التجربة التنموية في تونس :
تلازم المسارين السياسي والاجتماعي

 

 

د . هدى سعادة
أستاذة جامعية - تونس

 

ليست الدّيمقراطيّة، من المنظور الواقعي، كما يعتقد البعض أو يتهيأ للبعض الآخر، مفهوما مطلقا في شكلها وفي مضمونها، وليس مفهوم الدّيمقراطية تنظيرا أو ممارسة حكرا على الحقل السياسي كمسار شعبي يُكرّس مبدأ المشاركة الواسعة لكلّ أبناء الشّعب الواحد دون تفضيل أو تفاضل في مسؤوليّة إدارة الشأن العام بما في ذلك ممارسة السلطة، وإنما يتأكّد يوما بعد يوم أنّ الممارسة الدّيمقراطية، يجب أن تنسحب على كلّ شواغل الحياة الخاصّة والعامّة منها، لتكون تكريسا لمبدأ حقوق الإنسان الشاملة والمتكاملة بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فلا فائدة في الوقوف عند أنصاف المفاهيم أو أعشارها فنوقف بالتالي مفهوم الديمقراطية في بعدها السلطوي على المعنى السياسي للكلمة فحسب، لأنه من باب البداهة، خصوصا في ظل التطوّرات والتحوّلات العميقة التي شهدها العالم بأسره خلال العشرين سنة الماضية أنّه لم يعد هنالك ميدان بعينه من ميادين الاهتمام العام وحتى الخاص يُمكن أن يُعبّر وحده أو يحتكر الممارسة الديمقراطية، بل إن الحرّية كمفهوم أشمل وأرقى بكثير من باقي المفاهيم الحضارية عند الإنسان الحديث لم يعد لها معنى إذا ما اقتصرت على مجرّد اختزالها في حرّية التفكير والتعبير أو حرّية التنقل بين نقطة جغرافية وأخرى دون محاسبة أو رقيب.

إنّ حرّية التصرّف والخلق والإبداع وتقرير المصير المادّي والمعنوي للذّات البشريّة ككائن اجتماعي واقتصادي في ذات الحين تبدو اليوم ، أكثر من أي وقت مضى، أعمق تعبير من مجرّد " قل ما شئت وفكّر كما شئت لكن إلزم مكانك في ركنك دون موطن رزق ودون حق في اختيار من تشاركه عيشك اليومي وطريقة تواصلك مع من يحيط بك أكان بعيدا عنك أو قريبا منك"، فثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أنتجت تعريفا جديد لمفهوم المسافة في بعديها الجغرافي والاجتماعي، إذ لم تعد المسافات تقاس بالمعايير الفيزيائية فقط بل أصبحت المعايير الافتراضية تفرض نفسها على الجغرافيا وعلى التاريخ وعلى الجماعات والأفراد على حدّ السواء، ولم تعد السياسة كحقل مخصّص لممارسة اللعبة الديمقراطية حكرا على جماعة دون أخرى أو على ميدان دون آخر، بل لقد أصبح الكلّ في ذات الحين يتغذّى سياسة ويتنفّس سياسة مهما كان ميدان اهتمامه في حقل السياسة أو في غيرها.

على هذا المعنى، أصبحت الرياضة بُعدا من الأبعاد السياسية بعد أن كانت مجرد ترفيه وترويض للجسد لا غير، وأصبح الفنّ بعدا من أبعاد السياسة الأساسية وقطارا سريعا يخترق مجالاتها في تجاوز للحدود في معناها التقليدي، وصارت الثقافة تتداخل في الاقتصاد تداخل الأرقام في معاني الكلمات، في تجانس وتواصل فاجأ أهل الأرقام وأهل الثقافة قبل غيرهم ممن لم تكن لهم علاقة لا بالثقافة ولا بالاقتصاد، فالجميع أصبح في تواصل مع الجميع عبر الشبكة العنكبوتيّة، وأصبحت المعلومة ملكا مشاعا للجميع وعلى الجميع بعد أن كانت حكرا على أهل ذكرها.

