2010 سنة دولية للحوار مع الشباب:
المنطلقات والغايات
مختار الدبابي
كاتب / إعلامي – تونس
غيّرت العولمة العديد من المفاهيم والمقاييس والتوازنات الدولية، فلم تعُد قيمة الدول تُقاس بحجمها الجغرافي أو بمدّخراتها من النفط أو الغاز أو بقوّتها العسكرية ومقدار إنفاقها على التسلّح، وأصبحت هناك مقاييس جديدة تعتمد على التعاطي مع تكنولوجيا الذكاء ومدى اندماج الدولة في منظومة الاقتصاد العالمي وتفاعلها مع منظومة القيم الكونية.
وبقراءة في محصّلة سنة 2009 نجد أنّ تونس حازت على كمٍّ لافت من الشهادات الدولية الصادرة عن منظمات وهيئات ذات مصداقية عالية، فهناك شهادات تضعها في المقدّمة إقليميّا ودوليّا على مستوى الاستقرار السياسي، وجودة الحياة، ومناخ الأعمال والقدرة التنافسية والحوكمة وحسن توظيف المال العام ومقياس الشفافية الدولية.
ومن الطبيعي جدّا أن تفتح هذه النجاحات أعين المؤسسات الدولية على التجربة التنموية التونسية للبحث عن مواطن الجذب فيها والاستفادة منها والترويج لها كنموذج خاص يمكن الاعتماد عليه للصمود في وجه الأزمات الدولية، ونتذكر هنا تصريحات مدير صندوق النقد الدولي "دومينيك ستراوس كان" الذي زار تونس في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 وأكّد أنّ الاقتصاد التونسي وضعه جيّد رغم الأزمة العالمية، وأشاد بالسياسة الاقتصادية المتّبعة في البلاد، ودعا الدول الإقليمية إلى الأخذ بطريقة تونس في امتصاص تأثيرات الأزمة وضمان استقرار اقتصادها.
كما نذكر، أيضا، إشادة ممثّلي الدول المنضوية تحت المجلس العالمي لحقوق الإنسان بالمقاربة التونسية التي تتعاطى مع حقوق الإنسان بصورة أشمل ولا تقف عند حدود الشعار السياسي، فهي أوّل من أسّس للتلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وهي من اعتبر أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تنجح في فضاء يهيمن عليه الفقر والبطالة، ولهذا كانت إجراءات الانفتاح السياسي تسير بنفس النسق الذي يسير به التطوّر الاجتماعي والاقتصادي.
وهذه الرؤية الشاملة الباحثة عن خلق شروطٍ تنموية تصبّ كلها في خدمة الإنسان والرّقيّ بمستوى عيشه، اكتسبت تفاعلا دوليّا واسعا مع المبادرة التي قدّمها الرئيس زين العابدين بن علي للعالم بتأسيس صندوق عالمي للتضامن يكون آليّة فاعلة تساعد العالم على التصدّي لاتّساع دائرة الفقر والجوع والأمّيّة والأمراض ودعم الدّول السائرة في طريق النموّ على خوض معارك فاعلة ضدّ هذه الظواهر.
وقد وجدت المبادرة مشروعيتها السياسية والعمليّة في نجاحها داخليّا من خلال صندوق التضامن الوطني (26 – 26) الذي حقّق، كآليّة حرّة تُموَّل من التبرّعات، الكثير من النجاحات لفائدة ضِعاف الحال والمناطق الأقل حظّا، كما حرصت بعض الدول العربية والأفريقية على الاستفادة من تجربة الصندوق وعملت على تطبيقها.
هذه الصورة التي قدّمت تونس إلى العالم بلدًا مثابرًا وناجعًا وقادرًا على خلق الآليات الفاعلة لتطوير إمكانياته ومستوى عيش مواطنيه مثّلت الأرضيّة المُثلى لقبول المبادرة التي أطلقها الرئيس بن علي أواخر سنة 2008 والدّاعية إلى تخصيص سنة 2010 سنةً دولية للشباب. وقد صادقت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة بالإجماع خلال اجتماعات دورتها الـ64 على قرار يعتمد مبادرة تونس الخاصة بإعلان سنة 2010 سنة دولية للشباب. وقرّرت بموجب هذه القرار، تنظيم مؤتمر عالمي للشباب برعاية الأمم المتحدة حول موضوع "الشباب: الحوار والتفاهم المتبادل".
