جديد
الباحث التونسي أحمد خالد
كتاب حول الزعيم الشيخ عبد العزيز
الثعالبي وإشكالية فكره السياسي
عرض
- أوس داوود يعقوب
ضمن
سلسلة أمهات الكتب التونسية صدر عن الدار العربية للكتاب
وبدعم من وزارة الثقافة كتاب للباحث الأستاذ أحمد خالد
وزير الثقافة الأسبق بعنوان " الزعيم الشيخ عبد
العزيز الثعالبي وإشكالية فكره السياسي " .
يتضمن الكتاب 679 صفحة من الحجم الكبير ويذكر الأستاذ
أحمد خالد في توطئة كتابه أنه أراد من خلاله الإسهام
في تصحيح ما رسخ في الذاكرة الجماعية عن الزعيم والمفكر
الشيخ عبد العزيز الثعالبي (1944-1876) الذي طالما عانى
من الغبن والتعتيم والتشويه في وطنه حيا في خريف حياته
وبعد مماته ، ومن باب سنة الوفاء للزعماء الأصفياء وقادة
الفكر والإصلاح النبغاء التي سنها الرئيس زين العابدين
بن علي نسعى إلى دراسة تاريخ البلاد بصورة موضوعية لا
يشوبها تعصب أو تحامل أو إقصاء أو تشويه . ويبين الأستاذ
أحمد خالد أن هذه الدراسة ليس الا مصالحة لهذا العلم
البارز في تاريخنا الفكري والإصلاحي الحديث ، وإعادة
الإعتبار إليه بهدوء واتزان وموضوعية . وهي مراوحة بين
صرامة البحث العلمي في ميادين التاريخ والسياسة والإصلاح
الإجتماعي والدين من جهة ونكهة الأدب ورونق الفن من
جهة أخرى .
وقد قام الأستاذ أحمد خالد كعادته في كل كتاباته بالمهمة
أحسن قيام فهو أستاذ مبرز في اللغة والآداب العربية
ومن أكبر المختصين في تاريخ الحركة الوطنية وله مؤلفات
عديدة في هذا المجال واستعان في عمله بكل الكتب التي
كتبت حول الشيخ عبد العزيز الثعالبي والحركة الوطنية
لأحمد بن ميلاد ومحمد مسعود ادريس ورسالة دكتورا الدولة
التي خصصها له الأستاذ جلول الجريبي وزير الشؤون الدينية
بعنوان " أسس النهضة عند الشيخ عبد العزيز الثعالبي
" وكتاب " عبد العزيز رائد الحرية والنهضة
الإسلامية " لأنور الجندي كما اعتمد بصورة مكثفة
على التقارير الرسمية التي خلفتها حكومة الحماية الفرنسية
بتونس والحكومات الأخرى المعنية والمقالات الصحفية وغيرها
من الوثائق فجاء كتابه مستجيبا في محتواه ومنهجيته لمقتضيات
البحث العلمي والموضوعية التاريخية . مما يمكن القارئ
من التعرف على شخصية ظلت رغم الكتب الكثيرة التي تناولت
بالدرس حياة الزعيم ونضاله الطويل من أجل القضية الوطنية
والقضايا العربية والإسلامية في أوج الإستعمار والتبعية
مغمورة نوعا ما في حين أن الشيخ الثعالبي يعتبر من أبرز
قادة معركة التحرير الوطني في تونس واحد أكبر رواد حركة
الإصلاح في العالم العربي والإسلامي على الإطلاق على
غرار الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ويرجع
له الفضل والريـادة في بعث العديد من الجرائد الوطنية
والعربية والإسلامية وتأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي
والعديد من الجمعيات والنوادي والمنظمات التونسية والعربية
الإسلامية وفي زرع روح المقاومة والنضال من أجل الإنعتاق
والتقدم في وقت كان فيه الإستعمار جاثما على كامل الأقطار
العربية والإسلامية ينهب خيراتها ويكبل شعوبها ويستلب
عقولها ومهجها . ويبين المؤلف في كتابه كيف تجلت ريادة
الشيخ عبد العزيز الثعالبي في حركة الإصلاح العربية
والإسلامية بالخصوص في فكره التنويري ومجهوداته الفريدة
لإبراز الصورة الناصعة للإسلام كدين تحرري من خلال كتابه
" روح التحرر في القرآن " الذي أصدره سنة
1905 مباشرة بعد خروجه من السجن بتهمة التهجم على الأولياء
الصالحين ودعا فيه بصراحة من جملة الآراء الأخرى إلى
تحرير المرأة وخلع الحجاب الذي كانت ملزمة بحمله كرمز
لتحررها وهو آنذاك في غضارة الشباب لم يتجاوز الثلاثين
من العمر .
