مجتمع المعلومات والتنمية:
آية علاقة؟*
خيرة الشيباني
أستاذة فلسفة - إعلامية
ثمّة إشارة ذكيّة إلى ابن خلدون قدّم بها الدكتور رضا المثناني كتابه الصادر حديثا "مجتمع المعلومات والتنمية: أية علاقة" حيث يعتبر مؤسّس علم العمران ان العلوم طبيعية للإنسان "من حيث إنه ذو فكر فهي غير مختصة بملّة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلّهم ويستوون في مداركها ومباحثها وهي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة".
هنالك إذن اعتقاد راسخ في الثقافة العربية نصّ عليه ابن خلدون هاهنا، وهو ان العلوم ليست حكرا على أحد، ويمكن لأهل الثقافة العربية الإسلامية ان يجدّوا في النظر فيها واكتسابها، وكان قبله دعانا الكندي إلى ان نأخذ الحق حتى من غير أهل ملّتنا، فيما لم يجد الفارابي حرجا، وهو يتحدث عن نشأة الفلسفة ونحت مصطلحاتها، ومفاهيمها، بأن نعبّر عن فكرنا الفلسفي بأي مصطلح كان، حتى لو كان يونانيا.
هكذا كان شأن الفلسفة والفلاسفة العرب معه وبعده و شأن المفكرين والمصلحين أيضا. فلقد لاحظ خير الدين باشا في القرن التاسع عشر "تلك الوسائط التي قربت الأبدان والأذهان حتى صارت الدنيا "بلدة متحدة، تسكنها أمم متعددة" و"كل منهم وان كان في مساعيه غريم نفسه، فهو بالنظر إلى ما ينجرّ بها من الفوائد العلمية مطلوب لسائر جنسه".
هذا إذن موقف واضح من انفتاح الثقافة العربية الإسلامية على العلوم التي أنتجتها ثقافات وفضاءات حضارية أخرى، ذلك لإيمانها بأن العلوم، حتى لو كانت مرتبطة بجذورها الثقافية، فإنها كونية في منزعها، كلية في حقائقها.
***************************
* رضا المثناني: مجتمع المعلومات والتنميّة: أية علاقة؟ مركز النشر الجامعي تونس 2006.
والمؤلف متحصل على شهادة الدكتوراه في علوم الإعلام من جامعة السربون. درس في معهد العلوم القانونيّة للتنمية بباريس، وهو يدرس حاليا بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار من جامعة منّوبة بتونس، ويحاضر في العديد من المؤسسات الجامعيّة والأكاديميّات.
ثمة إذن وجاهة في ان يتناول باحث تونسي ظاهرة مجتمع المعلومات التي أفرزها تطوّر التكنولوجيات الحديثة، وقد اتضح لنا في هذا الكتاب أنها نشأت، أوّل ما نشأت، لحاجات عسكرية في الولايات المتحدة عام 1946، خاصة، أنها ظاهرة بدأت تتسع وتغزو العالم إلاّ ان الإنتاج العلمي في اختصاص علوم الإعلام والاتصال في المنطقة العربية بقي محدودا كمًا وكيفا.
إلاّ ان الأهمية الحقيقية لهذا الكتاب الذي يحتوي على تسع فصول، لا تمكن فقط في تناول هذه الظاهرة التي هي إفراز حضاري يحمل، كما يقول الباحث، دلالات المرحلة التاريخية التي نشأ فيها، وهي مرحلة أواخر القرن العشرين، مع ما صحبها من تغيرات وتحوّلات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية دولية، بل في ربط مجتمع المعلومات بالتنمية. ومن هنا كانت حيوية الأسئلة التي طرحها الدكتور رضا مثناني، في مقدمة الكتاب حول العلاقة بين المفهومين وهل أن مجتمع المعلومات أداة التنمية أو هدفا لها؟ ومن تلك الأسئلة التي تم طرحها، ومثلت مختلف الفصول، مساهمات للإجابة عنها قوله:
كيف يكون مجتمع المعلومات فرصة تاريخية للبلدان الصاعدة للحاق بمصاف الدول المتقدمة؟ وفي نفس السياق أيكون مجتمع المعلومات فرصة تاريخية للحاق للبلدان النامية لمجابهة مظاهر التخلف والفاقة والجهل والعوز؟
وما عسى ان يكون مجتمع المعلومات بالنسبة إلى البلدان المتقدمة؟ ألا يكون فرصة تاريخية بالنسبة إليها هي الأخرى لإدانة الإفرازات السلبية للنمط المجتمعي "ما بعد الصناعي".