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ هذه المبادرة لم تنطلق من فراغ وليست مبادرة استعراضية تستهدف خطف الأضواء أو تسجيل الحضور السياسي والإعلامي، فهي تمامًا كما صندوق التضامن العالمي انطلقت من تجربة محليّة حقّقت النجاح اللاّفت وحملت عنوانًا لها "الحوار مع الشباب"، وهو حوارٌ امتدّ على سنة كاملة (2008) وانتهى بإمضاء ميثاق وطني للشباب التونسي.
الحوار مع الشباب.. لماذا؟
تبنّى شباب تونس مشروع الميثاق الوطني للشباب الذي توّج سلسلة من الحوارات ساهم فيها قرابة نصف مليون مشارك، ومن خلال ما رُشّح عن أجواء الحوار الذي جرى في مختلف الجهات، وبانت معالمه في الصحافة المكتوبة والمواقع الإلكترونية، يلاحظ المراقب أنّ سنة الحوار مع الشباب كانت خطوة مهمّة جدّا لأنها وضعت تونس على أعتاب مرحلة جديدة قوامها تشريك الشباب في تحمل المسؤولية وتدريبه على المبادرة والنقد والاختلاف.
لقد أبانت الحوارات الواسعة مع شباب تونس بمختلف جهاته ومستوياته أنّه يحمل رؤى وأفكارًا وأحلامًا لما ستكون عليه تونس في المستقبل، أي أنّه ليس شبابًا يعيش على الهامش أو لا يفكّر إلاّ في يومه، كما يريد البعض أن يروّج.
وفضلا عن كونه متمسّكا بالنجاح في الحياة الخاصة، وهذا ما تؤكّده نتائج التميّز في الامتحانات والاختراعات والرّياضات الفردية والجماعية، وتشهد به المؤسّسات الأجنبيّة التي ينتمي إليها شباب تونسيّون، فضلا عن كل ما تقدّم فإنّ الشباب التونسي أظهر اهتمامًا بالقضايا السياسيّة، وناقش وتساءل واقترح رؤى وأفكارًا في كل ما يتعلق بالتعددية والديمقراطية والحرية، ومفهوم الهوية الوطنية والعلاقة بالدين والعولمة والشراكة، وغيرها من القضايا.
السياسة قدر الأمم، وحين يُغيّب الشباب عنها فهذا يعني أنّ مستقبل أيّ بلد سيكون مرهونًا بيد المجهول، ولهذا حرصت تونس على تشريك الشباب في الحياة السياسيّة والجمعياتية من خلال إجراءات وقرارات عديدة.
ومن مزايا هذه الإجراءات أنّ الشباب صار ممثّلا في البرلمان، فضلا عن الهياكل الوطنية والجهوية الأخرى التابعة للدولة أو مؤسسات المجتمع المدني، وقد ساهمت التعديلات الدستورية المتتالية في جعل الإقبال الشبابي كبيرًا على الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة الأخيرة، خاصّة بعد النزول بالسّنّ الدّنيا للانتخاب إلى 18 سنة.
لقد أخرج الحوار الواسع الذي استمرّ أشهرًا الكثير من الشباب من حالة الانكماش والخوف والرّيبة والسلبيّة التي فُرضت عليهم، بفعل ثقافة شعبيّة تستمدّ جذورها من ذاكرة قديمة تجعل من السياسة خطّا أحمر ما ينبغي الاقتراب منه، وتضع الشأن العام هامشا لا يكاد يرى أمام النزعة الفردية التي تتخفّى وراء سلسلة من الأمثال الشعبية الموغلة في العزلة والانكماش.
وقد عبّر شباب تونس المتحمّس لخيار الحوار عن وعيٍ شامل لمختلف القضايا، فهو مع الأصالة التونسية ومع الهوية العربية والإسلامية لتونس، ومع اعتزاز البلاد بمختلف الحضارات التي مرّت بها وجعلت منها فضاء للتسامح والانفتاح وعنوانا للتحضّر واحترام الآخر.
وهو يفهم جيّدا المسافة الفاصلة بين الاعتزاز بهذه الهويّة الضاربة في عمق التاريخ، وبين الحاجة الأكيدة إلى الانتماء للحضارة الإنسانية الحديثة والدّفاع عن قيمها ومكاسبها في مواجهة الانغلاق والتطرّف ومحاولات الالتفاف على تلك المكاسب.