ومن هذا المنطلق، لم تعد الممارسة الدّيمقراطية مجرد مفهوم ضيّق لا يتجاوز حقل الممارسة الشائعة للحقوق السياسية في أبعادها المحدودة، بل تجاوز ذلك بكثير فأصبح المسار الدّيمقراطي الرّشيد هو ذلك المسار الذي يعتمد تلازم البعد التنموي والبُعد السياسي في نهج حضاري شامل يتناول الذات الإنسانية من كل جوانبها المادية والنوعية كمّا وكيفا، اعتمادا على مبدأ أنّ التطور الحقيقي هو الذي ينطلق من الإنسان في عمق إنسانيّته وإليه يعود، على منطق أنّه بالإنسان تُبنى الأوطان وليس هناك بناء دائم على طول المدى إذا لم يكن هدفه في غاية المنتهى الإنسان ولا شيء غير الإنسان، بما في ذلك الاعتبار البيئي لمفهوم الإنسان المعاصر، لأن الإنسان الذي يعيش على هذه البسيطة لا يمكن أن يختزل إنسانيّته في مجرّد ذاته فحسب بل إنّ الإنسان كجزء محوري في محيطه الجغرافي والبيئي والتاريخي يجب أن يكون في تواصل إيجابي مع محيطه يخدمه ويوظّفه في ذات الحين لخدمته على معنى التنمية المستدامة للأفراد والجماعات التي تعتمد رفاه الإنسان في إطار محيطه، تحافظ على نفس هذا المحيط مثلما تؤطّر وتعتني بمستلزمات واحتياجات التطور الإنساني في الحياة اليومية.

وعلى هذا التأسيس، كان بناء المسار الديمقراطي في تونس على مدى العشريّتين الفارطتين بناءا متوازنا في مجمله، أخذ منذ البداية مأخذ جدّ تلازم البُعدين التنموي والاجتماعي لتطوير الحياة السياسية كركيزة أساسية من مرتكزات تكريس الممارسة الدّيمقراطية في بعدها الشامل.

ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا أو من محض الصدفة بل جاء في سياق الاعتبار والأخذ بعبر تجارب عرفتها عديد البلدان في محيط تونس القريب والبعيد.

ويمكن حوصلة مجمل هذه التجارب في اعتبارين اثنين، أوّلهما تجنّب الوقوع في فخ اعتماد خيار إرساء مقومات التنمية الاقتصادية دون الاهتمام اللازم بضرورة توازي مجهود هذه التنمية مع إرساء مقومات العدالة الاجتماعية بما تفرضه من العمل على التوزيع العادل لثمرات التنمية وتحقيق مستلزمات الحرية الفردية في إطار تكافل جماعي وتضامن اجتماعي يهيّأ لإرساء مقومات الممارسة الديمقراطية على مستوى المشاركة في الخيارات الوطنية وقيادة دفّة الحكم وإعطاء لكل طرف ومكوّن مجتمعي الحقّ والفرصة في إبداء الرأي والرأي الآخر.

وأثبتت التجارب التي عاشتها عديد البلدان التي لم تنحى هذا المنحى في مسيرتها التحديثيّة أنّه لا يمكن في هذا الإطار إلاّ أن تُفضي إلى اختلال في التوازن الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي الثقافي والحضاري بين مختلف مكونات المجتمع الواحد.

