر مما »أعدّ له النظر من المنازل؟ وهل نقبل فعلا الجِدّة إذا كان نموذج الإنسان الذي ننصّبه معيارا، لا يحتوي على غير التطابق مع علوية الحق، وقدسية النص؟ أي أرض يعمرها هذا الإنسان إذا كانت لا تُقِلّ رؤيته ولا تتسع لرأيه، وأي سماء يرفعها إذا كانت لا تُظِل شوقه وإرادته. إن قواعد البيت الذي أقام به هذا الإنسان لم ترفع وفق ما ارتآه لها هو ولكن وفق ما أرته له السماء، لم ترفع بتصريف من إرادته، ولكن بالتطابق مع الذات العلية.

حاشى أن يكون الفرد فردا، والإنسان انسانا إذا هو لم يكن مصرّف الرّأي في القداسات جميعها، وحاشى أن تكون الدّولة دولة إذا هي لم تكن مصرف الزّمان ومعمل حقيقته. ذلك ما كان فيه ضلال زعماء الدول المستحدثة، ولا سيما في هذه الأرض، ولكن ذلك هو أيضا ما كان فيه خطأ الكثيرين من أصحاب الفكر عندنا، على حسن نواياهم وطيبة سرائرهم.

ولعل أهمّ التنافرات التي تجلت فيها هذه الأخطاء، ما ظل يفرّق طويلا بين المشروع الثقافي من جهة، والمشروع السياسي من جهة ثانية، وذلك على أصعدة متعددة من تمظهرات الثقافة والسياسة: ففي حين احتوى المشروع الثقافي في أبعاده التعليمية من خلال الخطة التربوية، وفي أبعاده الابداعية من خلال مضامين الانتاج الفني المختلفة، على إرادة حقيقية في التكريس المتزامن لسلطان العلم والمعرفة من جهة، وعلى رفع متدرج لشعار التجديد والحداثة، تجاوب المشروع السياسي على نحو غير متآلف إطلاقا مع سليله الثقافي بتضخيم قداسة سلطة الحكم، وتأجيل الاعتراف بنضج عين العقل الذي كان أوكل إليه مهمة الاضطلاع الروحي بالتجديد. لذلك لم يكن بإمكان هذا العقل أن يقبل على العلم من غير زاوية التقديس والتوحيد. وغير خاف أن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يولد على المستوى الروحي إلا التعصب الأعمى وقتلا لسماحات الفكر ونشرا مريعا لدغمائية ما هي في الحقيقة إلا مواصلة لنرجسية الدولة التي لا تقبل باستتباعات مشروعها الثقافي، فظلت تصون نفسها عن التلون به. فبقدر ما اشتدت دعوة السلطان الى العقلنة، فتر التزامه بعين تلك العقلنة. لذلك آ ل الأمر الى هذه المفارقة القاتلة بين ذهنية لا تنفك تتمثل معطيات الحداثة، ولكن من منظور دغمائي لا انفراج فيه.

هكذا آ لى الروح على نفسه أن يستعيد وحدته وتجانسه مع ذاته، فطفق يلتهم العلم بغير روح علمي، ويتهافت على المحدثات بغير حداثة. واستجاب الروح، بضرب من المازوشية المكتسبة الى نداء السياسة الخفي، فأضرب اضراب الجوع عن الجدة، لكأنه قد أشفق علة نفسه من الانفصام. هكذا تخرجت جحافل الظلام من قلب مدارس العلوم.

إن زمانية العقل التي أقبل السلطان على تركيزها ضمن مشروعه الثقافي قد واكبتها لا زمانية السلطة التي ظل في ركونه إليها مواصلا لأحد طرفي العلاقة البائدة والقديمة بين الانسان والدولة. ولكن هذه العلاقة القديمة قد كانت علاقة متجانسة غير متنافرة. لقد كانت علاقة لا يعتريها الانفصام. فأزلية السلطة السياسية، وجمودها الروحي كان يواكبها في الوقت نفسه تنظير للقصور الطبيعي للجمهور عن ممارسة المعرفة والاضطلاع بالعلم، و " إلجام للعوام عن الخوض في المسائل البرهانية.

وعلى غير هذا النحو أصلا أضحى مضمون العلاقة بين هذين الطرفين في مشاريع الدولة العربية " الحديثة.

وطالما كان الأمر على هذا الحد من التنافر، فإن تحديث الفرد لا يمكن أن يتم في نفس الوقت الذي يقع فيه اقناعه الى ضرورة الاسلام الى مقاليد السلطة اللاعقلانية للدولة.

