التشغيل: التحدي الأكبر

 

د. الطّيب اليوسفي

باحث في العلوم السياسية - تونس

 

يحتلّ التشغيل صدارة الاهتمامات الوطنية في تونس ويمثّل أهمّ تحدّيات المستقبل وهو ما يقتضي تعبئة كافّة الطاقات المتاحة واستغلال كلّ الإمكانيات المتوفّرة واستنباط الصّيغ والآليات الملائمة لتقليص نسبة البطالة إلى أدنى حدّ ممكن وفتح الآفاق أمام الشباب للاندماج في الحياة المهنية.

فـرغم التـحكّم في النـموّ الديمـغرافي الذي تراجـع مـن 2.4./. خلال 1984-1994 إلى 1./. حاليا، فإنّ الهيكلة الديمغرافية للسكان والإقبال المتزايد على سوق الشّغل أفضيا إلى تواصل ارتفاع السكان الناشطين بنسق عال يناهز 2.5./. سنويا بما يرتقي بالطلبات الإضافية للشغل من معدّل 70 ألف خلال السنوات الأخيرة إلى معدل 88 ألف سنويّا حاليا.

وقد تعدّدت البرامج والتدابير لدفع التشغيل في إطار سياسة متعددة الأبعاد من خلال الحرص المتواصل على ملاءمة التعليم والتكوين مع حاجيات المؤسسة ومتطلّبات سوق الشّغل والعمل على دفع الاستثمار وتسريع نسق النموّ وتنويع مصادره باعتبار العلاقة المتينة بين نسبة النموّ وهيكليّته ونسق إحداث مواطن الشغل وموارد الرزق وكذلك من خلال إحكام السياسة النشيطة للتشغيل وتنويع آليات الإحاطة والمساندة لطالبي الشّغل.

وبفضل هذه المقاربة توفّقت بلادنا رغم متطلّبات تأهيل الاقتصاد وإعادة هيكلة وحدات الإنتاج، ورغم الظروف العالمية التي لم تكن دوما ملائمة ورغم الارتفاع المتصاعد للطلبات الإضافية إلى تقليص نسبة البطالة من 15.6./. إلى 14./. لكن رغم هذا التحسّن النسبي مازال التشغيل يمثّل تحدّيا يستوجب تضافر جهود كافّة الأطراف لرفعه بالنّظر خاصة إلى تطوّر هيكلة الطلبات الإضافية التي أصبحت تضمّ نسبة متزايدة من حاملي الشهادات العليا تصل حاليا إلى 60./. من مجموع هذه الطلبات وهي نسبة مرشّحة لمزيد الارتفاع خلال السنوات القادمة باعتبار تزايد عدد الطلبة وعدد خرّيجي التعليم العالي. وعلى هذا الأساس تتأكّد أهمية تكثيف الجهود على كافّة المستويات لمزيد دفع التشغيل في ترابط وتكامل بين المدرسة وعالم الشغل وبين التكوين والمؤسسة ولغرس روح المبادرة والاجتهاد في نفوس الشباب ولإخراج العاطلين عن الشغل من فراغ البطالة إلى حيوية العمل والإنتاج ليأخذوا زمام أمورهم بأيديهم وتكتمل لهم مقوّمات الكرامة.

أفضل طريقة لتوسيع قاعدة توزيع الدّخل

لمّا كان النهوض بالتشغيل يمثّل أفضل طريقة لتوسيع قاعدة توزيع الدّخل وتأمين مقوّمات كرامة الفرد ورفاهة واستقرار المجتمع ونمائه فإنّه يظلّ أولويّة مطلقة.

وقد برز ذلك من خلال ما تضمّنه برنامج رئيس الجمهورية للخماسية 2009-2014 الذي أكّد فيه العزم على تحقيق تعبئة شاملة من أجل رفع تحدّي التشغيل وإدماج الشباب في الحياة المهنية وإحكام استغلال كلّ الإمكانيات الكامنة لاستحثاث نسق التشغيل سواء منه المؤجّر أو للحساب الخاص.

وتتمثّل أبرز الأهداف المرسومة في هذا المجال في تغطية كامل الطلبات الإضافية والعمل على ألاّ تحرم عائلة تونسية واحدة من مصدر دخل يوفّر حاجياتها ويحفظ كرامتها إلى جانب عدم تجاوز فترة سنتين للحصول على شغل أو تربّص أو تكوين تأهيلي عند التخرّج.

وقد حدد رئيس الدولة للغرض جملة من التوجّهات والبرامج والآليات الجديدة لاستغلال كلّ الإمكانيات والفرص المتاحة لإحداث مواطن الشغل وموارد الرّزق.

