الانتخابات الرّئاسية في تونس:
بين الإجماع حول الرّئيس بن علي واحترام المبدإ الديمقراطي

المنذر الرّزقي
باحث في العلوم السّياسية -تونس

للمرّة الرابعة على التوالي منذ التغيير، يدعى التونسيون لانتخاب رئيس الجمهورية في ظروف عادية، بعيدا عن مشاهد التطاحن السياسي الّتي تجود بها علينا العمليات الانتخابية في الديمقراطيات »العريقة منها والفتية. فهذه العمليات تنقلب أحيانا إلى صدامات دموية تخيّم على الحياة السياسة لأحقاب طويلة، أو تنزلق أحيانا أخرى في متاهات هتك الأعراض والتجريح في الأشخاص. وحتى المطارحات الّتي تحصل على أساس البرامج الانتخابية فغالبا ما تتحول إلى مواجهات كلامية لا وازع فيها ولا ضابط لها.. مواجهات ينقلب فيها المرشح للرئاسة إلى مبارز سيفه اللّسان أو ملاكم قبضته الكلمة. ويغدو الناخب ذاك المتفرج خارج الحلبة ينتظر بنهم هستيري متى تتحقّق الضربة القاضية ليسقط الأضعف بلاغة ويتوج الأقوى في المصارعة الكلامية رئيسا للجمهورية.

وأين البرامج الانتخابية في كل هذا؟

لقد باتت البرامج الانتخابية في الديمقراطيات العريقة متشابهة متماثلة متناظرة إلى درجة لم يعد معها الناخب قادرا على تبيّن الفرق بينها بيسر، فاليمين تجده إلى اليسار واليسار في بحث ذاتي متواصل والمركز تائه بينهما وأقصى اليمين يكاد يلتقي مع أقصى اليسار في رؤى صار يلفظها القرن الحادي والعشرون.

لذلك نرى خبراء التسويق السياسي لا يهتمّون بمضمون البرنامج الانتخابي بقدر ما ينشغلون بزينته وبحلّته وبكيفية إخراجه للناخب حتى يقبل على المرشح "صاحب" البرنامج لا للاقتناع بالمضمون الّذي يحال إلى مرتبة ثانوية، وإنما تحت تأثير عناصر شكلية تتغلّب فيها الصورة على الكلمة.. عناصر توظفها الصناعة الدعائية فتحولها إلى ركائز أساسية في الحملة الانتخابية الّتي تتحول بدورها إلى عملية سينمائية بكافة مكوناتها: سيناريو وإخراج وممثلون بمن فيهم المنافس الّذي يلبس ثوب قوى الشر، والممثل الرئيسي المتقمص لدور البطولة وهو المرشح للرئاسة والّذي يؤدي دوره وفق ما يحدّده له المخرج.

وهكذا تختلط على الناخب الحقيقة بالخيال فيشاهد الحملة الانتخابية مشاهدة سلبية دون أن يكون طرفا فاعلا فيها. ويخضع إلى مؤثراتها فيبدو له أنّه اختار مرشحه عن وعي وبحرّية في حين أن الصناعة الدعائية هي الّتي هيّأته التهيئة الّتي تحتّم عليه الوصول إلى ذلك الاختيار دون غيره.

فهل بمثل هذه الأجواء "التنافسية" تتحقق الممارسة الديمقراطية الأصيلة؟

وهل نريد لمسيرات الشعوب زعماء يصنعون التاريخ أم صورا زائفة تروّجها حملات دعائية عابرة؟

هذا التساؤل تفرضه النزعة الّتي تغلب على عدد من المحلّلين في مقاربة الأنا بمنظار الآخر مما يسبب نوعا من الحوَل السياسي الّذي ينتهي بالضرورة إلى مجانبة حقيقة الأنظمة والتعسّف على واقع الشّعوب.

فمقاربة الممارسة الديمقراطية في تونس أو في غيرها من دول العالم لا تقاس ولا تحلل ولا تقوم استنادا إلى أية تجربة أخرى مهما تجذّرت في التاريخ أو مهما تعاظم شأن الدولة الّتي تمارسها. فكل تجربة تتنزّل في إطار زماني ومكاني خصوصي، وتنشأ في ظروف متفردة، وتتصل بواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي معين، وتحكمها أهداف معلنة، وتؤثر في مسيرتها قوى منها الظّاهر ومنها الخفي، ويحدد مسارها الشعب بانتظاراته وتطلعاته، والطبقة السياسية بشكل عام من خلال التعبير عن التطلعات الشعبية، والقيادة بالتجاوب مع الشعب وبلورة تطلعاته واستباقها أحيانا.

