أيّ دور للعلوم الإنسانية والاجتماعية داخل المؤسسة الاقتصاديّة؟

د.الحبيب درويش
أستاذ علم الاجتماع بجامعة صفاقس
ونائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع- تونس
.

تمهيـــــــــــــــد

تُتيح قراءة متأنّية لواقع العلوم الإنسانية و الاجتماعية في الوطن العربي اليومَ الخروجَ بملاحظة أوّليّة تتّصل بسوء تقدير دورها في المجتمع عموما وسائر المؤسسات وفضاءات العمل تحديدا، وهو ما يُثير انشغال العاملين في حقل هذه العلوم من مُدرّسين وباحثين وطلبة. ويزداد الانشغال عند الاطّلاع على إصلاحات التعليم العالي الحالية التي فرضتها التغيّرات العالمية اللاّفتة حيث استُبعِدت العلوم الإنسانية والاجتماعية من عمليات التغيير و التنمية أو على الأقلّ وُضِعت في مراتب متأخّرة مقارنةً بالتخصّصات العلمية الأخرى الموسومة بالعلوم الصلبة.

يتّخذ موضوع هذه الورقة مشروعيته إذن من هذه التفرقة اللافتة المنتشرة في المجتمع العربي بين العلوم الصحيحة والعلوم الطبيعية من جهة و العلوم الإنسانية و الاجتماعية من جهة ثانية، أو هي بالأحرى تفرقةٌ بين علوم اعتُبِرت مفيدة وأخرى غير مفيدة أو أقلَّ إفادة وهي العلوم الإنـسانيـة والاجتماعية. واللاّفت في هذه التفرقة أنّها تترسّخ منذ المراحل الدراسيّة الأولى عندما يُجبَر التلاميذ المتفوّقون على الاتجاه إلى شعب العلوم الموسومة بالصلبة حتّى و إن كانت لا تلائم ميولهم بدعوى أنّ آفاقها التشغيلية أرحب وهي المتيحة لفرص الارتقاء الاجتماعي.

تطرح هذه الورقة إذن الإشكالات التالية:

كيف يبدو وضع العلوم الإنسانية والاجتماعية في المجتمع العربي اليومَ؟ و أيّ دور يمكن أن يضطلع به المشتغلون بحقل هذه العلوم للمساهمة في بناء مجتمع ديناميكيّ تأخذ مؤسّساته وقطاعاته المختلفة في الحسبان الجوانب الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية في فعلها الاقتصادي؟ بمعنى آخر، كيف يتيحُ ترسيمُ العلوم الإنسانية داخل المؤسسة تخليصَها من الجانب الوظائفي البحت و عبء المردودية الاقتصادية ليجعلها فاعلا مسؤولا اجتماعيّا؟

1- موقع العلوم الإنسانية في مؤسسات المجتمع العربي

أمست مقولة التنمية اليوم محوراً مشتركاً لمعظم العلوم الإنسانية وتطبيقاتها، وقد عرّف إعلان "الحق في التنمية " الذي أقرّته الأمم المتحدة في العام 1986 عملية التنمية بأنّها "عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسّن المتواصل لرفاهية كلّ السكان وكلّ الأفراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية "، لذلك لا غرابة أن تتّفق مقاربات التطوير و التحديث في الأقطار العربية إلى الانخراط في هذا المفهوم بدرجات مختلفة ومتفاوتة راغبة في توفير الأسباب المؤدية إلى بناء مجتمع ديناميكيّ لا يتردّد في الاعتماد على مختلف مصادر التطوّر ،و هذا يعني ضمنيا أن يكون لكلّ ما يتصل بالعلوم الإنسانية والآداب و الفنون ومجمَل التعابير الثقافية موقعٌ متقدّمٌ في برامج التنمية والتطوير و الإصلاح ذلك أنّ المجتمع بحاجة إلى أولئك القادرين على التخيّل و التصوّر وفتح الآفاق من المتخصّصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، لكنّ الواقع يكشف في المقابل أنّ مؤسّسات المجتمع بهذه الأقطار تعاني صعوبات مختلفة متّصلة بمواردها البشرية ، وسبب ذلك أنّها وضعت نفسها تحت عبء المردوديّة الماديّة للأعوان وأدائهم التقني والوظائفي البحت.

لقد حظي البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية باهتمام كبير في الجامعات ومراكز البحث الغربية، ولا يُنظر إليه هناك بصفته ترفا أو تخصّصا ثانويا مقارنةً بالبحث في مجال العلوم البحتة والتطبيقية، وذلك على الرغم من أن ظاهرة العولمة و مبادئ اقتصاد السوق تهيمن بشكل كبير في الغرب. فتلك الجامعات والمراكز الغربية تربط بين البحث العلمي النظري التجريدي (أو الأوّلي) - الذي تعدّ العلوم الإنسانية والاجتماعية من أهمّ مرتكزاته- وبين البحث العلمي التطبيقي الموجّه إلى التكنولوجيا والهندسة والطب.

