ملاحظات حول كتاب أنطوان صفير : Tunisie, Terre de Paradoxes

د.محمّد محجوب
جامعة تونس

أريدُ في هذا التدخّل المختصر أن أنطلق من مفهوم المفارقة الذي بُني عليه هذا الكتاب. فالكتابُ يقوم في الحقيقة على موقعين للمفارقة : موقع أوّل أعتقد أن أنطوان صفير يقبل به منطلقا بسيطا يسلّم به : وهو الموقع الدّاخلي للمفارقة :

- تونس أرض المفارقات، هي تونس التي تجمع بين عناصر النّجاح وقلّة الموارد ولا سيما مقارنة مع كثير من أجوارها ومثيلاتها في محيطها الجغرافي والسّياسي المباشر.

تونس أرض المفارقات هي تونس التي تجمع بين طول الشوط المقطوع على درب الرّقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وقصر المدّة الزمنية التي يمكن أن تحاسب عليها الأمم، أعني على وجه التّحديد سنوات الاستقلال التي ما تزال تقاس ببعض العشريات المعدودة.

تونس أرض المفارقات هي تونس الصّغيرة، والتي تتموقع، رغم ذلك، يوميّا على السّاحة الدّولية لا بالإنجازات فقط ولكن كذلك بنماذج التّطوير الاقتصادي، ونماذج الرّقي الاجتماعي وبصورتها الثّقافية وإصلاحاتها. وهذه مفارقة النّفوس الكبيرة التي، كما قال المتنبي، تتعَب في مرادها الأجساد.

تونس أرض المفارقات، هي تونس التي يؤهّلها التاريخ الحديث والسياق الثقافي والمحيط السياسي لأن تكون بلد الانفعال، ولكنها نهجت نهج التجرّد والاعتدال والتعقل ولاسيما في تصريف شؤونها السّياسية وخياراتها الكبرى.

تونس أرض المفارقات هي تونس التي كانت قبل أقلّ من 20 سنة على حافة الكارثة، ولكنها اليوم كما جاء في كتاب أنطوان صفير: "أكثر بلدان المغرب استقرارا وازدهارا" وهي كذلك حسب شهادة المجلس الأمريكي للشؤون العالمية " بلد حديث وتقدمي ... وأنموذج لما يمكن إنجازه في أرض عربية إسلامية" .

إنّ مظاهر النّجاح حين يتهدد الفشل كثيرا من البلدان الشبيهة، أو على الأقلّ، النّجاح الأقلّ، هي من أهمّ حوامل المفارقة.

ولكنّ الكتاب قد بُني كذلك بناء ثانيا. فهو يرمي إلى الردّ والإجابة على تجنّ يومي على تونس، نجد بعض مضامينه ملخّصة في الصفحات الأولى من الكتاب : الاستبداد، غياب الديمقراطية، الرقابة على مؤسسات الدولة، مشكل الحريات الأساسية.

إنّ المفارقة المشار إليها هاهنا هي عدم التّساير بين نسق التّغيير الاجتماعي والاقتصادي من جهة ونسق التّغيير السّياسي من جهة ثانية. ويتمثّل الردّ الذي ينعقد له كامل الكتاب تجسيما للفكرة التي مضمونها : أنّ بناء الديمقراطية وبناء الحرية هو عمل يستلزم كامل عناصر الصرح الذي تقوم عليه الدولة. فالفكرة كما ترون بسيطة وواضحة. ولكني أودّ أن أعترف هاهنا بأنّه إذا كانت المعلومات التي نقرأها في هذا الكتاب غير جديدة في مجملها، فإنها المرة الأولى التي تقدم فيها هذه المعطيات ضمن نسق حجاجي. إن حاجتنا إلى مثل هذا الكتاب كبيرة جدا. ومن بعض الوجوه فإني أغتنم هذه الفرصة لأعبّر عن رأي لا يلزمني إلا أنا : أنّ خطاب الموالاة، في تونس، لا بدّ أن يمرّ من منطق الترديد إلى منطق الحجاج أي إلى المنطق الذي يَفهم بعمق ما تُنجزه الدّولة، وينزّل ذلك ضمن حركة البناء المزدوج للحداثة والدّيمقراطية. فما يظهره كتاب صفير هو أن الاتهامات الموجّهة لتونس تقوم على تناقض صارخ يتمثل في عدم النظر إلى ما يحدث فيها من تطوّر اقتصادي واجتماعي وسياسي ضمن نسق البناء المتلازم للحداثة والحرية و الديمقراطية، في حين أن ذلك هو نسق بنائهما التاريخي الحقيقي كما تم في الغرب وفي أوروبا على وجه الخصوص.