لذا وجب في المقام الأوّل مقاربة كل تجربة ديمقراطية لا قياسا بتجارب أخرى وإنما بالرجوع إلى مدى ملاءمتها لمفهوم الحكم الديمقراطي عموما ولمقوّمات هذا الحكم في إطار النظام الجمهوري على وجه الخصوص.

وحتى لا ننزلق في إغراق القارئ بإجابة عامة (مفهوم النظام الديمقراطي) حول مسألة مخصوصة (التجربة الديمقراطية في تونس)، واعتبارا لإقدام تونس في الأيّام القليلة القادمة على انتخابات رئاسية وتشريعية على أرضية سياسية تميّزت ببروز حملات مساندة شعبية عارمة لترشّح الرّئيس زين العابدين بن علي، سنحاول مقاربة التّجربة الدّيمقراطية التونسية مقاربة عملية باعتماد زاوية تحليل واحدة هي العملية الانتخابية بدءا بطرح مسألة الإجماع حول أحد المترشّحين وتأثير ذلك على المبدإ الدّيمقراطي، وصولا إلى تبيّن مدى تكريس الممارسة الديمقراطية في مستوى العملية الانتخابية عموما وفي مستوى الانتخابات الرئاسية على وجه الخصوص.

أوّلا ـ هل في الاجماع الوطني حول أحد المترشّحين إخلال بالمبدإ الديمقراطي؟

منذ تقديم ترشّحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2004 تلقى الرئيس زين العابدين بن علي مساندة عارمة لترشحه من كافة مكونات المجتمع المدني بل وكذلك من عدد من الأحزاب السياسية المعارضة مما يجعل ترشحه موضوع إجماع وطني واسع.

وإذا كان البعض يستهجن الإعلان عن هذا الاجماع على مساندة مرشح التجمع الدستوري الديمقراطي بدعوة أنه يؤثر مسبقا في نتائج الانتخابات، فإن غياب مثل هذه المساندة العامة وبهذه الدرجة من الانتشار، لو حصل لكان من شأنه أن يثير الحيرة والاستغراب.

ولعلّه من المفيد التذكير بأن ترشح الرئيس زين العابدين بن علي إلى هذه الانتخابات الرئاسية قد جاء استجابة منه إلى نداءات شعب عبرت عنها قواه الحية في البلاد، نداءات امتدت في سلّم الزمن وتعددت منابرها وجاءت لتترجم تمسك شعب بقائده لمواصلة قيادة مسيرته الواعدة. وهذه الاستجابة لنداء الشعب الّتي ينزلها الرئيس زين العابدين بن علي منزلة الاستجابة لنداء الواجب، من الطبيعي أن تثير في نفوس التونسيين الشعور بالارتياح، وبالعرفان الّذي لا يمكن أن تقل صورة التعبير عنه عن إعلان المساندة والتأييد للترشّح.

فمثلما كانت دعوة الرئيس بن علي للترشح موضوع إجماع حصل الإجماع حول مساندة هذا الترشح.

لكن ما الّذي يمكن أن يدفع شعبا إلى التمسك برئيسه بمثل هذه الدرجة من الإجماع؟

إنّ البحث في مرتكزات هذا الإجماع الوطني حول شخص الرئيس زين العابدين بن علي يحيلنا بالضرورة إلى مساءلة الفترة الّتي عاشتها تونس تحت رئاسته من حيث توفر عناصر فعل استثنائية تقود إلى هذا التمسك الشعبي الشّديد برجل لم يزعم يوما منذ تولّيه الرّئاسة أنه قام بأكثر مما يفرضه عليه الواجب الوطني.

والأمر في منظورنا يتعدّى حصيلة الإنجازات الّتي تحققت في عهد الرئيس بن علي في سائر المجالات والّتي يضيق المقام لاستعراضها حتى وإن كانت تشكّل في حد ذاتها رصيدا ثريا ومتميزا قلّما سجّله التاريخ في مسيرة القيادات السياسية في العالم.

إنه يتصل بالإطار الّذي تتنزّل فيه هذه الإنجازات والرؤية الّتي تستنير بها والمصير الّذي تخطط للتحكم فيه.

