قراءة في كتاب " تونس أرض مفارقات " :
صرخة ضمير أمام تجربة متفردة

د.نبيل خلدون قريسة
أستاذ التاريخ – جامعة منوبة - تونس

تتعدّد الدراسات حول تونس العهد الجديد وتترى بأقلام مختلفة ومن شهود أجانب مستقلين يتّفقون جميعا على الإشادة بإنجازاتها الميدانية ولا يتوانون في نفس الوقت عن التصريح بنقدهم لها في استقلالية تامة وتقديم ما يرونه بكامل الأمانة والصدق مقترحاتهم للتطوير والإصلاح.

وينتابنا الخجل ونحن نقرأ هذه الكتابات الصادقة عندما نتذكّر ما يكتبه آخرون، تونسيون هذه المرّة، عن بلادهم في مختلف فضاءات النشر الأجنبية بل وما يصرّحون به من آراء غريبة عنها وعن حكومتها (نظامها كما يقولون) في قنوات الإعلام الفضائية، ضاربين بعرض الحائط أبسط قواعد النزاهة في العمل الإعلامي بل ومتناسين حتى طبيعة الانتماء الوطني وما يلزمه من نكران للذّات وتغليب للمصلحة الوطنية.

ومن المؤسف حقّا أنّ عددا من التونسيين تميّزوا في السنوات الأخيرة بنشاط ملحوظ في مختلف المنابر الأجنبية في التشهير المستمرّ بما يسمّونه مظالم "النظام" التونسي ولم يكلّفوا أنفسهم عناء التفكير في مدلول هذا التصرّف وتبعاته في ظلّ أوضاع دوليّة في غاية التعقيد لم يعد فيها لأحد أيّ مرجع ثابت أو سند استراتيجي حقيقي وإنّما أصبحت تحكمه مصالح ضيّقة وآنيّة تتبع في نهاية التحليل شركات متعددة الجنسيات لا ترى غير خارطة وحيدة هي خارطة الموارد الطبيعية والمجالات الحيوية، أمّا الشعوب ومصالحها الاستراتيجية وحقوقها في التصرف في أراضيها ومواردها فذلك ممّا لا تعبأ به بالمرّة. وما قسوة الحروب التي يشهدها عالمنا اليوم وخاصة منطقتنا العربية-الإسلامية وظهيرها الإفريقي والآسيوي إلاّ علامة من علامات كثيرة عن هذا المشهد السريالي الذي أصبحت فيه بعض القوى العسكرية النظاميّة مجرّد "مليشيات" في خدمة رؤوس الأموال المتوحّشة.

لذلك كان من المفترض أنّ هؤلاء "المثقفين" هم أوّل من يفهم طبيعة هذه اللعبة الكوكبية الخطيرة وإن ينبّهوا إليها الشعوب والأوطان التي ينتمون إليها وأن يسعوا بكلّ ما أوتوا من وعي معرفي وقوة حجة وبلاغة خطاب إلى الدفاع عنها وعن منظوماتها الاجتماعية والثقافية وتوازناتها المكتسبة بفضل نضال أجيال من الرجال والنساء.

كما كان عليهم أن ينتبهوا إلى الفخاخ المنصوبة لأمثالهم لجرّهم إلى خدمة أهداف مناقضة لمصالح أوطانهم في الوقت الذي يتوهّمون خدمتها. ومن هذه الفخاخ التي لم تعد خافية على الحصيف ولا النبيه مؤسسات وجمعيات ووسائل إعلام أجنبية وحتى عربية تتجمّل بأقنعة جذّابة ومساحيق برّاقة من الشعارات الساحرة خداعا ومخاتلة.

وقد فات هؤلاء بالخصوص أنّ ما يحدث في تونس منذ خمسين عاما ليس مجرّد تصريف للشؤون المدنية قد يحاسب عليه أفراد أو مجموعات بل هو نهضة وطنية شاملة ومشروع طموح لبناء حضاري متكامل تنجزه عقول وسواعد جميع التونسيين والتونسيات بكلّ أعمارهم وفئاتهم ومناطقهم ومواقعهم..