والشيخ الثعالبي كما يذكر الأستاذ أحمد خالد "بدأ
نضاله التحريري ضد الإستعمار وفي مجال تنوير العقول
والذهنيات مبكرا سنة 1896 في سن العشرين من خلال إصدار
جريدة " سبيل الرشاد " ذات التوجه الإسلامي
الوحدوي ثم واصل كفاحه الوطني والقومي وعمله الإصلاحي
الشامل بدون هوادة إلى غاية وفاته سنة 1944 في مختلف
المستويات وداخل العديد من التنظيمات كالحزب الإشتراكي
الفرنسي وحركة الشباب التونسي وضمن الحزب الحر الدستوري
التونسي الذي أسسه سنة 1920 ومنه انبثق سنة 1934 الحزب
الحر الدستوري الجديد الذي قاد معركة التحرر الوطني
حتى استقلال تونس سنة 1956 ".
ويؤكد الأستاذ أحمد خالد أن مما زاد في ذيوع صيت الشيخ
الثعالبي زخم مقالاته البليغة العميقة الصادرة في أكثر
الدوريات رواجا بتونس والمشرق العربي خصوصا في مصر والعراق
. وكذلك ظهور عنوانين بالفرنسية من كتبه في حياته كاشفين
عن رؤى غير مألوفة لزعيم سياسي ومفكرين ذي توجه اصلاحي
تحرري جريء . ومن أبرز مواقف الشيخ الثعالبي القومية
، نصرته للقضية العربية المركزية في فلسطين وتنبيهه
المبكر لأخطار الحركة الصهيونية فهو " صاحب فكرة
بعث المؤتمر الإسلامي العام كمنظمة والنشيط المحرك لعقده
لأول مرة بالقدس الشريف (ديسمبر 1931) في فترة تنامي
الصهيونية بفلسطين .
وفي الباب الأول من الدراسة تناول الأستاذ أحمد خالد
" طرح الإشكالية والتعريف بتوجهات الثعالبي السياسية
المبكرة وبمكانته الفكرية والأدبية " وفيه تطرق
المؤلف لأطوار الفكر السياسي للثعالبي وإلى دوره الرائد
في الحقلين الثقافي والإعلامي مبينا أنه من جلة مؤسسي
الصحف والمجلات التونسية الوطنية ومما يذكره الأستاذ
أحمد خالد في هذا السياق "كلما توغلت في البحث
وفي قراءة مقالاته الموزعة في الصحف شدني إليها عمق
تحاليلها وبلاغة اخراجها ، فهي تسمو عن الكتابات الصحفية
العادية ، فترقى إلى مستوى الإبداع العالي من حيث أسلوبها
ومتانة لغتها ودقتها ".
ويضيف خالد : "ولئن كانت مضامينها قابلة للنقاش
فإنها تبقى روائع في فن الكتابة يندر وجود مثيلها بدون
مبالغة . وفي قراءتها متعة أدبية هي من السحر الحلال
... " .
وقد خصص المؤلف في الباب الثاني تحت عنوان " أهمية
التعريف برحلاته لتعميق فهم فكره السياسي " جانبا
هاما لاستعراض الرحلات العديدة التي قام بها الشيخ عبد
العزيز الثعالبي أثناء حياته عبر كل الأقطار العربية
والإسلامية ومنها رحلته الطويلة التي استمرت حوالي 14
سنة من عام 1923 إلى 1937 وتخللتها أنشطة نضالية متنوعة
ومكثفة من بينها المساهمة الفعالة في إعداد وتنظيم وعقد
المؤتمر الإسلامي الأول بالقدس سنة 1931 رفقة الشيخ
أمين الحسيني مفتي فلسطين وبعثه للعديد من النوادي السياسية
والأدبية في العديد من الدول العربية ولمدارس وجمعيات
الرحلات من ربط الصلات والعلاقات الوطيدة مع الكثير
من القادة العرب والمسلمين في ذلك الوقت ومع جل المفكرين
والمصلحين والسياسيين الذين كانوا ينشطون على الساحة
العربية والإسلامية مثل الزعيم الباكستاني محمد علي
جناح رائد استقلال الباكستان والهند والشاعر الباكستاني
محمد اقبال والمفكر الإصلاحي العربي عبد الرحمن الكواكبي
وغيرهم كثير .
