الحق في التنمية:
الواقع و الآفاق والمقاربة التونسية في مجال التنمية

د. رياض الزغل - أستاذة تعليم عالٍ ـ جامعة صفاقس

منذ الإعلان الدولي عن حقوق الإنسان إبان نهاية الحرب العالمية الثانية، تطورت المفاهيم بتطور التاريخ وتبينت أهمية طرق موضوع هذه الحقوق حسب مقاربة كلية لأنه لا يمكن ضمان الحقوق السياسية بدون مستوى معين من الدخل، وبدون تعليم وتكوين، وبدون مساهمة في أخذ القرار، لا من خلال تواجد مؤسسات ديمقراطية فقط، وإنما بفضل تركيز نمط من الحكم فيه شراكة بين الدولة والمجتمع المدني. ومن هنا يبدو من المهم طرح موضوع الحق في التنمية الاقتصادية والبشرية بمختلف أبعادها كرافدين أساسيين للحقوق السياسية.

ونطرح في هذه الورقة موضوع الحق في التنمية على ثلاثة محاور: محور العدالة ومحور الحرية ومحور الدور الجديد للدولة في ظل العولمة، ودور الجهة أو الإقليم كقاطرة تنمية وطنية.

1 ـ الإنسانية والحداثة وغياب العدالة الاجتماعية على مستوى كوني

حسب وثيقة وزعت على الانترنت تظهر الإحصائيات جسامة الفوارق بين الدول والفئات الاجتماعية من حيث توزيع الثروة وكل مقومات الحداثة. ولو اختزل العالم في قرية صغيرة ـ كما يحلو تكراره للبعض ـ لكان توزيع السكان كما يلي:

ـ 52 امرأة و 48 رجلا (مع أن الرجال هم الذين يحكمون!)

ـ 6 أمريكيين من الولايات المتحدة (وهي الدولة التي تعمل على بسط سيطرتها على العالم برمته)

ـ 70 من غير البيض

ـ 70 من غير المسيحيين

ـ 6 فقط يملكون 59 بالمائة من إجمالي الثروة التي في حوزة القرية

ـ 80 ليس لهم سكن

ـ 70 أميون

ـ واحد فقط يملك شهادة جامعية

ـ واحد فقط يملك حاسوبا

إن قراءة لهذا التوزيع تدل على مدى سيطرة الأقلية على الأغلبية ومدى غياب العدالة في توزيع الثروات وافتقار أغلبية الناس إلى مقومات الحياة الكريمة والمنسجمة مع العصر وما توفره الحداثة.

ومما تجدر ملاحظته أيضا أن الكسب لم يعد يرتبط دوما بالجهد وبالشغل والانتاج، ذلك أن حجم المبادلات المالية في العالم يفوق حجم مبادلات السلع بنسبة 50 بالمائة. كما أن مستقبل فئات واسعة من الأجيال القادمة في الدول الفقيرة قد ضاع بعدُ بسبب الأمية والشغل المبكر، حيث يوجد اليوم في العالم 250 مليون طفل يشتغلون، منهم بالمائة في القارة الآسيوية و 32 بالمائة في القارة الإفريقية و7 بالمائة في أمريكا اللاتينية.

وحيثما يوجد الفقر يوجد معه الاستغلال والاضطهاد والمرض والعنف والحروب الاثنية وتلك التي تندلع بفعل الدول المتقدمة ذات الغايات الإمبريالية.

ولما كان هذا الأمر غائبا عن الأنظار في غياب وسائل الاتصال والاعلام الحديثة لم يكن يثير الاهتمام إلا على مستوى أقلية من السياسيين أو الدول المجاورة لجيوب الفقر أو النقاط الساخنة في العالم. أما اليوم وقد بانت الحقيقة عارية، فقد فرض السؤال نفسه من حيث الحق في التنمية وكذلك قضية التنمية الشاملة التي تتخطى التنمية الاقتصادية الصرفة وكذلك السؤال عن طبيعة القاطرة التي تجلبها، هل هي الحرية بالمعنى الليبرالي للكلمة أم شيء آخر ؟

2 ـ التنمية والحرية

تدل الاحصائيات المذكورة آنفا على أن الانسانية رغم ما حققته من تطور عبر عشرات القرون و ما أنجزته من تقدم في العلوم الانسانية والاجتماعية غير قادرة على فرض العدالة بين الناس في ما يتعلق بتوزيع الثروات، والحريات وفرص التنمية والمعرفة ومتطلبات العيش الكريم.