فالأمر أعمق من أن تختزله قائمة إنجازات أو لائحة مكاسب الّتي مهما تعدّدت مفرداتها فإنها لن تَفِيَ الرجل حق عطائه.. إنه التغيير كمنطلق للكينونة ونهجا للصيرورة وفلسفة للفعل وسبيلا لإعادة تشكيل الذات.

وهو المشروع الحضاري الّذي تولّد عن التغيير.. مشروع يعي فيه التونسي ذاته ويدرك قدراته الكامنة فينخرط في مسيرة الفعل في الحاضر والتهيؤ لرفع رهانات المستقبل.

1 ـ الإجماع حول بن علي إجماع حول التغيير نهجا للإصلاح:

إن التغيير الّذي شهدته تونس يوم السابع من نوفمبر 1987 لا ينحصر في كونه محطة من محطات التداول على السلطة بارتقاء شخصية سياسية جديدة إلى موقع رئاسة الجمهورية، بل هو ثورة بما أحدثه من تحوّلات عميقة توازت فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهو عمل هادئ متبصّر حكيم بما أثبته على مرّ السّنين من قدرة فائقة على إدخال الإصلاحات وفق جدول زمني تصاعدي يراعي الخصوصيات الوطنية، ويضمن أوفر حظوظ النّجاح للخطوات المقطوعة، ويقي الوطن من مخاطر القفز في المجهول والانزلاق في متاهات التّقليد الأعمى والوقوع في فخّ النّماذج المسقطة وما تنتهي إليه غالبا من انتكاسات. وهو فعل إرادي في مستوى المبادرة وفي مستوى العمق وفي مستوى الشّمولية وفي مستوى النّسق حيث لم يأت استجابة لضغوطات داخلية أو خارجية مهما كان نوعها وأيّ كان مصدرها وإنّما جاء استجابة »لحبّ الوطن ونداء الواجب. وهو مسعى واضح شفّاف في غايته وثابت العزم على بلوغها مثلما يعكسه التّسلسل المتناسق للإصلاحات التّشريعية والإجراءات العملية و ليات التّنفيذ وفق منهج تدريجي دقيق.

والتّغيير بهذا المعنى تمثّل جديد لتونس الحاضر وتونس المستقبل، تمثّل يعكس رؤية تحديثية ومقاربة متفرّدة تشكّل نموذجا حقيقا باهتمام الباحثين ومثالا صادقا عن تجربة ناجحة في تحقيق تحوّل متعدّد الأصعدة: السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهي تجربة كفيلة بأن تكون مصدر استلهام واستئناس لعديد الشّعوب.

إنّه عمل يومي وجهد دائب وفعل موصول الحلقات، لا يروم الرضا على النفس مهما كانت الإنجازات. فكل خطوة على درب الفعل والبناء تمثل في الآن نفسه امتدادا للخطوة التي سبقتها وتأسيسا للخطوة التي تليها، في سعي دؤوب لتحقيق الأفضل في مقاربة حركية تتلازم فيها أبعاد الزّمن: ماضيه وحاضره ومستقبله. فبناء الحاضر يتحقّق ارتكانا إلى تجارب الماضي وعبره واستشرافا لرهانات المستقبل وتحدّياته.

إنّ التغيير بهذه الصّورة قد شكّل نقطة البداية في التّأسيس لبناء مشروع حضاري رسم معالمه الرّئيس زين العابدين بن علي.

2 ـ الإجماع حول بن علي إجماع حول مشروع حضاري وطني متفرّد:

إنّ التّجاوب الواعي مع طموحات الشّعب ماضيا وحاضرا ومستقبلا قد نزّلته حركة التّغيير في إطار مشروع حضاري يلتقي فيه التّونسيّون على اختلاف فئاتهم الاجتماعية، وانتماءاتهم السّياسية، وتطلّعاتهم الفكرية والثقافية، واختياراتهم الفردية والجماعية ليشكّلوا فعلا »الإرادة الجماعية للتّعبير عن ذاتية متميّزة، وممارسة حق تقرير مصير متميّز، في قطر هو وطن، له تنظيم دولة (1).. مشروع حضاري ينبذ الإقصاء والتّهميش ويروم الإشراك الفعلي للتّونسي في تقرير مصيره. مشروع حضاري يحقّق أعلى درجات الرّضا وأعلى مستويات الانخراط في الفعل الجماعي.. مشروع حضاري يحقّق فيه الإنسان في صيغة المطلق ذاته إلى درجة يستحيل عليه معها التخلّي عن هذا المجتمع لأنّه إن تخلّى عنه يكون قد تخلّى عن ذاته.

