قراءة في كتاب Tunisie , Terre de Paradoxes :
الاستشراف: منهج للحكم الرشيد بتونس

د. خالد قدور
دكتور في الاستراف الاستراتيجي

إن الإنجازات التي تحققت في تونس منذ الاستقلال والتي تعرض لها الأستاذ أنطوان صفير في كتابه " Tunisie Terre de Paradoses  " لها علاقة وثيقة بنوعية الحكم والاستعداد للمستقبل فالاستشراف والتهيؤ لتحديات المستقبل يعتبر منهجا للتدبير الرشيد أو الحكم الرشيد.

لذا أود التركيز في هذه المداخلة على هذا المحور الهام الذي تعرض له الكتاب بصفة محتشمة ألا وهو محور الاستشراف الاستراتيجي بصفته منهجا للتدبير الرشيد.

فالاستشراف أصبح ممارسة فعلية للحكم داخل المجتمعات المدركة للتحولات المتسارعة ولحتمية التعامل العقلاني معها.

وقد دأبت تونس على اعتماد منهج في الإصلاح يستشرف المستقبل القريب والبعيد ويرتكز على سياسة تشريك ومشاركة وعلى نظرة ديناميكية شاملة متعدّدة الاتجاهات والفرضيات والاحتمالات الممكنة والمتوقعة والبديلة في آفاق بعيدة المدى.

ومن هذا المنطلق ومنذ التغيير تم إرساء تقاليد جديدة في صنع القرار الوطني بالتأسيس لثقافة تعتمد التفكير الاستراتيجي الاستشرافي لتوضيح الملامح العامة والتوجهات المستقبلية الكبرى طويلة المدى التي تهم المجتمع ومستقبل البلاد.

وفي هذا المجال الاستشرافي الاستراتيجي يمكن التطرق إلى المحاور التالية:

جمهورية الغد،

المخططات التنموية والاستشراف بعيد المدى،

الاستشارات الوطنية،

البرنامج الانتخابي.

1 – جمهورية الغد

يعبر التعديل الدستوري لسنة 2002 والذي يؤسس لجمهورية الغد، عن نظرة استشرافية تأخذ بعين الاعتبار تطلع الشعب إلى نظام سياسي متطور بما يجعل الدستور يواكب تطور المجتمع ويحقق التلازم بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية السياسية.

وتقوم جمهورية الغد، من خلال هذا الإصلاح الدستوري، على أربعة أسس:

تعزيز حقوق الانسان وتفعيل مجالاتها ،

إقامة نظام رئاسي متجدد،

تطوير نظام التمثيل،

دعم دولة القانون والمؤسسات.

2. المخططات التنموية والاستشراف بعيد المدى

إن لتونس تقاليد وتجارب في مجال التخطيط والإعداد للمستقبل منذ الاستقلال مكنتها من ضمان نسق نمو مطرد خلال الخمسين سنة المنقضية.

وفي هذا المجال يمكن التعرض للخطة العشرية المقبلة (2007 – 2016) والتي تمت مناقشتها وإثراؤها منذ أكثر من سنة على المستويين الجهوي والوطني.

ومن أهداف العشرية المقبلة تثمين المكاسب المسجلة وتحقيق نتائج اقتصادية أفضل وبلوغ مؤشرات تنمية اجتماعية وبشرية أرفع. ويكون تجسيم ذلك عبر تنفيذ جملة من الشروط الأساسية تتعلق أولا بدعم مقومات الاقتصاد وتسريع نسق النمو عبر اندماج أكبر في الاقتصاد المعولم وثانيا بتدعيم سياسة توزيع الدخل وتطويرها وإضفاء مزيد النجاعة عليها في إطار مقاربة متجددة للتضامن.

وتؤكد هذه الخطة على أهمية الارتقاء بنسق النمو إلى مستويات أرفع تتجاوز %6,3 خلال كامل العشرية وذلك بهدف تقليص نسبة البطالة من % 14,2 سنة 2006 إلى حدود %10,3 سنة 2016 ومضاعفة الدخل الفردي ليصبح في حدود 8000 دينارا سنة 2016.