فلعل الفرد الذي يُقصَد رد الاعتبار إليه ويلتزم مشروع العهد الجديد بتحقيقه يظل أمرا منوطا بعهدة المستقبل لتخصيصه وضبط معالمه.

وها هنا نورد الأطروحة الثانية لهذا التحليل: ان جوهر الانسان الجديد، لا يمكن أن يحدد إلا من خلال تغيير حقيقي لعلاقته بالمقدسات، أي بالمعاني التقليدية للوجود. لذلك يقتضي منا هذا التغيير على الأقل ألا ننطلق في تحليلنا من بداهة تلك المقدسات ولا من واقع التعيينات السائدة للإنسان.

وإننا ها هنا لعلى مشارف العدم: فلا الماضي يؤازرنا، بل نشفق من مغادرته، ولا الحاضر يسندنا، بل هو يعرض علينا أن نقفز إليه قفزا، فهو الحاضر الجاهز المعلّب. فليتشفع لنا، إن نحن هوينا، بأنّ الجدّة التي ننشدها أمر لا نعلمه قطّ، وإننا اليوم في عصر ليس فيه عرّافون ولا كهنة. بل إننا لفي وحشة الصحراء من جديد.

لذلك لا يملك هذا الانسان من المدد إلا نفسه. فهو الفاعل ولكن من غير ضمان. وهو القائل ولكن من غير تواطؤ. وهو العارف ولكن من غير مراجع. وهو العابد ولكن من غير سماء..

ولكن لعله لعُرْيه ذاك ووحشته لا يملك في اتصاله بالناس والأشياء والقداسات إلا ان يعرضها على نفسه، يرتبها بنفسه، ويحكم عليها بنفسه. فتتعقد علاقته بكل ذلك من حيث هو المفكر فيها، والمريد لها.

هكذا ينتصب الانسان الجديد مركزا للأشياء والأقوال، فيصرفها في الزمان على قدر شوقه، وتنصرف إليه بقدر ما يعقلها، ويعمرها على قدر قوّته.

إن العهد الجديد الذي لا بد أن يلتقي على أرضيته الانسان والسلطة لا بد أن يحمل الانسان بما هو الموجود ذو الإرادة وذو العقل وذو القوّة، لا بد أن ينزع عن السلطة أثواب القداسية واللازمانية، ليخلع عليها وجه العمل الانساني.

ما العهد الجديد؟ 2

من الصّعب أن يحاور المرءُ نفسَه، وأصعبُ منه أن يعمد الى ذلك بعد ما يقرب من عشرين سنة. فإنّ المعيار في هذه الحال لا يقلّ عن أن يكون المقارنة بين المنشود الذي كان والموجود الذي أصبح. وهذا معيار عسير شديد. فإنّ ما تجده الأنفس مما تأمّلتْ إنما يزهّدها فيه اتّساع ما كانت أمّلت. ولكنّ سعادة الأنفُس إنما تكون إذا هي وَجدت فوق ما كانت نشدت.

لذلك فإنّ السّؤال اليوم عمّا هو العهد الجديد، لم يُعد، كما كان، سؤالا عن المنشود، وإنما أصبح سؤالا عن الموجود. فما العهد الجديد؟

إنّ اضطلاع الفكر بسؤاله هذا، لا يقنع بأقلّ من العبارة المفهومية عن العهد، أعني عبارة المعنى السياسي للعهد الجديد في أفق التاريخ، أي في أفق الإشكال الذي نزّله التاريخ مفتاحا للعصر، إشكال الكلّي والحرية. فهذان طرفان باتا يتنازعان الإنسانيّة بل الإنسانيات: الكلي بما هو عبارة العقل والنظام (الكوني، أو العالمي) والذاتي بما هو عبارة الإرادة والحرّية (الخصوصي، أو الهووي).

فالأفق الكلي للإنسانية يدعوها اليوم الى الانتظام وفق منطق العقلنة الكلّية للوجود، في حين تدفعها ذاتياتها الى تعديل هذه الكونية وفق منطق حريّة الاختيار، أي وفق منطق إرادة القوّة. وليس للأمم اليوم من إمكان إلا الجمعُ بين هذين الطرفين جمعًا هو جوهر خطابها السياسي ومضمونه الممكن.

ذلك هو اليوم شرط الانتماء الى العالم، وذلك هو الشرط الذي تَمَثّله العهد الجديد لدى طبقات مشروعه ومستويات عمله المختلفة.