وهكذا شاهدنا في عديد الدّول ظهور طبقة أقليّة تتبجّح بثراء مادي فاحش، تتحالف مع سلطة سياسية فقدت استقلاليّتها إزاء هذه الطبقة لتجد نفسها طرفا ولا حكما على مستوى المجتمع ككلّ، وفي المقابل تظهر أغلبيّة سجينة أوضاع اقتصادية واجتماعية ميئوس من تحوّلها نحو الأفضل بحكم سياسة اجتماعية لا تتوفّر فيها أبسط مقوّمات التوازن المالي أو الاجتماعي، ذلك أنّه بسبب تطبيق سياسة اجتماعية يكون مصدرها عادة الخوف من المساس بمصالح أقليّة متمكّنة على المستوى الاقتصادي ولها تحالفات موضوعية وعضويّة مع أقليّة متمكّنة على المستوى السياسي، تصبح المدوّنة السياسية في هذه الحالة، خاوية المضمون لأنها تفتقد لمرجعية تنمية وعدالة اجتماعية متلازمة المسارات.

أما الاعتبار الثاني فيتمحور في تجنّب خيار إهدار كل الطاقات العامة في التركيز على طرح الخيارات البديلة لحياة سياسية منبتّة كل الانبتات عن واقعها الاجتماعي والثقافي مع الإفلاس الكلي على مستوى المسيرة التنموية حيث تتعايش مظاهر تبدو في شكلها ديمقراطية بينما لا تمتّ بصلة في عمقها لأيّ حياة سياسية حقيقية، فالفضاء العام يعجّ بكلّ من ترنو له نفسه بحب القيادة والتزعم من منطلق الحق المطلق في المشاركة السياسية على مبدأ ديمقراطية الفوضى التي عادة ما تعود فيه السّلطة، مثلما يقال بتهكّم، لمن يستفيق باكرا قبل غيره في صباح يوم أقرب منه ليوم دموي منه ليوم يقضّيه الفرد وتَصْرفه المجموعة الوطنية في البذل والكدّ والجد والعمل من أجل ضمان مقوّمات العيش الكريم لكلّ مواطن، وهو، للأسف، ما شهدته لعقود متتالية عديد الدول الإفريقية جنوب الصحراء أو تلك التي تكوّنت في أمريكا اللاّتينية فغرق أغلبها في بؤرة الانقلابات والانقلابات المضادة والانتخابات التي تكون عادة أقرب منها إلى المعارك القبلية والإيديولوجية منها إلى التنافس الديمقراطي، في تجاوز للمصالح الحيوية للمجموعة الوطنية التي تستمدّ قوّتها بالأساس من مسيرة تنموية شاملة وموفّقة لا إقصاء فيها ولا تهميش لكلّ مكوّنات المجتمع الواحد، تكون فيها مؤسسات الدّولة عنصر اندماج ودفع إلى الأمام ومظهر تحضّر على كل المستويات.

ولئن تميّزت تجربة المسار الديمقراطي في بعض البلدان العربية، على غرار تونس، باعتدال في توجّه بنيتها الهيكليّة، فإنّ الملفت للنظر وإذا ما اتّخذنا الدّولة التونسية كمثال خلال العشرين سنة الفارطة، أنّ هذه التجربة حتى وإن لم تبلغ بعد مرحلة النضج التام، وهو أمر طبيعي إذا ما سقنا الأشياء في سياقها التاريخي والجيو سياسي، يُمكن أن تعدّ مثالا يحتذى ، بعيدا عن كل مظهر من مظاهر الرضا عن النفس أو المبالغة في إبراز ما تحقّق من انجازات على هذا المستوى.

