كتب

" نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ : نحن والعولمة " كتاب تونسي للمفكر الدكتورالصادق شعبان

عرض : أوس داوود يعقوب

" نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ : نحن والعولمة" كتاب صادر عن مؤسسة "باباي للطباعة والنشر والتوزيع " للمفكر التونسي الدكتور الصادق شعبان ، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا حاليا ، وهو يعد من أهم الكتب العربية التي تناولت موضوع "العولمة" والأكثر عمقا في استعراض التجربة التونسية على المستوى الوطني. وقراءة الكتاب بعد مرور عام على احداث 11 سبتمبر 2001 تجعلنا ندرك مدى اليقظة المبكرة لصاحب الكتاب ، والنظرة الثاقبة للقيادة السياسية في تونس في كيفية صناعة المستقبل في عالم جديد متغير، سريع التحولات . حيث يشير الدكتور الصادق شعبان أنه ومنذ أكثر من عقد وتونس تسعى إلى الإنخراط الفعلي والفاعل في سياق " العولمة " دون تعصب أو انبهار مؤسسة مجتمعا منيعا ، نابذا للعنف والتطرف ، أكثر انفتاحا على الخارج .

من المقدمة يحدد صاحب الكتاب مجال اهتمامه ، فالكتاب "مساهمة في قراءة المستقبل، واستعراض لأهم التحديات التي تجابه تونس ، والفرص التي تقبل عليها وهو نظرة ديناميكية لسياسات مجتمع صاعد أمام متغيرات متسارعة وتشابكات معقدة . فأين نحن من العولمة ؟ وكيف تتموقع تونس في سياق التحولات الدولية الراهنة ؟ وما هي الخيارات التي تمكنها من صنع مستقبل أفضل ؟ " ويبين الكاتب في سياق طرحه أن "مستقبل العالم تحكمه اتجاهات اليوم، وهذه الإتجاهات تتبلور وتترسخ باطراد وقد أردنا التعبير عنها في هذا الكتاب بمتناقضين اثنين ، هما نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ. فنهاية الجغرافيا تعني إزالة الحدود ، والتأسيس لعالم مفتوح ، تتوارى فيه سلطات الدول وتبرز قوى عبر وطنية أخرى ، أما عودة التاريخ ، فتشير إلى يقظة الهويات والرغبة المتزايدة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصية " .

ويرى المفكر الدكتور الصادق شعبان عند استعراضه " للمستقبل ... والتاريخ ... انه في عديد المجتمعات ، يبقى التاريخ نبراس المستقبل فالتاريخ سلاح لصنع المستقبل والعودة إليه ثروة لا حدود لها . ويبرز هذا بقوة ، أمام التحولات القادمة فغياب الجغرافيا يقتضي استحضار التاريخ ولا ضمان لبقاء الأمم أمام فتح الحدود سوى غذاء التاريخ". أما وظائف التاريخ فهي عديدة، كما يوضح الكاتب، أولها : اعادة الثقة التي فقدت وغرس الطموح من جديد وتعبئة الشعب كله ، حول شعارات مستمدة من مجده القديم وثانيها : حذف الدروس التي صنعها التاريخ. وثالثها : تخزين الحضارة وجعلها ثروة متنامية لا تنتهي . مشيرا إلى أن " استقراء التاريخ يثبت أن تونس ازدهرت كلما فتحت حدودها ونظرت إلى فضاء أوسع " . و" أن مؤثرات جديدة ظهرت اليوم ، لتعطي للإنفتاح بعدا آخر ولتوفر لتونس ، كما لمجتمعات أخرى عديدة ، فرصا كبيرة يتوجب اغتنامها . واضحى الإنفتاح مقياسا جديدا لقدرات المجتمعات على الإستقرار وعلى الإزدهار" .

