التّصرف الاستراتيجي في الموارد البشريّة بتونس

 

د. حبيب الدرويش

أستاذ علم الاجتماع بجامعة صفاقس - تونس

 

اتّسمت نهاية القرن الماضي وبداية الألفيّة الثالثة باضطراب في المحيط العالمي عبّرت عنه تلك التغيّرات اللاّفتة والسريعة والعميقة في مستويات عدّة تمسّ حياة الإنسان ومصيره، ومعلومٌ أنّ نجاح أيّ بلد في تحقيق التنمية والتّطوّر مشروط بنجاح كياناتِه الاقتصاديّة. لقد صارت التحّدياتُ المطروحةُ أمام الدول كبيرةً لمجاراة أنساق المنافسة التي فرضها مسار عولمة المؤسسة mondialisation de l’entreprise التي تمثّل مرحلة تتّسم بتركيز حقيقي لشبكات ذات صبغة كونيّة وذلك بفضل التقدّم الحاصل في ميادين التكنولوجيا والخدمات ما ولّدَ تبعيّةً متبادلة بين المؤسسات التي صارت أسيرة ما يعبّر عنه بنسق العالم.

في هذا الإطار تتنزّل مسألة التّصرّف في الموارد البشريّة بالنظر إلى تلك القناعة الحاصلة بأنّ الأهداف التي تروم المؤسسة تحقيقها من مثل الدوام، والمقدرة الإنتاجيّة، الربح والنماء لا يمكن أن تتحقّق إلاّ من خلال عمل البشر ما يعني اعتبار الموارد البشريّة من العناصر الدّاخلية المهمّة التي تستوجب معالجةً إستراتيجية استشرافيّة تتأسّس على الإحكام الكمّي والكيفي Ajustement quantitatif et qualitatif .

تسعى هذه الورقة إلى معالجة مسألة الموارد البشريّة داخل المؤسسة التونسية من خلال إثارة إشكاليات ذات صبغة ثقافيّة وتنظيمية خاصّة إذا علمنا أنّ النسيج الاقتصادي التونسي يعتمد بالأساس على المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة التي يمكن أن تتعرّض للصعوبات والهزّات بحكم الهشاشة الماليّة والتنظيميّة :والبشرية التي يتّصف بها هذا الصنف أمام تلك الشركات الدوليّة الكبرى التي تفرض نسقا مرتفعا من المنافسة، بمعنى آخر تطرح الورقة السؤال الآتي

هل تحيل إجراءات تأهيل الموارد البشريّة بتونس على نموذج إرشادي (براديغم) جديد واستراتيجيا راسخة في مجال التصرّف في الإنسان داخل المؤسسة أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون إلاّ تصرّفا موقفيّا Gestion situationnelle فرضته الرغبة في التكيّف مع المحيط الاقتصادي العالمي؟

ها هنا تطرح مسألة التّصرف في الموارد البشريّة في هذه الورقة من منظور حضاري ثقافي يستبطن نظرة معيّنة للإنسان وموقعه من عمليّة التنمية والتطوير والتحديث.

الاقتصاد المعولم والاتجاهات الجديدة للتّصرف في الموارد البشريّة:

لقد اتّسم السياق العالمي الحالي بواقع جديد يمكن تلخيص مكوّناته في النقاط التالية:

-واقع المنافسة الذي يتجلّى في تلك النسب المرتفعة من المؤسّسات التي تعلن إفلاسها سنويّا، ولا ينسحب الأمر على الدول المتخلّفة أو الصاعدة بل حتّى على تلك الدول المتقدّمة التي تمثّل فيها نسبة تلاشي المؤسّسة (أو نسبة وفاتها إذا أجزنا لأنفسنا استخدام المصطلح الديمغرافي Taux de mortalité) مرتفعةً، ما يجعل التحدّي الأوّل متّصلا بالموارد البشريّة كمّا و كيفا للإبقاء على حظوظ المؤسّسة في البقاء والنماء ، وحتّى لا تمثّل هذه الموارد عبئا عوضا عن أن تكون عنصر إقلاع.