لقد كانت المنهجية التونسية في التحديث منذ القرن التاسع عشر رائدة بكلّ المقاييس في كامل العالم العربي-الإسلامي، حيث انطلقت من القاعدة أي من التعليم والتطوير المجتمعي من خلال التشريع الاجتماعي والدستوري (قانون إلغاء الرق، دستور عهد الأمان..) ثم اتّجهت نحو التنمية الاقتصادية، على عكس ما حاول البعض إنجازه في بلاد مجاورة فعطّل بذلك لديهم تحقيق شروط التنمية الحقيقية بل رسّخ تصوّرا مقلوبا تماما لشروط تحقيقها لا يزال إلى اليوم حِملا ثقيلا على سياساتها التنموية.

ولئن أُحبطت التجربة التونسية في بدايتها تحت الضغوط الخارجية وبحكم انعدام الوعي الداخلي وأفضت إلى تدخل الاستعمار، إلاّ أنّها عادت إلى مواصلة نفس التمشّي المنهجي مباشرة بعد الاستقلال (مجلة الأحوال الشخصية، تعميم التعليم الإجباري..) مستفيدة من أخطائها السابقة ومعتمدة بصورة أكثر تركيزا على جميع طاقات المجتمع بدون إقصاء أو تهميش في إطار سياسة مرحلية للتنمية المتوازنة بعيدة المدى.

وعندما بدأت هذه التجربة التي تحدّت جميع العوائق البنيوية والظرفية في التآكل كان لا بدّ من تجديد نَفَسها الإصلاحي من خلال التغيير السياسي الذي أحدث دفعا نفسيا قويّا وجد صداه في كلّ مستويات الفعل الاجتماعي والسياسي بما أفرز نمطا جديدا من العيش لم يعهده التونسي من قبل قوامه العمل والمثابرة على التكوين العلمي والتفتح الفكري اللاّمحدود، وفتح أمام الإنسان التونسي آفاقا رحبة غير مسبوقة للتعامل مع العالم الخارجي دون أدنى عقد، بل وجعل نظرته لنفسه تتغيّر جذريّا فإذا به يطلب موقعا أكثر فاعلية في الحياة العامة في الداخل وحتى في الخارج إيمانا منه بقدراته الخلاّقة التي لا تقلّ عن أيّ مواطن ينتمي إلى الدول المتقدمة. وبذلك تحوّل التونسي في كينونته الاجتماعية تحوّلا جوهريّا دون فقدان هويته الوطنية ومقومات بنيته السوسيو-ثقافية العربية-الإسلامية، بل أصبحت هذه المقوّمات أكثر حضورا في الحياة العامة وفي الخطاب الرسمي في نفس الوقت الذي أُدمجت فيه بذكاء نادر في صلب المشروع التحديثي الوطني.

وهل يعقل بعد ذلك أن نجد من يشكّك في نزاهة القيادة التونسية للبناء التحديثي أو في صِدْقيّة وفائها لمقوّمات هويتنا العربية-الإسلامية؟

هنا، تبدو المفارقة عجيبة في الاتفاق التام بين أصناف متضاربة من المشككين من هذا الطيف السياسي والإيديولوجي أو ذاك في الوقت الذي لا نجد بينها أي اتّفاق على أيّ نقطة من نقاط المشروع المجتمعي المنشود، إن كان لديها أصلا مشروع مجتمعي، أو على الأقل اختلاف ولو طفيف في تصوّر هذا المشروع عن ذلك الذي تنفّذه مختلف مؤسسات الدولة التونسية باقتدار ومسؤولية منذ الاستقلال (هذا طبعا مع ما نعرفه من خلفيات تلك التصوّرات الراديكالية الفاشيّة التي تسعى إلى تقويض المجتمع بأكمله بما في ذلك مفهوم الدولة وتلك التي تريد إرجاعه إلى صورة مستحيلة التحقّق موضوعيّا مستنسخة عن ذاكرة مشوّهة تماما للمجتمع العربي-الإسلامي الأصيل).

وهذه أيضا من المفارقات التي لم تعد خافية أن يسعى البعض إلى هدم البناء الذي يدّعون أنّهم يريدون بناءه، وكأنّنا نشهد مسرحية تبرز فيها خصال الحسود في أوضح تعابيرها الساخرة: "إمّا أن أكون أنا صاحب هذا البناء أو أن أهدمه على من فيه" !