فحركة التّغيير جعلت التّونسي جوهر مشروعها الإصلاحي الحضاري ليكون في الآن ذاته حصنه المنيع. فانطلقت من هذه القاعدة الأصلية في عملية البناء التّدريجي للمجتمع المنشود على أسس ثابتة يستشفّ منها جميعا المنزلة الرّفيعة التي يحتلّها الإنسان في حركة الإصلاح، حركة بناء مشروع حضاري حصين، سواء عبر تطوير النّظام السياسي أو من خلال تهيئة الأساس الاجتماعي الملائم.

لقد أدركت حركة التّغيير أنّ حصانة مشروعها الإصلاحي الحضاري تمرّ حتما عبر الاستناد إلى نظام سياسي الجمهورية أساسه والدّيمقراطية منهجه ودولة القانون والمؤسّسات إطاره (2)، نظام يسخّر كل الطّاقات البشرية والمادية، المتاحة والكامنة، لخدمة قضايا الإنسان وتحقيق ازدهاره وسعادته، وتحرير طاقاته الخلاّقة، وجعله ينخرط انخراطا فاعلا ومسؤولا في تصريف الشّؤون العامّة فيحقّق أعلى درجات المواطنة التي تتحوّل إلى عامل تلاحم ورابطة صلبة بين مكوّنات المجتمع.

كما اهتدت منذ البدء إلى ضرورة إقامة مشروعها المجتمعي على أرضية متينة تغذّي الوئام والانسجام فيه فبادرت بتوضيح مقوّمات الهويّة الوطنية التي تشكّل الرّكيزة الأساسية للمجتمع من خلال ردّ الاعتبار للدّين الإسلامي الحنيف وإعادة اللغة العربية إلى مكانتها الطّبيعية وتحقيق المصالحة مع تاريخ البلاد الممتدّ عبر العصور وعيا بإسهامها في بناء الحضارة الإنسانية. كما عملت على تأسيسه على منظومة من القيم الإنسانية النّبيلة الحاثّة على العمل الطيّب والرّحمة والتّسامح والتّضامن والعدل والحرية والحوار الرّصين المعمّق والدّيمقراطية وحقوق الإنسان. قيم اخترقت الحضارات لتبلغ مرتبة الكونية. وقد رسمت له كذلك منظومة من الضوابط والقواعد الأخلاقية والقانونية التي تشكّل الأرضية المشتركة للتّعامل في مجال تصريف الشّؤون العامّة. وحصّنته أيضا من مخاطر الفتنة والفُرقة والظّلامية والتعصّب والتطرّف التي كانت تتهدّده بالأمس القريب.

إنّه مشروع حضاري تتجسّم في ظلّه التّنمية البشرية التي لا تنفصل في جوهرها عن التّنمية المادية وتوفّر للإنسان الأرضية الملائمة لتحقيق الذّات.

فحركة الإصلاح التي انطلقت فجر السابع من نوفمبر 1987 وما تميّزت به من حسّ وطني عميق ومن إيمان راسخ بنبل مقاصد المؤسّسين ومن وفاء لأرواح الشهداء ومن حرص على صون الأمانة ومن تمسّك وثيق بقيم النّظام الجمهوري ومن إدراك لمقتضيات المرحلة الجديدة وطنيا ودوليا، والتي نجحت في صيانة الأصول وحفظها وتحديث الفروع وإثرائها بما يتناسب وطبيعة المرحلة، قد توفّقت إلى تنزيل هذا الفكر الإصلاحي في إطار مشروع حضاري عملت على تكريسه في أرض الواقع باتخاذ التدابير الكفيلة للغرض وباتّباع مقاربة تقوم على التدرّج في الأسلوب والثّبات في الغاية.

تلك هي مفاتيح الإجماع حول الرّئيس بن علي، إجماع حول مشروع حضاري استند إلى فلسفة التغيير واعتمد نهج التدرج في إرساء مقومات الحداثة دون القطع مع الجذور الّتي تشكل هوية مجتمع بأسره يتطلع إلى مسك مسالك التحكم في مصيره في عالم متغير دائب الحركة في مرحلة باتت تخيّم عليه فيها ظلال العولمة.

مشروع حضاري يختزل رؤية بن علي الثّاقبة لتونس اليوم واستشرافه الرّفيع لتونس الغد بما يحقّق مصالحة التّونسي مع ذاته واستنهاض همّته من أجل تعبئة طاقاته الكامنة وشحذ روحه الخلاّقة قصد دفعه نحو التحكّم في مصيره. إنّها عمليّة زرع الثّقة في الحاضر وبعث الأمل في المستقبل من منطلق الوعي بالقدرات الذّاتية.