وقد كان شعار "تونس أوّلا" الذي دارت سنة الحوار تحته شعارًا مؤثّرًا فعلاً وذا دلالات عميقة يقول لأبناء تونس الذين يفتحون الأعين على الحياة بتفاؤل أنّ تونس لكم كيفما كنتم وكيفما كانت أفكاركم وانتماءاتكم، فالحوار ليس مقصورًا على شباب الحزب الحاكم، بل يشمل المنتمين لمختلف الأحزاب، الممثّلة في البرلمان وخارجه، ويشمل مختلف الناشطين في الجمعيات المدنية والرياضية، والشباب الذين يُوصفون عادة بالكتلة الصامتة الذين يهربون من السياسة والشأن العام إلى المقاهي، هؤلاء الذين تتسرّب إلى بعضهم ثقافة الإشاعة وتوسّع لديهم دائرة السلبيّة والهروب من الحياة.
لا شكّ أنّ لدى شباب تونس عشرات الأسئلة والمخاوف المشروعة التي تتعلق بمستقبله، ووجود فضاءات للحوار في أجواء من الثقة الكبيرة سيسمح له أن يتكلّم دون ضوابط ولا خطوط حمر.
ومن حقّ الدولة، أيضا، أن تقترب من شبابها لتقدّم له صورة حيّة عن جهودها لتوفير شروط متقدّمة للتعليم بمستوياته المختلفة، وجهودها في خلق آليّات ناجعة للتكوين والتدريب والمساعدة على دخول الخرّيجين الجدد سوق الشغل في أحسن استعداد، وهو ما زاد في إنجاحها في توفير آلاف مواطن الشغل سنويّا.
"ميثاق الشباب التونسي".. تعاقد اجتماعي على بناء المستقبل
قراءةٌ معمّقة لوثيقة "ميثاق الشباب التونسي" التي أمضى عليها عددٌ من الشباب التونسي بمناسبة الذكرى الواحدة والعشرين للتغيير(07 – 11 - 2008) تؤكّد لنا أنها وثيقة التزام باستمرار تونس على نفس النهج الذي تعيشه حاليّا، من حيث ثوابته والقيم التي يعمل على تجسيدها.
انطلاقًا من خطاب الحماسة والتفاؤل، ومرورًا بالتمسّك بالوفاء للذاكرة الوطنية، ووصولاً إلى القيم المستقبلية التي تعهّد شباب تونس بالدفاع عنها، نكتشف خطّا ناظمًا من الصيغ والعبارات والتعهّدات التي تصبّ في خانة الدفاع عن منظومة قيم التغيير والحرص على جعلها ركيزة لمعالم تونس الغد، تونس التي سيصنع معالمها شباب اليوم.
العنصر الأوّل البارز في هذه الوثيقة المرجعيّة الإيمان بتاريخ تونس وذاكرتها المتعدّدة والدّور الذي لعبته على مرّ الأزمان، دور قيادة وتفتّح وشراكة مع العالم، فهي إفريقية ومتوسطية وعربية إسلامية، وهذا التعدّد مهمّ لأنه يؤسّس لتواصل الانفتاح على العالم والعمل على الاندماج فيه دون التخلي عن الخصوصية الوطنية.
شباب تونس، كما جسّدت رؤيته وثيقة "ميثاق الشباب التونسي"، يجيبنا على سؤال طالما ظلّ في منطقتنا العربية مَثَار خوف وريبة، ويتعلق بالحدود التي تفصل بين ما هو وطني وبين ما هو عالمي، خاصّة في ظلّ تحوّل العولمة إلى عامل ضغط وحملها على قيم التنوّع الثقافي وتهديدها للخصوصيّات.
ولقد جاء في "ميثاق الشباب التونسي" تعهّد شبابي بـ"ذودنا بكلّ قوة للحفاظ على خصائصنا التونسية القائمة على الوسطيّة والاعتدال والانفتاح على محيطنا الإنساني، وحرص شعبنا الدائم على منطق الحكمة والتفاهم بين البشر والدفاع عن قضايا السلم والخير والتضامن والتآزر ونبذ التطرّف والتعصّب والإرهاب".
وهذا يعني أنّ الخصوصيّة التونسية ما ينبغي لها أن تقود إلى الانغلاق وكراهية الآخر، بل تبحث عن المشترك الإنساني وتسعى إلى تعميقه من خلال الحوار ومن خلال الدفاع عن القيم الكونية وتثبيتها وخاصة قيم التسامح والقبول بالتعدّد الإثني والديني، والعمل على تحقيق استقرار العالم ووقف النزوع إلى المواجهة والحرب.