وما التعبيرات الملفّقة بزخرف الشعارات الحقوقيّة التي تنمّ عن أغرب العصبيّات الجهوية والفئويّة إلاّ بعض ممّا يختلج في صدر هذا الحسود الكوميدي. وللأسف، يبدو أنّ هذا الأمر تنامى في السنوات الأخيرة وأخذ من المظاهر ما أمكن له أن يتلوّن كالحَرْباء من مظاهر سياسية إلى اقتصادية إلى ثقافية وحتى رياضية وغيرها - وإنّي أرجو أن أكون مخطئا- بحيث نسي البعض أو تناسى أنّ هذا البلد أعظم من أن تفتّته أهواء المتوهّمين والحاقدين، وأنّ تاريخه الطويل ليس فيه أدنى أثر لطائفية أو جهوية أو عنصرية عرقية أو دينية أو غيرها ممّا ابتدعه العقل الاستعماري ولا يزال للأسف فاعلا في لاوعي البعض رغم تغيّر واقع البلاد تغيّرا جذريّا وانفتاح آفاق الفعل والمشاركة أمام الجميع، وقد كانت تونس وستبقى دوما لكلّ التونسيين دون استثناء.

في هذا الإطار بالذات من الجدل مع الضمير الوطني، يتنزّل مثل هذا العمل القيّم الذي أنجزه الكاتب الصحفي اللبناني والأستاذ الباحث في العلوم السياسية "أنطوان صفير" تحت عنوان: "تونس أرض مفارقات" (وليس "المفارقات" كما أخطأ البعض ترجمته) ( 1)، حيث بيّن أنّ هناك في التجربة التحديثية التونسية مفارقات -وقد بيّنا بعضها الآن من وجهة نظرنا- تتمثّل أساسا في كونها تُبنى في صمت في حين أنّ غيرها يصرخ بالتشهير، وقد تمنّى أن تكون أكثر فاعلة في الحديث عن إنجازاتها ونجاحاتها والردّ بقوّة على المشكّكين بكامل الثقة في النفس، ونوافقه تماما في هذا.

كما يكشف الكاتب وجود مفارقة أخرى تتمثّل في أنّ تونس تبني ديمقراطيتها بخطى تبدو في الظاهر بطيئة لكنها ثابتة ومنسجمة تماما مع مرحليّة تقدم بنائها الاقتصادي والاجتماعي، في الوقت الذي يعتقد معظم من ينتقدها عن جهل أنّ البناء الديمقراطي إمّا أن يسبق البناء الاقتصادي والاجتماعي أو أن يكون أسرع منه خطوة.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب أنّ الحذر واجب في التفتّح السياسي نظرا إلى بقاء الخطر المرتبط بالتطرّف في البيئة العربية-الإسلامية مستمرّا كما هو الحال في بعض البلاد العربية التي تسرّعت في فتح الساحة السياسية قبل استكمال شروط تحصينها اجتماعيّا فإذا بالفوضى تعمّ والتجربة الديمقراطية نفسها تنتكس.

وفي نفس السياق، يقرّ بأنّه لا يمكن للدولة أن تترك المجال لمن هو أقوى ويتلقى دعما وتمويلا من الخارج (ص 68)، وهو يقصد أساسا إمكانية تدخّل قوى خارجية من خلال إمكانيات مالية ضخمة قادرة على التلاعب بالساحة السياسة التونسية وشراء الضمائر والأصوات وإفشال البناء الوطني للديمقراطية. وفي هذه الملاحظة الذكية أكثر من دلالة أغفلها من كان يُفترض أن يكون أمينا بل ومدافعا بقوّة المناضل الحقيقي عن البعد الوطني للتجربة الديمقراطية.