ذلك ما قدّمه الرّئيس بن علي لشعبه وهو ما يشكّل المرتكز الرّئيسي والموضوعي للإجماع الشّعبي والذي بات يحظى به والذي يستهدف في نظرنا المشروع الحضاري الذي أرساه والذي يبقى منطقيا الأقدر على ترسيخه إلى درجة تقيه مخاطر الانتكاس.

وهذا الإجماع الذي بات يشكّل معطى سياسيا لا محيد عن أخذه بعين الاعتبار في مقاربة الانتخابات الرّئاسية القادمة لا يمسّ بأيّة حال من الأحوال المبدأ الدّيمقراطي. فالتّعبير عن الإجماع حول الرّئيس بن علي مهما اتّسعت دائرته ومهما تعمّقت درجته يبقى خاليا من الآثار القانونية لأنّ شرعية القيادة في تونس مثلما هو الشّأن في سائر البلاد الدّيمقراطية، لا يسندها إلاّ الشّعب عبر مسلك وحيد أوحد هو صندوق الاقتراع في إطار عملية انتخابية تشكّل بدورها مقياسا حقيقيا لمدى تجذّر الممارسة الدّيمقراطية.

ثانيا ـ الانتخابات الرّئاسية وتكريس الممارسة الدّيمقراطية:

لمّا كانت الانتخابات الرّئاسية تشكّل مناسبة ملائمة للوقوف على درجة تجذّر الممارسة الدّيمقراطية في تونس فإنّ سعينا سيتركّز على مقاربتها من حيث توفّر عدد من ركائزها الأساسية التي تتصدّرها تعدّدية الترشّح لرئاسة الجمهورية، والاحتكام الدّوري للشّعب في إسنادها، وتوفّر أرضية سليمة للتّنافس عليها.

1 ـ تعدّدية الترشح لرئاسة الجمهورية:

إنّ حقّ الشّعب في اختيار قيادته السّياسية يشكّل أحد الأركان الرّئيسية في ممارسة سيادة الشّعب والشّرط الضّروري للحديث عن الطّبيعة الدّيمقراطية للنّظام. وهذا الحقّ في الاختيار الذي يختزل مفهوم سلطة الشّعب في أسمى معانيها عندما يتعلّق برئيس الجمهورية، لا يترجم معناه الحقيقي إلاّ بقدر ما تتّسع دائرته. فالحديث عن حق الاختيار عديم الجدوى عندما يكون الترشّح في معنى المفرد. وإذا كان المثنّى حدّه الأدنى فإنّه في الجمع يحقّق صورته الفضلى.

في ظلّ هذا الوعي بضرورة الارتقاء بالممارسة إلى مستوى المبدإ وبواجب السموّ بالأفعال إلى مرتبة المقاصد ولغاية التفعيل الحقيقي لحقّ الاختيار وتمكين الشّعب من ممارسته بصورة ملموسة، وأمام تعذّر حصول ترشحات من المعارضة للانتخابات الرئاسية في ظل الشروط المعمول بها والرّامية إلى تأمين جدّية الترشّحات ومصداقيّتها، ولاعتبارات خصوصية تتعلّق بموقع المعارضة الوطنية على الخارطة السياسية، تمّ خلال سنة 1999 إدخال أحكام استثنائية للفقرة الثالثة من الفصل 40 من الدستور والمتعلقة بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية، بما يخوّل الترشح لرئاسة الجمهورية لكل مسؤول أوّل عن كل حزب سياسي يكون يوم تقديم ترشحه مباشرا لتلك المسؤولية منذ مدة لا تقل عن خمس سنوات متتالية ويكون حزبه ممثلا في مجلس النواب. وقد سمح هذا الإجراء بتقديم ترشحين من المعارضة إلى جانب ترشح الرئيس زين العابدين بن علي عن التجمع الديمقراطي.

فكانت الانتخابات الرّئاسية لسنة 1999 المناسبة الأولى التي مارس فيها الناخب التّونسي حق الاختيار بمفهومه الحقيقي، لأنّ دائرة الاختيار قد كرّست تعدّدية الترشّح ممّا غذّى في النّفوس الشّعور بنخوة أداء الواجب الانتخابي باعتباره عنوان المواطنة الحقّة.