ومن جهة ثانية فإن بناء الحداثة والحرية هو برنامج سياسي له خصومه. لقد بنى الفكر الغربي والحضارة الغربية بأكملها تجربته للحرية على أساس ربطها بالتاريخ وبالفعل اليومي. لذلك فإنّ الحرية تحرّر، يقتضي تدرّجا في السّيطرة على الضرورات، الضرورات التي تجعل الإنسان متى ما كان تحت وطأتها لا يمارس الحرية : الهمجية والتوحش والجهل والفقر. [ وفي مناسبتين متباعدتين من الكتاب ص 13 وص 182 يعمد أنطوان صفير إلى تعدادها بنفس الألفاظ تقريبا]

لا بدّ أن نُدرك أنّ منطق تطوّر الأشياء يؤدّي بضرب من التّأثير الرّاجع إلى تطوّر العقول والذّهنيات. والموقف الدّاعي إلى قصر الحداثة على حداثة الأشياء يفاجئه دائما أنَّ حداثة الأشياء تؤدِّي إلى حداثة العقول. وأنا أعتقد أنّ فشل مشاريع الحداثة في كثير من البلدان العربيّة يرجع إلى عدم قدرة عبارتها السياسية، أعني نخبها السياسية، على استيعاب التحدُّث الضروري للعقول الذي نجم عن صدمة الحداثة، وبالتّالي إلى عدم قدرتها على الاعتراف بسليلها السياسي الطّبيعي بل بسليلها المنشود.

هكذا المجتمعات العربية اليوم : انفصام على انفصام. بعضها مع مشروع النّهضة والحداثة اللتين تمثلهما الدولة، ولكنّه ضدّ الممارسة الاستبدادية التي تمثلها الدولة أيضا، فينتصر، ضدّ الدولة، للدّيمقراطية والحرية ممارسةً تتماشى مع روح الحداثة والنّهضة التي تمثلها، مع ذلك، الدّولة هي هي. وبعضُها مع الممارسة ولكنّه ضدّ المشروع، فينتصر، ضدّ الدولة، لفكر الظّلامية والأصوليّة، روحا يتماشى مع واقع الممارسة الاستبدادية التي تمثّلها الدولة هي هي أيضا.

إنّ فشل مشاريع الحداثة العربيّة يرجع لكونها لم تدرك أنّ الغاية الحقيقية تتمثل في تعديل الحداثة بالحرّية وتعديل الحرّية بالحداثة، أي في اغتناء الحداثة بالإنسانيّة. لا يمكن بناء الحرّية ضمن سياق من الخصاصة والفقر والضّرورة والأوبئة والجهل وانعدام الكرامة. ولا يمكن إرساء الحداثة من دون الانطلاق المتدرج للإرادة، انطلاقا يعطيها دورها في صنع التاريخ. ولعلّ لقاء هذين هو المعنى العميق والاستراتيجي للتّنمية التي شرعت تونس التغيير، في نهجها، بعيدا عن كلّ ديماغوجيا.

لقد بدا لي بكل وضوح أن كتاب أنطوان صفير قد تمثل هذا الوضع بكل دقة، ورفع بعضا من الغبن الذي تعاني منه التجربة التونسية في نظر بعض أطياف اليسار الأوروبي. ولكنه يبدو لي أنّه بقدر ما أكّد الحرص السياسي والاجتماعي للتغيير على تدعيم المدرسة في تونس، فإنه لم يحلل هذا دور المدرسة في كلّ التحولات التي طرأت وخاصة دورها في حمل المضمون الحداثي للتجربة التونسية. ولعل ذلك يكون موضوع عودة لنا في هذا الموضع.

*****************

ص. 7

ص. 8.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org