خصائص مجتمع المعرفة
يتعيّن علينا التوقف عند الفصل الخامس وما بعده لنقف على إجابات شافية على هذه الأسئلة الحيوية التي يطرحها الباحث التونسي ذلك ان الفصول الأولى هي مقدّمات تمهيدية لتأريخ الظاهرة وتحديد المصطلحات. إلا انه من المهمّ ان نتوقف عند الفصل الرابع، الذي يهتمّ بتحديد خصائص مجتمع المعلومات حتى نفهم التحديات التي تواجه عملية بنائه، وبالتالي عملية تحقيق التنمية، فهذا المجتمع كما يصفه لنا الكاتب، واستخلاصا من أدبيات تتصل به، يتسم بخصائص تقنيّة واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.. ولقد مكنت الخصائص التقنيّة مثل الرقمنة والنمنمة وغيرها من الاستثمار في الذكاء الصناعي الذي يهدف إلى اكتساب الآلة حاسوبا كان أو آلة أخرى القدرة على ان تأتي من الأعمال ما هو أقرب لما يأتيه الإنسان من عمل عن طريق الإدراك الحسي والتفكير والقدرة على التحرك أو التنقل وأخذ القرارات وحفظ المعلومات وكسب المهارات وغير ذلك. ولا شك ان هذه الخصائص هي التي أنتجت الطبيعة الجديدة للبضاعة المروّجة، وهي المعلومة، حيث يثمن لأول مرّة في تاريخ البشرية شيء لا مادي ممّا أفرز اقتصادا جديدا هو الاقتصاد اللامادي أو اقتصاد المعرفة، أو الاقتصاد الرمزي، وهي مصطلحات تشير إلى ان تقنيات الاتصال الحديثة قد وفرت سبلا ومعايير جديدة لدعم مكانة الدول وقدراتها على التنمية التي لم تعد تقوم على الثروات الطبيعية أو اتساع المساحة أو الكثافة السكانية أو القوة العسكرية فحسب، بل تقوم أيضا على إنتاج المعلومات التي أصبحت المورد الإستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية.
ويفتح لنا الدكتور مثناني أبوابا للتعمق في خصائص اقتصاد المعرفة والمفاتيح الأساسية المحركة له مثل العولمة حيث ان أبعاد سوق العمل قد تجاوزت حدود الزمان والمكان، ممّا يجعل حدود هذه السوق هي حدود العالم بأسره. وخلافا لما كان سائدا في العصر الصناعي وعلى امتداد القرن العشرين من نمط إنتاجي يستند إلى التنميط والتصنيع والإنتاج الجماهيري تمثل الميزة التنافسية إحدى الخصائص الكبرى لاقتصاد المعرفة أو المعلومات الذي أصبح يبحث عن إنتاج خدمات مصمّمة خصيصا لاحتياجات ورغبات خاصّة لدى المستهلكين، هذا بالإضافة، إلى خصائص أخرى مثل الصيغة الجديدة للعمل والتنظيم الجديد للمؤسسة حيث نشأ مفهوم المؤسسة في واحد، وظاهرة العمل عن بعد والخدمة الذاتية وغير ذلك من الخصائص التي أصبح هذا النمط الجديد من الإنتاج الذي يميّز اقتصاد المعرفة، يتّسم بها.
إلا ان اقتصاد المعرفة لا ينبني على فراغ بل حتى على بنية تقليدية، ذلك ان من مستلزماته، ايلاء التعليم والبحث العلمي الأولوية المطلقة. ويورد الباحث التونسي هنا ما ترصده الولايات المتحدة سنويا للبحث العلمي في حين لا تشكل النفقات المخصصة للبحث العلمي في الدول النامية وخاصة منها الدول العربية إلا نسبة ضئيلة من ناتجها القومي الإجمالي، وبالإضافة إلى العمل على توليد المعرفة في المؤسسات التعليمية ومراكز البحث، ونقل المعرفة وتوطينها، وإشاعة ثقافة مجتمع المعلومات من ذلك استثمار الشبكات الاتصالية، والاستثمار في المعرفة وذلك بوضع آليات لبعث المؤسسات التي من شأنها ان تتموقع في الفضاء الإتصالي المعولم وتصدير الذكاء وتشجيع الابتكار.