أمّا في المجتمع العربي فإنّ التغيّرات الكبيرة التي تشقّه جعلت المشتغلين بالعلوم الإنسانية يسعَوْن بالإمكانات البحثية المتاحة إلى توصيف الظواهر ومحاولة فهمها ومعالجتها علميّا، ولمّا كانت الأولويّة الكبرى ُتمنَح للتنمية الاقتصادية فقد أفضى هذا التوجّه إلى تجاهل دور العلوم الإنسانية و الاجتماعية في المساعدة على تحقيق هذه التنمية و بالتالي إلى تجاهل نتائج الدراسات المنبثقة عنها لدى أصحاب القرار، ولعلّ هذا الموقف الذي يبخس مكانة العلوم الإنسانية و الاجتماعية جعل البعض يتحدّث اليوم عن وجود أزمة فعلية داخل العلوم الإنسانية، وهناك من بات يضع تساؤلا كبيرا حول جدوى الاستمرار في وجود عدد من التخصّصات في مجال العلوم الإنسانية داخل الجامعة على الأقل في شكلها التقليدي الذي لم يعد مؤهّلا لضمان تكيّف المنتمين إليه مع متطلّبات العصر ومقتضيات العولمة واقتصاد السوق وضغوط التشغيل. والواقع أنّ هذه النظرةَ تترجم عن فهم قاصر للعلم ورسالته وأهدافه، فحصر قيمة العلم في إنجازاته التطبيقية، وتقييم العلوم انطلاقا من نموذج يضع العلم العملي والتطبيقي في مرتبة أعلى من باقي فروع المعرفة والفكر يعكسان نظرة خاطئة تماما للعلم."لأنّه لا انفصال في العلم بين ما هو نظري مجرد وما هو عملي تطبيقي، سواء كنّا نعني بالعلم هنا العلوم الطبيعية والرياضية، أو العلوم الإنسانية".

من المعلوم أنّ العلوم الطبيعية و الرياضية تتحوّل بالضرورة إلى قوّة تكنولوجية وهو ما بوّأها المراتب الأولى لدى عامّة الناس أوْ لدى أولئك القائمين على شؤون الجامعات ومراكز البحث على اعتبار أنّها تقدّم حلولا ملموسة للمشكلات الحياتية وتخدم حاجات المجتمع الماديّة، لكنّ ما يجب التنويه إليه أنّ خدمة المجتمع لا تقتصر على تيسير الحلول ذات الطابع المادّي و التقني البحت، فتعقّد الحياة البشريّة وتداخل مشاربها ومشكلاتها كلُّها عناصر كفيلة بإعطاء مشروعيّة لترسيم العلوم الإنسانية في مشاريع التنمية واعتبارها روافد مهمّة للتنمية والتطوير والنهوض بالإنسان، ولعلّ هذا ما عناه " أيميل دوركايم " أحد روّاد علم الاجتماع بقوله " لا يستحقّ علم الاجتماع منّا عناء ساعة واحدة إذا كانت غايته نظريّة فحسب" في تأكيدٍ على أهمّية البعد الإجرائي والعملي للبحث الاجتماعي حتّى يكون عالم الاجتماع قريبا من قضايا مجتمعه وعصره وفاعلا في إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية المتجدّدة.

إنّ التحوّلات المثيرة التي يشهدها العالم اليومَ هي قدَر هذا العصر، ولا يستطيع أحَدٌ إيقاف عجلة التاريخ كما يصعب عليه إن لم نقلْ يستحيل أن يمارس فعل الاختيار فيأخذ أشياء ويرفض أخرى ، ولكن يمكن على الأقلّ تسليط بعض الوعي على مشكلات الحياة وقضاياها حتّى لا يظلّ العصر وحده يسكننا بأوهامه ومعاييره كما يشاء، بل نحاول نحن أن نسكن فيه على طريقتنا، ها هنا تصبح العلوم الإنسانية ليست تعاليا عن الواقع، بل هي إنتاج للمفاهيم والأفكار التي ترتبط بِطُرُق الوجود وأساليب الحياة، وبالتالي فهي حاجة ملحّة لتحقيق التنمية في بعدها الشمولي، هذه التنمية التي يكون الإنسان جوهرها بالضرورة.