ويندرج في هذا الإطار العمل على تطوير الإحاطة عند إحداث مواطن الرّزق، وتدعيم منح المساعدة من خلال إحداث "صك الخدمات" قبل موفى الستة الأشهر الأولى من سنة 2010، بما يؤمّن مساعدة الراغبين في ممارسة أعمال مستقلّة على اكتساب المؤهّلات الضرورية لذلك.

وسيبلغ عدد المنتفعين بتدخّلات الصندوق الوطني للتشغيل خلال سنة 2010 في مجال بعث المشاريع وتوفير موارد الرّزق 86500 منتفع منهم 74 ألف منتفعا في إطار نظام القروض الصغرى.

كما ستشمل تدخّلات البنك التونسي للتضامن 12 ألف منتفع.

كما تتمثّل التوجّهات المرسومة في تحسين مردودية الصندوق الوطني للتشغيل ومزيد تصويب تدخّلاته من خلال إعطاء الأولوية في الانتفاع ببرامج الصندوق إلى أبناء العائلات المعوزة وطالبي الشغل من حاملي الشهادات العليا الذين طالت فترة بطالتهم إلى جانب تفعيل عقود البرامج مع الجهات والتركيز على عمليات التأهيل والإدماج التي تتماشى وخصوصياتها.

وستشهد سنة 2010 الشروع في إبرام اتفاقيات شراكة بين البنك التونسي للتضامن وبعض الهياكل المعنية كالبلديات والمجالس الجهوية، يتولى البنك بمقتضاها تمويل مشاريع في مجال مهن الجوار، مع العمل على حفز حاملي الشهادات العليا على بعث مشاريع تندرج ضمنها, وستشهد سنة 2010 كذلك إعطاء دفع هام للبرامج المتعلّقة بالعمل للحساب الخاص، من خلال إرساء صيغة جديدة لبعث المشاريع، وهي صيغة "الباعث الذّاتي" التي ستتميّز بإجراءات مبسّطة ونظام جبائي محفز بما يتيح إحداث مشاريع صغرى فردية في المجال التجاري أو الحرفي أو في المهن الحرّة.

* النهوض بالاستثمار لتوسيع آفاق التشغيل

يمثل النهوض بالاستثمار وحفز روح المبادرة وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز مقوّمات تنافسية المؤسسة والاقتصاد الوطني بصفة عامة شرطا جوهريّا لاستحثاث نسق التشغيل وتوسيع آفاق إدماج الشباب في الحياة المهنية.

من هذا المنطلق ترتكز الجهود على الارتقاء بنسبة الاستثمار من 25.9./. من الناتج المحلّي الإجمالي إلى 26.5./. من الناتج سنة 2010.

وستضطلع الدولة بدور بارز في هذا المجهود من خلال تخصيص اعتمادات بـ 4600 مليون دينار للتنمية ضمن ميزانية الدولة لسنة 2010 أي ما يناهز 30./. من الاستثمار الجملي، وكذلك من خلال تطوير استثمارات المؤسسات العمومية بما يمكّن من تطوير البنية الأساسية والتجهيزات الجماعية وخاصة منها المتّصلة بالنقل وتعبئة المياه وحماية البيئة وتهيئة المناطق السقوية والصناعية والتكنولوجية وتنمية الموارد البشرية.

كما ستقوم الدولة بتعزيز تدخّلاتها لتحفيز القطاع الخاص على مزيد المبادرة، والإقدام على بعث المشاريع التي تستجيب لأولويات المرحلة الجديدة، لاسيما المتّصلة منها بالتجديد التكنولوجي.

وستتمّ خلال سنة 2010 وفقا لما تضمّنه البرنامج الرئاسي مراجعة جذرية لمجلة تشجيع الاستثمارات بهدف مزيد التحفيز على الاستثمار في مناطق التنمية الجهوية وفي القطاعات ذات المحتوى المعرفي والتكنولوجي العالي ودفع المؤسسات الى التجديد التكنولوجي والاستثمار في المعرفة.

وحرصا على دعم هيكلة النسيج الاقتصادي وإكسابه محتوى تكنولوجيا يوفّر فرصا أرحب لتشغيل حاملي الشهادات العليا، يتمّ حاليا الإعداد لضبط استراتيجيات متناسقة لتطوير الخدمات الصحية والاستشفائية والنهوض بالطاقات المتجددة وبنقل الخدمات خارج بلد المنشأ مثل المحاسبة والدراسات الاقتصادية والهندسية والبرمجيات وذلك لتأكيد المزايا التفاضلية لتونس في هذه الأنشطة الواعدة، ورسم الخطط المناسبة لمزيد تعزيز مكانتها في منظومتي الاستثمار والتصدير.

وبقدر أهمية إحكام الاستراتيجيات القطاعية التي تستجيب لمتطلّبات المرحلة الجديدة، تتأكّد ضرورة تكثيف الدراسات حول الطاقات الكامنة في الجهات وسبل تثمينها وتعزيز دور الجهة في استنباط المشاريع وإعدادها وإنجازها في إطار رؤية متجددة للتنمية الجهوية.