وهكذا يكون التعاطي مع متطلّبات العولمة من خلال الاندماج فيها اندماجًا واعيًا، وليس من خلال التصادم معها ومحاولة بناء عالم منغلق يصادر الحقوق ويفرض على الناس أفكارًا بالية تُعيدهم إلى الوراء وتُعيق مساهمتهم في إنجاز حضارة إنسانية متعددة ومنفتحة.
ومع الدفاع عن عالم متعدّد وحقّ كل الشعوب في المساهمة في بنائه، يتمسّك الشباب، أيضا، بأنّ تونس التي يحلمون بها هي تونس المنفتحة على أبنائها بمختلف أفكارهم، فعبارة "تونس للجميع" تُخفي استعدادًا كبيرًا للتعايش مع الاختلاف، إيمانًا بأنّ الحرية الشخصية والفكرية والسياسية تحرّر الفرد وتجعله أكثر قدرة على البذل وخدمة الصالح العام وأكثر مبادرة.
فالحرّيّة لا تتناقض في شيء مع إعلانهم الاستعداد للبذل والعطاء واستيعاب التكنولوجيا الحديثة، إذ لا قيمة لممارسة العمل الجمعياتي والمدني والسياسي والثقافي دون أن يعبّروا عن أنفسهم ويُظهروا رؤاهم ويجسّدوا أحلامهم.
ومن المهمّ جدّا أن يأخذ شباب تونس قضيّة الحرية هذه، وكونه المؤتمن على المستقبل، بالجدّيّة اللازمة بعيدًا عن التردّد والخوف والإرباك، فالحرية لا تُهدى، بل تصنعها التجربة والدربة والحماسة الشخصية، وهذا ما جسّده نصّ الميثاق حين يعلن الممضون عليه "نعلن التزامنا بتفعيل مبادئ هذا الميثاق وتوجّهاته، وحرصنا على مواصلة الحوار وتمسّكنا بحقّنا في التعبير عن آرائنا وطموحاتنا..".
شباب العالم: أيّ شروط للمساهمة في صنع معالم المستقبل؟
وهكذا، فإنّ التجربة التونسية ستكون مغرية ولا شكّ بالاحتذاء على المستوى الدولي لما توفّره من دليل أمام الدول والهيئات الإقليمية والأمميّة على سهولة تشريك الشباب وتوظيفه في الفعل والبناء بدل تركه على الهامش.
إنّ العالم يحتاج إلى المبادرة التونسية حول جعل سنة 2010 سنةً للشباب لاعتبارات عديدة:
- العالم يعيش حالة من التغيّرات النوعيّة التي تلعب فيها تكنولوجيا الذكاء دورًا بارزًا، والشباب وُلدوا مع هذه التكنولوجيا وتشبّعوا بروحها وهم قادرون على تطويرها، وخاصة على حسن توظيفها ممّا يعطي حلولا لقضايا شائكة يعيشها العالم، وبالذات العالم الثالث والدول السائرة في طريق النموّ.
وإنّ إطلاق المبادرة الخاصة لدى الأجيال الجديدة ومساعدتها بالتكوين والتأهيل، وربط التعليم الذي تتلقّاه بسوق العمل، وخلق الآليّات التمويليّة اللازمة لإعانتها على تركيز مشاريعها، كلّها عوامل مهمّة في المعارك التي يجب أن تخوضها مختلف الدول ضدّ البطالة والفقر والجوع وانعدام الأمن الغذائي، وهي الظواهر التي تؤرّق العالم.
- ليس هناك شكّ في أنّ الكثير من القيادات العليا والمتوسطة في العالم الثالث تقدّم بها العمر، وهي إلى ذلك تحكم دولها بأفكار قديمة صلاحيّتها منتهية، أفكار تستمدّ وجودها و"أحلامها" من مرحلة الحرب الباردة ومخلّفات الأيديولوجيّات، وهي مرحلة قد انتهت ولم تعد قادرة على التقدّم بمجتمعاتها قيد أنملة، وتحتاج الدول إلى أجيال جديدة وُلدت في زمن العولمة وتشرّبت قيمها الإيجابيّة.