وفي الباب الثالث "دعوة الثعالبي إلى تونس ومحاولته
الوساطة بين الفرقاء الدستوريين " يتطرق المؤلف
إلى حقبة هامة في تاريخ الثعالبي وإلى ما لاقاه من احتفاء
بالقاهرة قبل عودته النهائية إلى تونس وإلى احتفاء بلاده
باستقباله منذ حلوله بمرسيليا ، ثم عند وصوله إلى تونس
في شهر جويلية سنة 1937 . ويبرز الأستاذ أحمد خالد في
الفصول الثمانية الدور الوطني للشيخ وجهوده في توحيد
الصفوف ومقارعة الإستعمار فالثعالبي ومن خلال استعراض
المحطات الرئيسية لمسيرته النضالية ورحلاته يتجلى أنه
" ظل طوال إقامته بتونس وفي المهاجر يتحرك لخدمة
القضية الوطنية والتعريف بها ، وتنمية الشعور بوحدة
شعوب شمال افريقيا بين جالياتها بالمشرق، فكان مبشرا
بمشروع اتحاد المغرب العربي ، كما كان حركيا من كبار
دعاة القومية العربية والجامعة الإسلامية ، فترك بصماته
الثقافية والسياسية في وطنه وعبر الأقطار العربية والإسلامية
".
ويفرد الباحث الباب الرابع من الكتاب لتناول اشكالية
هامة في فكر الثعالبي السياسي متسائلا "لماذا سعى
الثعالبي إلى استبدال حماية فرنسية بحماية أمريكية أو
بريطانية في تونس ؟ " وهنا يؤكد أحمد خالد أن هذه
اشكالية " لا يمكن حلها إلا بمزيد تعميق البحث
من منطلق الوثيقة السرية التي عثرت عليها في أرشيف وزارة
الخارجية الأمريكية . وهي تستوجب منا توقفا للتثبت في
سر المفاضلة التي كان يراها الشيخ عبد العزيز الثعالبي
بين ثلاثة أجناس من الإستعمار " .
ويشير أحمد خالد في خاتمة البحث حول هذه الإشكالية أن
الثعالبي " لم يلتزم خطا واحدا تجاه الإستعمار
عموما والصراع بين المحور والحلفاء خصوصا في سعيه ايجاد
الحلول المناسبة وغير المناسبة للقضية الفلسطينية "
مضيفا : "سواء عذرته في ميوله وقبلت بعض مواقفه
أم لم تعذره وعبته خصوصا بخطورة ما ارتآه من حل مرحلي
بديل للحضور الفرنسي فإنك لا تمانع في الإعتراف بأنه
شرب حب تونس وعرف منتها الكبرى عليه .. فهو بحق عبقري
كرجل فكر وحامل قلم ابداعي . وتتجلى لك حياته ملحمة
ومأساة معا ".
كما احتوى الكتاب في جزئه الأخير على مجموعة من المقالات
الصحفية التي كتبها الشيخ عبد العزيز الثعالبي في العديد
من الجرائد والمجلات التونسية والعربية والكثير من التقارير
والوثائق الرسمية المتعلقة بكفاحه منها سلسلة من المقالات
بعنوان " خلاصة من التاريخ القديم لشمال افريقيا
" وأخرى حول الأوضاع الوطنية والعالمية قبيل وأثناء
الحرب العالمية الثانية نشرها بجريدة " الإرادة
" لسان الحزب الحر الدستوري التونسي وهي تعكس عبقرية
فذة وفكرا ثاقبا في التحليل والغوص في الأعماق في ما
يتعلق بالتوسع الإستعماري والفكرة الإستعمارية قديما
وحديثا من حيث اسنادها إلى نفس المرتكزات وتناقضها مع
الحق والمسار الصحيح للتاريخ باعتبار الاستعمار شرا
محضا لا بد أن يزول طال الزمان أو قصر.