وأظهرت التجربة التونسية الحاجة الملحة إلى تنظيم هذا العمل الاستشرافي وإضفاء طابع الاسترسال عليه وتمديد آفاقه، وتوسيع قاعدته الجغراسياسية ومزيد إحكام إعداد التحاليل والدراسات متعددة الاختصاصات وضبط الخيارات التي تُبنى عليها هذه المخططات.

وقد دفع هذا التوجه تونس إلى برمجة دراسات استراتيجية في أغلب القطاعات كإطار لإعداد المخططات التنموية. ويمتد التصور بالنسبة لبعض الدراسات إلى آفاق 2030
و2050، وكمثال على ذلك "تونس في آفاق 2030" و"الطاقة في آفاق 2030" و"المياه في آفاق 2050".

وكانت هذه الاعتبارات وراء إحداث المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية سنة 1993.

ويضطلع المعهد بمهمة البحث والدراسة والتحليل واستشراف آفاق المستقبل القريب والبعيد حول كل المسائل ذات العلاقة بالأحداث والتطورات الظرفية والظواهر المختلفة على الصعيدين الوطني والعالمي، والتي يمكن أن تكون لها صلة بمسار التنمية في كل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

3. الاستشارات الوطنيـة

أصبحت الاستشارة آلية محورية في سياسة تشريك التونسيين والتونسيات بمختلف اتجاهاتهم وكفاءاتهم في كافة القضايا الكبرى التي تخص الوطن والمجتمع. وأصبحت من التقاليد الراسخة وإحدى القيم الثابتة التي مكنت كافة الفئات والقوى الاجتماعية من الإسهام الفاعل في رسم معالم المستقبل.

وقد شهدت السنوات القليلة الماضية تنظيم عدة استشارات وطنية غطت كامل مجالات التنمية. ويمكن التذكير في هذا المجال بالاستشارات الوطنية الخاصة بالشباب والفلاحين والتعليم والتجارة والتصدير .

وقد لقيت الاستشارة الوطنية حول تونس في القرن الحادي والعشرين على المستويين الوطني والجهوي حماسا ومشاركة جدية واسعة شملت ما يفوق 1600 مساهما من الإطارات والكفاءات. وقد جسمت هذه المبادرة بالفعل العقلية الجديدة وضرورة التفكير الاستشرافي كمنهج لتعصير أساليب تسيير شؤون البلاد وتأصيل مفهوم المشاركة في بناء مستقبل البلاد.

وقد أفضت الاستشارة الوطنية إلى ضبط أهم المسائل التي لها أثر مصيري على مستقبل المجتمع سواء تلك المتعلقة بتطور تركيبته وبنيته الثقافية وهياكله العمرانية والاقتصادية أو المتصلة بالرهانات المطروحة أمامه في مجالات التقدم العلمي والتكنولوجي والتربية والتكوين والترابط مع محيطيه الجهوي والعالمي.

4 . البرامج المستقبلية

وضعت البرامج المستقبلية للرئيس بن علي الإطار العام الاستراتيجي لتنفيذ أهداف للتدبير الرشيد.

وقد تمت بلورة هذه البرامج إلى مشاريع ملموسة تغطي كافة مجالات التنمية حيث تبرز جميع محاور البرنامج المستقبلي (للفترتين 1999– 2004 و2004–2009) النظرة الاستشرافية وإرادة التموقع والانصهار في الاقتصاد العالمي لبناء مستقبل أفضل لتونس
القرن 21.

وفي الخلاصة ومن خلال ما سبق يمكن استنتاج التلازم والترابط بين تحقيق التنمية ونوعية الحكم مع التركيز على ضرورة الاستشراف كمنهج لترسيخ التدبير الرشيد وبالتالي تثمين الإنجازات وضمان ديمومة هذه الانجازات التي تعرض لها الكاتب انطوان صفير.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org