-التّطوّر السّريع للتكنولوجيا يجعل مفاهيم المنافسة و أساليبها غير مستقرّة، وبالنسبة إلى مسألة التصرّف في الموارد البشريّة تُطرح بقوّةٍ مسألةُ التواصل داخل المؤسسة وخارجها، فمثلا: لاتّخاذ قرار يهمّ سوقا فائق الاضطراب، يصبح من الضروري الحصول على معلومات عميقة ومتنوّعة المصادر، هذه المعلومات يمكن للمسؤول أو القائد الإداري - إذا تبنّينا مفاهيم المقاربة التشريكية - أن يحصُل عليها من مختلف المستويات التراتبيّة المهنيّة، من أولئك الذين يُوجدون في تواصلٍ مستمرّ مع الحرفاء والمزوّدين ومع الآلات والتجهيزات، بمعنى آخر من أولئك الفنّيين والأعوان الميدانيين ذوي الاختصاصات الدقيقة.

-المستهلكون أنفسهم يتطوّرون بشكل غير متوقّع مساهمين بعمق في التغيّر الذي يمسّ المؤسسة ومحيطها، إنّهم يطالبون باطّراد بالجودة العالية للمنتوج فارضين خدمات أخرى كخدمات ما بعد البيع، وتبعا لذلك انخرطت المؤسسات في سباق قويّ من أجل توفير القيمة المضافة للحريف المستهلك، وهذا يعني بالنسبة إلى الموارد البشريّة، إتباع سلوك التجديد والابتكاريّة في الإنتاج والتنظيم والتسويق، وهذا لا يمكن له أن يتحقّق إلاّ عبر إعادة النظر في دور أعوان المؤسسة وجعلهم ينخرطون فعليّا في مشروعها وبرامجها من خلال أساليب التشريك والتحفيز والتفويض وتثمين سلوك المبادرة والابتكار والتجديد.

-طبيعة العمل نفسها لحقها التغيير وهذا يفترض درجة عالية من الاحترافيّة قائمةً على الكفاءة والمهارة والتخصّص، كما يتطلّب إمكانات تواصليّة وقدرة على المخاطرة وتحمّل المسؤوليّة. إنّ الواقع الجديد لم يجعل من الأعراف بمفردهم الماسكين بالمعلومة والعارفين بإشكالات العمل والقادرين على توفير الحلول، فمقدرة المؤسسات صارت ترتبط أكثر فأكثر بنوعيّة أعوانها وبمستوى كفاءاتهم التخصّصيّة مهما كانت مواقعهم في السلّم المراتبي.

-الحاجة إلى كفاءات جديدة تزداد يوما بعد يوم ، وقد ترجم مفهوم عالم الاجتماع الفرنسي آلان توران Alain Touraine " البطالة الفارقية Chômage paradoxal " عن هذه الحاجة، حيث تتزايد طلبات التشغيل ويتفاقمّ مشكل البطالة من جهة، وفي المقابل تشتكي المؤسسات من عدم تلبية سوق الشغل لحاجاتها من التخصّصات الجديدة التي فرضها الواقع المتحوّل ومقتضيات الاقتصاد المعولم. إنّ المفارقة هنا تتمثّل في عدم وجود انتدابات رغم وجود الطلب والعرض، وذلك بسبب عدم تطابق الموجود مع المطلوب.

وأمام هذا الوضع المتّسم بندرة الكفاءات المختصّة في المهن المستحدثة فإنّ الاعتماد على منظومة التكوين المستمرّ والرسكلة يصبح متأكّدا وهذه إحدى مهامّ مصالح الموارد البشريّة بالمؤسسات.

سِماتُ التصرّف في الموارد البشريّة بالمؤسّسات التونسية الصغرى والمتوسّطة

اختارت تونس الانخراط المبكّر في المنظومة العالميّة الجديدة معتمدةً على اتّفاقاتٍ وآليّاتٍ مختلفة وذلك من أجل امتلاك مكانٍ ضمن هذا المحيط العالمي بمختلف مستوياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.

بالنسبة إلى الاتّفاقات فهي تلك التي شرعت في توقيعها منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي من مثل اتّفاق الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي والإنهاء التدريجي للحماية الضريبيّة الجمركيّة للاقتصاد المحلّي الذي استُكمل منذ جانفي من سنة2008 .