إنّ تلك النظرة السائدة في الجامعات العربية التي تربط بين دور العلوم الإنسانية وإشباع متطلبات سوق العمل، هي نظرة تؤدي إلى تراجع دور العلوم الإنسانية، والحدّ من إمكانية تطوّرها. كما أن الأقسام الخاصة بالعلوم الإنسانية في الجامعة تصبح ذات صبغة مؤقتة إذ أنّها لا تهدف إلاّ لتخريج عدد محدود جدّا من الأخصائيين، ثمّ بعد ذلك لن تعود هناك حاجة لها "لأنّه ليست هناك وظائف شاغرة في المجتمع بمسمّيات فيلسوف، ومؤرخ، وأديب، وفنان... الخ ". ومن ثمّ، فمتى تُشبَع سوق العمل من خريجي هذه العلوم، لم يعد لوجودها مبرّر، وهذا ما يحدث فعلا لبعض أقسام العلوم الإنسانية في الجامعات العربية التي باتت تعاني صعوبات جمّة تهدّد بتلاشيها.

تبدو المسألة التنموية بالأقطار العربية عموما محكومةً بنظرة تضيّق من مفهوم الكفاءة وتحصرها في الجوانب التقنية في حين أنّ الكفاءة مجموعة غير مجزّأة من المعارف والمهارات و أيضا الكفاءة الاجتماعية والعلائقية مَا يجعلُ الاستئناس بالعلوم الإنسانية أمرا متأكّدا من أجل الرفع من قُدُرات المؤسّسة وكفاءة مواردها البشرية، فالعلوم الإنسانية والاجتماعية تبدو مفيدةً حتّى بالنسبة إلى أصحاب التخصّصات العلمية ذات الصبغة التقنية، على اعتبار أنّ المجتمع عموما والمؤسسة الاقتصادية تحديدا بحاجة إلى متخصّص صاحب إمكاناتٍ معرفية وثقافةٍ عامّةٍ تُعاضد تخصّصه العلمي الدقيق وتزيد من قدرته على التفكير والتجديد والاستشراف خاصّة في ظلّ واقع يتّسم بحدّة المنافسة وعمق التغيّر.

إنّ العلوم حمّالة للتقدّم التكنولوجي والتنمية ورافعة من القدرة التنافسية، لكنْ بعيدا عن هذه المقتضيات الاقتصادية تقدّم العلوم نفسها كحمّالة للقيم والمعايير الثقافية أيضا، إنّها تعبير عن الرغبة البشرية في الاطلاع و المعرفة المتنوّعة، لذلك تبدو المجتمعات البشرية اليومَ محتاجةً أكثر من أيّ وقت مضى للعلوم بمختلف مشاربها وخاصّة الإنسانية و الاجتماعية منها، خاصّة أمام هيمنة العلوم الموسومة بالصلبة أو الحيّة، هذه الحاجة تنبع من ضرورة فهم العالم المحيط بنا و مزيد الإحاطة بالظواهر الإنسانية والاجتماعية التي تولّدت عن التقدّم التكنولوجي والعمل على توطين الجوانب الإيتيقية (الأخلاقية والإنسانية) في الفعل الاقتصادي، هذه الجوانب التي ظلّت مطرودةً من حقل الاقتصاد الذي اشتغل ومازال بعيدا عن "الإيتيقيا" على اعتبار نشأته حقلا مستقلاّ عنها .

و يمكن القول إنّ إعادة الاعتبار لدور العلوم الإنسانية يتأتّى من عدم حصر مفهوم خدمة المجتمع في تقديم الخدمات الماديّة له. فإذا كان لا يكمن للعلوم الإنسانية أن تلبّيَ حاجات ماديّة ملموسة للناس فهي تساهم في تزويد المجتمع بكوادر جيّدة في مجالات القضاء والإدارة، هذا فضلا عن دورها الرئيس معرفيا وفكريا وثقافيا وتنويريّا. ومن المعلوم أن التنمية الثقافية للمجتمع لا تقلّ أهمية عن المكوّنات الأخرى للتنمية. ويبيّن مسار مختلف الحضارات الإنسانية أنّ التطوّر المادّي كان مشروطا دوما بحصول تطوّر معرفيّ وثقافيّ. وأكبر دليل على ذلك ما يحدث اليوم في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
إنّ التقدّم التكنولوجي و الاقتصادي الذي حقّقه الإنسان اليومَ يبدو مفتقِدًا للفكر الذي يهديه ويوجّهه نحو بناء مجتمع بشري عادل يمارس الإنتاج و التجارة في إطار مراعاة الطبيعة واحترام الآخر، فهذا التقدّم شديد التأثّر بمسار عولمةٍ زاحفة وليبراليّة متوحِّشة جعلته في خدمة مصالحها الربحيّة البحتة، ها هنا تتأكّد أهمّية العلوم الإنسانية في المستوييْن الإفرادي (داخل المؤسسة الاقتصادية) و الإجمالي (داخل المجتمع) من أجل توطين القيم الإنسانية في المناشط الاقتصادية وبالتالي الاستجابة إلى مقتضيات التنمية المستديمة التي تتّخذ من الإنسان منطلقا وهدفا، هنا يجوز طرح السؤال الآتي: أيّ دور يمكن أن تلعبه العلوم الإنسانية والاجتماعية داخل المؤسسة الاقتصادية؟

