الإصلاح الاجتماعي في التجربة التونسية:
قراءة في الأنساق
د .كمال عمران
أستاذ الحضارة الإسلامية ـ جامعة منّوبة ـ تونس
المدخل الأول:
كتب الباحثون في مسألة الإصلاح والتحديث المتعلّقين بنهضة العرب منذ بدايات القرن 91م وأطالوا حتى اتسمت المدونة في هذا الموضوع بالضخامة والتنوّع. ولعل الزمن حان لتدبّر حال هذه المدونة وللتهيؤ للانتقال من نوع من الدراسات الى نوع خر. فقـد انتشرت البحوث المعيارية في هذا الشأن وتميزت بطابع وصفي أو تحليلي وهو في أفضل الحالات تأليفي. والحاجة اليوم الى دعم النفس النقدي أكيد ـ إذ هو الكفيل بالمساءلة والمراجعة وهو القـادح الى القول الفصل ـ منهجيا ـ في قضايا النهضة. وليس النقد المطلوب نظرا وجـدانيا أو عاطفيا أو عقليا مجردا ـ إذ النقد المطلوب لا يمكن أن يخرج عن الأعمال المخبرية حيث تعرض الأفكار والدراسات وتقدم النصوص والوثائق على محك التفكيك في الجزئيات وفي الكليات والغاية أن تدرس الدرس العميق المتأني يحاط بالدقة في المعالجة وبالحصافة في الاستنتاج. والسبيل بهذه الطريقة يرجى منها الوصول الى إنتاج المعرفة لا الى نقلها نقلا ليا أو انفعاليا ولا الى الاكتفاء باستيعابها استيعاب الفهم والرضى بما يطرح فيها من المعلومات.
ألم يحن للفكر العربي الاسلامي أن يولي شطر العناية بالمساءلة الراجعة الى فترة نعتبرها حرجة لأنها محفوفة بإشكال لاذع ملخّصه تساؤل عن بدايات النهضة: هل كانت أغراضها وأسبابها ومرتكزاتها قائمة على الحقيقة أم على المجاز؟ ويضاف سؤال آ خر خطير ومؤداه هل يجوز التعرض للنهضة في القرن 19 م على وجه الخصوص تعرضا شاملا للبلاد العربية برمتها؟ الرأي عندنا أن مجرى العاطفة يغري إغراء مَرَضيا بالتعميم فيوهم بـأن " الأمة العربية " كيان حقيقي جدير بأن يدرس دراسة جامعة. أما منطق العقلانية فيقتضي الإقبال المتزايد على المنهاجية المونوغرافية وهي الملائمة في العمل المخبري المنشود. إذ لكل بلد عربي أوضاع خاصة به لا تنسي البتة القواسم المشتركة بينها إلا أنها ـ في نظرنا ـ لاحقة للتفكيك الجوهري الأول المتعلق بالخصوصيات. وقد اخترنا أن نقلب البصر في الأنموذج التونسي الراجع إلى الإصلاح الاجتماعي على المعنى الواسع المحتضن للأقانيم كلها أو جلها وذلك لأسباب نذكر عددا منها.
السبب الأول هو ما تمثله تونس من مثال راجع إلى نسق في النهضة العربية لا محيد عن درس مضمونه والآليات الملازمة له شأن مصر وبلاد الشام وهي المحطات الثلاث الناطقة عن التجارب النواة في النهضة العربية الحديثة.
والسبب الثاني هو الثراء و التنوع في التجربة التونسية لا للموضع الاستراتيجي الذي تحظى به فحسـب، بل للمضمون المميز لمكونات النهوض الشاملة أيضا.
و السبب الثالث زماني يفهم بالسبق الذي عرفته تونس في اتجاهين:
الاتجاه الأول راجع الى انطلاق ارهاصات النهضة وهي نهاية الحكم الحفصي وبدايـة الحكم المرادي (القرن 61 م و القرن 71 م) .
والاتجاه الثاني راجع الى ظاهرة المبادرة نحو الإصلاح والاسراع الى إقامة المؤسسات كما سنقف عنده. وإن في التجربة التونسية من التفرد ما يحيل الى الانفصال عن سائر البلاد العربية، و لها من القسمات الجامعة مع تلك البلدان ما يثبت الاتصال ويدعمه. هذا المدخل الأول هو المقاربة التي نرصد بها منعطفات من تاريخية الاصلاح و التحديث في تونس.
المدخل الثاني:
حوج النقد وهو في هذه المقاربة منهجية و رؤية في آ ن الى آ ليات وهي كثيرة متعددة، ولقد اندفقت منذ نصف قرن تقريبا مقاربات ومدارس هي المناهج المعتنية بدراسة القضايا العائدة الى العلوم الانسانية في ظل الاطمئنان العلمي الى الدقة في الطرق التي بدلت المعارف غير المعارف سواء منها اللسانية أو الأدبية أو الثقافية. ويتسنى أن نعرج على أبرز هذه المناهج في حقل الدراسات الحضارية كعلم اجتماع المعرفة وعلم الإناسة (الأنتربولوجيا) وعلم الاجتماع وعلم النفس النقدي.. ولها فروع وفنون أفادت من المناهج المطبقة على ضروب المعرفة حتى لكأنه لا مسافة بينها وحتى لكأنها آ يلة الى مجال إبداع دون تمييز (1).
والميل لدينا الى الالحاح على منهج بعينه وعلم بذاته تبوأ في بدايات القرن الحادي والعشرين منزلة الريادة حتى أضحى لكل علم نصيب منه وهو علم البيولوجيا. وله مظاهر يجدر الانتباه الى الدور الذي تضطلع به.
أول مظهر من هذا العلم هو أنه وفر صورة من التوازي بين القانون الجيني الراجع الى البيولوجيا والقانون الثقافي. وتأكد ما للهندسة الوراثية من وظيفة في تحليل خصائص القانون الأول ومدى تأثيره في القانون الثاني.
والمظهر الثاني هو الربط بين الخلية البيولوجية والخلية الثقافية على أساس النظر في العلاقات بين نواة الخليـة الأولى ومحيطها (السيتوبلازم) من جهة ونواة الخلية الثانية، وهي الموروث، ومحيطها وهو ما تتلقاه الأجيال و تتبناه و تتغذى به عبر المراحل التاريخية المتعاقبة من جهة ثانية. والرجوع الى الشفرة (المتصلة بالـه ط ش جينيا) يحيل إلى إمكان المعالجة فكما توفقت العلوم الطبية في معالجة الشفرة منذ البدء درءا لمفاسد العلل والأسقام يتسنى التفكير في معالجة شفرة الثقافة عند النجاح في الاعتياض عن الأمراض الثقافية كالتقليد والمحافظة المشطة والانغلاق (2) بشفرة جديدة كالاستنارة والتفتح والتسامح...
والمظهر الثالث راجع الى الاستنساخ، ونحن إن كنا غير غافلين عن المشاكل بل الآفات التي يمكن أن تنبثق عنه فإن نتيجة جوهرية تدفعنا الى الإفادة من هذه الظاهرة البيولوجية على قاعدة أن الاستنساخ يتبلور عبر محيط الخلية لا نواتها..
ألا تؤدى هذه النتيجة الى أن دور الأجيال في الثقافة متعاظم بالضرورة وأن الثقافة لن تتطور إلا في ضوء هذا الدور؟
هذا المدخل الثاني هو السبيل الى التعامل مع الواقع التاريخي التونسي على عهد التغيير بداية من السابع من نوفمبر 1987.
المدخل الثالث:
تحوج الإشكالية المتصلة بمفهومي الاصلاح والتحديث الى نظر يستنهض العقل للتدبر والدقة والتأليف، وأول ملاحــظة نبديها في هذا الشأن ترجع الى اتجاهين، اتجاه أفقي يرمق ما بين المعنى والمصطلح والمفهوم من الوشائج، واتجاه عمودي يرصد الفوارق بين محضنين مختلفين في المنطلقـات وفي مسالك الاجراء، هما المحضن الأوروبي من جهة والإصلاح فيه يؤدي معنى Réformisme والتحديث وهو يؤدي معنى Modernisation ، والمحضن العربي الاسلامي من جهة أخرى وقد تحدد الإصلاح والتحديث فيه بمنعطفات نريد أن نُلْمِعَ إليها. وليست الغاية أن نستعرض الاشكالية بل أن نختار زوايا نظر نركبها جَدَدا لتعيين الخصوصيات في الدلالات وفي الاستعمالات.