ومن جهة أخرى أحدثت الثورى الاتصالية، كما يضيف الدكتور مثناني تحوّلات جذرية على مستوى الممارسات الاجتماعية والثقافية في المجتمعات التقليدية، حيث انتقلنا من مجتمعات الذاكرة إلى مجتمعات المعرفة حيث إمكانيات الخزن والحفظ لا محدودة، وهو ما يتيح للمجموعات الإنسانية ان يكون لكلّ منها في هذه الذاكرة العملاقة أثره وهو ما يسمح بالحديث عن ظاهرة التنوع الثقافي وفسيفسائية المشهد الحضاري العالمي. و لا يكون ثمة أثر إلا إذا توفرت الصناعات الثقافية وصناعة المحتوى بالكثافة والجودة المطلوبتين وهو ما يفترض دمقرطة النفاذ إلى العلوم وللمعارف، ومواكبة النمط المجتمعي القائم للتحولات المعرفية المستجدة، واستمرارية هذه النزعة للتجديد مع القدرة على التوفيق بين مقتضيات الحاضر ومتطلبات الرؤية بعيدة المدى، ذلك ان القدرة على الابتكار هي حجر الزواية في اقتصاد المعرفة، بما يفيد، كما يؤكد الدكتور مثناني، ان الأهم ليس الجديد الذي ينقل وإنما هو الجديد الذي يبتكر، أي كإفراز لمنهج مبتكر مجدد يجعل من ثقافة التجديد منهجا متبعا.
تميّز التجربة التونسيّة
إلاّ ان ترسخ مجتمع المعلومات كنمط مجتمعي جديد يتيح الحديث عن دخول الإنسانية إلى عصر مغاير، يتطلب رفع تحديات عديدة، فقد كشفت الثورة الاتصالية عن عديد من وجوه الخلل القائمة بين البلدان المتقدمة والبلدان الصاعدة والنامية على حدّ السواء، تتمثل في ما يسميّ بالفجوة الرقميّة، التي تعني، فيما تعني الهوّة الفاصلة في النفاذ إلى مصادر المعلومات والمعرفة والقدرة على استغلالها، ويعتبر الباحث ان هذه الفجوة هي بؤرة الصراع لأنّ المعلومة أصبحت سلاحا استراتيجيا، ومن يملكها يمتلك القرار، والقوّة والنفوذ، ويكفي ان نشير إلى أن 71% من سكان الولايات المتحدة يستعملون الانترنات مقابل 1% في العالم العربي، ان نسبة التجارة الالكترونية في العالم العربي هي 0.01%، من حجمها العالمي.
إلا أنه تجب الإشارة، كما يقول الباحث، أنه ولئن كان وجه التباين في النفاذ إلى المعلومات ووسائل الاتصال واضحا بين دول الشمال ودول الجنوب فإن تونس استبقت دول العالم الثالث في إرساء أركان بنية أساسية متطورة في مجال تكنولوجيات الاتصال وهو ما أهلها لاحتضان القمة العالمية لمجتمع المعلومات في مرحلتها الثانية عام 2005.
وقد عرفت البنية التحتيّة لتكنولوجيات الاتصال في تونس خلال العشر سنوات الماضية تطورا منتظما بما أتاح تحديث شبكات الاتصال واعتماد أحدث التكنولوجيا الاتصال وتوفير الكفاءات والمهارات والموارد البشرية المقتدرة، وتأهيل الاقتصاد الوطني للتأقلم مع متطلبات مجتمع المعلومات وتوفير أرضية ملائمة لإنتاج الذكاء الصناعي وغير ذلك من الإجراءات التي جعلت تونس الأولى إفريقيا في هذا المجال في حين تحتل المرتبة الثانية عربيّا بعد الإمارات العربية المتحدة، على مستوى جاهزية البنية التحتية للنفاذ للمحتوى الرقمي والمرتبة الحادية والثلاثين عالميا.