أمّا عن الآليات فتتمثّل في استحداث حوافز تشجّع على الإقبال على التكنولوجيا الحديثة للإعلام والاتصال وتكييف منظومة التعليم والتكوين مع المقتضيات الجديدة للاقتصاد المعولم وأنساق التشغيل.

هذا في المستوى الإجمالي، أمّا في المستوى الإفرادي المصغّر، أي في مستوى المؤسسة ، فإنّ مسار التطوير والتكييف للرّفع من القدرة التنافسيّة قد اعتمد برنامجا وطنيا طموحا يتمثّل في تأهيل النسق الإنتاجي من خلال إعادة الهيكلة الماليّة للمؤسسات ، الدخول في مخطّطات وبرامج تكوين مهني، تبنّي معايير إنتاجيّة دوليّة، تأكيد معايير الجودة وضبط مواصفاتها، تطوير الاستثمار في المستويين المادّي واللاّمادّي خاصّة.

في ما يتعلّق بالتصرّف في الموارد البشريّة فإنّ الإجماع يكاد يكون حاصلا - في المستوييْن الرسمي والأكاديمي - على ضرورة إعطاء الموارد البشريّة بعدا استراتيجيّا يُترجم أهمّيتها في التطوير والتحديث وتحقيق التنمية المستديمة.

وكما سلف وأشرنا، يرتكز النسيج الاقتصادي التونسي على المؤسسات الصغرى والمتوسّطة التي مازالت لم تترسّخ فيها بعدُ مهمّة التصرّف في الموارد البشريّة بالشكل المطلوب، ويعود ذلك إلى الأسباب الثلاثة التالية على الأقلّ:

-السبب الأوّل ذو صبغة مادّية، حيث لا يَعتبِر مسؤولو هذا الصنف من المؤِسسات الإنفاقَ في مجال الموارد البشريّة استثمارا بلْ كلفةً، إنّهم يحصرون الاستثمار في بعده المادّي فحسب.

-السبب الثاني ثقافي، ويتّصل بعدم ترسّخ ثقافة تنظيميّة ترتكز على فكرة التصرّف الرشيد في الموارد البشرية بكلّ ما يقتضيه من آليات تشريك وتثمين وتحفيز.

-أمّا السبب الثالث فيتّصل بمجال الممارسة، حيث تُحصَر أدوار مصلحة الموارد البشرية في وظائف ذات صبغة إداريّة بيروقراطيّة بحتة لا تتعدّى مسائل الانتداب وخلاص الأجور ومتابعة الحضور وتسجيل الغياب، ووِفق هذه الممارسة يصبح مسؤول الموارد البشرية مجرّد حارس للقوانين والتراتيب Gardien de législation يراقب حركة الأعوان دخولاً وخروجًا بالإضافة إلى بعض الوظائف البسيطة الأخرى التي يغيب عنها العمق والتجديد والاستشراف مقابل الالتزامِ بتنفيذ القرارات المنمّطة ومجاراة اليومي.

إنّ التوصيف السالف لسِمات وظيفة التصرّف في الموارد البشرية ينسحب خاصّة على المؤسسات الصغرى وبعض المؤسسات المتوسّطة، وهي سِماتٌ موروثة عن طُرُق التصرّف القديمة التي انبنى عليها صنفُ المؤسّسة العائليّة خاصّةً، حيث تشتغِل وِفق ما يقرّره صاحب المؤسّسة الذي يجمع بين يديْه جميع القرارات وأغلب المهامّ، وحتّى عندما يلجأ إلى تفويض غيره للقيام ببعضها فإنّه يكلّف في الغالب أحد أقاربه أو معارفه بعيدا عن مبدأ الكفاءة والتخصّص.