ولأن البناء الديمقراطي في تونس عمل متواصل، ولأن تكريس التعددية جهد موصول الحلقات ومتجدد المراحل، توطّد السّعي إلى مزيد تعميق تعدّدية الترشح لرئاسة الجمهورية بالنسبة للانتخابات 2004 بما يخوّل لكلّ حزب ممثل في البرلمان تقديم مترشح وهو ما ينبئ بتضاعف عدد المترشحين هذه السنة(3) مقارنة بسنة 1999، ويشكّل بالتّالي مؤشّرا موضوعيا يؤكّد التفعيل الحقيقي لمفهوم الاختيار والارتقاء الجلي بنوعية الممارسة السياسية التي تفقد معناها في غياب المشاركة الشعبية الواسعة.

2 ـ الاحتكام الدّوري للشعب لانتخاب رئيس الجمهورية:

إذا كان تعدّد المترشّحين لرئاسة الجمهورية يكفل للنّاخبين حق الاختيار ويشكّل أحد مظاهر الممارسة الدّيمقراطية فإنّه يفقد جدواه ويُسلب معناه في غياب انخراط مباشر وفاعل من المواطنين. من هنا تتأكّد أهميّة المشاركة الشّعبية الواسعة في العملية الانتخابية لأنّ سيادة الشّعب لا تتحقّق في ظلّ اللاّمبالاة كما أنّ الممارسة الدّيمقراطية لا تتكرّس بالتخلّف عن أداء أحد أقدس واجبات المواطنة: واجب الانتخاب. في هذا الإطار يتنزّل الاهتمام في تونس بمسألة المشاركة الشعبية في العملية الانتخابية. فبقدر ما تكون دائرة المشاركة واسعة ونسبتها عالية، تتجسّم مصداقية العملية الانتخابية وتتأكّد شرعية نتائجها ليفرغ بعدها كلّ الفرقاء السياسيّين، أغلبية ومعارضة، إلى العمل كلّ في الموقع الذي حدّده له الشّعب.

ورغم أنّ نسب المشاركة الشّعبية في الانتخابات في تونس تعد طيبة نسبيا مقارنة بالدّيمقراطيات العريقة حيث يلاحظ المحلّلون التزايد المحيّر لنسبة العزوف عن المشاركة في الانتخابات، فإنّ المتتبّع للحياة السّياسية الوطنية يلاحظ اهتماما كبيرا بمسألة التسجيل بالقوائم الانتخابية في اتّجاه مزيد تحسين نسبة المسجّلين مقارنة بالعدد الجملي للمواطنين المؤهلين للانتخاب.

هذا الاهتمام الذي يعكس الحرص على أن تعبر نتائج الانتخابات عن خيار القسط الأعظم من جمهور الناخبين، قد دفع إلى الانكباب على موضوع مراجعة القائمات الانتخابية في باب التطوير النوعي للحياة السياسية. لهذا الغرض تمّ تأسيس نظام المراجعة الدائمة للقائمات الانتخابية بما يمكّن المواطنين والمواطنات غير المرسمين بتلك القائمات من تسجيل أسمائهم(4).

ثمّ تلت تأسيس هذا النّظام مراجعة شاملة للمجلّة الانتخابية (5) بما يؤمّن ملاءمتها للإصلاح الدّستوري الشامل لسنة 2002 عموما، ويكرّس بالخصوص حقّ المواطن في المشاركة في الانتخابات ويضفي المزيد من الشّفافية على العملية الانتخابية.

إنّ كلّ هذه المبادرات والمساعي إلى تأمين أعلى نسب المشاركة الشّعبية في العملية الانتخابية التي يتكرّس فيها حقّ الاختيار، عندما تقترن بالاحترام الصّارم والتطبيق المطلق لمبدإ دورية الانتخابات وما يفرضه من احتكام للشّعب حول تعيين القيادة العليا للدّولة في مواعيد معلومة ومنتظمة، فإنّها تؤكّد أنّ مكانة القيادات مهما تعاظمت في قلوب المواطنين، ومهما تعدّدت مظاهر التّعبير الشعبي عن العرفان بما تحقّق على يديها من مكاسب، لا يمكن أن تحلّ محلّ الخلوة التي تفرضها المجلّة الانتخابية فرضا، كما لا يمكن أن تعوّض صندوق الاقتراع الذي يبقى المقياس الأوحد لتبيّن إرادة الشّعب التي تتشكّل في ظلّ أرضية سليمة للتنافس السياسي.