تحديات كبرى
ويشكل بناء الاقتصاد اللا مادي شكلا آخر من أشكال التحدي، ويطرح هنا الدكتور مثناني أسئلة على قدر كبير من الأهمية حيث يقول: كيف لاقتصاديات هذه البلدان ان تنخرط في الاقتصاد اللا مادي تماما كما تنخرط البلدان المتقدمة والعالم مازال حديث العهد بهذا النمط الجديد من الاقتصاد وهذا المنوال الجديد من التنمية؟
وهل النمو مسار خطيّ؟ سراط مستقيم تقف فيه دول العالم دولة وراء دولة أخرى لتنجز ما أنجزته الدولة التي سبقتها؟ أم النمو قيمة وفكر وحداثة وتطوّر وتوازنات داخلية توفر للمرء عيشا كريما وحريّة ورفاها ومشاركة في تصريف الشأن العام في بيئة سليمة ومناخ آمن؟
وللإجابة على هذه الأسئلة تعرض الباحث إلى العديد من النظريات الاقتصادية وفشلها في تفسير بعض مظاهر الخلل في المجتمعات المعاصرة، وخلُصَ إلى ان "نظريات النمو الجديدة" تنظر إلى التقدم التكنولوجي باعتباره مكوّنا داخليا لا خارجيا، أي انه أصبح جزءا أساسيا في معادلة النموّ ممّا أحدث تغييرات هامة على كيفية توظيف المعلومة حيث أصبح التحكم فيها والقدرة على الحصول عليها من مقوّمات قوّة المؤسسات الاقتصادية وحتى الدول ومن العوامل الأساسية لتعزيز قدراتها التنافسيّة ودعم مبادلاتها التجارية وتحديد موقعها في التوازنات الاقتصادية العالمية. ويجمع المحلّلون كما يوضح الدكتور مثناني على ان استعمال تكنولوجيات الاتصال وتوظيف الشبكات المعلوماتية واستثمارها في مسار التنمية أصبحت مؤشرا أساسيا لمدى تقدم الدول وأصبحت بالتالي هدفا استراتيجيا تسعى مختلف البلدان إلى بلوغه والنجاح في تحقيقه. ويشير تقرير لليونسكو صدر عام 1993 إلى ان التحكم في تقنية المعلوماتية والبحث العلمي والتعليم هي مفتاح التقدم والنموّ والتطور. كما راهن العالم خلال القمة العالميّة حول مجتمع المعلومات على بناء "مجتمع معلومات عالمي ذي توجه تنموي يضع البشر في صميم اهتمامه" كما ورد في وثيقة التزام تونس".
ومن التحديات التي أفرزها ظهور مجتمع المعلومات والتي توقف عندها الدكتور مثناني، هو النمط المجتمعي الجديد. ومن أسئلة الباحث في هذا الصدد: هل يقوم هذا النمط المجتمعي الجديد على أنقاض المجتمع القائم؟ ثم ما هي ملامح هذا النمط المجتمعي الجديد؟ وما هي تركيبته؟ وما هي مؤسساته؟ وما هي نواميسه؟ وما هي معتقداته؟ وما هي القيم التي يؤمن بها؟ والقيم التي ينتجها؟ وكيف تنتظم العلاقات داخله؟ وكيف يتوزع القرار بين مكوّناته؟ وما هي القوى التي تؤلفه وما هي تيارات الرأي التي تخترقه؟ وما هي مرجعيته الحضارية؟ وما هي تطلعاته؟.
لو رمنا الاسترسال في استعراض الأسئلة التي طرحها الباحث والأجوبة التي اجتهد في تقديمها، لما توقفنا إلاّ بعيدا، لأن الأسئلة تتوالد و كذلك الأجوبة، فمجتمع المعلومات ظاهرة شاملة ومقاربتها لا يمكن إلا ان تكون كذلك، وتكفينا الإشارة إلى تطوّر دور المعلومات داخل المنظومة المجتمعية، اذ نحن كما يقول الدكتور علي نبيل في كتابه الشهير "الثقافة العربية وعصر المعلومات" في مواجهة دائمة للمعلومات نجدها كامنة في "بنية الكائن البشري الذي أوشك ... ان يتحوّل إلى قاعدة بيانات" وفي "بنية المجتمع البشري سواء نظرنا إليه ككائن بيولوجي تتفاعل في داخله أعضاؤه من مؤسسات الحكم والاقتصاد والدين والتربية والإعلام وأجهزة الأمن والرقابة والقانون، أو نظرنا إليه كنسق رمزي وليد الخطابات المعرفية التي تسري داخل بنيته في ما بين أفراده وجماعاته ومؤسساته".