2- العلوم الإنسانية داخل المؤسسة الاقتصادية

لقد بدا واضحا أنّ هاجس المردودية والإنتاجية قد أفضى بالمؤسسات الاقتصادية إلى تنظيم عمل أعوانها وِفق مهمّات محدودة بالغة الدقّة والتخصّص وهو ما يحدّ من هامش العمل والإبداع والابتكار لديهم، كما أنّ هذا السعي إلى تحديد المهمّات وحصرها يعكس تجاهل دور العلوم الإنسانية المنادية بإثراء المهمّات وتوسيعها وإعطاء فرص لفرق العمل شبه المستقلّة في إطار مقاربة تشاركية في مجال التصرّف في الكفاءات تنأى عن مركزة أخذ القرار والتفرّد بالرأي وتتّجه إلى خلع طابع ديمقراطيّ في ميدان العمل من أجل مزيد الديناميكية والتشريك والجودة.

لم تترسّخ بعد لدى المسيّرين في الأقطار العربية والبلدان النامية عموما تلك الثقافة التنظيمية التي تنزع إلى التفكير في المؤسسة الاقتصادية من زاوية اشتغالها الإنساني رغم أنّ مضامين التصريحات والخطب تصبّ أغلبها في خانة أهمّية الموارد البشرية. من المؤكّد أنّ مختلف التعلّمات في العلوم الإنسانية قد تطوّرت باتّجاه تكوين إطارات للمؤسسة، لكنّ الإشكالية تُطرح من زاوية محدودية نجاعة هذه العلوم داخل المؤسسة الاقتصادية ، هذه المحدودية تبدو محكومة بهوّة ذات طابع مزدوج يجعلها متباعدة وغير متكاملة:

- الهوّة الأولى ذات طابع تخصّصي، فالتعلّمات في العلوم الإنسانية موزّعة بشكل تعاقبي أو متوازٍ دون أن تكون هناك تمفصلات واضحة و ناجحة تصل بين هذه التخصّصات. بعض التخصّصات تتغلّب على أخرى ليس لأنّها متأسّسة علميّا بشكل أفضل، ولكن لأنّها أكثر استعمالا وتداولاً في لغة المؤسّسة و تتناوب مصطلحاتها المجلاّت المختصّة في علوم الاقتصاد و التسيير.

ويمكن القول إنّ أحد الصعوبات التي تواجهها وظيفة التصرّف في الموارد البشرية داخل المؤسسة هو أنّها لم تخلق لنفسها منطقا خاصّا له تعبيراته ومصطلحاته وبقيت تستعير بعض المفاهيم من التخصّصات الموسومة بالدقّة والضبط على غرار المالية والمحاسبة أو تلك التخصّصات البرّاقة مثل التسويق بمعنى آخر،لم تجدْ مفاهيم العلوم الإنسانية لها منفذا بعدُ في تسيير المؤسسة وتنظيم دواليب العمل بها.

- الهوّة الثانية تتّصل بتلك التفرقة بين المعرفة والفعل، فالمعرفة الأكاديمية وفعل التصرّف يتطوّران ضمن حقلين منفصلين، فمن النادر أن يحدث استدعاء أحد المباشرين للتصرّف والتسيير الإداري إلى مدارج الجامعة لتقديم شواهده وتجاربه العملية أمام الطلبة والباحثين،وفي المقابل نجد من النادر أن يُدعى باحث ليقدّم أفكاره ونتائج بحوثه أمام كوادر المؤسسة ومسؤوليها.

إنّ التوصيف آنف الذكر للعلاقة القائمة بين المؤسسة الاقتصادية ومختلف تخصّصات العلوم الإنسانية يجعل رهان تجسير الهوّة بينهما أمرا مطروحا خاصّة في مجالات التصرّف في الموارد البشرية ، بل يمكن القول إنّ هذه التسمية نفسها (أعني"التصرّف في الموارد البشرية") – بما تعنيه من تثمين للإنسان كأهمّ مورد للمؤسسةٍ- مستوحاةٌ من مقاربات العلوم الإنسانية وقد عوّضت تسمية " إدارة الأعوان" المستوحاة من المقاربة الكلاسيكية للمؤسسة ذات البعد التقني.