في الإصلاح
منطلق الإصلاح في أوروبا، معنى واصطلاحا وصولا الى المفهوم، سياق ديني اشتد عوده مع لوثر Luther وكلفان Calvin والحركة الإصلاحية المصاحبة، وقد كانت الحاجة الى ذلك منبجسة عن التحولات التي عرفتها أوروبا بدءا من إيطاليا ومرورا بألمانيا وفرنسا وأنجلترا. وميزة هذه الحركة الاصلاحية المناداة بالرجوع الى الأصول المسيحية وتخليص الانسان من أسر الحتمية المتسربلة بالعقيدة ولعل " بيك دولا ميرندول " Pic de la Mirandole (ت 1949 ) من أبرز الذين عبّروا عن ضرورة الاصلاح وعيا منه بالوظيفة التي تؤديها الفلسفـة في التجديد الديني ويمكن أن نلخص الموقف لديه بجملة حمالة لدلالات عميقة في الافصاح عن جوهر العملية الاصلاحية. قال على لسان الخالق مناديا عبده الإنسان: " أيها الخالق نفسه بنفسه ينبغي أن تبدع ذاتك على النحو الذي تختار " Créateur de toi même tu dois te créer selon la forme que tu préfères" . (4)
فجاءت الدعوة الى الاصلاح الديني قائمة على دعوة الى استنهاض همة الانسان حتى يستكشف انسانيته ويدرأ عن نفسه أدران الانسحاق. ونرجّح أن تمكّن الحركة الاصلاحية مع هذين المصلحين قد نجم عن الاتصال أو الانفصال مع حركة أخرى ذات خطر مبين سبقت الاصلاح الديني ومهدت له تمهيدا. جاء الاتصال عن طريق التفاعل بين الحركة الاصلاحية الدينية والحركة الإنسوية المؤمنة بالانسان بوصفه مركز الكون، والعلاقة بين كالفان وأعلام من الإنسويين معروفة ونذكر منهم لوفافر دي تابل Le Fèvre d'Etables (ت 1563 ) وهي صلة يطول الوقوف عندها. إلا أنها تولد نسقا خر في الإصلاح حتما، وقد كان إراسم Erasme (ت 1536 ) من جلة الإنسويين وعنه أثرت مواقف جليلة كرفض التعصب والسخرية اللاذعة والدعوة إلى مثالية السلم.
جملة ما أردنا أن نومئ إليه هو التعاضد المتين بين الحركة الاصلاحية الدينية والحركة الانسوية. وما من شك في أن للإصلاح الديني دورا في انتشار الرؤى الحداثية في أوروبا وفي شمال أمريكا إذ وفرت البروتستانية ونزعة التجديد في الكنيسة الكاتوليكية ( Vatican ) المناخ الملائم للحداثة.
ومنطلق الاصلاح في البلاد العربية صادر عن الاحتكاك بأوروبا وناجم عن انتشار فكرة التمدن وذيوع مآثره المادية الذهنية ولن نجانب الصواب إن ذهبنا الى أن الشيخ أحمد بن أبي الضياف يحظى بميزة التعبير الفصيح عن هذه الفكرة وقد صدع بقولة عميقة الغور عندما حطت رجلاه بأرض باريس فأنشد: " باريس وما أدراك ما باريس تلك الفتاة الغانية " .. (5) فمهما اجتهدنا في اثبات منابت للإصلاح داخل الثقافة العربية الاسلامية احالة الى حركة مرتضى الزبيدي ( 1791 ) أو أحمد بن عبد الوهاب (ت 1791 ) أو الإمام الشوكاني (ت 1834 ) ومواطنه الإمام الصنعاني (ت 1802 )، فإنه من العسير الاطمئنان إلى أن بذور الإصلاح في هذه الحركات دافعة إلى تغيير الأوضاع ورفض أسباب الوهن.
الفـرضية التي نرتضي وإليها نطمئن هي أن عملية الإصلاح متغذية برسم المثال على الحال في أوروبا وقد أحسن جل رجال الإصلاح التعبير عن تلك الحال وبرهنوا على أنهم فقهوا أسباب العمران (6) إلا أن الانتقال إلى تشخيص أسباب الداء في بلدانهم أصيب بالفتور ونرى أن في ذلك موضعا من مواضع الإشكاليات الحافة بالنهضة العربية.
وهل يجوز السكوت عن ملمح آ خر خطر لازم عملية الإصلاح عند العرب وهو التسليم بأن نتائج ما وصلت إليه أوروبا من التمدن صالحة لتمثل المنطلقات والأسباب للنهضة العربية ونرى في هذا نوعا من المفارقات الفظيعة وبها يمكن أن نفهم العلة في فشل خطاب النهضة في البلاد العربية.
الاتجاه في حركة الاصلاح عند الأوروبيين اتجاه ملازم لمنطق التاريخ و يتسنى أن نتكلم على تاريخية المفهوم والظاهرة وعلامة ذلك التطور الحاصل في الفكر وفي الممارسة المؤدي الى منظومة متكاملة العناصر (الاكتشافات العلمية ـ الثورة الفلسفية ـ النظريات المعرفية والعلمية ـ الثورة الصناعية ـ التحولات الاقتصادية ـ القوة السياسية والعسكرية والحدث الاستعماري ـ الثورة المعلوماتية..) والاتجاه في الاصلاح عند العرب اتجاه ملازم للظرفية، مدفوع إلى المعالجة الآنية، مصطدم بواقع سياسي ذي هوى استبدادي وبواقع ديمغرافي عليل وبواقع ثقافي تقليدي. هذا الوصف راجع الى بدايات العملية الإصلاحية في النصف الثاني من القرن 91م على وجه الخصوص، وإن في البدايات تُجَسّمُ المنطلقات وتعلن الإمكانات وتكشـف القدرة على الاضطلاع بالمسؤوليات.
على أن الوضع العربي أفرز نسقا جديرا بأن ننتبه إليه وأن نجعل منه المادة الخام للتدبر والنقد. فقد صدر عنه طريقان كبيران ضمّا سائر الأقانيم الراجعة إلى المجتمع. الطريق الأولى طريق السياسة. والثانية طريق الدين.
أما السياسة فقد عرفت سهما موجها ( Vecteur orienté ) نحو التطور والكلام على السهم في هذا السياق يعتبر الأغلب والأعم والشائع وهذا يعني أن التفكير السياسي كما الممارسة السياسية وان لم يسلما من الشدة وعسر التخلص التدريجي البطيء من رواسب الاستبداد، فإنهما تميزا بالجنوح المطرد وانْ بتُأدة نحو الإفادة من العصرنة ومن المعطيات الحداثية. ويمكن ان نرصد اليوم، في بدايات القرن الحادي والعشرين التوق نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا البيئة توقا يشمل، وإن بدرجات متفاوتة، كل البلاد العربية لم تبق السياسة بمعزل عن التحولات العالمية ولم يعزب عن الممارسة السياسية التهيؤ للتعامل الضروري مع مقتضيات العصر. والراصد لوضع البلاد التونسية خلال بداية الحركة الإصلاحية في الفترة الجوهرية فيه وهي النصف الثاني من القرن 91م وخلال بداية القرن 12م يدرك التطور الذي قصدنا ونوعيته.
أما الدين فقد عرف سهما موجها من الأعلى الى الأسفل، وكلامنا باق في إطار النسق الغالب ولايعير اهتماما ـ هنا ـ بالاستثناءات وهي قد وجدت فعلا. ويكفي أن نشير إلى ما أطلق عليه المستشرق الفرنسي هنري لاوست Henri Laoust في كتابتـه وخاصة منها الخلافات في الاسلام Les schismes dans l'Islqm اسم السلفية الجديدة وهو حامل في نظرنا للصورة التي نبتغي.
فحركة جمال الدين الأفغاني (ت 1899 ) كانت نسبيا أقرب الى معنى الإصلاح المتعامل أو الساعي الى التعامل مع مرتكزات العصر، ثم جاء محمد عبده (ت 1905 ) وهو وإن تميز في بعض مواقفه ـ بالجرأة قـد كان أقرب الى منطق العلوم الشرعية منه الى منطق العصر، ثم جاء محمد رشيد رضا (ت 1935 ) وكأنه آ ثر الازورار عن العصر واحتمى احتماء بالمنظومة الفقهية الآسرة. والرجوع الى فتاوى المنار يوفر الدليل على الانزياح عن روح التحرر الى قيود الانغلاق. وهل من غرابة أن تظهر الحركات الدينية الحاملة للواء الاسلام الحركي مع حسن البنا وذروة ذلك وقعت في سنة 1928 وغيره وقد أعلنت صراحة الرفض لروح العصر ووأدت كل المشروع الإصلاحي و توهمت أن سلامة التدين معقودة بالرجوع الى الماضي ثم ازداد حال العلة فيها وصولا الى نهج فظيع هو ذُهان القوة (7). ولعل من أسباب الفُرقة بين طريق السياسة وطريق الدين التقصير في فهم جوهر التحديث والعجز عن الغوص في مقتضيات العصر بما هي ضروريات كان المجال لإعمال العقل الاجتهادي فيها نذاك ممكنا بل واجبا إلا أن العقل العربي كان أميل في تلك الفترة إلى الرضى بما اكتسب فآثر سلامة القعود عن بذل الوسع.