وقد أثارت فكرة العولمة وقبلها المثاقفة والحوار مع الآخر جدلا كبيرا في الأطروحات الفلسفية والحضارية لعل أبرزها ما انتهى إليه الفيلسوف فرانسيس فوكوياما في بداية التسعينات من القول بـ"نهاية التاريخ " من خلال قراءته لحاضر الإنسانية في خضم الثورات الإتصالية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة وفتحت المجال لنسق في التطور متسارع وإزالة الحدود بين الدول حيث برز مصطلح " العولمة " . ويقول الدكتور الصادق شعبان " عولمة اليوم غير عولمة الأمس. إنها أكثر اتساعا ، وأكثر حدة. وتستخدم تكنولوجيات في المبادلات وفي الإنتاج أذابت فوارق المكان والزمان . كما أن القواعد التي ترتكز عليها اليوم غير تلك التي قادت الماضي. لم تمس العولمة الجوانب الإقتصادية لحياة المجتمعات والافراد فقط، وإنما طالت الجوانب الأخرى غير الإقتصادية ، كالسياسية والثقافة والإجتماع" .

مبينا في الآن ذاته " إن عالمنا اليوم يعيش هذه الجدلية بين التاريخ والجغرافيا : إزالة الحواجز التقليدية وإقامة حواجز أخرى واستبدال الحدود الحالية بحدود جديدة والرغبة في الشمولية يقابلها حرص شديد على الخصوصية " . وأمام التساؤلات العديدة التي يطرحها هذا الموضوع الشائك من مثل ، أين نحن من العولمة ؟ وأي تأثير لفتح الحدود على حياة المجتمعات الصاعدة ؟ يجيب الدكتور شعبان " ان الجغرافيا لم تنته وإنما تغيرت فقد توارت الجغرافيا التي رسمتها الدول لكن قامت في الوقت نفسه جغرافيا جديدة ، والعولمة أزالت حدودا لتقيم حدودا أخرى وغيرت تقسيمات الدول بتقسيمات عبر وطنية معقدة ومتداخلة .. ويعيش العالم اليوم هذه التوترات .. بين جغرافيا تزول وتاريخ يعود بقوة ".

وفي الفصل الثالث من الكتاب يبرز الكاتب خصوصية التجربة التونسية منذ قرطاج وحنبعل إلى الرئيس زين العابدين بن علي وعهده الجديد فالقائد القرطاجني حنبعل عرف أن أمن تونس ليس داخل تونس وإنما خارجها، ولا ترى تونس اليوم أن الإنخراط في أحد الفضاءات يحول دون الإنخراط في أي فضاء آخر فتنوع الإنتماء يعتبر اليوم من أحد ثوابت سياستها الإقتصادية وعليها التهيؤ للعولمة . ويلاحظ المؤلف " أن المستقبل الذي ينتظرنا ، أما أن نصنعه بأيدينا ، وأن نختاره ، وإلا سوف يفرض علينا في عالم يزداد تشعبا. وفي تنافس يزداد حدة " وعليه يرى الدكتور شعبان " أن لتونس اليوم من المؤهلات ما يجعلها قادرة على اختيار مستقبلها . فقيادتها السياسة والإقتصادية ، ونخبها الفكرية ، وحماس شعبها وتفتح مجتمعها ، هي كلها ضمانات أساسية لمستقبل واعد ".

مضيفا : " لقد انتهجت تونس نهج التنوع ، فهي تعتبر أن لها هوية وطنية ، صنعها التاريخ الطويل ، وحبكتها جغرافيتها المتوسطية . فلها امتداد مع مركز العروبة والإسلام ، وهي افريقية وهي قرطاجية عرفت حضور حضارات أخرى عديدة رومانية وبيزنطية وإسبانية وتركية وفرنسية . هي كل هذا وهي تنوع ثري لا نريد أن تفقد أحد عناصره، كما لا نريد ان يهيمن عليها أحد هذه العناصر" كما شددت تونس في " زمن التكتلات الإقليمية " على ضرورة التعجيل ببناء المغرب العربي . ومنذ كفاح التحرير الوطني ، كان اتحاد المغرب العربي مطلبا للنخب ، وأحد محاور الأحزاب السياسية وفي أوقات سابقة دعت تونس إلى تحقيق سوق عربية مشتركة ..