استخدام العلوم الإنسانية داخل المؤسسة: الفهم ثمّ الفعل

من المعلوم أنّ المؤسسة الاقتصادية تمثّل نسقا إنتاجيا عامّا يتكوّن من عدّة أنساق فرعيّة، وأبرز هذه الأنساق الفرعية هما النسق الاقتصادي والنسق الاجتماعي اللذان يوجدان في حالة تداخل وتشابك وتأثير متبادل ، وهذه الرؤية تشترط بالطبع تناول المؤسسة في بعدها الاقتصادي المتّصل بالإنتاج والتسويق و احتساب المرابيح وغيرها ، وفي ذات الوقت تناولها في جوانبها الاجتماعية المتمثّلة في السياسة الاجتماعية للمؤسسة وتثمين مواردها البشرية فضلا عن الاهتمام بالجوانب الإنسانية والعلائقية خلال المعيش المهني اليومي لمزيد الإحاطة بمناخ العمل، ويشترط هذا التناول الشمولي للمؤسسة فهم الوضعيات التنظيمية، لكن في المقابل لا يمكن فهم وضعيّة ما إلاّ متى صارت واضحة المعالم أمامنا. من الضروريّ إذن إحداث قطيعتيْن ابستيمولوجيتين من أجل فهم المؤسسة والتوفّق إلى طرق جديدة وفعّالة لاشتغالها:

- القطيعة الأولى مع المعرفة العامّية أو ما سمّاه دوركايم بـ "الحسّ المشترك"، فقد دعا دوركايم إلى الابتعاد عن الحسّ المشترك لأنّه يربكنا ويمنعنا من بناء معرفة علميّة موضوعيّة، و نجد الرأي نفسه لدى آخرين من أمثال"غاستون بشلار" و "كارل بوبر" و"بيار بورديو"، فالمعرفة العامّية هي معرفةٌ متأسّسة على العادات المشتركة والتي وقع إثراؤها بالتجارب الشخصية، والحسّ المشترك يشتغل – بحكم طبيعة تكوّنه – انطلاقا من البديهيات لذلك ينتج تفسيرات بسيطة وسطحيّة عن ظواهر معقّدة كتلك الظواهر المتفشية في المؤسسة الاقتصادية التي تستدعي الفهم الموضوعي الممنهج وغير المتسرّع من أجل غرس آليات تنظيمية ملائمة وناجعة.

- القطيعة الثانية التي يجب إحداثها تكونُ مع العقلية التقنية الموروثة عن المقاربة التنظيمية الكلاسيكية ( تايلور، فورد، فايول...) وهي مقاربة متأسّسة على مبدإ " الإنسان الاقتصادي"، فالعالَم الإنسانيّ الحيّ منظورٌ إليه كما يُنظَر إلى العالم الفيزيائي المادّي وِفق هذه المقاربة، والفرد العامل وقع إخضاعه لمقتضيات العقلنة والحساب، فـلا يُنظر إليه إلاّ من نواحي زيادة الإنتاج وتطوير المردودية حتّى على حساب الجوانب النفسية و الاجتماعية .

لقد انصبّ تركيز التايلورية والفوردية على كيفيّة التوفّق إلى مناهج تساعد على تطوير الإنتاج وتحقيق الربح، وصار العامل داخل المصنع بمثابة قطعةِ لحمٍ ملتصقة بآلة على حدّ تعبير ماركس، فهو مجرّد دولاب من دواليب المصنع تُسنَد إليه المهمّات وما عليه إلاّ تنفيذها دون مناقشة الأوامر أو المشاركة في صياغة القرارات.

لقد أدّت التطبيقات العنيفة للتايلورية والفوردية خلال الربع الأوّل من القرن العشرين إلى بروز ظاهرة تجييش العمّال، حيث صارت المصانع بمثابة الثكنات، وتبعا لذلك تكاثرت المشاكل والصعوبات ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية والتنظيمية وحتّى الاقتصادية بسبب المقاربة التقنية البحتة للمؤسسة، من هذه الصعوبات نذكر: الضغط المهني، التوتّرات العلائقية بين مختلف المستويات التراتبية، التغيّب، حوادث الشغل، تدنّي المردوديّة،... ، لذلك لا غرابة أن تستنجد كبرى المصانع الأمريكية منذ الثلث الأوّل من القرن العشرين بالعلوم الإنسانية لتشخيص تلك المشاكل وتفهّم أسبابها وتقديم الحلول العمليّة للحدّ منها، ولعلّ أشهر الدراسات المترجمة للتوجّه المنادي باستدماج العلوم الإنسانية والاجتماعية في المؤسسة الاقتصادية هي تلك التي أجراها عالم النفس-الاجتماعي الأمريكي ذو الأصل الأسترالي "ألتون مايو Elton Mayo " ( 1880-1949) و فريقه بشركة Western Electric بمدينة "هاوثورن Hawthorne" الأمريكية قرب شيكاغو وقد استغرقت الدراسة سبع سنوات (من 1926 إلى 1932) وانبثق عنها تيّار كان له تأثير بارز في مجال علم النفس الاجتماعي للعمل و علم اجتماع المؤسسة وهو تيار " مدرسة العلاقات البشرية " المؤكِّد على أهمّية المحيط الاجتماعي والعلاقات داخل جماعات العمل غير الرسمية في عملية الإنتاج ومردوديّة العمّال ومناخ العمل عموما .