3 ـ توفّر أرضية سليمة للتّنافس من أجل كسب ثقة الشّعب:

إذا كان التّنافس في الحقل السياسي يمثّل الشّرط الملازم للتعدّدية ضمن قاعدة الشّروط التي يجب أن يستند إليها أيّ نظام ديمقراطي، فإنّ هذا التّنافس يخضع بدوره إلى جملة من القواعد والضّوابط التي تنطبق على كافّة الفرقاء السّياسيّين دون استثناء أو تمييز. هي قواعد وضوابط تستمدّ شرعيّتها من الدّستور الذي لا يعترف بالأسماء في دولة القانون والمؤسّسات، وتتأكّد في المنظومة القانونية بشكل عام فيما يتّصل بتأطير الحياة السّياسية من خلال تنظيم الأحزاب السّياسية وضبط سبل تمويلها ودعم صحافة الرّأي، وبشكل خاص في مستوى المجلّة الانتخابية التي تناولت العملية الانتخابية بدقّة متناهية في كافّة مراحلها. وقد تأكّد هذا التوجّه عبر المراجعة الشّاملة التي خضعت لها هذه المجلّة (6) من أجل مزيد تكريس حق المواطن في المشاركة في الانتخاب وإضفاء شفافية أكبر على عملية الاقتراع. كما تمّ اتخاذ عديد المبادرات الهادفة إلى إرساء مقوّمات المنافسة السّياسية السّليمة التي تستمدّ منها العملية الانتخابية معناها الحقيقي. مبادرات رامت العمل في عمق المجتمع لتحوّل المبادئ الدّستورية والتراتيب القانونية والقرارات الإجرائية إلى واقع معيش مع مراعاة ما تتطلّبه طبيعة الفعل الاجتماعي وما تفرضه معالجة العقليات السّائدة وما يقتضيه تطوير التقاليد الرّاسخة من تدرّج ورصانة وتبصّر.

وإذا كان هذا المقام يضيق لاستعراض هذه المبادرات والمساعي بصورة مفصّلة فإنّ موضوعية الإفادة تحتّم ذكرا مختزلا للبعض منها لغاية البيان. هذا البيان سنركّزه على الضّمانات المتوفّرة لتأمين سلامة العملية الانتخابية إجمالا: انطلاقا من الترشّح، ومرورا بالدّعاية، ووصولا إلى الاقتراع. فخلال كافّة هذه المراحل يخضع المترشّحون إلى نفس الشّروط ويتمتّع جميعهم دون استثناء بوسائل مهمّة لمواجهة أيّ محاولة تجاوز مهما كان مأتاها وفرض احترام إرادة الشّعب التي لا تتحقّق إلاّ عبر الاحترام لمقتضيات المجلّة الانتخابية. وتبقى الكلمة المفتاح في هذا الباب هي المساواة في محيط يتوفّر على كافّة أسباب الشّفافية والمصداقية.

فالمساواة بين المترشّحين تتجلّى في كافّة إجراءات الترشّح، وتتأكّد في مستوى توحيد المواصفات الفنية التي ينبغي أن تخضع لها المعلّقات والمناشير والبرامج الانتخابية(7) وفي ضبط مواقع التعليق(8)، وفي التوزيع الزّمني العادل بين المترشّحين للحصص الإذاعية والتلفزية في إطار الدّعاية الانتخابية واعتماد القرعة طريقة لبرمجة هذه الحصص(9).

أمّا عملية الاقتراع ذاتها فقد باتت تجري وفق شروط تتيح للمترشّحين مراقبة سيرها بكلّ يسر. فعلاوة على التقليص من عدد مكاتب الاقتراع(10) بما ييسّر لجميع المترشّحين تغطيتها بالملاحظين فقد زال شرط انتماء هؤلاء الملاحظين كناخبين إلى الدّائرة الانتخابية المعنية. وعندما نعلم طبيعة المهام الموكولة للملاحظين: مواكبة عملية الاقتراع، ومعاينة مدى سيرها طبقا للشّروط القانونية(11)، ووجوب حضورهم عند فتح صناديق الاقتراع، وحساب الأصوات في جميع المحلات المخصّصة للغرض، وترسيم جميع الملاحظات والاحتجاجات والاعتراضات الخاصّة بهذه العمليّات في محاضر الجلسات المعنية، فإنّنا ندرك ما لهؤلاء من دور أساسي في تفعيل شفافية الانتخابات وفق ما يضمنه القانون، وفي إسناد أعلى درجات المصداقية للنّتائج المعلنة.