في التحديث
يعتبر علم اجتماع التقدم أن التحديث نسق في التحولات الاجتماعية متصل بعهد الثورة الصناعية وما بعدها وهي المرحلة الضرورية اللازمة لبلوغ درجة في النمو الاقتصادي حقيقية تصحبها ممارسة ديمقراطية تعين على الرفاه.
وينضاف الى هذا المدخل الأول، مدخل خر نراه أقرب الى شواغلنا وهو يعتبر التحديث قوام الاستراتيجية التي تختارها البلدان النامية لبناء مجتمع عصري يرسم المثال على النمط الغربي. المدخل الأول تاريخاني، وهو أنسب للفترة الأولى للحركة الاصلاحية العربية عندما واجه الواقع العربي الموسوم بالوهن واقعا أوروبيا متشبعا بالتمدن.
المدخل الثاني إجرائي يلائم المرحلة المتأخرة من الحركة الاصلاحية العربية (انطلاقا من تأسيس دولة الاستقلال في بداية خمسينات القرن العشرين).
وللمدخلين تأثير في تحديد المفاهيم وفي صياغتها. والسؤال المطروح في ضوئهما نلخصه كما يلي: هل من وجه للتعامل مع الاصلاح مصطلحا ومفهوما بالشكل نفسه وبالمعالجة ذاتها بين بداية الحركة في النصف الثاني من القرن 19 م (وهي في نظرنا البداية الفعلية) والحركة في النصف الثاني من القرن 20 م (وهي بداية التأسيس لدولة الاستقلال) وثمـة في الفكر الغربي كالإجماع على أن التحديث يجمل في ثناياه وجوها ثلاثة متعاضدة وهي التعبئة لا في دلالتها السياسية بل في مقصدها الاجتماعي وقوامه على وضع أسس للتحرك الحر بين الأفراد: تنقّل البشر وحركة المعرفة وتبادل الخبرات والاستقلالية إزاء الدائرة الأبوية. فالتعبئة حركة تقتضي سرعة التفاعل داخل الحياة الاجتماعية والأريحية التي بها تتميز؟
الوجه الثاني هو التنويع القائم على تجديد الأنماط في السلوك الاجتماعي كتوزيع العمل داخل مؤسسات عصرية تعير الأهمية لمساهمة العاملين الفاعلين في صلبها لا إلى أصولهم وأعراقهم ـ على المستوى النظـري على الأقل. والوجه الثالث هو العلمنة وهي تقتضي الفصل بين المؤسسة الدينية (وكذلك السياسية) من ناحية ومؤسسات البحث والتعليم من ناحية أخرى داخل مجتمع الأصلُ فيه يرجع الى المصلحة الجماعية قبل أي نوع من المصالح الأخرى. وخلاصة ما يربط بين هذه الوجوه أن المجتمع الحداثي يخلو من الاكراهات الخارجية ومن ألوان الاغتراب مهما كان مصدرها وإنه يستجيب مقابل ذلك للقوانين الطبيعية كما يكتشفها العقل الانساني ومعها يتعامل.
الإشكال المحيط بالتحديث سياقي وإجرائي، إذ إن له موضعا ملائما أدركه بالتطور الحاصل في المجتمع الغربي فلا مجال لتوهم الفصل بين الحداثة والتحديث إلا في إطار التنزيل والممارسة. إلا أن له موضعا آ خر في المجتمع العربي تمثل في اصطناع مسافة بين الحداثة والتحديث.
الحداثة منظومة متكاملة بوصفها آ لية نقد بالدرجة الأولى كسرت الأنساق الكلاسيكية وتخطت كل أنواع الاستلاب وقد سبق لألان توران Alain Touraine أن تعرّض للحداثة بتحليل جليل مؤداه أكد أن ثورة الانسان المستنير ضد التقليد وضد إضفاء القداسة على المجتمع وضد الخضوع الأعمى للقانون الطبيعي الصادر عن العقل هي المعراج إلى الحداثة. وإن الحداثة فعل العقل صرفـا أي فعل العلم والتكنولوجيا والتربية. وهي إجمال التحرير المخلص للإنسان من أوثان القهر والغلب، ومن نتائجها الاجرائية الاعتياض عن الخضوع للّه بالاحتكام للمجتمع احتكاما يؤكد مبدأ الحكم الأخلاقي فكل ما ينفع المجتمع خير وكل ما يعطل أو يسيء شر.
وفي هذا التحديد من الأسباب ما دفع المصلحين في النصف الأول من القرن 19 م وفي نصفه الثاني خاصة الى التكلف في التعامل مع الحداثة ونجم عن التكلف في بداية القرن العشرين الميلادي مصطلح التحديث الخاص بالثقافة العربية الاسلامية وقد تآزر في صياغته الوضع التاريخي وهو الذي اتسم بالقصور عن التفاعل مع التمدن الأوروباوي، والموروث الثقافي وقد كبله التقليد وضيق عليه ولم يفسح له المجال لينهض، والعقلية السائدة وقد كانت الى المجهود الادنى والتواكل أميل فتضافر العنصر التاريخي مع العنصر الثقافي مع العنصر الاجتماعي ليجعل لمفهوم التحديث سياقا خاصا به (8).
في الاصطلاح و التحديث معا:
الإصلاح حركة تغيير يقصد بها المراجعة والمساءلة والتحسين بالانتقال من وضع متسم بالوهم أو بالتقليـد أو بالخلل الى وضع متميز بالتوق الى النمو وبالحرص على الانتفاع بالاجتهاد وبالسعي الى التوازن، ولنسق الاصلاح حركة تبدأ من الوعي والعصر يقتضي التبديل ويتجه نحو الموجود والموروث للتقويم وتجاوز الأخطاء والعقبات. ومرجعية الإصلاح تستند الى المعاصرة (ويمكن أن نستعمل مصطلح العصرنة إحالة إلى الوعي أن الزمن يقتضي الفهم وحسن التعامل) وهي مقياس زمني يفيد التفطن الى عامل التغيير الطبيعي بالنسبة الى الانسان وقد سبق لابن خلدون وهو يحدد ضوابط علم التاريخ أن أشار الى المعنى بنوع من النباهة لافت. ولا يتسنى أن نفرغ المعطى الزمني من الرؤى الفكرية على أنها ليست حتما حداثية دوما، فثمة معاصرة تجاري الزمن فحسب و عصرنة توظف الحداثة في الزمن.
كما يجري الاصلاح على شكلين متلازمين، شكل يستمد من داخل المنظومة التي ينتمي إليها الفعل الإصلاحي مادة له في نشاطه فهو اصلاح داخلي كان البشير التليلي في أطروحته عن العلاقات الثقافية والأديولوجية بين الشرق و الغرب قد عبر عنه وجعله فرضية ممكنة في فهم العوامل الممهدة للنهضة العربية قبل حملة بونابرت على مصر ( 1798 م) وقد عرفت الثقافة العربية هذا النوع من الاصلاح قبل الاحتكاك بأوروبا (9).
والشكل الثاني يتخذ لنفسه مسلكين، المسلك الذاتي والمسلك الخارجي.
فهو يدرك أن ما يطرأ من الخارج أقرب الى روح العصر والى مقتضيات الاصلاح الحقيقي. ونكاد نجزم أن جل زعماء الاصلاح في النصف الثاني من القرن 19 م قد قصدوا الى هذه الطريقة. ولعل الوقوف عند ملمح منها نكتفي به يخول لنا بسط موقف نقدي.
نلخّص المسلك الذاتي عند زعماء الاصلاح في الفترة التي عيّنا في فكرة انتشرت بطرق مختلفة وبصياغات متنوعة مؤداها أن الأخذ عن الأوروبيين الماسكين بأسباب التمدن و آ لياته المتحكمين في أنساقه وغاياته لا يسلّم به إلا إذا وافق " الشريعة الاسلامية " وليست الغاية أن نناقش هذه الفكرة لأن مفهوم " الشريعة " محفوف بالمزالق وكثيرا ما تسربل التفكير البشري برداء الشريعة، الغاية هي الاحالة الى إشكالية حادة ملخصها أن منهجية الاصلاح رفعت نسقا قديما بلي بفعل الزمن واكتساه المرض واللبس لمواجهة وضع جديد ليس له من نظير بعد أن باحت الحداثة بعجائبها وبسطت سلطانها ولم يبق من وجه (إذا ركنّا الى الموضوعية والحياد) للرغبة عنها وللازورار عن آ ثارها وللتنكّب عن الأخذ بأنواعها.