لقد أفضت دراسات " مايو " وفريقه إلى تبنّي رؤية جديدة لوضعيّة العامل داخل المؤسسة حيث صار يُعتبَر عنصرا فاعلا ضمن مجموعة متفاعلة ومتكاملة، وقد تُرجِم هذا التوجّه فعليّا فيما أقدمت عليه مؤسسة Western Electric عندما أغلقت قسم التوجيه المستوحَى من المقاربة التايلورية التي تفصل بين واضعي البرامج والمخطّطات (المسيّرون والمهندسون) وبين المنفّذين (العمّال) المنحصر دورُهم في تلقّي الأوامر وتنفيذها دون أن يكون لهم الحقّ في المشاركة في التصوّر والتفكير.

وبالعودة إلى الواقع الحالي للمؤسسات الاقتصادية بالأقطار العربية نجد أنّ عدم الإحاطة بالعامل كإنسان و تثمين إنتاج المعرفة المتّصلة به قد أدّيا إلى هيمنة صغار المسيّرين ومسؤولي الموارد البشريّة وبالتالي إلى انهيار عالم الشغل داخل المؤسسة الذي تعدّدت به مظاهر التسيّب والخمول والتعقيد النفسي.

من المفيد إذن أن تُدمِج المؤسسات أشخاصا قادرين على تركيز علاقات إنسانية سليمة بين مختلف مستويات الهرمية المهنية تساعد على تحقيق أهداف مختلف الفاعلين في إطار مبدإٍ بدأ يجد صداه في عالم الأعمال و المؤسسات وهو مبدأ " الاعتراف المتبادل بالمصالح " Reconnaissance réciproque des intérêts ، بمعنى أن تعترف المؤسسة بالحقوق الاجتماعية لـعمّالها وموظّفيها، فتوفّر لهم المناخ النفسي والاجتماعي الملائم للعمل والعيش الكريم، وفي المقابل يعترف العمّال بالحقوق الاقتصاديّة لمؤسّستهم عليهم، فيسعَوْن إلى تحسين الإنتاج والرفع من الإنتاجيّة من أجل أن تكسب المؤسسة رهان المنافسة وتحقّق الأرباح التي تعمّ فوائدها على جميع الأفراد.

ولعلّنا لا نبالغ في القول إنّه من العاجل والمؤكّد الاعتراف بأنّ طالبا في اختصاص العلوم الإنسانية والاجتماعية قادر بامتياز على التكيّف مع وظائف محدّدة لا يقدر عليها غيره، فبهذه النظرة المثمّنة لدور خرّيج العلوم الإنسانية والاجتماعية نجعل من هذه التخصّصات جذّابة للمؤسسات وبالتالي نكسب نجاعة المؤسسة وامتيازها وفي ذات الوقت نستفيد من كفاءة جزء من الخرّجين ظلّ مهمّشا ونحرّك أنساق التشغيل المعطّلة.

لقد تكاثر الحديث وتعمّقت الأفكار في الوقت الراهن حول مفهوم المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة، وهو يُتَداوَل في اللغة الإنجليزية وِفق عبارة " Corporate social responsibility " وصارت المؤسسات مطالبةً- إذا كانت تروم الانخراط في الاقتصاد العالمي واتفاقات الشراكة- تقديم التـقارير الاجتماعية المثبتة لتـبنّيها سياسةً تراعي الحقوق الإنسانية داخل المؤسسة و خارجها، بمعنى مراعاة حقوق العامل النفسية والاجتماعية وفي ذات الوقت الأخذ بعين الاعتبار المسألة البيئة و المحيط الاجتماعي. ويُعتبر " الاتفاق العالمي حول المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة " الذي أطلقته منظّمة الأمم .المتّحدة أصدق مثال على التوجّهات الجديدة للمؤسسة الاقتصادية الحالية

ويُعتبر نجاح هذا المفهوم في شدّ الانتباه إليه من قِبَل الجهات الرسمية و مسؤولي المؤسّسات ترجمةً لمقتضيات مجتمعيّة ملحّة ولّدتها التغيّرات اللافتة محلّيا و دوليّا ما جعل أدوارَ المؤسسة مرشّحة ً لتجاوز ما هو اقتصادي لتمـتدّ إلـى باقــي القـضايا المجتمـعية المحيـطة من مثـل قـضايا التـشغيل والبيـئة والعمل المدني و مشاكل الإقصاء و التهميش و البطالة وغيرها... ، بهذا المنظور الجديد صارت المؤسسات مدعوّة إلى الاعتماد على المختصّين في مختلف فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية لسدّ وظائف متأكّدة ولا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها إلاّ من باب التطفّل وعدم احترام مبدأ التخصّص.