كما لا بدّ للإشارة أيضا إلى أن المجال السياسي في ظلّ مجتمع المعلومات لا يخلو من صيغ التحدي. ومن أوجه هذا التحدي دمقرطة المعرفة و اكتساحها لكلّ فئات المجتمع وشرائحه، كما ان مجتمع المعلومات هو تنظيم جديد لصياغة القرار من حيث التوزع أفقيًّا عوضا عمّا كان سائدا من تنظيم عمودي في اتجاه تنازلي تصاعدي، وظهور نمط جديد من العلاقات السياسية بين الدول.
آليات لرفع التحدي
ولكن كيف لهذه التحديات ان ترفع، تحديات أهمها التقليص من الفجوة الرقمية وبناء الاقتصاد اللا مادي وإرساء قواعد النمط المجتمعي الجديد؟
يستعرض الدكتور مثناني في الفصل السادس من الكتاب جملة الآليات التي وصفها المجتمع الدولي لرفع هذه التحديات، وقد مثلت القمة العالمية لمجتمع المعلومات، التي انعقدت مرحلتها الثانية في تونس في نوفمبر 2005 حدثا تاريخيا بارزا، وفضاء للتفكير في أفضل السبل لمواجهة الصعوبات التي تعترض المجتمع الدولي في إرساء مجتمع المعلومات متكافئ يوفر لمختلف مكوّناته نموا منتظما في كتف الاستقرار والأمان. وكان من نتائج هذه القمة بعث صندوق للتضامن الرقمي كآلية من آليات لرفع التحدي. وتتمثل رسالة صندوق التضامن الرقمي في تشجيع مشروعات إنمائية وتمويلها لتمكين الشعوب والبلدان المهمشة من ان تحتل مكانها في مجتمع المعلومات.
ويمكن القول إننّا مع هذا الفصل والفصول التي تليه ندخل فعلا في صميم موضوع الكتاب، أي العلاقة بين مجتمع المعلومات والتنمية. ويقدم لنا الكتاب في فصله السادس مفهوما جديدا للنمو في ظلّ مجتمع المعلومات، مفهوم ترتفع فيه نسبة حضور المعرفة في المنتوجات المتبادلة من جهة، وفي تطوّر مكانة هذه المنتجات وأهميتها في الاقتصاديات التي تتهيأ للدخول في اقتصاد يعتمد على المعرفة من جهة أخرى، ويضرب الباحث لنا على ذلك أمثلة منها ان 50% من الناتج المحلّي الإجمالي لأهم بلدان منظمّة التعاون والتنمية الاقتصادية يرتكز على إنتاج المعلومات وتوزيعها. ويتطلّع الاتحاد الأوروبي إلى ان يصبح اقتصاده مع حلول سنة 2010 أكثر الاقتصاديات العالمية اعتمادا على المعلومات، وان 60% من اليد العاملة في بعض البلدان المتقدمة تعمل في قطاعات ذات صلة متينة بالمعرفة والمعلومات.
وفي ذات الإطار يقدم لنا الباحث بعض مؤشرات انخراط الدول المتقدمة في مجتمع المعلومات وبعض النماذج في هذا الصدد، ومنها النموذج الأمريكي والكوري، كما يقدم لنا الاستراتيجية التنموية التونسية في ظلّ مجتمع المعلومات، وهو عرض يمكن ان يمثل دراسة مستقلة لشمولية مقاربة هذه التجربة و لثراء المعلومات وتعدد البيانات والجداول التي تبرز ريادة هذه التجربة وخصوصياتها. ولعلّ من أبرز خصوصياتها أنها تعكس إرادة سياسية قوية تؤسس لانخراط تونس الفاعل في الثورة الرقميّة ولدخولها مجتمع المعلومات بكفاءة واقتدار.
ضوابط مدنية وأخلاقية
إلاّ ان هذه الثورة الاتصالية التي أفرزت نمط مجتمعيّا جديدا تحتاج إلى ضوابط حدّدها الدكتور مثناني في ثلاث وهي المجتمع المدني وأخلاقيات مجتمع المعلومات والإطار القانوني لمجتمع المعلومات.