يتمثل النسق القديم في التلازم بين الشريعة وحقوق الله. فكأن الثقافة العربية الاسلامية ثقافة حقوق الخالق محضا. ولا يكمن الاشكال في المفهوم بل في الاجراء خاصة ونومئ اليه بتساؤل: ألا يفتقد معنى حقوق الخالق أعماقه ووظائفه إذا دحر الانسان داخلها وأفقد أبسط حق له منحه إياه الخالق نفسه؟ ألم تفقر الثقافة العربية الاسلامية في حقوق الانسان حتى صح ما قال فيها أبو حيان التوحيدي عن العنصر البشري »إن الانسان قد أشكل عليه الانسان بمعنى الضمور الذي طمس حقيقــة الانسان فلم يعد له من قيمة فعلية. وتضخمت مقابل ذلك حقوق الخالق، وفي وجوه التضخم مواراة القهر المسلط على الانسان؟ وإن في مقدمة ابن خلدون وقبله في صرخة أبي العلاء المعري الدامية العلامة على الوهن المادي و الذهني.
أما التمدن الأوروباوي فقوامه على حقوق الانسان وقد ناضل الواقع الأوروبي عبر صراعات مريرة لعل أهمها الثورة الفرنسية لتحقيق الهدف وإعلان الحقوق الضرورية للانسان. فالتمدن مرجعية إنسوية صرف، وللشريعة عند المصلحين مرجعية القداسة. وهل نطمئن إلى القداسة كما آ ل أمرها إلى التضخم في النصف الثاني من القرن 19 م وقد دون الشيخ محمد بيرم الخامس رسالة في الغرض صاغ من خلال مقدمتها صورة عن الاجتهاد ومراتبه والمقلدين والمقلدة وطباقاتهم وهي الرسالة الموسومة " بتحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص " .
ولم نقف عند توصيف لما آ ل اليه العلم الشرعي ومشاغله الراجعة الى الاجتهاد وقضاياه والتقليد ومشاكله في مستوى الطرح الاشكالي كالطريقة التي توخاها الشيخ.
خلاصة الكلام على الاصلاح أن الاتجاه فيه ينطلق من لحظة استحصال مرتكزات العصرنة ثم يصوب البصيرة والبصر نحو الماثل والمتراكم حرصا على نفخ روح التجديد ونبض الفاعلية فيهما. ويستعمل المصطلح في مسائل الدين والسياسة والاجتماع على حد السواء. ولعل لهذا الاتجاه من الحاضر نحو الماضي أثرا في اللبس الجاثم على المفهوم فيوشك أن يختلط بالترميم دون الطاقة على التقويض من أجل التأسيس.
والتحديث عملية نسف وكسر لكل عناصر التقليد ولكل مظاهر الثابت، فهو تنزيل لعناصر الحداثة في الاطار الملائم لها وهو المعنى الأصلي الجوهري. على أن التحديث اتخذ في الثقافة العربية الاسلامية سياقا مختلفا أخرجه عن حسن التوظيف الى الملاءمة والتناغم. فالتحديث ـ في هذا السجل من الكــلام ـ التعامل مع حذر ثقافي خطير مؤداه تجنب التصادم بين المرجعية الاسلامية والمرجعية الحداثية. والاتجاه في هذا الاطار ينطلق من الماثل الموجود نحو الآتي المنشود. فحركة التحديث تنطلق من الحاضر نحو المستقبل وهي مختلفة عن الاصلاح متميزة عنه.
ومرجعية التحديث تأخذ بأعوان الحداثة وتصوغها على النحو الملائم لتحقيق التقدم على إيقاع الصيرورة. فإذا كان الاصلاح تبديلا في طرق العمل في الرؤى مع صون الثوابت (وهي نفسها تحتاج الى التحديث) فإن التحديث استطلاع للأوضاع على أساس التفاعل مع التحولات والمتغيرات.
وإجمال القول إن للاصلاح سياقين تاريخيين متمايزين، وإن للتحديث سجلين في الكلام منفصلين.
السياق الأول في الاصلاح هو المطرد في معجم المصلحين عند الأجيال الأولى كرفاعة الطهطاوي (ت 1873 ) وعلي باشا مبارك (ت 1892 ) وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي(ث 1902 ) وحسين الجسر (ت 1909 ) في المشرق وخير الدين التونسي (ت 1890 ) وأحمد بن أبي الضياف (ت 1874 ) ومحمد بيرم الخامس (ت 1889 ) ومحمد السنوسي (ت 1900 ) وغير هؤلاء كثير وما يجمع بينهم استعمال الاصلاح في دلالة التوصيف بين المرجعية الاسلامية والمرجعية الاوروبية الحداثية.
والسياق الثاني في الاصلاح هو الذائع في معجم رجال السياسة و رجال الفكر بعد ظهور دولة الاستقلال في الوطن العربي. وحُقّ الكلام على رجال السياسة الى جانب رجال الفكر نظرا الى ارتقاء النخبة المثقفة الى سدة الحكم. ونذكر على سبيل المثال جمال عبد الناصر ومحمد الخامس والحبيب بورقيبة وعبد الكريم قاسم في بدايات الستينات من القرن العشرين ونضيف اليهم من رجال السياسة في الفترة الأخيرة زين العابدين بن علي وعبد العزيز بوتفليقة والحسن الثاني وأنور السادات وحسني مبارك وحافظ الأسد وغيرهم من أصحاب الحكم من الذين استعملوا الاصلاح في سياق البناء والتأسيس وفي سياق تجاوز العقبات والتصدي لمواطن الخلل. كما استعمل مفهوم الاصلاح عند المفكرين من الأجيال المتأخرة في سياق التحديث وكأنه لا فاصل بينهما ونذكر على سبيل المثال عبد الله العروي ومحمد أركون وسمير أمين وزكي نجيب محمود وعلي البلهوان وعبد الوهاب بوحديبة وغيرهم كثير أيضا.
منعطفات من تاريخية الإصلاح الاجتماعي بتونس
لم يكتـف تاريخ الأفكار في تونس بما عرف من منعطفات كانت بمثابة المنطلقات الحضارية الهائلة ذات التأثير في تونس وخارج تونس بل حظي بخاصية قل أن عرفت الأفكار النّهوضية من نظير لها. فليس المنعطف في السياق الذي نستعمل مفترق سبل بين أحداث جسيمة وأفكار جليلة فحسب بل هو موسوم بالسبق أيضا، ولا نرى وجها للسبق أن ينشأ وأن يشتد عوده إذا لم يصدر عن أسباب موضوعية نرجعها الى السبب التاريخي والثقافي والاجتمـاعي بصفة خاصة. فقد نالت تونس على مدار التاريخ بقسط من التميز مع ماغون Magon أو القديس أوغستين ( Saint Augustin ) عندما مر ببلادنا وأسس مدرسته في نواتها الأولى أو مع سحنون بن سعيد أو البهلول بن راشـد أو ابن الجزار أو ابراهيم الحصري وصولا الى ابن عرفة وابن خلدون والبرزلي والشيخ ابراهيم الرياحي.. هؤلاء صاغوا لتاريخ الأفكار في تونس نسقا به يتسنى أن نفقــه ما للسياق والظرف والبيئة من دور في شد عضد المنعطفات وفي إضفاء الطابع الموضوعي عليها. والمرجح أن ظاهرة السبق تنم عن مخزون ثقافي ولّد سننا به نفهم كيف يتحول المنعطف من التقاء بين أسباب مختلفة تؤدي إلى منطلقات فكرية ذات تأثير في الواقع التاريخي كبير إلى سبق يوحي بالقدرة على الإضافة وتبديل نسق الأحداث والأفكار وتغيير وجهة الذهنيات. وإن البحث في مثل هذه الظواهر في البلدان العربية لهو من الدروب المؤدية إلى إثراء الثقافة العربية.ألا يفضى التمكن من الدراسات المونوغرافية موضوعيا إلى استكشاف السبل القادرة على الوعي أن الثقافات المحيطة غذاء للثقافة الجامعة؟ فالتفرغ للمنعطفات في تاريخ الأفكار في تونس جزء في نظرنا من دراسة أغوار الثقافة العربية.