إنّ استنجاد المؤسسات الاقتصادية بالعلوم الإنسانية من شأنه أن يمنحها تثمينا افتقدته بسبب تلك التفرقة بين العلوم الطبيعية من جهة والعلوم الإنسانية والاجتماعية من جهة ثانية، أو بالأحرى تفرقة بين المعرفة المفيدة والمعرفة غير المفيدة كما سلف و أشرنا ، وهي تفرقة تترسّخ منذ مرحلة المدرسة الابتدائية وقد عبّر عنها عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieu بـ " عنصريّة الذكاء Racisme de l'intelligence " .

لقد جعلت هذه التفرقة التلاميذ المتفوّقين في العلوم الإنسانية يحبّذون الحصول على الباكالوريا الموسومة بالصلبة Les sciences dures وبالتالي التوجّه إلى شُعبٍ لا تُلائم إمكاناتهم وميولهم الحقيقية، مبرّرات هذا الاختيار إذن محكومة بسهولة ولوج سوق الشغل بالنسبة إلى أصحاب تخصّصات العلوم الصلبة في مقابل الصعوبات التي يواجهها خرّيجو العلوم الإنسانية والاجتماعية الموسومة بالعلوم الرخوة Les sciences môles . و يعود تخوّف الطلبة وتردّدهم في الإقبال على شُعب العلوم الإنسانية إلى اختزال الجهات الرسمية في الأقطار العربية و البلدان النامية عموما عمليّات التنمية والتحديث في الأخذ بأسباب العلوم الصحيحة و التكنولوجيا، إنّه سلوك يعبّر عن كون الطلبة يشعرون أو يتوقّعون أنّ فعل السلطة محكوم بمنطق المردودية الماديّة، ما حوّل هذا الفعل إلى إيديولوجيّة تهمّش الفكر والثقافة، في حين أنّ الدول المتقدّمة تسند إلى خرّيجي التخصّصات الإنسانية و الاجتماعية مهمّات مختلفة صُلبَ المؤسّسة ما يجعل هذه التخصّصات أكثر ديناميكية وإشعاعا.

خاتمـــــــــــــــــــــــــة

إنّ الرهان المطروح أمام المؤسسات الاقتصادية العربية هو إعادة تثمين العلوم الإنسانية والاجتماعية من أجل الإحاطة بفضاء العمل بصورة أفضل و جعله أكثر ثراءً. إنّه رهان غايته الرفع من مقبوليّة هذه العلوم لدى المؤسّسات لأنّ في ذلك تثمين لدور الجامعة وانفتاحها على المجتمع، لكن في المقابل، ليس المطلوب انفتاح الجامعة وتكيّفها مع مقتضيات المجتمع فحسب، بل المطلوب أيضا انفتاح المجتمع على مختلف التخصّصات والمعارف والقطع مع التمييز والتفرقة المؤدّيان إلى تعطيل الكفاءات والطاقات الكامنة وسوء استخدامها.
إنّ بناء مجتمع الذكاء الذي يمثّل شعارا تتّفق حوله كلّ المقاربات التنموية والاتجاهات السياسيّة يقتضي الاعتماد على كلّ العلوم " الصلبة " منها و " الرخوة "، وهذا يتمّ عبر عمليّة إصلاحٍ لمنظومة التعليم وإعادة صياغة العلاقة بين الجامعة والمجتمع، لكنّ هذا الإصلاح لن يكون مقبولا إلاّ متى وقع التخلّي عن تهميش العلوم الإنسانية لأنّ في ذلك تهميش للمعرفة وتجاهل للحكمة الإنسانية في حين أنّ العالَم اليومَ محتاج أكثر من أيّ وقت مضى إلى المعرفة والحكمة من أجل قيادةِ التقدّم التكنولوجي وتوجيهه الوجهة الإنسانية والحضارية المطلوبة. ترسيمُ العلوم الإنسانية والاجتماعية في عمليّات الإنتاج والتحديث والتغيير معناهُ تبنّي مشروعِ بناءِ مجتمع مفكّرٍ Société réflexive قادرٍ على إدارة سياسات حقيقيّة تأخذ في الحسبان الاعتبارات الإيتيقية (الأخلاقية) إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية سواء في المستوى الإجمالي ( في مستوى المجتمع) أو في المستوى الإفرادي المصغّر (في مستوى المؤسسة)، بهذا المعنى، لم تَعُدْ مهمّة تجذير العلوم الإنسانية في الفعل الاقتصادي مسألة أكاديمية بل أصبحت ضرورة وطنيّة تهمّ الجامعيين بقدر ما تهم غيرهم من الفاعلين في حقول الفكر والسياسة والاقتصاد...