ويرتبط المسار الديمقراطي في تونس ارتباطا عضويا بالمسار التنموي خلال العقدين الماضيين بصفة جليّة حيث نجد أن الأرضية الثابتة لتطور المسار الديمقراطي يمكن أن تتبلور في الحرص الشديد على الموازاة بين كل نقلة نوعية في الحقل السياسي والتطور النوعي والكمّي على مستوى مجهود التنمية في كلّ أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وهنالك قناعة راسخة لدى القوى الحيّة في البلاد، بما في ذلك السلطة المنبثقة عن الأغلبية الحزبية، والمعارضة، الرّسمية على الأقلّ، في مجملها بأنه لا تنمية دون حياة سياسية متطورة ولا وجود لتطوّر ديمقراطي حقيقي متجذر في واقعه ومنفتح على المستقبل في غياب مرجعية تنموية صلبة ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار بأيدي الضعيف والمحتاج حتى يجد في ذاته من القوة ما يجعله في أجل منظور يعتمد على ذاته وتُحَمّل الميسور من المجموعة الوطنية مسؤوليات في التضامن والتكافل والمساهمة في البناء الوطني مع إعطاء الضمانات اللازمة لكل المواطنين على حدّ السواء، ودون تمييز، للاطمئنان على مكتسباتهم المادية والمعنوية، باعتبارها في نهاية المطاف مكتسبات وطنية، كل ذلك في إطار احترام التشريعات والنصوص القانونية والمبادئ الأخلاقية لدولة القانون والمؤسسات، وهو مبدأ ثابت يستدعي جهدا يوميا لتكريسه ولتثبيته نَهْجَ تعامل بين الأفراد والمجموعات والمؤسسات فيما بينهم.

والحقيقة تقال أنه ليس في المتناول دائما إرساء مقومات هذا الطموح، إلا أن المجهود المبذول في هذا الاتجاه يبقى أيضا حقيقة ثابتة، فتونس اليوم تعيش على وقع فضاء عام سياسي تعدّدي ومجتمع مدني شريك فاعل في عديد الخيارات الوطنية ومنظومة تشريعية وترتيبية يمكن أن تقارن نفسها دون عناء بعديد الدول المتقدمة في هذا المضمار، وإجماع وطني على نبذ كل مظاهر العنف والتطرّف والتشبّث بكل مظاهر الوسطية والاعتدال، وهي في حقيقة الأمر صفات تعدّ نتاج إرث ثقافي وحضاري لتونس التنوّع.

ولا يجادل في ذلك أحد اعتبارا للموضوعية التاريخية التي جعلت من تونس أرض تعاقُب حضارات مختلفة وإضافات ثريّة متعدّدة أفرزت الشخصية التونسية بما تحويه من سمات خاصة في هويّتها الوطنية تُعدّ مبعث اعتزاز وافتخار بالنسبة للتونسيين، ومصدر إعجاب واعتراف بالنسبة لعديد ممّن زاروا البلاد وتعاملوا مع أهلها واستكانوا لطباعهم المتفتّحة على الآخر والمتجذّرة في ذات الحين في محيطها.

وإنّ من بعض المبرّرات لما يُمكن أن يُعتَبر إشارات لأبرز مظاهر نجاح التجربة التونسية إجمالا على مدى العشرين سنة الفارطة الجمع بين تطوير النظام السياسي التونسي في اتّجاه إرساء مقوّمات حياة سياسية متطورة جديرة بأن تعطي صورة حقيقيّة على قدرة التونسي على أن يأخذ بناصية عصره دون إفراط أو تفريط، والتوفيق في تحقيق أهداف تنمية مستدامة توازي بين التطور الاقتصادي والسّلم والتوازن الاجتماعيين من ناحية أخرى، باعتبار أن لا ديمقراطية سياسية كانت أو غيرها دون تنمية، ولا تنمية دون ديمقراطية سياسية.

أما فيما يخص مسيرة البناء الديمقراطي في تونس، فقد تميّزت بالتدرّج والمرحلية، منطلقها الحكمة والتبصّر والثبات على المبادئ الأساسية في بناء حياة سياسية متطورة حتى تكون مبادئ لا رجعة فيها. فإرساء مظاهر الديمقراطية ودعم الحريات وصيانة حقوق الإنسان وتوسيع مجالاتها، عدا أنها مكاسب وطنية هي أيضا خيارات تحمل في طيّاتها إيمانا راسخا بأن القطع مع الفردانية في إدارة دفة الحكم على معنى حكم الحزب الواحد وفرض الأحكام التي تؤطر الحياة المجتمعية بالقوة وتكريس منطق الفكر الواحد و"أدلجة" المجتمعات دون اعتبار لإرادة مختلف شرائحها لم تعد لها مراسي ترسو عليها في تونس، ودخلت طيات أدراج التاريخ السياسي الماضي.