وإذا اعتبرنا العدالة ( équité ) من بين حقوق الانسان وكأساس لدرء الفقر والمرض والعذاب والعنف والحرب، وإذا سلمنا بأن الحق في التنمية جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان في عصرنا هذا، فلا بد من إرادة بشرية تضع الآليات وتوفر الظروف السانحة لضمان هذا الحق حتى تتوفر العدالة وفرص النمو للجميع أو على الأقل للأغلبية ومن بين هذه الآليات نخص بالذكر التمييز الإيجابي.

التمييز الايجابي:

يمكن أن تتجه سياسة الدولة نحو رفع نسبة النمو الاقتصادي لكن تنمية الثروة لا تعني بالضرورة تنمية الفرص للتمتع بها لأكبر نسبة من أفراد المجتمع. ومن هنا برز مفهوم التنمية البشرية كمؤشر متكامل وشامل للتنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي. وهو مؤشر متطور يحتوي على عديد المعطيات وتضاف له معطيات جديدة حسب تطور النظريات والسياسات في مجال التنمية.

أما مفهوم التمييز الإيجابي " discrimination positive-affirmative action " فقد أفرزته الحركات النسوية والأدبيات التي صحبتها. وعلى أساس مبدإ التمييز الايجابي تبتكر سياسات وتوضع آليات بهدف سد الفجوة بين فئة اجتماعية وأخرى من حيث التمتع بالحرية والحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن بعض الفئات الاجتماعية تضررت بسبب عادات وتقاليد وقيم موروثة وأسكنت منزلة دونية داخل المجتمع. هذا علما وأن الفئة المتضررة هي التي تكون أكثر عرضة من غيرها للفقر والأمية وعدم التكوين المهني كما هي عرضة للاستغلال والاضطهاد وغياب الحقوق وهي التي تكون بالتالي غير قادرة على تحقيق الذات وتنمية القدرات.

الحرية:

يقول أمرتيا سان، العالم الاقتصادي الذي حصل على جائزة نوبل سنة 1998: "إن ما يجب توزيعه بصفة عادلة، ليس فقط الحريات الشكلية والمداخيل والثروات وإنما الإمكانيات التي تسمح بالعيش الكريم والذي له معنى ويسمح بالازدهار الذاتي وبالحياة لصالح الغير ولصالح الطبيعة" (1).

ويعني بالامكانيات توفر الفرص المتاحة والقدرة على الانتفاع بها. فمثلا لا يمكن لمن لا يحمل شهادة في الاختصاص بأن يتمتع بفرص الشغل المتاحة اليوم بوفرة في مجال الاعلامية والاتصال. وفي تحليله للعلاقة بين التنمية والحريات يشير أمرتيا سان إلى نوعين من الحرية: الحرية الايجابية والحرية السلبية.

تتجسم الحرية من وجهة نظر إيجابية في مدى قدرة الفرد أو عدمها على الفعل. وتتمثل الحرية السلبية في غياب الحواجز والموانع أمام الفرد مما يجعله قادرا على استغلال الفرص المتاحة وتفعيل قدراته بغية تحقيق العيش الكريم.