******************************

الهوامــــــــــــــــــش

مسعود عمشوش أزمة العلوم الإنسانية في الجامعات العربية : الموقع الألكتروني، http://www.yemenitta.com/humanities.htm

مسعود عمشوش ، المرجع السابق

نفرّق هنا بين مفهومَيْ " الإتيقا " و" الأخلاق " على اعتبار أنّ الإتيقا ذات طابع تعييري أي أنّها تقدّم المعايير التي يجب أن تكون عليها الأشياء،فهي إذن تعني واجب الوجود، أمّا الأخلاق فهي ذات طابع تقييمي، فهي تعني قيمة الوجود، إذْ تمكّن من تقييم الفعل بكونه أخلاقيا أم لا.

الحبيب الدرويش ، في ماهية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني،مقال منشور ضمن مؤلّف جماعي " الاقتصاد التضامني، المكاسب والرهانات "، نشر المعهد الوطني للشغل والدراسات الاجتماعية، تونس، 2008،ص 30.

Michel De Coster , Sociologie du travail et gestion des ressources humaines, Pub. De Boeck Université,

3° édition, Paris, Bruxelles, 1999, p154.

- frederick Winslow Taylor , La direction scientifique des entreprises, traduction de l'anglais par L. Mauroy, Paris, Dunod, 1965, 309p.

- Henri Fayol , Administration industrielle et générale, Paris , Dunod, 1968, 151p.

Béatrice Dauberville , Patrick Gilbert, Frédérique Pigeyre: Les sciences humaines dans l'entreprise, Editions

ECONOMICA, 1996.

التايلورية : نسبة إلى المهندس الأمريكي " فريدريك ونسلو تايلور "(1856- 1915)، صاحب نظرية التنظيم العلمي للعمل، تدرّج عبر مختلف المراتب المهنية داخل مصنع للآلية والحديد وبلْوَر أفكاره في كتاب سنة 1912 بعنوان:

La direction scientifique des entreprises, traduction de l'anglais par L. Mauroy, Paris, Dunod, 1965, 309p.

الفوردية : نسبة إلى رجل الصناعة الأمريكي هنري فورد ( 1863- 1947 )، مؤسس شركة صنع السيارات " Ford Motor Company " سنة 1903، وهو أوّل من أدمج طريقتيْ الإنتاج المنمّط والعمل على السلسلة.

Elton Mayo :

  • The Human Problems of an Industrialized Civilization . New York , Macmillan, 1933.
  • The Social Problems of an Industrial Civilization . Cambridge , Mass. , Harvard U.P., 1945.

* Management and the Worker , New York , 1939.

 

الاتفاق العالمي ( Global compact – Pacte mondial ) : يمثّل الاتفاق العالمي حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة مبادرة ذات بعد عالمي وُجِّهت إلى المنتدى الاقتصادي العالمي بـ "دافوس" بسويسرا سنة 1999 من قِبَل الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك " كوفي عنان " و يتضمّن دعوة مسؤولي القطاع الاقتصادي للانضمام إلى مبادرة الاتفاق العالمي المستمَدّةِ مبادؤها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و من إعلان المنظمة العالمية للشغل بشأن المبادئ و الحقوق الأساسية في العمل و من إعلان " Rio " بشأن البيئة والتنمية و اتفاقية الأمم المتحدة المتعلّقة بمقاومة الفساد، لذلك اشتمل هذا الاتفاق على عشرة مبادئ تعتبر ميثاقَ سلوكٍ للمؤسسات من ضمنها مبدآن(رقم 1و2) يهمّان حقوق الإنسان، أربعة مبادئ(3،4،5و6) تتعلّق بالقوى العاملة و معايير العمل، ثلاثة مبادئ تتّصل بالبيئة (7،8و 9) أمّا المبدأ العاشر فهو يهمّ مقاومة الفساد .

الحبيب الدرويش ، المسؤولية المجتمعية للمؤسّسة الاقتصادية بتونس، المجلّة الإلكترونية التونسية أفكار أونلاين www.afkaronline.org

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org