ولعلّ ما يعطي العملية الانتخابية في تونس درجة عالية من المصداقية طبيعتها المفتوحة. فهي تتيح في كافّة مراحلها حضور ملاحظين محايدين سواء كانوا تونسيّين أم أجانب. وفي هذا الإطار يندرج تركيز مرصد وطني للانتخابات الرّئاسية والتّشريعية الذي يشكّل رافدا إضافيا لضمان حسن سير العملية الانتخابية(12).

كلّ هذه العوامل من شأنها أن تسهم دون ريب في ظهور جوّ عام خلال الحملة الانتخابية يتميّز بالمنافسة بين مختلف الفرقاء السّياسيين في كسب ثقة النّاخبين. جوّ يتخلّله تطارح فكري وحوار سياسي رفيع المستوى يشارك فيه كافّة الأحزاب الوطنية وسائر مكوّنات المجتمع المدني، ويلتزم فيه الجميع بقواعد الممارسة الدّيمقراطية. فيتمكّن كلّ طرف من إيصال صوته إلى النّاخب والتّعبير عن الاختلاف في كنف الاحترام والشّرعية القانونية. إنّ مثل هذا المناخ بما يفرزه من راء وتصوّرات تتلاقى وتتخالف حسب تمثّل كلّ طرف للمصلحة الوطنية، يؤكّد أنّ القول الفصل في هذا الشأن يعود للنّاخب الذي يتعزّز وعيه بأهميّة دوره ويتعمّق لديه الشّعور بالمسؤولية بضرورة الإسهام في صياغة القرار الجماعي الذي يحدّده في نهاية الأمر صندوق الاقتراع. وهو ما يجعل من مرحلة المنافسة السياسية أفضل تمهيد وأحسن دافع للمشاركة الواسعة في العملية الانتخابية.

بناء على ما تقدّم يمكن التّأكيد دون مجازفة أنّ العملية الانتخابية في تونس تتوفّر على ضمانات دستورية وقانونية وسياسية تؤمّن سيرها وفق متطلّبات الممارسة الدّيمقراطية الحقّة. ممارسة تكفل التبيّن الجلي والشفّاف لإرادة الشّعب التي يبقى صندوق الاقتراع المرجع الوحيد الذي يحدّدها ويمكّن من الوقوف على مدى مطابقتها لأشكال التّعبير التّلقائية التي تطفو على السّاحة السياسية في مثل هذه المناسبات والتي تشكّل ضربا من ضروب التفاعل بين القيادة السّياسية وسائر القوى الحيّة في البلاد.

********

(1) الحبيب بولعراس، الاستقلال اليوم،تونس 1991، ص 5.

(2) في هذا الموضوع أنظر بالخصوص: زهير المظفّر: جمهورية الغد، الأسس والأبعاد، تونس 2002.

(3) أقرّ المجلس الدّستوري قبول ترشّح أربعة مترشّحين.

(4) القانون الأساسي عدد 97 لسنة 2002 المؤرّخ في 25 نوفمبر 2002.

(5) القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2003 المؤرّخ في 4 أوت 2003.

(6) القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2003 المؤرّخ في 4 أوت 2003.

(7) الفصل 35 من المجلّة الانتخابية.

(8) الفصل 34 من المجلّة الانتخابية.

(9) الفصل 37 من المجلّة الانتخابية.

(10) الفقرة الثانية من الفصل 38 من المجلّة الانتخابية.

(11) (غياب كافّة أشكال التأثير على النّاخبين داخل مكاتب الاقتراع سواء من أعضاء هذه المكاتب أو من الملاحظين ذاتهم، واحترام وجوب الدّخول للخلوة لممارسة حقّ الاختيار).

(12) تتمثّل مهام هذا المرصد في مراقبة الظروف التي ستجري فيها الانتخابات الرئاسية والتّشريعية بدءا بتقديم الترشّحات مرورا بالحملة الانتخابية وظروف التّصويت وصولا إلى عمليات الفرز والنّتائج والطّعون. هذا المرصد الذي يرأسه عميد سابق للمحامين ويتركّب من 14 عضوا معروفين بحيادهم ينتظر أن يؤدّي مهامّه في إطار الشفافية والمصداقية والحياد دون أن يمثّل أي طرف سياسي. وهو على ذمّة كلّ من يرغب في حضور الانتخابات من تونس أو من خارجها.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org