وليس أدلّ على ذلك، ما عرفته تونس من إصلاحات سياسية انطلقت من تعهّد واضح وصريح من قبل رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي الذي تحمّل في يوم من أيام 7 نوفمبر 1987 مسؤولية إحداث التغيير في أعلى هرم السلطة حين أعلن في البلاغ الذي توجّه به إلى التونسيين في ذات اليوم بأنّ "...شعبنا جدير بحياة سياسية متطوّرة ومنظّمة تعتمد بحق تعدّدية الأحزاب السياسيّة والتنظيمات الشعبية... فلا مجال للظلم والقهر...". وهكذا، تتالت الإصلاحات بدءا بإلغاء الرئاسة مدى الحياة هذا الخطأ الجسيم الذي ارتُكب في حقّ الدّيمقراطية وفي حقّ تاريخ الرئيس السابق ذاته المرحوم الزعيم الحبيب بورقيبة. وجاء كذلك إلغاء محكمة أمن الدولة إقرارا لوحدة القضاء وحذفا لكلّ مؤسسة قضاء استثنائي بما في ذلك إلغاء خطة الوكيل العام للجمهورية، دعما لاستقلال السلطة القضائية، وما تلا ذلك من إصلاحات دستورية جذرية كإحداث المجلس الدستوري وإصدار القانون المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية وتعديل الدستور ذاته في عديد المناسبات تكريسا وتدعيما لمزيد التأكيد على سيادة الشعب، صاحب السيادة ومصدر كلّ شرعيّة في السّلطة.

ثمّ كان التعديل الجوهري الذي صدر في 1 جوان 2002، وهو تعديل يُعتبر أهمّ ما أُدخل من إصلاحات على الدستور منذ إحداثه في جوان 1959، وقد شمل هذا التعديل نصف فصول الدستور الثماني والسبعين.

وقد كرّس هذا التعديل مرجعيّة القاعدة الشعبيّة في الخيارات المجتمعيّة حيث تُوّج باستفتاء شعبي لإقرار مشروع الإصلاح الدستوري.

هذا وقد جاء ، على سبيل الذّكر لا الحصر، في هذا الإصلاح الفصل 9(جديد) ليؤكّد على حرّية المسكن وسرّية المراسلة وحماية المعطيات الشخصيّة المضمونة.

وعلى صعيد آخر وتثبيتا لمبدأ حرّية التعبير والإعلام الحرّ وقع تنقيح مجلة الصحافة في مناسبات عدة في اتّجاه تعزيز حرية الرأي.

كما جاء في ذات السياق تنقيح القانون المتعلّق بالجمعيات وتطوير نظامها اعترافا بدورها في المجتمع وتوسيعا لدائرة الممارسة الديمقراطية في الفضاء العام.

أما على مستوى تعزيز آليات الحماية القضائية لحقوق الإنسان فقد جاءت جملة من القرارات والقوانين كرّست مبدأ الحقوق المضمونة والشاملة للمواطن التونسي في ظلّ رؤية تستند إلى الوعي بوجوب إحداث توازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتجذّر الثقافي والتفتّح على روح العصر، دون المساس بكينونة هذا الإنسان اعتبارا لكونه جسد وروح لا تكتمل هويّته إلا متى ضمن اندماجا بين هاتين الماهيتين في بعديهما المادي والمعنوي.

وإن يضيق المجال هنا لتعدادها كلّها فإنّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ هذه التعديلات تعدّ بحق قاعدة صلبة تؤسّس لإرساء مقوّمات جمهورية الغد بما تحمله في طيّاتها من مشروعية طموحات شعبية وإقرار بسلطة الشعب صاحب الشرعية أولا وأخيرا.