يبدو هذا التداخلُ بين الحياة الاجتماعيّة والحياة المهنيّة واحدًا من العوامل الثقافيّة المؤثّرة في اشتغال المؤسّسة، وهو يتناقض مع مبادئ العقْلنة والترشيد القائمة على الضبط الدقيق للأدوار والمهمّات وشكْلنَة التواصل وعدم شخْصنَة العلاقات، فحتّى إنْ وُجدتْ خطّةُ متصرّف الموارد البشرية داخل المؤسّسة فإنّ هذا المسؤول يجد نفسه مدفوعا في الغالب إلى إرضاء أفراد العائلة في المؤسّسة والماسكين الفعليين بالقرارات، وهذا ما يعيقُه عن إتباع منهج البرمجة والتخطيط والاستراتيجيا في كلّ ما يتّصل بالموارد البشريّة لينغمس في مجاراة التفاصيل اليوميّة وخوض التجارب التوفيقيّة بين مختلف الأركان الفاعلة في المؤسّسة.

لكن في المقابل، فإنّ ما أشرنا إليه من تداخل الاجتماعي والمهني لا يعني ضرورةً تبنّي طُرُق العلاقات البيروقراطيّة الجامدة بدعوى العقلنة والترشيد ذلك أنّ أساليب الإدارة الحديثة الناجعة تتجاوز المقاربة الكلاسيكيّة القائمة على العلاقات العموديّة ومركزة القرارات لتستقرّ عند أشكال من التواصل و التعاون والتشارك عبّرت عنها المناهج الجديدة من مثل: الإدارة بالأهداف Direction par objectifs ( D.P.O) والإدارة التشريكيّة بالأهداف Direction participative par objectifs (D.P.P.O) وحلقات الجودة Cercles de qualité وغيرها ممّا سنأتي على بعض تفاصيلها في العنصر اللاحق.

ما يجب التنويه إليه في هّا السياق أنّ مصلحة الموارد البشريّة بالمؤسّسة التونسية تتطوّر بالنظر إلى حجمها، فغياب هذه المصلحة أو ضعف أدائها بالمؤسّسات الصغرى يُقابَلُ بحضورٍ فاعلٍ لها داخل المؤسّسات الكبرى، هذا الحضور يُترجم عن بداية تشكّل ملامح مسار يُثمِّن الموارد البشريّة ويعتبِرُها الأساسَ المتين للتنمية إنْ في المستوى الإفرادي ( المؤسسة) أو في المستوى الإجمالي (المجتمع). ولئن كان التصرّف الاستراتيجي في الموارد البشريّة قد فرض نفسه على الاقتصاد التونسي منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي فإنّه يتأكّد اليوم بصورة أكثر إلحاحا في إطار محيط يمثّل مسرحا كبيرا للتنافس والتسابق الاقتصادي.

مقتضيات التصرّف الاستراتيجي في الموارد البشرية

إنّ التسابق اللامحدود الذي تخوضه المؤسّسات على نطاق عالمي واسع من أجل فتح أسواق جديدة مشروطٌ بالبحث المنتظم عن المناهج التي تُتيح استعمالا أمثل للموارد البشريّة و المادّية حتّى تضمن المؤسّسة الديمومة والنجاعة والقدرة التنافسيّة. أمّا عن مجال تدخّل إدارة الموارد البشريّة فيتمثّل في تلك المقترحات التي تتقدّم بها إلى مختلف المستويات الهرميّة من أجل تنشيط العاملين في المؤسّسة وغرس عقليّة الفريق في صفوفهم، هذه المهمّة تبحث إذن في تنمية الوظيفة البيداغوجيّة للتأطير والمساعدة والمرافقة المهنيّة للعاملين بالمؤسسة والذين نَستحسنُ اعتبارهم معاونين لا أعوانا، وهذا التحوّل المصطلحي ليس اعتباطيا بل يكشف عن مقاربة تشريكيّة أفقيّة تعوّض المقاربة الكلاسيكيّة العموديّة.

وكما اعتبرنا الأعوان معاونين في المقاربة التسييريّة الحديثة، فإنّ المدير سيتحوّل وِفق هذا المنظور إلى قائد أو مدبّر ينأى بنفسه عن سياسة التحكّم والالتزام الصلب بتنفيذ القانون دون اجتهاد أو تطوير، وهو يقود العمل فيدخل عليه التحسينات، ويضعه حيّز التنفيذ، ويصل به إلى النتائج المرغوبة.