فبما هو مشروع سياسي تَعيّن العهد الجديد عهدَ رشاد للخطاب السياسي، نهاية للخطاب بما هو عبارة الانفعال، وبداية للخطاب بما هو عبارة الحرية العاقلة. ما العهد الجديد؟ إنه عهد رشاد الخطاب السياسي، نهاية لمخاطبة الجمهور من مناطق انفعاله. انفعاله الديني الذي يوشك ان تنقلب به العقيدة سياسة للدنيا. وانفعاله بمعيشه إذ تستغلّ وضعية الحرمان مدخلا الى العبارة السياسية عن الاختلاف في الرأي، وانفعاله القبلي إذ تستغلّ روابطه اللاإرادية مع المولد والعشريرة مدخلا الى العبارة السياسية عن الانتماء والتحزّب.

ما العهد الجديد؟ إنه نهاية الاستسهال السياسي للخطاب، ابتذالا لجميع الأسباب، والتقاطا لجميع الذرائع. وما أكثر أسباب السهولة:

ـ يكفيني أن أجد في عقيدة الناس وثقتهم في إيمانهم مبرّرا للخطاب ضد الواقع، ولا سيما لخطاب المناضلة والمقاومة، حتى أشرّع للاختلاف السياسي، وأرفع قواعد بين سياسي لا مضمون له في الحقيقة إلا انفعال الناس الطبيعي، غيرُ السياسي، بعقيدتهم، أي إقبالهم التلقائي على المقدّس. فكأنما مُلئ الالتزام السياسي بغير عنصره، وطفق " ينفق على العمل السياسي من غير عملته، وهل له ساعتها أن يُنسل غير الأمساخ. أو كأنما نُشر المقدّس على كل مقومات الأشياء، فأفرغت هذه من يوميتها البسيطة، ورُتّبت دنيويةُ الناس المعطاةُ حُرُماتٍ تَلوّن بها كلّ شيء، حتى أصبح النّاس محتاجين في كلّ ما يأتون الى رخصة من فقيه: يقرأون ما يرخّص لهم في قراءته، ويفكّرون كما يُصوّر لهم أن يفكّروا، ويَرون ما يُرون، ويفهمون رسالة اللّه إليهم وقر نه بوساطة مَن ما يزال يجهل أن القراءة والكتابة والفهم قد أضحت اليوم مُتاحةً لكل فرد، حين كانت في عهود سابقة مُتاحةً لأنفار تُشدّ إليهم الرّحال من كل صوب وحدب. إنّ مبدأ الحزب " السياسي " الديني هو أعجب أكذوبات العمل السياسي، فهو يجمع بين التحريم الذي يولّد ضربا من الرهبة الملازمة لكلّ تعامل يومي، نازعا عن اليومي يوميته، ومفرغا للشأن السياسي من خاصيته المدنية " الأهلية " ، وخالعا على " المرجعية " طابع وحدانية إقصائية مقدّسة.وليس من العسير أن يلاحظ المرءُ مدى ما يتسم به هذا الخطاب السياسي من السهولة والابتزاز ما دامت تُناصره عناصر اقتناع عقدي سابق في الأفراد ليس أيسرَ من تحويلها عن موضوعها، ولا سيما مع ما نعلم من الميل الطبيعي للناس الى تفضيل الصيغ الجاهزة.

ـ ويكفيني أن أجد في واقع التنمية من تردي مستوى العيش، حتى أركب مستوى العيش وسيلة لخطاب سياسي " نضالي " لا مضمون له إلا فقر الناس وشدة ظروفهم. إن الاختلاف السياسي الذي يركب شظف عيش الناس لا يمكن أن يجد صداه لديهم كخطاب سياسي حقيقي، وإنما هو ابتذال اختلاف ليس كذلك إلا لأن العملية التنموية غير مكتملة. لذلك فإن سهولة الخطاب السياسي وعدم رشاده إنما يرجعان هنا الى انتصاره بضرب من الحليف التلقائي، غير السياسي، الذي لم تَرْقَ رؤاه الى مستوى الفوارق، وإنما بقيت على سطح ردود الفعل.