ويتميّز تمشّي الكاتب المنهجي بإعطاء أهمية قصوى للبعد التاريخي للبناء التحديثي التونسي وذلك بإرجاعه إلى أصوله الفكرية أي إلى عصر النهضة والإصلاح وفكر خير الدين التونسي (خاصة ص 19-26)، وهذا هام إذ يتناساه الكثيرون الذين لا يرون في السياسة التنموية التونسية غير صورة مشوّهة لسياسات أجنبية مستوردة، ويقارن بين المرحلة البورقيبية التأسيسية لكن المتقلّبة (ص 19-45) والمرحلة الجديدة التي اتّسمت بالاستقرار بفضل حكمة الرئيس بن علي وحنكته القيادية (ص 47 وما بعدها).

وفي الحقيقة، لقد كان "أنطوان صفير" في غاية النزاهة العلمية حين أنصف هؤلاء الرجال الثلاثة بوضعهم في نسق فكري واحد وهو في الأخير قد أنصف التجربة التونسية ككلّ التي تتجاوز الأشخاص وترفع في نفس الوقت من شأنهم في السياق التاريخي العام للأمة العربية-الإسلامية، وهذا ما سيذكره التاريخ في الأخير.

فقد كان الرئيس الراحل بورقيبة مناضلا كبيرا ومؤسّسا للدولة الحديثة لكنّه في نفس الوقت كان يعتبر الدولة من جانب معيّن هي شخصه (ص 69) فلم يسع إلى تطوير البنى السياسية تطويرا فعليّا في عصر متسارع لكونه بكل بساطة، وخاصة بتأثير المرض والشيخوخة، لم يكن يعي هذا التسارع وربّما لم يتوقّعه.

بينما، في تونس، كانت هناك ثلاثة اختيارات استراتيجية شرع في تنفيذها منذ بداية عهد الاستقلال، عجّلت بتطوير المجتمع وتسريع وتيرة التغيرات فيه بما فاجأ السياسيين أنفسهم، وهي:

- التعليم العمومي الإجباري المعمّم على جميع البنين والبنات.

- التفتح الكامل على العالم الخارجي والاندماج الطوعي في المنظومة الدولية السلميّة بعيدا عن محاور الصراعات الضيّقة والتكتلات العدائية.

- تشريك كل طاقات المجتمع بدون أدنى إقصاء أو تهميش وفي مقدّمتها المرأة وكذلك الشباب.

وقد كان الاختياران الأوّلان من إرث عهد الإصلاحات الأولى (عهد الأمان وخير الدين..) في حين كان الاختيار الثالث ميراثا نابعا من صلب الحركة الوطنية التي فرضت تجديد هياكل المجتمع الفاعلة وتشريك المرأة بما أعطى وعيا متزايدا بأهميتها عبّر عنه بعض المصلحين مثل الطاهر الحداد ونفّذه بشجاعة -دون أن يكون ذلك مفاجئا تماما- الرئيس الأوّل بعد الاستقلال: الحبيب بورقيبة.

ورغم ثوريّة هذه الاختيارات بكلّ المقاييس والنتائج الكبرى التي حقّقتها في مستوى الواقع، لم تتبجّح القيادة التونسية بإعلان ما أعلنه غيرها في مسائل وهميّة من شعارات الثورة العارمة والتقدّمية المعجزة، بل كان الخطاب التونسي خطاب العقل الحكيم المتّزن والضمير الحيّ لأمة عربية-إسلامية لم يترك لها الأعداء ولا حتى الأصدقاء مجالا واسعا للتحرّك بل نهضت أطراف كثيرة داخلها بكلّ وسائل وأساليب التلاعب بمصيرها.

نعم، لقد كان الخطاب الوطني في تونس منشغلا بالإنجاز على أرض الواقع ومثّل إنجازه الذي نرى اليوم نتائجه الملموسة رهانا صادقا على عبقرية الأمة وتحدّيا حقيقيّا لكلّ من لا يتمنّى لها خيرا. فها هو العربي المسلم في تونس -بعروبته وإسلامه اللذين يفتخر بهما دون مواربة ولا مبالغة- في صورة مختلفة جذريّا عن تنميطات السينما الهوليودية والدعايات الصهيونية حول العرب والمسلمين، وإنّما يقدّم نموذجا حيّا عن مقدرة الإنسان في المجتمعات ذات الموارد الطبيعية المحدودة على الإبداع وتحقيق طموحاته في العيش الكريم، بل يبدو أنّ هذا قد مثّل بدوره تحدّيا لبعض الأطراف التي تنزعج كثيرا من نجاح من ينهج نهجا مختلفا عنها ولا يخضع لابتزاز ثرواتها لضميره الوطني والقومي.