وما فائدة الديمقراطية، حسب أمرتيا سان، بمعنى تعدد الأحزاب وحرية الصحافة، إلا في الضغط على السلطة حتى تتدخل لتصحيح المسار وحل المشاكل التي يتعرض لها الشعب ودرء الأخطار المحتملة التي يواجهها. ولكن هل بإمكان الدولة اليوم أن تتدخل في كل المجالات ؟

3 ـ التحولات العالمية والدور الجديد للدولة

إن التحولات العالمية الحالية وظاهرة العولمة الاقتصادية أساسا، وديناميكية التكتلات الجهوية كما سياسات المنظمات المالية الدولية، فرضت ضغوطات على الحكومات تلزمها بالتقليص من تدخلاتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي ترك مجال أوسع للمجتمع المدني وللقطاع الخاص حتى يشترك في تصريف الشؤون الوطنية والمحلية. وتولد عن هذا التوجه تغيير في نمط الدولة الذي انتقل من الشكل الهرمي إلى هيكل ثنائي يتقاسم فيه الأدوار القطاع العام والقطاع الخاص التجاري ثم هيكل ثلاثي يجمع بين الدولة والقطاع الخاص التجاري وقطاع المنظمات غير الحكومية وهو الشكل الذي يفضي في النهاية إلى تقاسم السلطة بين الدولة والمجتمع المدني.

إن تفعيل العلاقات المتعددة بين الدولة وشركائها يتعزز بالمبادرات المتخذة على المستوى المحلي لمعالجة بعض القضايا التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية. لذا تطرح اليوم بقوة مسألة دور المجتمع المحلي في التنمية سواء كان ذلك على مستوى الاقليم أو الجهة أو البلدية.

4 ـ الاقليم والتنمية

تتوجه سياسات التنمية في الدول الغنية "OCDE" نحو اعتبار التنوع الطبيعي والثقافي للجهات في الوطن الواحد من جهة، والبحث عن الطاقات المحلية من جهة أخرى وتفعيلها للزيادة في سرعة نسق النمو. ويرتكز هذا التوجه الجديد على خصائص المنطقة الجغرافية وما تمتاز به من نقاط قوة لتصور المشاريع والبحث عن مصادر التمويل لها، وذلك بمشاركة الكفاءات المحلية في وضع البرامج وانجازها. ويصحب هذا التوجه تعزيز اللامركزية بنقل الموظفين ذوي الكفاءات العالية من العواصم إلى الجهات. أما دور الدولة فيتمحور حول وضع الاستراتيجيات والمخططات الوطنية التي تمثل الاطار الذي تنصهر فيه البرامج الجهوية، وتوفير التسهيلات وبعض الوسائل التي تحتاجها الجهات لإنجاز المشاريع التنموية. ويمكن ذكر بعض الأمثلة في هذا الباب (2):

عملت حكومة كاليفورنيا وهي إحدى الولايات المتحدة الأمريكية على تعزيز قطاع التكنولوجيات العالية الذي تمتاز به الجهة، ببناء جامعة وأربعة معاهد للبحث والابتكار في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال.

وفي السويد تعتمد سياسة التنمية مقولة »إذا كانت الجهات بخير فالبلاد بخير. ومن مقومات الاقتصاد في هذا البلد تعاضد البلديات في ما بينها بمعنى أن البلدية الغنية تساعد البلدية الأقل ثراءً. كما أن الجهات المجاورة تمضي الاتفاقيات في ما بينها بهدف التنمية الجهوية.

وفـي بلجيكـا اعتمـدت مقاربة "الحكـم الرشيـد" من طــرف الحكـومـات الجهـويــة "Gouvernance de la region" الذي ينبني على التخطيط والاستشراف والشراكة وتكوين شبكات التعاون وتقييم السياسة الاقتصادية المتبعة من طرف الجهة. وتنجز هذا التقييم مؤسسات مختصة ومستقلة.

يوجد يقين اليوم بأن »الدولة صارت صغيرة أكثر من اللازم بالنسبة للمشاكل الكبرى، وكبيرة أكثر من اللازم بالنسبة للمشاكل الصغرى. لذا فإن المركزية المفرطة للدولة تشل المبادرات والنشاط.

أما اعتماد الجهة أو الإقليم كقاطرة للتنمية فهو يعتبر من أهم ركائز دفع عجلة التنمية، وتحقيق العدالة في توفير فرص التنمية للوطن بأكمله وكذلك في الحد من الآثار السلبية للعولمة. وهذا التوجه ينطلق من استراتيجية قوامها تشخيص نقاط القوة ونقاط الضعف الخاصة بالجهة، وتقييم رأس المال الطبيعي والبشري الذي تتمتع به، وكذلك العلاقات التفاعلية التي تعزز حركية هذه الرساميل مجتمعة.