ونذكر هنا، على سبيل الذكر لا الحصر، إحداث غرفة ثانية للسلطة التشريعية وهي مجلس المستشارين الذي يكرّس الحرفية الشعبية في التصويت على مشاريع القوانين المقترحة ومراقبة السلطة التنفيذية في ذات الحين بأكثر فاعلية من خلال نوعية التمثيل داخله.

كما أن التحويرات الجذرية التي شهدتها مجلة الأحوال الشخصية خصوصا تلك التي حصلت سنة 1992 تعدّ أحد أهمّ المكاسب السياسية والمجتمعية في تونس لا فقط للمرأة والأسرة بل وللمجتمع التونسي ككلّ، هذا المجتمع الذي تعدّ المرأة فيه إحدى مناراته المضيئة باعتبارها رمز أصالة وعنوان حداثة .

وقد شهدت التعددية الحزبية خلال نفس الفترة دفعا قويا، ففي تونس اليوم تسع أحزاب معترف بها ،منها خمس ممثلة في مجلس النواب، وللأحزاب نشاطاتها وممثّلوها في عديد المجالس الاستشارية كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجلس الأعلى للاتصال والمجلس الأعلى للتنمية، بخلاف مشاركتها في كل الانتخابات بمختلف أنواعها.

وقد يعيب البعض على تونس بطئها في تفتّح سياسي سريع الوتيرة بما قد يرضي انتظارات البعض أو البعض الآخر إلاّ أنّ عين العقل تقول بأن الثبات في الخطى على هذا المستوى وإعطاء الوقت للوقت ومسايرة مدى تقبّل الجماهير الشعبية لنسبة التفتح السياسي وليس فقط العمل على إرضاء الهاجس النخبوي أو الدوافع الشّخصيّة أو المراءاة غير المجدية في تناول المسائل السياسيّة يعدّ مبرّرا قويّا يثري التجربة التونسية في تدرّج تطوّرها من منطلق أنّ العبرة على هذا المنوال ليست في التسرّع وإنّما في التأنّي عند مدّ الخطى التي لا رجعة فيها.

وتبدو في المقابل خصوصيّة التجربة التونسية في نجاحها في أعين عديد الملاحظين المحنّكين أنها لم تغرق في الاهتمام بالشأن السياسي لتهمل في المقابل شحذ الطاقات لإعطاء فرص النجاح التي تستحقها مستلزمات مسيرة تنموية موفّقة تعتمد التفتح على الأسواق الخارجية وتحرير المبادرة الخاصة وإعطاء المؤسسات الرقابيّة للدولة مكانتها والإمكانيات اللازمة لتلعب دورها كاملا في تأطير المسيرة التنموية. لقد أولت الدولة التونسية اهتماما كبيرا لتعصير الاقتصاد التونسي دون أن يكون ذلك على حساب الاستحقاقات الموضوعية لسياسة تنموية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار بنفس مستوى الاهتمام، التطوّر الاقتصادي والنهوض الاجتماعي ، فقد أثبتت كل الدراسات والتقييمات لعديد الجهات الدولية المختصة سلامة الخيارات في هذا المنهج التنموي الذي إن كان فيه من خصوصيّات فهي خصوصية الرفاه الاقتصادي في تلازم عضوي مع الرفاه الاجتماعي ، بعيدا كل البعد عن مظاهر الإقصاء والتهميش، مجسما تجسيما واضحا مبدأ الرفاه والتوازن والتضامن، هذا التضامن الذي أصبح مفهوما راسخا في تونس اليوم تُعَزّزُ تجذّره عند التونسي، مهما كان انتماؤه السياسي أو الاجتماعي، آلياتٌ وإجراءات وإنجازات ومؤسسات لعلّ أهمها صندوق التضامن الوطني الذي أصبح عنوان تجربة رائدة تستمدّ منها عديد الدول العبر لتستوردها دول أخرى ، بل إن اقتراح رئيس الجمهورية التونسي زين العابدين بن علي إحداث صندوق عالمي للتضامن والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة يعدّ سابقة في إعطاء المثل على المستوى الدولي لإرساء مقوّمات منظومة تنموية دولية متكافئة ومتضامنة، مرجعيّتها الإنسان، وهو في حدّ ذاته اختراق لنظام عالمي ساد على مدى القرن الماضي انقسم فيه العالم بسبب استغلال أقليّة ثروات أغلبية فيها من الشرائح البشرية ما لم يعد فيها من البشرية إلاّ مظهرها أو يكاد.