إن القطع مع سهولة الخطاب السياسي هو في الآن نفسه تأسيس لخطاب الحرية بما هو خطاب العقل. فلا معنى لحريّة لا تفترض حقّ الآخرين في الحرّية، لا معنى لحرية لا تنطوي على افتراض التسامح ملازما لكل تعايش. إنّ اللّحاق بكونيّة الحريّة لا بدّ أن يتمثّل افتراضات الحرّية في معناها الكوني، ولا يمكنه أن يتغافل عن تاريخها، وهو ملزم باعتبار افتراضاتها الحقوقية. لذلك فإن العهد الجديد قد اختار رفع الخطاب السياسي الى مستوى موضوعه الحقيقي، أي تنزيله فيما بعد منطقة الانفعال، لأن منطق الانفعال مهما كان موضوعه هو منطق أصولية لا إمكان فيها لجدل عمومي. ولذلك أيضا اختار العهد الجديد أن يقيم الحياة السياسية، وأن ينزل الخطاب السياسي، فيما بعد منطقة سد الرمق، أي فيما فوق منطق الضرورة. إن هذه النقطة بالذات هي العبارة عن حسّ سياسي عميق وعن حرص جدي على عدم خلط تطور الحياة السياسية بفوضى جدل ناجم عن ضنك الحياة وبفوضى حرية ناجمة عن التعارض الطبيعي لإرادات ترزح تحت وطأة الضرورة. إن الإلحاح اليومي على أهمية، بل على حيوية المسألة التنموية لا يفهم إلا داخل هذا الإطار وضمن هذا السياق. إن المشغل التنموي، ضمن عمل العهد الجديد، ليس بديلا عن الحياة السياسية مثلما يريد أن يُفهمنا البعض، وإنما هو شرط حياة سياسية غير مسفسطة، هو شرط لا بد من الإيفاء به لقيام خطاب سياسي جدي.

ولذلك تختلط الأمور بعض الاختلاط لدى القوى " التقليدية " للحياة السياسية، عندما تفاجأ باكتشاف مضمون خطابها السياسي التقليدي (المطالبة التنموية) ضمن العمل اليومي للسلطة، حين تنتظر من تقصير هذه الأخيرة في هذا الباب ما يوفر لها فرصة تباين سياسي جذري معها. ولذلك يجد المرء صعوبة كبرى في تحديد مستويات الاختلاف الحقيقي للمعارضات التقليدية عن السلطة، ولا سيما فيما يتصل بالتنمية. إن عبقرية العهد الجديد تظهر بكلّ تأكيد في عدم مجاراة " الحجز " السياسوي للتنمية، أي في إخراج هذه الأخيرة من دائرة المنافسة السياسية، وفي تعيين مضمار المنافسة السياسية فيما بعد منطقة الحاجة، أي، بعبارة واضحة وصريحة، في عدم السماح بجعل الرأي السياسي للمواطن (بصرف النظر عن مضمون هذا الرأي وعن اتجاهه) رهينة الضرورة المادية التي يقبع داخلها. وإن إخراج الرأي السياسي من دائرة الضرورة الى دائرة الحرية هو فعل المصالحة الحقيقية للمجتمع المدني مع الحياة السياسية. وفي هذا يكمن الوفاء الجذري العميق للعهد الجديد بما وعد به في بيانه المؤسس: الحياة السياسية المتطورة. إنّ مفهوم الحياة السياسية المتطوّرة يعني قبل كل شيء تمكين إرادة التطور من وسائلها وعدم إجهاض التجربة الديمقراطية بتعثيرها ضمن انفعالات إمّية " الحياة أو الموت " . فنحن لا نغادر إمية " الحياة أو الموت " عندما نخلع على أشيائنا اليومية رداء " الحُرُمات " ، ونحن لا نغادر إمية الحياة أو الموت عندما نظل نتخبط في بخس الفقر اليومي والحاجة اليومية.

ولعلّ المعنى السياسي العميق لهذا المشروع، وهو المعنى الذي كنّا أخذنا نفسنا بالعبارة المفهومية عنه، هو استعادة الدولة لوظيفتها الإيثيقية، أي تمثلها لدورها كمشرّع حقوقي ضمن مصدر إيثيقي للتشريع. إنّ دور الدولة ليس إعطاء مضامين التشريعات، ولئن هي حددت مضامين تشريعاتها، فبما هي دولة من الدول في زمن من الأزمنة وفي سياق من السياقات. ولكنّ دورها الحقيقي، الذي تطاول به التاريخ، هو إعطاء شروط إمكان التشريع: الحريّة. إن الحرية هي المصدر الإيثيقي لكلّ تشريع.

ذلك ما فهمه العهد الجديد، وذلك ما عوّل في تجسيمه على الإنساني عملا يتمثل أن لا مدد له إلا نفسه، وفهما يتمثل المعنى إقامة للممكن ضمن الذات. عملا يعيد تشكيل الموجود، وفهما يعيد قراءة الموروث

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org