ويستعرض الكاتب على امتداد صفحات طويلة ومكثّفة مختلف المؤشرات والانجازات الاجتماعية والاقتصادية الهامة والواعدة التي أنجزتها تونس في السنوات الأخيرة بفضل السياسة الرشيدة (ص 79-173)، ويبدو أنّ هذا هو الذي كان بالنسبة إليه منطلقا لفهم حقيقة ما يجري في تونس رغم كلّ ما كان يستمع إليه في وسائل الإعلام الأجنبية من انتقادات لاذعة. وقد بيّن أكثر من مرّة في كتابه مدى تسرّع وسائل الإعلام في الحكم على التجربة التونسية بل خطأها المنهجي حين لا تحاول تفهّمها من الداخل على مستوى الواقع المعاش وفي سياقها التاريخي وخاصة الجغرافي-السياسي الخاص.

ثمّ يركّز على وجود تحدّيات جديدة ورهانات لا بد من تحمّلها، وقد وضّحتها تقارير دولية منها تقارير البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، وتتركّز خاصة على تحرير الاقتصاد والارتقاء بالإنتاجيّة في مختلف القطاعات وتنمية الموارد البشرية من خلال تطوير التعليم وحصر البطالة ودعم الحريات السياسية واستقلالية القضاء وحرية التعبير عبر تطوير الإعلام (ص 139-149).

ويتطرق في نفس الوقت إلى ضرورة استفادة تونس الكبيرة من التعاون مع الولايات المتحدة وشرقي أوروبا والمجال المتوسطي (5+5) بما يسمح لها بإيجاد أسواق جديدة واستثمارات وتحقيق تكامل فعلي جنوب-جنوب خاصة داخل المجال المغاربي (ص 152-173). وهو يعرف تماما أنّ التزام تونس بهذه العلاقات ليس ظرفيّا بل يدخل في إطار ما ذكرناه من التفتح الاستراتيجي والطوعي على العالم وهذا التفتّح يعتبر من مقوّمات الهوية التونسية.

بعد ذلك، يخلص الكاتب إلى الموضوع المستهدف، وهو التجربة الديمقراطية، فيتحدّث أوّلا عن السياسة الأمنية ويعتبرها ضرورية في مواجهة التطرف الإسلاموي وغيره (ص 176-178).

وقد يبدو للبعض غريبا أن يركّز الكاتب كثيرا على أهمية السياسة الأمنية في الوقت الذي يحثّ فيه على تسريع خطى التفتح الديمقراطي. لكنّه في الحقيقة يستحضر تجربة بلده لبنان، تلك التجربة المريرة التي لا تزال عالقة في ذهنه وقد عايش أحداثها واحترق بلهيبها الذي لا يزال يكوي إلى اليوم جبين العرب بعلامة العار. بل هو يستحضر أيضا طبيعة الأزمة المستفحلة في بلده إلى حدّ اليوم، أزمة الدولة وغياب مؤسساتها خاصة منها الأمنية بما عطّل دواليب الحياة السياسية وهدّد أمن البلد واستقراره بل استقلاله وسيادته على أراضيه وأدخل الديمقراطية التي كانت تفخر بها لبنان على سائر البلاد العربية في حالة الإنعاش بل الموت السريري.

لذلك نجد "أنطوان صفير"، وعن وعي تام بما يقول من واقع التجربة لا الأوهام الإيديولوجية، يثمّن السياسة الأمنية المتوازنة التي تصبح في حضورها القوي وتأطيرها الفاعل للحياة العمومية دون تجاوز حدود القانون دعامة ضرورية لإنجاح أيّ تجربة ديمقراطية فتيّة (بل هو يعتبرها ضرورية حتى في المجتمعات الديمقراطية العريقة في أوروبا وأمريكا التي ذكرها للمقارنة).