المنعطف الأول:تحرير العبيد:
للشيخ محمد بيرم الخامس رسالة موسومة بـ " التحقيق في مسألة الرقيق " وهي من الكتابات الناطقة عن وعي لدى الشيخ الزيتوني أن مسألة العبيد جديرة بأن تجد في الثقافة الإسلامية المادة الخام لصياغة بيان يعلن الرغبة عن تقليد فظيع جعله تاريخ الأحداث مبيحا لامتلاك الرقاب. وللرسالة وشائج مع ما عرفته الإيالة التونسية زمن المشير الأول أحمد باشا باي ( 1837 ـ 1855 ) من اهتداء إلى عتق العبيد.
وليس السبق في هذا منوطا بتاريخ صدور الأمر بالتحرير سنة 1846 م أي قبل سنتين من الاعلان العالمي الصادر بلندن 1846 م فحسب بل في الطريقة المتوخاة إذ ثر الباي، وهو المعروف بولعه بالتمدن، أن يستدعي رجالات الدولة للمشاركة بالرأي والإنارة. واللافت أنه عرض النص على شيخي الاسلام، الحنفي وهو الشيخ محمد بيرم الرابـع والمالكي وهو الشيخ ابراهيم الرياحي. وقد تكثر الأقاويل حول الغاية من الأمر ولعل أبرزها ارتداء الباي ثوب التحرر قبيل الرحلة إلى باريس سنة 7481م في ظرف كان فيه يسعى إلى التخلص من التبعية الموروثة للباب العالي ( 10 ).
فنحن إزاء مسلكين في هذه المسألة. مسلك فعلي هوممارسة أراد أحمد باشا باي المشير الأول أن يرتقي بها الى مستوى التشريع، وهو تشريع ينطق عن نزعة إصلاحية تعاضدت فيها المرجعية الإسلامية بمرجعية التمدن الطارئ عن أوروبا. ولاريب في أن اختيار نهج التشريع يحيل إلى تبلور فكرة القانون إن لم نقل إن لتحرير العبيد في الايالة التونسية على المستوى القانوني، رد فعل إزاء التنظيمات الخيرية وخط هاميون ( 1839 م) بصفة خاصة. وفي ذلك صياغة لنزعة استقلالية عن السلطنة العثمانية تفتح مجالا للدارسين بحثا وتساؤلا ومراجعة لما يتوهم أنه مسلّمات.
والمسلك الثاني فكري تنظيري دفع الشيخ محمد بيرم الخامس إلى تدوين رؤية إصلاحية نجملها في نقاط.
1 ـ تفطن بيرم الخامس الى مرجعية المسألة وهي إنسانية بالدرجة الأولى. فالمنطلق يعود إلى الأساس البشري قبل أن تؤول المسألة الى الحقل السياسي أو الاجتماعي. وقد عقد الشيخ تقديما صاغ له عنوانا موحيا و هو قوله: " في أن الأصل في الإنسان هو الحرية وان الرق عارض " .
2 ـ تقيد بيرم الخامس وهو يبين عن أحكام الرقيق عن تصور انتقائي محمود به استطاع أن يرجع الى الحجج الشرعية الداعية إلى التحرير أو إلى ما يؤدي إليه فلم يكتف بالأدلة النقلية بل رجح أيضا ترجيحا عقليا أدى عنده أمانة التدبر الحكيم في مسألة احتاج الظرف التاريخي الى استنكارها.
3 ـ انتبـاه الشيخ الى البعد الزماني المتعلق بالعتق، فنظر نظرا شرعيا " واجتماعيا " في الحاضر والآتي و رجع الى الأحكام المتصلة بحكم التحرير وأبعاده (11).
وقد حفظ تاريخ احمد ابن أبي الضياف نبذة من المسألة اخترنا منها الرسالة التى وجهها الباي الى المجلس الشرعي: " أما بعد فانه ثبت عندنا ثبوتا لا ريب فيه أن غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا يحسن ملكية هؤلاء المماليك السودان الذين لا يقدرون على شيء، على ما في أصل ملكهم من الكلام بين العلماء، إذ لم يثبت وجهه. وقد أشرق بقطرهم صبح الإيمان منذ أزمان. وأين من يملك أخاه على المنهج الشرعي الذي اوصى به سيد المرسلين خر عهده بالدنيا و أول عهده بالآخرة، حتى إن من قواعد شريعته التشوف الى الحرية وعتق العبد على سيده بالاضرار. فاقتضى نظرنا و الحالة هذه، رفقا بأولئك المساكين في دنياهم، و بمالكيهم في أخراهم، أن نمنع الناس من هذا المباح المختلف فيه، والحالة هذه، خشية وقوعهم في المحرم المحقق المجمع عليه، وهو اضرارهم باخوانهم الذين جعلهم الله تحت ايديهم. وعندنا في ذلك مصالح سياسة منها عدم إلجائهم إلى حرم ولاة غير ملّتهم. فعيّنا عدولا بزاوية سيدي محرز والزاوية البكرية وزاوية سيــدي منصور، يكتبون لكل من أتى مستجيرا حجة في حكمنا له بالعتق على سيده، وترفع الينا لنختمها. وأنتم، حرسكم الله، إذا أتى لاحدكم المملوك مستجيرا من سيده، او اتصلت لنا بذلك سرور وشكر، ودعونا لمولانا السلطان بدوام الذكر، ورأينا بلـوغ الأمنية، بصفاء النية وبصدق السريرة، تحسن السيرة، والله يديم لهذه الدولة العلية العثمانية نصرا من عنده، ويبقى مولانا السلطان ويجعل جند السماء من جنده، إنه على ذلك قدير، وبالاجابة جدير.
حرره الفقير الى ربه تعالى عبده المشير أحمد باشا باي أمير الإيالة التونسية في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة 1261 . إحدى وستين ومائتين وألف (الأحد 23 نوفمبر 1845 م) ( 12 ).
خلاصة هذا السبق الأول المبادرة إلى سن قانون والسهر على تطبيقه وإن انعكاسه في المجتمع التونسي لهو مبشر بأن البيئة كانت متهيئة لفكرة القانون.. القانون المنظم للحياة الاجتماعية على صورة كان تفطن إليها الحفصيون في آ خر حكمهم عندما حرصوا على استبدال القضاء الشرعي بالقضاء المدني لأسباب اجتماعية. فجعلوا الدوايا والخطايا عوض الفيء والخراج و الغنيمة وما الى ذلك من النظام الموروث.
المنعطف الثاني: الدستور
هل يمكن أن تنبجس فكرة الدستور دون استعداد حقيقي يدفع الى قبول الفكرة والى الإعداد لها؟
قد نقف عند أجوبة عديدة تفسر الأسباب وتحدد الأبعاد. ومنها الدور الذي اضطلع به القناصل وخاصة منهم ريشار وود Richard Woods وليون روش Leon Roches ، وقد كان لهما دون ريب تأثير في سياسة الباي و في حاشيته. ومنها النقاش الذي دار حول التنظيمات وقد خصص خير الدين لها في " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك " حيزا دالا على ما كـان يشغله ومريديه من الأفكار الإصلاحية وما يحيط بها من المعاني والمناهج. ومنها الوظيفة التي تحمّل مسؤوليتها رجال الإصلاح بدءا بمحمود قابادو (ت 1871 ) ووصولا الى مدرسة خير الدين، ومنها الأوضاع المالية خاصة والاقتصادية عامة وهي تنبئ بالأزمة وقد حصلت فعلا واستدعت ما اطلق عليه الكومسيون المالي، لمعالجة القضية. ومنها نازلة اليهودي الذي قُتل دون حق قانوني وقد أثارت حفيظة الأجانب وقد عبر عنها وزير خارجية فرنسا آ نذاك بوضوح ( 13 ) ومنها التفاضل المشط في البنية الاجتماعية في الإيالة ونصطفي منها مسألة حادة هي قضية العربان وقد حقق المؤرخ توفيق البشروش وثائق نشرها تحت عنوان " ربيع العربان " ونطق عن الأوضاع السيئة التي كانوا عليها ( 14 ). ولم يصب هؤلاء المهانة في التسوية وفي الوضعية فحسب بل كانوا نهب الحاجة الى المال لدى البايات وقد كان الاعتقاد لديهم يقينا أن للعربان من الأموال ما يجدر أخذه عنوة بعد أن أصبحت خزينة الدولة فقيرة أو آ يلة الى الفقر.