* تفعيل دور القطاع الخاص في النهوض بالتشغيل

إنّ البطالة ليست قدَرا محتوما، فعديد البلدان على غرار إيرلندا كانت لها نسبة بطالة مرتفعة سنة 1990 تناهز 16./. واستطاعت أن تقلّص هذه النسبة بصفة ملموسة لتصل إلى 4./.  في السنوات القليلة الأخيرة.

وإذا كانت الدّولة تعمل على توظيف كلّ الإمكانيات المتاحة لتطوير مناخ الأعمال وتعزيز الأرضية الملائمة لإحداث المؤسسات والارتقاء بالقدرة التنافسية فإنّ القطاع الخاص مدعو من ناحيته إلى مزيد الجهد لتكثيف إحداث مواطن الشغل وانتداب المزيد من حاملي الشهادات العليا في ضوء الحوافز التسهيلات المتوفّرة بما يعزز نسبة التأطير في المؤسسات التي رغم تحسّنها خلال السنوات الأخيرة مازالت دون متطلّبات الارتقاء بالإنتاجية وبالقدرة التنافسية للمؤسسة حيث لا تتجاوز 10./. مقابل أكثر من 20./. في بلدان الاتحاد الأوروبي.

وتتأكّد في هذا السياق أهمية مزيد إحكام برامج التأهيل والنهوض بالاستثمارات اللامادية إلى جانب تدعيم برامج التكوين المستمرّ صلب المؤسسة بما يواكب تطوّر أنماط الإنتاج.
كما أنّ المؤسسات مدعوة إلى مزيد الانخراط في برامج التأهيل والتحديث والعناية بالبحوث التنموية وإحداث وحدات صلبها والاستعانة بالكفاءات والإطارات المتوفّرة والاستفادة من الحوافز والتشجيعات التي تمّ إقرارها للغرض بما يعزّز قدرتها التنافسية من ناحية ويوسّع آفاق التشغيل من ناحية أخرى.

ويظلّ توظيف كلّ الإمكانيات المتاحة والطاقات الكامنة لمزيد استقطاب الاستثمارات الخارجية أحد أبرز الشروط الأساسية لتسريع نسق التشغيل خاصة وقد أكّدت التوجّهات المعتمدة والسياسة التحفيزية المنتهجة نجاعتها وفاعليتها.

فبالرغم من تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية اتّسمت سنة 2009 بدخول 10 مشاريع صناعية كبرى و41 مؤسسة مناولة طور النشاط بالمناطق الداخلية للبلاد من طرف مستثمرين عالميين لاسيما في مجالي صناعة مكوّنات السيارات والنسيج مكّنت من إحداث 7560 موطن شغل خلال سنة 2009 إضافة إلى 10300 موطن شغل من المزمع إنجازها سنة 2010 بما سيرفع العدد الجملي لمواطن الشغل المحدثة في أواخر 2010 إلى 17860 موطن شغل.

وهي أوّل مرّة يتم فيها إنجاز مثل هذه المشاريع ذات الطاقة التشغيلية الهامة بهذه المناطق وذلك بفضل التطوّر الملحوظ للبنية الأساسية التي شهدتها من طرقات وشبكات اتّصالات ومناطق صناعية إضافية إلى تواجد رصيد هام من اليد العاملة الكفأة.

وينتظر أن يتعزز هذا التوجّه خلال الفترة القادمة كما يتبيّن ذلك من خلال التطوّر الهام لنوايا الاستثمار بمناطق التنمية الجهوية بنسبة 29./. إلى موفى سبتمبر 2009 شملت أساسا ولايات باجة وجندوبة وسليانة وقفصة وقبلي وتوزر.

وانطلاقا ممّا تقدّم من معطيات ومؤشّرات وممّا تمّ إبرازه من إشكاليات وتحدّيات فإنّ النّهوض بالتشغيل يظلّ رهين تضافر جهود كافّة الأطراف الوطنية وتوثيق الشراكة بين جهاز الإنتاج ومؤسسات التعليم والتكوين والعمل على استغلال المجالات الجديدة التي يتيحها اقتصاد المعرفة والتركيز على أنماط الإنتاج المتّصلة بالتقنيات الجديدة ذات القيمة المضافة العالية اعتبارا لدورها الكبير في دفع النموّ واستقطاب الكفاءات وذلك بالتوازي مع مواصلة تنمية الموارد البشرية بما يؤمّن توفير المهارات المتفاعلة مع التحوّلات والمواكبة لمقتضيات العصر و للمستجدّات العلمية والتكنولوجية.

 

 

 

 


afkar@afkaronline.org