ثم يطرح السؤال المحوري للكتاب الذي بدأ بطرحه في المقدمة وهو: كيف يمكن تحويل بلد غير ديمقراطي إلى الديمقراطية؟ (ص 13 و 179)، فيقوم بالمناسبة، بتصنيف تاريخي للديمقراطيات (ص179-180) يفضي به إلى استنتاج النقاط المشتركة بينها والمتمثلة حسب رأيه في:

- وجود طبقة وسطى متعلّمة،

- وجود اقتصاد سوق،

- نمو مطرد للثروة العامة وإن كانت غير متكافئة التوزيع،

- وجود مؤسسات مدنية راسخة ارتبطت تاريخيا بنشأة الطبقة الوسطى وخاصة منها: صحافة حرة، انتخابات حرة، تعددية سياسية واستقلالية القضاء.

ثم يحدّد بعد ذلك شروط تكوين الديمقراطية (ص 182- 183)، ويعتبر أنّ أبرز هذه الشروط وجود طبقة اجتماعية وسطى نشطة ومثقفة، وهذا ممّا تفخر به تونس فعلا مقارنة بمجتمعات كثيرة مجاورة وفي نفس أوضاعها الاقتصادية، لكنّها في الحقيقة اكتسبت هذا التطوّر البنيوي الهام في ظلّ العهد الجديد بعد أن اتّبعت الدولة سياسات اقتصادية واجتماعية متوازنة على امتداد عشريتين متتاليتين نجحت فيها في كسب رهان الرفع من مستوى معيشة الإنسان التونسي بكلّ فئاته وعلى امتداد التراب الوطني وفي تقليص نسبة الفقر بصورة غير مسبوقة.

ولئن كانت الأرقام هامة للتحليل العلمي المقارن- والكتاب عبارة عن ملف إحصائي بأتمّ معنى الكلمة لأبرز مؤشرات التطور الاقتصادي والاجتماعي في تونس- غير أنّنا نشير إلى أنّ المعاينة تكون بدورها هامة ونقصد بها تحديدا ما يمكن أن يلمسه الزائر لتونس وكذلك المواطن من تحسّن واضح في إطار العيش العام في مستوياته المختلفة: الخدمات والبنية التحتية وإطار العيش الحضري والريفي، الخ.. وهذه أيضا مؤشرات (بصرية مباشرة) لا تخطئ ولا تخدع، وقد لمّح إليها الكاتب من منطلق معاينة مباشرة قام بها بنفسه على أرض الواقع.

وبالفعل، لقد عرفت تونس قفزة نوعية لا يُستهان بها في المستوى الحضاري بفضل تمشّ تنموي مرحليّ بعيد المدى قلّ نظيره في العالم اليوم المتعجّل بل المتسرّع لكسب النتائج قبل اكتمال شروطها الموضوعية.

وبطبيعة الحال، وككلّ تجربة بشرية، فإنّ الكمال غاية لا تُُدرك ومواطن النقص لا تعدم أبدا وهي في نهاية المطاف حوافز جديدة لمزيد البذل والعطاء والتضحية وتصحيح المسار سعيا وراء تحقيق الأهداف النبيلة المنشودة لمصلحة الوطن بكلّ مكوّناته وبكامل الأمانة.

 

وفي ختام قراءتنا لهذا الكتاب الجدير حقّا بالقراءة والتمعّن في ما يحمله من نداء صادق بل صرخة ضمير تدعو إلى الوعي الدقيق بطبيعة ما يجري في العالم وبالتالي بحقيقة ما تمثله التجربة التنموية في تونس منذ التغيير، نلاحظ أخيرا أنّه عندما يتعلّق الأمر بالحديث عن المؤسسات الديمقراطية ينسى معظم الناس أو يتناسون أنّ تكوين هذه المؤسسات لا يعتمد فقط على القرار السياسي والتأطير القانوني وإنّما أيضا وبالخصوص على إطار مجتمعي واع بها يدعمها في كلّ الظروف، بما يعني أنّ المسؤولية مشتركة بين الجميع في تجذير المؤسسات الديمقراطية في المجتمع، وهو ما لا يكون إلاّ من خلال الثقافة والإعلام. فلا بد من مشاركة فاعلة للمثقفين في الحياة السياسية العامة ولا بد أيضا وفي نفس الوقت من وجود بنية ثقافية وإعلامية متينة في عناصرها وفي ارتباطها بالمجتمع وخاصة بهذه الفئات الوسطى المتعلّمة بل رفيعة المستوى التعليمي والثقافي.