فالمجتمع المدني يمثل مركز التوازن في هذا المجتمع، ممّا يجعل مساهمته مساهمة حاسمة من أجل مزيد من العدل والمساواة والإنصاف في النمط المجتمعي الجديد ولقد شدّدت مكونات المجتمع المدني العالمية، أثناء انعقاد القمة العالمية حول مجتمع المعلومات على ضرورة تركيز مجتمع المعلومات على أساس حقوق الإنسان بمفهومها الواسع لتشمل الحقوق المدنيّة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ومن جهة أخرى ظهرت الحاجة، كما يوضح الدكتور مثناني إلى ضوابط أخلاقية تحكم هذا المجتمع الناشئ. وهو ما ينمّ أولا عن إقرار بنشأة مجتمع جديد بصدد استكمال بنائه وقواعد التعامل بين مكوّناته وهو ما ينمّ ثانيا عن رغبة في الانخراط في مجتمع المعلومات كمجتمع جديد يريد المرء ان ينتمي إليه وهو ما ينم ثالثا عن رغبة المجتمع الدولي في الاحتكام إلى دليل سلوك وضعي يحترمه أفراد المجتمع الجديد جميعا.
ويضيف الباحث التونسي: يسود الشعور أنه لا بدّ من خضوع مجتمع المعلومات لقيم معترف بها عالميا وتجنب إساءة استخدام التكنولوجيا وتعزيز احترام السلم وتشجيع القيم الأساسية مثل الحريّة والمساواة والتضامن والتسامح وتقاسم المسؤولية وغيرها وزيادة الوعي الأخلاقي في استخدام التكنولوجيا، وحماية الخصوصية الثقافية وحماية البيانات الشخصيّة واتخاذ تدابير وقائية لمنع إساءة استخدام التكنولوجيا... وتزداد الحاجة، كما يرى الدكتور مثناني إلى ميثاق شرف مع تزايد الظواهر اللأخلاقية التي وجدت في شبكة الانترنات، وهي ظواهر تخلّ بتربية الناشئة وكرامة الإنسان وحرمة مقدّساته.
ويزيد الباحث التونسي الأمر توضيحا وهو يعرض جملة من العناصر أفرزت الحديث عن ميثاق أخلاق مجتمع المعلومات، لعلّ أهمّها.
تنوع الثقافات واللّغات يمثّل في عصر المعلومات ميزة أخلاقيّة وعلميّة وثقافيّة وجب المحافظة عليها وتنميتها، خدمة للتنوّع الثقافي واللغويّ ومحافظة على الموروث الثقافي العالميّ وتطويرا للمشهد الثقافي العالميّ.
الفجوة الرقميّة تعتبر أهمّ مشكلة أخلاقيّة تعترض قيام مجتمع المعلومات ولا بدّ من حلّ هذه المشكلة لبناء المجتمع الجديد للمعلومات.
الحرص على دعم التعاون الدوليّ الفعليّ بين البلدان المتقدّمة والدول الناميّة في مجال تكنولوجيّات الاتّصال.
"القرية الكونيّة" تقتضي الشعور بالمسؤولية لحلّ المشاكل التي تعترض سكّان هذه القرية الكونيّة وديّا وفي كنف التفاهم المتبادل. ومن الضروريّ حماية التراث الثقافي للشعوب، وتطوير التعاون لتضمين الآداب القوميّة للشعوب في قواعد البيانات الدوليّة، والتعاون من أجل الاتّفاق على المصطلحات العلميّة بلغات مختلفة، واعتماد معايير أخلاقيّة للكتاب في الأنترنات وتكريس أسس جديدة لحماية دائرة المعلومات العالمية من التلوّث.
كما إنّ الانتقال إلى مجتمع المعلومات يتطلّب وجود أطر قانونيّة وتنظيمية تحكم هذا المجتمع وتساهم في المحافظة على حقوق جميع أصحاب المصلحة و واجباتهم في مجالات حريّة التعبير والخصوصيّة والأمن وإدارة عناوين وأسماء ميادين الأنترنات وحماية المستهلك وتركيز وسائل بديلة وجديدة لحلّ النزاعات إلى جانب الإجراءات القضائية المعتادة، عملا على تسوية النزاعات بأكثر ما يكون من العدل.
منطق الحرب زمن السلم
ولعلّ من أمتع الفصول التي يمكن قراءتها في كتاب مجتمع المعلومات والتنميّة، أية علاقة، وهو كتاب يمتد على حوالي 700 صفحة، الفصل التاسع الذي جعل له المؤلف عنوانا هو: "مجتمع المعلومات: استبطان منطق الحرب زمن السلم" وفي هذا الفصل يعرض المؤلف إلى الوجه الآخر، القاتم لمجتمع المعلومات الذي أفرز ظواهر سلبية ليس أقلها التبعيّة التكنولوجية والإرهاب الإلكتروني وعناصر العنف والتباين والفقر المعلوماتي واستئثار القوى العظمى بقوة المعرفة.