ومن الضروريّ أن يكون القائد الإداري مدرّبا ومحفّزا ممتازا، يستطيع بناء الفريق المهني ويحذق فنّيات الاتصال، يستشرف المستقبل ويصنع القرار الملائم، أي لا يَنتظر متى تحدث الأشياء بل يصنعها هو بنفسه. كذلك من واجبه الاهتمام بالعلاقات الإنسانية لتحليل دوافع الأعوان أو بالأحرى المعاونين وتحديد احتياجاتهم الأساسيّة والاهتمام بعلاقاتهم عن طريق تفهّم الجوانب الإنسانيّة في حياتهم المهنيّة والاجتماعيّة. معنى هذا أن تتّجه إدارة الموارد البشريّة بالنمط التسييري داخل المؤسّسة إلى أساليب الإشراف الفعّال الذي من شأنه أن يطوّر من قُدرات المعاونين على التعلّم ويرسّخ، بالتالي، نسقا فعّالا قائما على النقل السريع والمنتظم للمعلومة المتيحة بدورها لإمكانيّة التجديد والابتكار.

و يمكن أن نُجمِل مقتضيات التصرّف الأمثل في الموارد البشريّة للمؤسّسة التونسية الحالية في النقاط الآتية:

-الملاءمة بين أهداف المؤسّسة وقُدراتها المادّية والبشريّة وطرُق عمل منافسيها وانتظارات حرفائها ذلك أنّ سوق المال والأعمال يتألّف من ثلاثة أقطاب متفاعلة وهي: المؤسّسة، المنافس والحريف، وفي هذا الإطار تُعوِّل المؤسّسةُ كثيرا على مواردها البشريّة لفهم مقتضيات الاندماج المُربِح في السوق.

-التحليل الدقيق والموضوعي للمهمّات والمراكز لتحديد احتياجات المؤسسة من الكفاءات في المستوييْن الكمّي والكيفي ، فالإحكام الكمّي يجنّب النقص في الأعوان الذي يؤثّر في النسق الإنتاجي كما يجنّب الزيادة التي تفضي إلى تحمّل تكاليف لا جدوى منها، أمّا الإحكام الكيفي فتعبّر عنه مقولة "الرجل المناسب في المكان المناسب" أحسن تعبير، فما جدوى مثلا أن يضطلع مختصّ في التسويق بمهامّ المحاسبة، أو أن يقوم مهندس في الإلكترونيك بمهامّ مختصّ في البرمجيّات الإعلاميّة؟

إنّ التحليل المستمرّ لحاجات المؤسسة من الكفاءات يعني القيام بعمليات التحيين والملاءمة في مستوى توزيع المهامّ والمسؤوليات وأشكال تداول المعلومة داخل المؤسسة بما ينسجم مع استراتيجيات المؤسسة وأهدافها الآجلة والعاجلة.

العمل باستمرار على تجنّب التداخل في المهمّات بسبب عدم وضوحها أو نقص المعلومة بخصوصها، وكذلك الحرص على عدم التداخل بين ما هو اجتماعي وعلائقي وبين ما هو مهني لأنّ هذا التداخل قد يصبح معرقلا للقواعد التنظيميّة ومَنفذا للمحاباة والتكتّلات المؤثّرة على المناخيْن الاجتماعي والمهني. بمعنى آخر، من واجب المؤسّسة التونسية توصيف العلاقات المهنيّة الهرميّة الصاعدة أو النازلة بشكل واضح ودقيق حتّى لا تعمّ الفوضى والتجاوزات.

-تبنّي مبدأ الاعتراف المتبادل بالمصالح بين مختلف الفاعلين في المؤسّسة من إدارة وأعوان بمختلف أصنافهم، بمعنى أن تعترف إدارة المؤسسة بالحقوق الاجتماعية للأعوان وتراعي ذواتهم الإنسانية مقابل اعتراف الأعوان بحقوق مؤسستهم عليهم فيحرصون على تحقيق أهدافها والترفيع من أرباحها، يحدث هذا في إطار منهجيّة تفاوضيّة تشاوريّة تُسمّى في علم القيادة الإداريّة والتسيير بالتفاوض التكاملي المعبّر عن إستراتيجية " رابح/ رابح.