وقد بيّنت الأحداث التي تلت الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية أنّ فقدان هذا التجذّر في الوعي الاجتماعي (بحكم استئثار فئة قليلة بكامل أجهزة الإعلام وقدرتها على التأثير القوي في الرأي العام إلى جانب تقاليد عدم التفتح على العالم الخارجي في وسائل الإعلام الأمريكية وحتى في مناهج التعليم) قد صنع ثغرة كبيرة سهّلت تجاوز الإطار المؤسساتي من قبل أفراد في الإدارة واتّخاذ قرارات متفرّدة شبيهة بتلك التي يُلام عليها عادة أيُّ نظام فردي السلطة (دكتاتوري أو تسلّطي despote ).

من جانبها، كانت تجربة تونس قبل التحوّل ذات دلالات كبرى في هذا السياق حيث بيّنت بوضوح تام أنّه لم يكن كافيا أن يتوفّر المجتمع على فئة واسعة من المتعلّمين والمثقفين بل كان لا بد من تشريكهم في البناء المجتمعي والسياسي والاعتماد على طموحاتهم الثقافية الرفيعة لخلق حركيّة بناء اجتماعي طموح يفيد المجتمع بأكمله وكان لا بدّ في نفس الوقت من مخاطبتهم بل وتشريكهم في صنع خطاب إعلامي في نفس مستواهم الثقافي الرفيع وعلى نفس وتيرة طموحاتهم الاجتماعية. هذا ما كان سيمثّل دعما قويا لمشاركتهم في البناء وتثمينا له في نفس الوقت كما كان سيسمح بتأمين حصانة حقيقية ودائمة للمجتمع بأكمله وخاصة لأجياله الصاعدة حيال إغراءات التغريب الثقافي والاغتراب الاجتماعي والتفكير المتطرف.

نعم، لقد كان للتعليم دور هام في بناء المجتمع التونسي بعد الاستقلال، لكنّه لم يكن ليعطي ثماره كاملة النضج بدون إنضاج الخطاب الإعلامي ومضمونه الثقافي. ونحن لا نتحدث هنا عن الخطاب الرسمي، فمن المفارقات الطريفة أنّه كان في معظم الأحيان متقدّما على الواقع، وهذه خاصيّة تونسية.

لكنّ الخاصية الأخرى لتونس والتي تمثلت في الاعتدال المنهجي في مسار التنمية والتفتح المتوازن على العالم الخارجي كانت تفترض وجود هذا الخطاب الاجتماعي الذي نتحدث عنه والذي تحمله عادة أرفع الفئات تكوينا ثقافيا وعلميّا وتنشره عبر بقية الفئات من خلال التعليم والتكوين والتأطير في المدرسة والجامعة ودور الثقافة ومن خلال الإبداع المسرحي والسينمائي والفني والإذاعي والتلفزي والصحفي.

ولا نغفل طبعا عن بديهية أنّ كلّ ذلك لا يتحقق إلاّ من خلال رسم استراتيجيّة حقيقية للإعلام العلمي والثقافي والتوعوي عبر كلّ هذه الوسائط يخدم الأهداف البعيدة للتنمية الشاملة المستديمة ويرسّخ مشاعر الثقة في النفس الضرورية لذلك. أمّا غياب هذه الاستراتيجية وغياب آليات تنفيذها المتمثلة خاصة في وسائل الإعلام الحرّة وفي بنية حقيقيّة لنقل ونشر المعرفة الراقية والواعية وفق الاستراتيجية المضبوطة، فإنّه يصنع ذلك الفراغ الذي من خلاله تنفذ باستمرار وبصورة خفيّة كلّ أشكال التطرّف التي تعانيها أكثر المجتمعات النامية اليوم.

******************

1) - Antoine Sfeir : Tunisie, Terre de Paradoxes , Paris : L'Archipel, 2006.

 

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org