لقد تحوّلت مقولات القرية الكونية، والقيم الكونية، والمجتمع العالمي الواحد تحوّلت إلى حقائق على الأرض، ودول العالم الثالث مدعوّة إلى الإيمان بهذه التحوّلات وإنْ كانت جارفة ومزعجة لها، وأكثر من هذا لابدّ من التفاعل معها والمساهمة في تطويرها عبر المبادرات والأفكار، وليس أقدر من الشباب على التفاعل الإيجابي مع التحولات الجديدة.
- العولمة، ورغم الصّدود الذي تلقاه تجاه تعبيراتها السياسية والاقتصادية وحروبها المجنونة، فإنها تتّجه بالعالم نحو تدعيم التعددية والديمقراطية شرطًا للشراكات الاقتصادية المختلفة، ولأنّ الفكر المرتبط بمخلفات الحرب الباردة يرفض الديمقراطية ويؤمن بالوصاية وحكم الحزب الأيديولوجي والقيادات التاريخية، فإنّ دخول الشباب إلى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والبرلمانات الوطنية والمجالس الاستشارية سيكون رافعة لأيّ تغيير مستقبلي، لأنّ التعليم الجديد وتأثيرات وسائل الإعلام الحديثة، وخاصة الإلكترونية التي نجحت في الانفلات من سطوة الوصاية الأيديولوجية، زرعت في الشباب بذور الإيمان بالتعدّد والاختلاف الثقافي والديني والسياسي.
وهكذا فإنّ تشريك الشباب في مختلف المؤسسات السياسية والمدنية، ولو تدريجيّا، سيعطي بلده أملا جديدًا في الحياة والتحديث والتطوير والاندماج في المنظومة الكونية، ليس كمُتلقِّ سلبي، بل كفاعل ومبادر.
- أيّ رفض لتشريك الشباب أو التقليل من أهمية مساهمته في الحياة العامة لن يمرّ دون تأثيرات سلبّية عليه وعلى البلاد التي ينتمي إليها، وهناك صور ثلاث لهذه التأثيرات:
الصّورة الأولى، أنّ التهميش يقود إلى توسيع دائرة الكتلة الصامتة ويمنع الدول من توظيف كل طاقاتها في خدمة التنمية خاصة أنّها طاقات حيّة وحيوية ونشطة.
الصورة الثانية، أنّ التهميش يدفع الشباب إلى الاحتجاج العنيف مثلما نراه حاليّا في إيران، وهو احتجاج يكون في غالب الأحيان عنيفا ويتعمّد تجاوز كل الضوابط، بل إنّه يستهدف خصوصا العلامات الرمزية للدولة (مؤسسات سياسية وأمنية وإدارية ومنشآت عامة).
الصورة الثالثة، أنّ التهميش يقود الشباب إلى توظيف طاقاته في الجريمة بأشكالها المتعددة، وخاصة الجريمة الحديثة مثل شبكات مخدّرات، إلى تبييض الأموال، إلى الإرهاب، ونودّ الإشارة هنا على وجه الخصوص إلى أنّ الحركات الإرهابيّة نجحت بشكل ملحوظ في استقطاب الشباب وتحويله إلى حطب في معاركها.
- العالم الآن في حاجة ماسّة إلى قوى تؤمن بالحوار وحقّ الآخر في الاختلاف في مواجهة دعوات الصراع والمواجهة بين الأديان والثقافات والحضارات، وهي مواجهة تهدّد بأن تعيد العالم قرونًا إلى الوراء، ويكفي الإشارة إلى الصعود الكاسح لليمين في أوروبا ومعاداته لما هو آت من الشرق (قضية الرسوم المسيئة، والاستفتاء على المآذن)، بالإضافة إلى موجات التكفير والانغلاق التي تضغط على العالم العربي الإسلامي في علاقته بالغرب.
الشباب المنفتح على الآخر والمتشبّع بالقيم الكونية قادر على امتصاص حالة الاحتقان والتأسيس للتوازن في العلاقات الدولية والحضارة الإنسانيّة ككلّ فضلا عن إشاعة روح التضامن والتعاون، وهكذا فإنّ الجمعية العامّة للأمم المتحدة تبنّت مبادرة تونس بجعل 2010 سنةً دوليّة للشباب هادفة إلى جعل الشباب الحالم بالمستقبل والحامل للتفاؤل والأمل نواةً للفعل، عساه يغيّر بوصلة عولمة تخلق شروط الأزمات أكثر ممّا تبحث عن الحلول.