وان قراءة في المصطلحات الشائعة في الخطاب المتداول بشأن المعلومات تحيلنا، كما يقول الكاتب، إلى دلالات الصراع والحرب والعنف التي يمكن استشفافها، من ذلك عبارات الحرب الالكترونية والقنبلة المنطقيّة، وخيول طراودة والفخاخ والجهاد الالكتروني والتدمير المعلوماتي والإمبريالية الرقميّة والتجويع المعرفي...إلخ...ان الحرب الحقيقية اليوم، كما يفيدنا هذا الأثر، هي حرب التقنيّة والمعرفة والسيطرة على مصادر المعلومات، وأصبحت ساحة المعركة ساحة جديدة، هي ساحة الانترنات، وأدواتها لم تعد العتاد العسكري، بل الحواسيب، وربما سيأتي اليوم كما يقول الباحث يكون فيه عدد الجنود الذين يحملون حواسيب أكثر من الذين يحملون بنادق، وقد قامت وزارة الدفاع الأمريكية منذ 1993 بخطوة أولى في هذا الاتجاه حين وقع سلاح الطيران عقدا لشراء 300 ألف حاسوب شخصي. وباختصار أصبحت المعرفة الوسيلة المركزية للتدمير كما أنها الوسيلة الأساسية للإنتاجية.
ويستعرض الباحث أشكال الحروب التي توظفها الأطراف المتنازعة عبر التكنولوجيات الحديثة مثل الحرب النفسيّة والحرب الإلكترونية والإرهاب المعلوماتي الموجه ضد الأفراد والمؤسسات والدول، وثم يخلص إلى القول: ان قراءة في مستقبل مجتمع المعلومات تحيلنا إلى الإقرار بأنّنا سنعيش إعصارا معلوماتيّا كبيرا سيدمّر كلّ الأسس الفكرية والعقائدية والثقافية وتجعلنا أتباعا للدول التي تتحكم فيها، وهو ما يحكم علينا، كما يضيف مواجهة هذا الاعصار بامتلاك أسلحة المعرفة والتحكم فيها عن وعي. ولمّا كانت المعرفة تولد فإنه متاح للمجموعات الوطنيّة التي تعلّقت همتها بتنمية مواردها وتحقيق نسب عالية من النمو والتموقع في الساحة الدولية ان تلتحق بمصاف الدول المتقدمة متوسّلة بتقنيات الاتصال الحديثة. وهذا هو الهدف الذي رفعته تونس إلى مقام الهدف الاستراتيجي والذي تسعى إلى تحقيقه في أفق 2016.
كتاب مرجعي
لقد كان من العسير اختزال هذا الكتاب المرجعي في عدّة صفحات، فهو إلى جانب منهجيته الواضحة، وأسلوبه الممتع، غزير في معلوماته، ثري في مصادره ومراجعه: ويمثل، في رأينا مرجعا لا غنى عنه لفهم نشأة مجتمع المعلومات وخصائصه والتحولات التقنيّة والثقافية والاقتصادية التي رافقت ظهوره، والتحديات التي تواجه عمليات بنائه، وضوابطه ورهاناته و غير ذلك من القضايا المتصلة به.
وهو إلى ذلك يطرح أسئلة على غاية من الحيوية تتصل بعلاقة مجتمع المعلومات بالتنميّة، فلم يكتفي الكتاب بالتنظير في هذه المسألة، بل قدم لنا نموذج التجربة التونسيّة في هذا المجال وهي تجربة متميّزة إفريقيا وعربيا، وكان ذلك بجملة من المؤشرات والبيانات والتحليلات تضعنا في قلب عملية حضارية تتدرج تونس في بنائها منذ التسعينات.
والكتاب إلى غير ذلك، يحيلنا إلى العديد من المراجع في شتى العلوم الاتصالية والفلسفية والاجتماعية وهو بذلك يساعدنا على توسيع النظر إلى هذه الظاهرة التي ارتبطت بالعولمة وأصبحت كونيّة و تقتضي من بلداننا الناميّة والصاعدة فهمها والتموقع فيها، بما يحقق التوازن بين تحديات الخارج والداخل، وذلك هو الرهان الكبير الذي على محكه يكتب لشعوب الجنوب البقاء أو الانغلاق والاندثار في بحر إعصار عالمي.