كل هذه الأسباب موضوعية وهي ضرورية عند التصدي لدراسة الفكرة. إلا أن شيئا آ خر نريد أن نعقد عليه التحليل وهو اكتساب رجال الإصلاح في تونس وكذلك رجال السياسة من المحيطين بالباي وعيا أن الحال يقتضي التعامل مع فكرة الدستور وهل يمكن الإغضاء عن الإصلاح في الباب العالي بصفة خاصة بعد أن مثلت التنظيمات مجالا للتفكير في الإصلاح وفي تجسيمه فعليا.
مثلت سنتا 1857 ثم 1861 منعطفا جعل للإيالة التونسية السبق في تبني فكرة الدستور وفي صياغتها. وحقيق أن نطل إطلالة عجلى على قانون عهد الأمان وفيه محاور يجدر تأكيد قيمتها:
ـ فكرة الأمان للرعية دون استثناء.
ـ الانتقال من وضعية الرعايا الى وضعية المواطنين.
ـ فكرة المساواة والانصاف (بغض النظر عن الدين واللون..)
ـ حق الذمي في وضع اجتماعي يرجع الى روح القانون.
ـ حق الأجانب في التملك.
إن لهذه العناصر اتجاها في نحت الهيئة الاجتماعية على نحو كان ينبئ بأن المجتمع في تونس كان قاب قوسين أو أدنى من التحولات المؤذنة بذهاب رواسب التقليد وهبوب نسائم التنظيم القانوني.
المنعطف الثالث:جمعية الأوقاف
الاهتداء الى بعث جمعية سنة 1874 م أمارة على عقلية إصلاحية نافذة جعلها خير الدين منهجية تخبر عن رؤية تميزت بالتعامل الموضوعي ـ على قدر الطاقة المتاحة ـ مع الواقع السياسي الماثل. والرأي لدينا أن وعي خير الدين أن الإصلاح في جهاز الحكم ـ وإن هو من رجالات السلطة ـ غير ممكن على الوجه المفروض استمدادا من التنظيمات الخيرية ومرجعيتها عثمانية والقوانين الأوروبية المتشبعة برؤى المصلحين من عصر التنوير. أضف إلى ذلك قعود البايات عن الرغبة الصحيحة في إصلاح نظام الحكم ( 15 ) فقد أدى هذا الوعي الى تصور جديد صوب الاصلاح نحو القطاع الاجتماعي من خلال بابين يتيسر النفاذ منهما الى استنهاض الهمم حتى يتهيأ للإصلاح الشامل السبب الموضوعي.
الباب الأول مالي اقتصادي ذو طابعين، ديني واجتماعي أفصحت عنهما جمعية الأوقاف عندما بعثت ونصب خير الدين على رأسها الشيخ محمد بيرم الخامس وأوكل إليها مهمة تنظيم الأوقاف بما هي أحباس ونظام مالي كان في ذلك الوقت قد جرى على طريقة غير منظمة غير وظيفية على الصعيد الاجتماعي ونحن نقف في هذا المنعطف على زاويتين.
تتمثل الزاوية الأولى في أن بعثَ الجمعية يُجمل في مطاياه معنى عميقا وهو الاهتداء ـ وإنْ بشكل جنيني ـ الى دور العمل الجمعياتي في النهوض بالمجتمعات بـل ـ في هذا السياق ـ في التأسيس لأسباب الاصلاح الجوهرية. فكانت تونس ضمن البلاد العربية الأسبق إلى هذه الفكرة.
وتتمثل الزاوية الثانية في أن الإصلاح في دائرة الجمعية بدأ يستمد فحواه من معنى عقلي موضوعي أدرك أن الغاية لا يمكن أن تكون وجدانية قائمة على بلاغة الكلمة بل على بلاغة الفعل. وهي ظاهرة نذهب إلى أنها مبكرة في تاريخ الأفكار في الثقافة العربية لا لكونها جامعة بين التصور والإنجاز فحسب بل لسبب آ خر أعمق أيضا وهو اقتحام مجال المقدس بمنهجية عقلانية تفطّن إليها الفكر الإصلاحي التونسي بقيادة خير الدين وحرص على توظيفها. فقد كانت الأوقاف مجالا دينيا يرتكن إلى الهبات والى الأعمال الخيرية وهي تجتمع في نهاية تتجسم في النهوض بالأوضاع الاجتماعية عبر عمل أهل البر والإحسان. وإذ كانت الغاية شريفة فإن آ ليات التصرف كانت تستدعي الإصلاح وهو ما حققته الجمعية وقد ترأسها شيخ زيتوني في البدء ثم اخذ المشعل مثقف ومصلح متشبع بالثقافة الغربية وهو البشير صفر (ت 1917 ) ( 16 ).
اخترنا من المنعطفات التاريخية ما مثل سبقا في البلاد العربية فتميزت به التجربة الإصلاحية التونسية وليس أدنى من هذه المنعطفات ما حدث من وقائع وما كتب من كتابات في نهاية القرن 19 م إلى بدايات القرن 21 م. ورأينا أن نجمل هذه الأحداث إجمالا يكشف عن طبيعة الحركة الإصلاحية في تونس ونكتفي منها بما هو اجتماعي.
1 ـ الأحداث الجسام و الأفكار
حادثة الزلاج 1911 : نخص بالذكر هذه الحادثة لأنها أعلنت يوم 7 نوفمبر 1911 منعرجا خطير الأبعاد أثّر تأثيرا كبيرا في المجتمع التونسي. ولئن كانت الأحداث ذات طابع سياسي فإن ما انعكس في المجتمع كان ذا أثر عظيم. وخلاصة ذلك ما طرأ على الحياة الاجتماعية من قوة نضالية انبعثت من صلب الفئة الاجتماعية المتوسطة والضعيفة. فقد هبت مستنكرة المساس بمقبرة الزلاج ورأت في مشروع السلطة الاستعمارية هتكا لستر السيادة التونسية وعبثا بالمقدسات. ونتج عن ذلك وعي طارئ لدى النخبة من حركة الشباب التونسي على وجه الخصوص أن للشعب دورا كبيرا في المقاومة فكان المنعطف المحمود الذي بدّل طبيعة النضال ضد المستعمر من السمة الفكرية الغالبة الى الطابع الحركي فأضحت الحركة الوطنية قضية مجتمع لا قضيّة نخبة ( 17 ) وقس على أحداث الزلاج وأحداث التراموي ( 18 ) وكذلك الوقائع بأعماق البلاد، وهي كلها علامة على أن المجتمع التونسي عرف طريقا في الإصلاح جديدة تجسمت في تحويل ما كان أفكارا نضالية تدعو الى الإصلاح عبر المطالب إلى الاصلاح الفعلي المحسوس. ولعل أبرز علامة على ذلك نص البرنامج الذي نشره علي باش حانبه على صفحـات جريدة " التونسي " سنة 1907 ( 19 ) وهو بعد مقالات جريدة " الحاضرة " منذ سنة 1888 آ ية من آ يات الإصلاح جماعها الدعوة الى الحقوق الاجتماعية للتونسيين مساواة مع الفرنسيين والايطاليين وكانت جريدة " الحاضرة " نشرت مقالا سنة 1894 في 20 نوفمبر فيه تطالب بحظ التونسيين من الوظيفة العمومية.
2 ـ أحداث 9 أفريل 1938 : تمثل هذه الأحداث صورة أخرى من الاصلاح الاجتماعي ونرى فيه البعد النضالي الذي آ من بأن تحويل الأفكار الإصلاحية الى واقع وممارسة احتاجا الى المقـوم السياسي ليتبلور ويتأكد، فإذا كان البعد السياسي واضحا جوهريا في أحداث 9 أفريل 1938 فإن السبب الاجتماعي غير خاف أيضا. أليست المناداة بالبرلمان التونسي صيغة سياسية اجتماعية تآزرت فيها نداءات الزعماء مع مطالب المجتمع برمّته لبناء مؤسسة سياسية ناطقة عن السيادة وعن قدرة التونسيين على تحديد مصيرهم بأيديهم؟.
لم يقتصر الفكر الاصلاحي التونسي في الدلالتين سواء منهما الفاصلة بين عملية الإصلاح وعملية التحديث أو الواصلة بينهما، على التعبير عن المواقف في الصـحافة وفي المحاضرات وفي المنتديات وعلى منابر الجمعيات (الخلدونية 1896 ـ قدماء الصادقية 1905 ) بل تطور إلى مستوى من التنظير انعكـس في الدراسات والكتب وقد اخترنا منها ما يعبر عن التطور في النضـال الإصلاحي وقد تضمن من المشاغل الاجتماعية ما يعبر عن تأصل هذه المقولة.