-تدعو مقتضيات التصرّف الاستراتيجي في الموارد البشريّة إلى جعل المسؤول عن هذه الموارد يركّز على مسائل جوهريّة من مثل التصرّف في مدّة العمل Gestion des carrières وتقييم مقدرة المؤسّسة، والتحفيز، وتشريك الإطارات والأعوان، وتطوير ظروف العمل وتنظيم دورات التكوين وتقييم نتائجها. أمّا مسائل مثل التأخير، الغيابات، الإجازات وغيرها فيجب أن توكل إلى مصلحة أخرى لأنّها تتباين مع العمل الاستراتيجي ولا تعدو أن تكون إلاّ تصرّفا في اليومي يرهق الإطار ويقلّل من إمكانيّة استفادة المؤسّسة من كفاءته ومبادراته.

لقد بيّنتْ بعض الدراسات التي أُجرِيتْ حول مكانة إدارة الموارد البشريّة في بعض المؤسسات التونسيّة أنّ هذه الإدارة مازالت لم تُثبّتْ بعدُ كمصلحة ذات بعد استراتيجيّ يُترجم الأهمّية الموكولة إلى الإنسان كأهمّ رأسمال تتوفّر عليه المؤسّسة، وقد أشارت هذه الدراسات إلى اجتماعات إستراتيجية ،مصيريّة تُعقَدُ دون دعوة مسؤول الموارد البشريّة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى عدّة قرارات مهمّة كما أنّ أوّل ما يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن تأهيل المؤسسة هو تطوير التجهيزات والبنية التحتيّة في المقام الأوّل.

لكن في المقابل تُتيح نظرة متمعّنة في الخطاب الرسمي التونسي وفي محتوى التشريعات و الحوافز والآليات وأيضا في محتوى برامج التعليم بمختلف مستوياته وتخصّصاته الخروج باستنتاج مفادُه أنّ تونس مهّدت الطريق لنحْتِ مسارٍ من النموِّ يقوم على اعتبار الإنسان هدف التنمية وأداتها. ومعلومٌ أنّ غرس ثقافة تنظيميّة Culture organisationnelle تُثمّن الموارد البشريّة وتعتبرها المورد الأبرز يتطلّب مسارا من تغيير العقليات والعادات الموروثة عن المقاربات الكلاسيكيّة ذات الصلابة البيروقراطيّة، إنّ مسار التغيير هو عمليّةُ بناء اجتماعيّ وثقافيّ وهو أحد تجلّيات الفعل الاستراتيجي التونسي الحديث.

خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــة

لقد حاولتْ هذه الورقة تحسّس ملامح التصرّف في الموارد البشريّة في المؤسسة التونسيّة التي تواجه واقع المنافسة و اضطراب الأسواق العالميّة، ووقفتْ عند مظاهر من الوعي بأهمّية العنصر البشري في تحقيق كفاءة المؤسسة الاقتصاديّة والرفع من قدرتها التنافسية، لكن في مستوى الممارسة التسييريّة مازالت هذه الوظيفة محكومة بعدّة متغيّرات متداخلة من مثل العامل الثقافي المؤثّر في السلوك التنظيمي، والظروف المادّية للمؤسسات الصغرى خاصّة، وهي ظروف معيقة لمشاريع التأهيل البشري. كما توقّفتْ الورقة عند مقتضيات التصرّف الاستراتيجي ومتطلّباته في المستوى الإجرائي وهي محاولة تندرج في إطار المشاركة في النقاش الدائر حول أساليب الرفع من مكانة الإنسان في المؤسّسة خاصّةً والمجتمع عامّةً.

الهوامــــــــــــــــــش

  Jean Michel Plane , la gestion des ressources humaines,   Ed Flammarion,2000,p66

Riadh ZGHAL : Gestion des ressources humaines, les bases de la gestion prévisionnelle et de la gestion stratégique,C .P.U. Tunis 2000,P16

Slaheddine Berrazega: Mise à niveau des entreprises tunisiennes, La gestion optimale des ressources humaines, L'expert, N°10,du 03 au 09 janvier,1997, p4.

Jamel CHOUKIR, PMN ( programme de la mise à niveau) et pratique de management des ressources humaines: Application au cas tunisien, in, Revue: Travail et Développement, INTES, N°24, Tunis, 2005, 248.

 


afkar@afkaronline.org