إن كان اعتماد الجهة يوفر حظوظا أكثر للجميع في تحقيق التنمية إلا أنه لا بد من الوقوف أمام الفوارق بين الجهات من حيث الامكانيات المادية ورأس المال البشري المتاح لنتبين أهمية دور الدولة في توفير العناصر الأساسية للتنمية من بنى تحتية ووسائل نقل واتصال وكذلك مؤسسات مالية وإدارية... أما المجتمع المدني المحلي فعليه تفعيل نقاط القوة على مستوى النسيج الاجتماعي ودفع الشراكة بين العناصر الاجتماعية وابتكار مشاريع تنموية ناجعة وتلميع صورة الجهة حتى تستقطب الاستثمار وحتى يقيم المجتمع المحلي نفسه بصفة ايجابية ويعزز شعور الثقة في ذاته وفي قدراته كمجتمع له تاريخ وتجربة وعبقرية في مجال ما. هكذا اتفق المجتمع المحلي بمنطقة بريطانيا بفرنسا وبعث شعارا تجاريا "صنع ببريطانيا" اعتمدته المؤسسات الصناعية لترويج انتاجها، وهكذا نجحت الجهة في ترفيع نسق نموها وخلق مواطن الشغل بعد أن كانت من الجهات التي تشكو من تقلص الحركة الاقتصادية. زيادة على ذلك نجح المجتمع المدني في تعزيز روابط التكامل بين قطاعات الانتاج والتعليم العالي والبحث العلمي مما ساهم في دفع نسق بعث المؤسسات ذات التكنولوجيا العالية.

الخلاصة

إن الحديث عن حقوق الانسان اليوم يشمل كل جوانب الحياة وبخاصة تلك التي لها علاقة بالحداثة أي ما حققته الإنسانية من تقدم في العلوم والتكنولوجيا مما أثر على نمط الحياة وخلق طموحات وولد الحاجة لنوع من الرفاهة ونمط استهلاك لمواد كانت تعتبر من الكماليات وصارت أساسية في تصور غالبية الناس. من هنا يبدو مفهوم »الحق في التنمية واعدا وذا دلالة كبرى لأن التنمية ليست اقتصادية أو سياسية فحسب وإنما هي مرتبطة بالحداثة وبالتالي فهي معرفية قبل كل شيء. فالمجتمع الحديث يستغل في جميع أنشطته ما يحصل من تقدم في العلوم والتكنولوجيا.

وحيث أن الإنسانية، رغم ما أحرزته من تقدم مازالت تنتج الفوارق بين الناس، وتهزها الصراعات والعنف، وتهمش وتقصي الكثير عن المجتمع وعن العيش الكريم، فإن العدالة وضمان الحق في التنمية يحتاجان إلى سياسات إرادية وتسيير من طرف سلطة تضع هذه السياسات. ونظرا لتحول دور الدولة في ظل العولمة وجب البحث عن كل الطاقات الكامنة في المجتمع ورفع الحواجز التي تشل حركتها وذلك لدفع عجلة التنمية البشرية بكل أبعادها. ومن بين الطاقات تلك الكامنة في المجتمع المدني ومؤسساته وفي نقاط القوة الخاصة بكل جهة من حيث أنها وحدة متكاملة جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا.

إن هذا المنظور للحق في التنمية يبرز أهمية النموذج التنموي المتبع في تونس الذي ركز على التعليم أولا ثم على التحديث الاقتصادي بالتوازي مع مقاومة الفقر والاقصاء والتهميش. وتمثل التنمية الجهوية إحدى ركائز السياسة التنموية بالبلاد. وتدل النتائج الملموسة التي تحققت على أن سياق التنمية لا يكون ناجعا إلا إذا كان مبتكرا وكانت الأهداف واضحة والإرادة صادقة.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org