أ ـ عبد العزيز الثعالبي: تونس الشهيدة
انطوى الكتاب الصادر باللسان الفرنسي La Tunisie martyre سنة 1920 على تقاريـر حققها سدنة الإصلاح المتآزرين مع الثعالبي. والكتاب في عمقه الكبير اتهام للاستعمار وفضح لأساليبه ونواياه وقد استند إلى فكرة جوهرية غذت النزعة الإصلاحية فيه وهي فكرة القانون. فجاء الخطاب الى الرأي العام الفرنسي باسم القيم التي رفعت جانبا منها الثورة الفرنسية وباسم القانون الذي وجد في اعلانات ولسن Wilson رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مادته الخام وباسم حق الشعوب في الحرية وقد وجد هذا الحق في الثورة البولشفية بروسيا سنة 7191 م سندا له قويا.
خلاصة الكلام على هذا الكتاب الأول أنه سجل الحركة الاصلاحيـة وقد انزاحت عن الإصلاح بمعنى درء المفاسد الى التحديث بمعنى جلب المصالح (أنّى كانت) ( 20 ).
وإن روح التحديـث كامن في اليقظة التي ميزت الشعب التونسي وفي المطالب التي تطمح الى بنية اجتماعية متوازنة لم يكتف فيها الثعالبي بالمطالب الذهنية الأدبية بل بالمطالب المادية أيضا. وصورة المجتمع التونسي في هذا الكتاب إنما هي صورة المستضعف المستغيث.
ب ـ الحبيب ثامر: هذه تونس
عندما دون الحبيب ثامر كتابه وقد بدأه باسم إشارة يعلن أن تونس موجودة فعلا رغم كيد الاستعمار وذلك في تخوم سنة 1947 كان يفعل ذلك تحت راية تختلف عن راية الثعالبي. فـ " تونس الشهيدة " انعكاس لفكر الحزب القديم و " هذه تونس " صياغة لفكر الحزب الجديد. وإذا كانت مطالب الثعالبي تسعى الى حق المجتمع التونسي في الحياة الكريمة فإنه سكت عن الاستقلال وقنع بالاصلاحات داخل الكيان الفرنسي. أما ثامر فقد أعلن مبادئ الحزب الجديد وغايتها أن ينعم التونسيون في كل حقول الحياة بالسيادة فجعل المناداة بالاستقلال أصلا في الكتاب وبنيت المطالب على هذا الأساس ـ وصورة المجتمع التونسي في هذا الكتاب صورة اليقظة الواعية المستنيرة بالعقلانية ( 21 ).
ج ـ علي البلهوان: تونس الثائرة
أعلن البلهوان،في كتابه الضخم،الثورة على المستعمر بناء على الحركة التي قادها الحزب انطلاقا من يوم 18 جانفي 1952 م وتضمن الكتاب عرضا تاريخيا لأصالة تونس واستعراضا ممزوجا بحماسة الشباب التونسي المنادي بالاستقلال والمقبل على النضال الفعلي. فجاء الكتاب تصويرا لطور جديد ارتقى إليه العمل الحزبي وقد جعل المجتمع التونسي برمته مشاركا في النضال فكان الإصلاح الاجتماعي مقاومة غايتها التحديث الفعلي. فصورة المجتمع التونسي في هذا الكتاب صورة المتحفز للظفر بالمنى وهو الاستقلال حتى ينجز التونسيون أنفسهم مجتمعهم على الصورة التي يريدون (22).
لهذه الكتب/الوثائق أهمية في تقصّي تاريخ الأفكار وفي دراسة التاريخية التي تتميز بها وهي في التسلسل الذي عرفته تنم عن تطور الوعي لدى التونسيين وتشفع للدارس في اتخاذ الأنموذج التونسي في الإصلاح الاجتماعي مادة للإحالة إلى النسق الثقافي وما يوفره من العلامات المنبئة بالخصائص الذاتية وبالمشترك في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة.
تحديث الإصلاح في سياسة العهد الجديد:
الحدث الذي خلّص تونس في 7 نوفمبر 1987 م من الوهن ذو دلالات عميقة غنية بالرموز. اخترنا منها في هذا التمهيد دلالة رمزية واحدة نربطها بموضوع البحث.
يجد الباحثون في حركة الانقاذ بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي خيطا ناظما مع الحركة الاصلاحية التونسية بالوجهين اللذين ذكرنا: وجه الإصلاح المقصور على الغاية، ووجه الإصلاح القائم على التحديث، فالحركة بهذا المعنى تواصل طبيعي يجري مجرى السَنَنِ الثقافي في الكيان الاجتماعي التونسي.
فالتغيير امتداد لنسق تأصّل في تونس ضمن تاريخ الأحداث وتاريخ الأفكار. إلا أنه تمكن من الظفر بخصائص ليس لها من نظير في ذينك التاريخين. فإذا كانت الوشائح واضحة بين الاصلاح على عهد خير الدين والاصلاح مع زين العابدين، فإن طبيعة الموقف والتصور والمنهاجية مختلفة وهو اختلاف احتكم للظرف المتباين وينضاف إليه عزم لدى الرئيس بن علي على وضع الأسس المتينة القادرة على تمكين الإصلاح من التطور الموضوعي. فقد كان خير الدين يتصرف في إطار الآنية، أما زين العابدين بن علي فإنه يتصرف في إطار الآنية والزمانية في ظل رؤية استشرافية واضحة المعالم. و آ ية ما ذهبنا إليه أن أمرا جللا تحقق مع التغيير وملخصه أن ذاكرة الإنسان التونسي على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجتمع قد تبدل الاتجاه فيها من خط يميل الى الوراء يتغذى بأمجاد الأجداد أو الزعماء، الى اتجاه صوب المستقبل يرصد ما سيحدث في السنوات القادمة على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، وهذا في حد ذاته ثورة رصينة لطيفة نرى فيها المنعطف الضخم الذي جعل المجتمع التونسي يتعرض لحركة تحديثية هائلة، والسبيل إلى التعامل معها نلجأ فيها إلى آ لية في القراءة تستأنس بعلم البيولوجيا وقوامها على الشفرة الوراثية عندما تتطور وتنزع بعفو البديهة المؤدي الى كد الروية نحو الأفضل لا الأسوإ. وعزمنا على الاستقراء يقنع ببعض المظاهر نحددها بعنصرين هما قضية المرأة ومسألة التضامن. وهما ظاهرتان تحملان من المعاني ما يتيح لنا أن نسعى إلى رصد التحول في الشفرة بكونها قابلة للتطور متى تحصنت بالرؤية التحديثية ولجأت إلى العلاج الطبيعي المتصل بالحقل الثقافي. وإن التجربة التونسية في السنوات الأخيرة لهي من الأمارات على أن مصداقية المشروع الحضاري الموجه إلى تطوير المجتمع بالطرق العصرية العميقة. وإن من أبرزها وأجلّها استنفار الطاقة من مقومات المجتمع المدني في دلالاته العميقة فهي تؤتي أكلها فعلا لأنها تنطلق من الأسباب الموضوعية المتوفرة ولا مكان عندئذ للسحر أو للخرافة وإنما هي الرؤية والاستراتيجية في القيادة والتسيير.
أ ـ قضية المرأة
1 ـ تاريخية المسألة:من الاصلاح الى التحديث:
لعل أول نص جاد تعرض لتحرير المرأة من رواسب التقليد ما كتبه عبد العزيز الثعالبي في كتابه »روح التحرر في القر ن عن المرأة ودعا فيه الى تخليص السلوك والرؤية من الأساليب المعطلة. وقد كتب النص باللغة الفرنسية 1904 ثم نشر باللغة العربية ولعل في ذلك تجنبا لعقلية عند المتلقي التونسي محافظة نابذة لكل جديد( 23 ).
ويعتبر كتاب الحداد " امرأتنا في الشريعة و المجتمع " النص المؤسس لقضية المرأة في الجانب الاجتماعي منه. فقد أثار الجانب التشريعي اشكالات حادة وظهر كتابٌ عُـدّ لسانَ حال المشيخة الزيتونة للشيخ محمد صالح بن مراد وعنوانه " الحداد على امرأة الحدّاد " لنقض ما ذهب اليه الحدّاد وللسخرية منه. اما الجانب الاجتماعي فهو كالدرس الانتروبولوجي استفرغ فيه صاحبه الطاقة على تفكيك الأوضاع التي كانت عليها المرأة التونسية في عهده( 24 ). فكانت سنة 1936 مفتاحا للدراسات على المرأة أفضت بعد 11 سنة لظهور لائحة الشيخ محمد العزيز جعيط ثم انبجست مجلة الأحوال الشخصية بعد 9 سنوات من اللائحة ( 25 ).