وفي هذا الإطار فإن اختيار تونس انتهاج سياسة اجتماعية تُفضّل الحلول الدّائمة وتغرس روح البذل والعطاء والتعويل على الذات، مستندة في ذلك على تطوير المؤهّلات الفرديّة لكلّ مواطن قضاءا على ثقافة التواكل، وتجذيرا في ذات الوقت لثقافة المبادرة الحرّة والخلق والإبداع، هو اِختيار وحرص على تجاوز المفاهيم التقليدية في السياسات الاجتماعية للدّول، وذلك حتّى لا يكون المجهود الاجتماعي للدّولة عبارة على إجراءات إصلاحية سطحية أو ظرفية أو موسميّة مؤقّتة، فتجميل الشّكل الاجتماعي للمجتمع دون العمل على إدخال إصلاحات هيكلية على مظاهر النقص فيه لا يُمكن إلا أن يفضي إلى تعميق هذه النقائص لتكون في نهاية المطاف حاجزا وعائقا دون تحرير المواهب وتفتّق الطاقات.

إنّ الإستراتيجية التنموية في تونس وما نحته من منحى مواكب لعصرها على مستوى التفتح على الأسواق الخارجية والاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية لم تُغفِل أبدا الاعتبار بضمان جملة من الحقوق الأساسيّة وتعزيزها لكلّ مواطن كالحقّ في الشّغل والحقّ في الصّحة والحقّ في الحماية الاجتماعية والحق في الأخذ بكلّ العوامل المجسّمة للعدالة الاجتماعية.

ولعلّ هيكليّة مختلف الموازنات العامة السنوية للدّولة ومختلف المخطّطات التنموية بما تحويه من نسب مرتفعة للتحويلات الاجتماعية تعكس الأولويات الاجتماعية للطبقات الضعيفة التي تسهر الدّولة على الأخذ بيدها.

والنتيجة في ذلك أنّ ما شهدته تونس من تطوّر اقتصادي واجتماعي وعلى مستوى البُنى التحتية والتطوّر العمراني والعقاري وأيضا على مستوى منظومة التربية والتعليم والاندماج الاجتماعي والأسري بما في ذلك الإحاطة بذوي الاحتياجات الخصوصيّة من أطفال ومسنّين وحاملي إعاقة مهما كان نوعها لدليل متوّج بالأرقام والشهادات الموضوعيّة على توازن الخيارات المجتمعية لتونس ما أهّلها لتُحقّق في غضون العشرين سنة الماضية ما لم يتحقّق فيها على مدى عشرات من السّنين مضت بل وأكثر إذا ما علّقنا وجه المقارنة في سُلّم الزّمن دون اعتبار المراحل السّياسية التي مرّ بها المجتمع التونسي ما قبل الاستعمار وزمن الاستعمار وما بعده.

ويبدو، والعُهدة على ما تراه العين وتقرّه الأرقام والمعطيات الموضوعية، أنّ التجربة التونسية في هذا الصّدد بما قد تحويه من بعض النقائص، وهو أمر طبيعي في كل تجربة مجتمعية، يمكن أن تعدّ تجربة ناجحة إجمالا في تجاوز لتشكيك المشككين، وهم قلة في حدّ ذاتهم لا ينتظر المرء منهم إلاّ أن يُدلوا بدلوهم في حوض البديل ومعه صكّ ضمان لنسبة نجاح هذا البديل تتجاوز نجاح التجربة التونسية في صيغتها الحالية.

 


afkar@afkaronline.org