كان الكلام على المرأة من بدايات القرن 20 الى ظهور مجلة الأحوال الشخصية 1956 قائما على الاصلاح، ثم أصبح مع ظهور المجلة والمراحل التي مرت بها منتسبا الى التحديث. والفرق بين المعنيين فرق في التصور وفي المنهجية أيضا. أما التصور فهو ناجم عن التطور الحاصل في بنية المجتمع التونسي وقد لخصته الكتب التي أشرنا إليها. والناظر في الصحافة التونسية بين الفترتين يدرك مظاهر التطور التي ألمعنا إليها ويفهم السر في قدرة التونسيين على النمو. والرجوع إلى كتاب الطاهر الحداد »العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية يمكّن من الوقوف وقوفا يحمل إشكاليات حقيقية عند ملامح مما ذكرنا وليس بعيدا عنه كتاب التيجاني الفلاح عن قضية التجنيس في تونس. والافادة من مجلة المباحث لعبد الخالق البشروش ومحمود المسعدي تساهم في تأكيد المعنى وتزكيته أيضا.
2 ـ تنقيحات مجلة الأحوال الشخصية 1992 ـ 1993
بادر الرئيس زين العابدين بن علي الى تنقيح مجلة الأحوال الشخصية حملا لموادها إلى الآفاق الحداثية المناسبة لتطوير المجتمع التونسي ولتوفير الأسباب الموضوعية لعروجه الى درجات التقدم الضرورية، وفي هذه المبادرة وعي كبير أن التشريع ملازم للسلوك وفيه ادراك لطيف أن السببية القائمة بين السلوك والقانون تقتضي الاصلاح العمودي أي الاصلاح المنطلـق من تحت الى فوق ومن ذات الفرد الى كيان المجتمع. وفي تدبّر مَواطن التنقيح سبيل الى فهم أبعاد التحديث التي نسعى الى تحليلها ( 26 ):
ـ تنقيح الفصل السادس من المجلة وهو يمس زواج القاصـر ويهب للأم و للقاضي وظيفة في ذلك.
ـ تنقيح الفصل 21 وهو يمس الزواج الفاسد ويتصل بدرء الخلل عن التوازن الاجتماعي.
ـ تنقيح الفصل 23 وهو يتعرض للواجبات الزوجية وينص على الواجبات من الطرفين لا من جهة الزوج فحسب، وفي هذا التنقيح تأكيد لفكرة المساواة وبناء لفكرة الشراكة بين الزوجين وهو ما نجد له أثرا في تنقيح الفصل 28 أيضا.
ـ تنقيح الفصل 53 مكرر وقد صاغ تشريعا لصندوق النفقة وجراية الطلاق. وعلى النسق نفسه نقح الفصل 60 في شأن المحضون.
ـ تنقيح الفصل 67 بتغيير محتواه جذريا وهو يمس الحضانة ( 27 ).
جرت هذه التنقيحات على مبدإ ذي اتجاهين. خلاصة المبدإ أنه تحديث صريح للمجتمع التونسي يُمكّن من الارتفاع الى مستوى الحضارة. والاتجاه الأول تغيير من السلوك في الأحوال الشخصية لم يمل إملاء بقدر ماجاء نتيجة لسياسة تحمل مشروعا حضاريا متكاملا ورؤية اجتماعية عادلة فليس من سبيل الى الاسقاط و إنما الشأن استدعاء السلوك لمواكبة روح العصر مع الاحتفاظ بالتوازن الاجتماعي الضروري. والاتجاه الثاني نلمس فيه التغيير في الشفرة الثقافية (السلوك المادي والذهني) من داخل الكيان الفردي والاجتماعي فيصبح الاقبال على السلـوك الحضاري من قبيل العفوية والاستجابة للتحولات السائدة في المجتمـع وهي مع التغيير متكاملة غايتها التقدم والنمو المستدام والتنمية الشاملة.
فالكلام على المرأة في هذا السياق نحت لبنية اجتماعية متماسكة تضطلع فيها المرأة بدور رئيسي في التوازن الاجتماعي وفي الدفع الى الغايات الحداثية المتينة.
ب ـ التأسيس للتضامن: إصلاح البنية الاجتماعية وتحديث الفعل الاجتماعي:
مرت فكرة التضامن بالمراحل التالية:
أ ـ أخرجها الرئيس بن علي من دائرة العاطفة والأخلاق المطلقة الى دائرة العقل والأخلاق العملية فأصبح التضامن قيمة في حد ذاته.
ب ـ جعل لها مؤسسة ترعاها: صندوق 26 ـ 26 ثم كتابة الدولة، فدفع الفكرة الى أن تتشكل في قالب الرؤية وأصبحت الصياغة عملية بعد أن بدأت نظرية.
ج ـ حققت فكرة التضامن نتائج باهرة يمكن تلخيصها في نقاط:
ج ـ 1 ـ ضمنت للتونسيين " في مناطق الظل " مستوى في العيش الكريم (مسكنا ومعيشة) أخرجهم من الفاقة الى مكارم الوجود.
ج ـ 2 ـ ضمنت الفكرة للتونسين في تلك المناطق دخلا وأسباب رزق أخرجتهم من ذهنية المطالبة لتهيئهم لعقلية المبادرة.
ج ـ 3 ـ ضمنت الفكرة بعد أن أصبحت حقيقة وممارسة توازنا في هرم البنية الاجتماعية أنقذ البلاد من الخلل بين الفئات وما ينجر عنه من المفاسد. فأصبحت الطبقة الوسطى ضامنة للتوازن الاجتماعي والسياسي.
د ـ ارتقت فكرة التضامن مع اصلاح الدستور وبعد الاستفتاء الى القيمة الدستورية: وهو ما نصت عليه الفقرة الثالثة من النص الخامس (جديد) ( 28 ).
تدل هذه المراحل على أن صياغة فكرة التضامن في الخطاب السياسي عند الرئيس بن علي خاضعة لاستراتيجية تتميز بالواقعية في المعالجة وبالاستشراف في المنهج والروح. وهي تؤكد من جهة أخرى أن الاصلاح والتحديث متلازمان في سياسة التغيير، وأن الشفرة لم تتغير في مستوى الأفراد في معنى الانتقال من السلوك المريض الى السلوك المتوازن فحسب، بل تغيرت في مستوى انتاج الأفكار وفي إطار الصياغة الذهنية أيضا. و آ ية ذلك تعهّد فكرة التضامن بالصون وانتقالها من العاطفة الى العقلانية وفي ذلك تطور في شفرة القيم أيضا، ولعل ذلك هو من مبررات تبني الفكرة على الصعيد الأممي.
الخاتمة:
وقفنا في البحث عند فكرة جوهرية تتمثل في أن رصد مفهومي الاصلاح والتحديث يقتضي وضع الاطار المرجعي الملائم، إذ رد الاصلاح الى التوفيق عند الجيل الأول من المصلحين، ورد الاصلاح الى التحديث عند الجيل الأخير من المصلحين وناس المفهومان نوَسَـانًا مضطربا بين المرجعيّتين: مرجعية محافظة ومرجعية التفتح عند الأجيال الوسيطة مما يجعل مهمة البحث عسيرة.
ونفيد من الطرح فائدة جوهرية مؤداها أن عملية الاصلاح/التحديث متى كانت مستندة الى قاعدة ثقافية ـ سميناها سَـنَـنًا يجدر أن يكون متكاملا ـ فإنها تضمن لنفسها إنتاج المعاني بشكل دائم وهي تتخذ لنفسها الخط المتصاعد نحو الحداثة الفعلية (ونقصد بها الجوهر فيها وهو لا يعبأ بالتحقيب:كقولنا الحداثة وما بعد الحداثة..) وإنها لتمتلك القدرة على أن تتعامل مع الظواهر التعامل العقلاني. ولعل أبلغ دليل على ذلك اليوم التعامل مع العولمة التعامل المناسب. ولقد أكد الرئيس بن علي في هذا السياق، وبمقتضى السنن الثقافي الذي ذكرنا، أن العولمة لا تكون إلا فرصة ولايجوز أن تتخذ مطية للعداء أو للصدام. فكيف نتصور أن مجتمعا على هذا النحو من التأصل الحضاري كما الثقافي ومن الطاقة على الانفتاح في الرؤى يمكن أن يستورد معاني الإصلاح و آ لياته؟
أما ظاهرة التفاعل بين الثقافات والحضارات فهي في مثل هذا المجتمع مشروع لا محيد عنه.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>