وفي مجال العلوم والتكنولوجيات الحديثة يؤكد الدكتور الصادق شعبان أن تونس أبقت المعرفة خيارها الأول . فلها من جهة مؤهلات تعطيها بعض السبق على مجتمعات منافسسة في مجال التعبئة البشرية والتكوين ومن جهة أخرى تفتقر إلى الموارد التي تمتلكها جل المجتمعات وخاصة الطاقة والمياه . مما يدفعها للإتجاه نحو ملاءمة اقتصادها مع مقتضيات العالم الجديد. وتحرص على الإنتفاع قدر الإمكان من قدراتها المتوفرة ، وتجنب المجالات التي لا تمتلك فيها تنافسية كافية . وهو اقتصاد لا يتكئ على الموارد بقدر ما يعتمد على قدرات الإنسان واستخدام طرق الإنتاج والإتجار ذات النجاعة العالية .

وفي باب تنامي الأيدلوجيات يبين الكاتب أن تونس انتهجت سياسة وطنية فصالحت المجتمع مع هويته وفي نفس الوقت قاومت الحركات الداعية إلى عزل المجتمع عن غيره من المجتمعات . كما عملت تونس على الرصد اليقظ لما يجري حولها وعلى استغلال كل المناسبات الدولية التي تتوفر ، حكومية أو غير حكومية لقطع الجذور المغذية للتعصب والكراهية، عرقية كانت أو دينية فأصدرت تشريعا يحرم الحركات السياسية القائمة على هذا الأساس. والأفعال والأقوال الداعية إلى التعصب والكراهية . وبحثت عن تعميم هذا التشريع وعلى إدراج أحكامه الأساسية في الإتفاقيات الدولية ، وفي الخطاب السياسي السائد .

ويدعو الدكتور الصادق شعبان إلى استبيان المتغيرات والتعرف المبكر على
ملامح المستقبل والقدرة على التأقلم هيكليا وبشريا وإجرائيا. قائلا : " أمام غياب الجغرافيا التقليدية يحضر التاريخ بقوة لا بصفته رداء يكبل التوق إلى الإنفتاح والتلاقح الحضاري ولكن بوصفه منهلا لضبط ملامح المستقبل وتعبئة الناس" وعما توفره الجغرافيا من نجاحات للأنموذج التونسي يبين الدكتور الصادق شعبان أن موقع تونس في قلب المتوسط يفتح أمامها فرصا كثيرة، سوف تثمنها الإتجاهات الحديثة في إزالة الحدود وتحرير الإقتصاد . كما يجعلها هذا الموقع ملتقى للحضارات ومعبرا المبادلات عليها استغلاله كاملا في سياسات الفضاء المفتوح المقبلة .

وفي هذا السياق يؤكد المؤلف أن أهم توظيف لهذا الموقع يكون عبر ظاهرتين أساسيتين هما تشبيك الموارد وتنوع التكتلات موضحا بأن تشبيك الموارد يعني ربط الفضاء المتوسطي في حلقات تتسع بإطراد في مختلف مجالات التعاون ، سواء في الطاقة أو في المواصلات .. كما يربط التشبيك المصالح بعضها ببعض بصورة هيكلية دائمة مما يعزز استمرارية التعاون ويساهم في دعم الأمن والإستقرار في المنطقة . أما فيما يخص تنوع التكتلات فإن موقع تونس يقتضي ذلك فلا يمكن أن تكون في تكتل واحد اذ أن جغرافيتها تفرض عليها التعدد" المغاربي والعربي الإسلامي والمتوسطي والإفريقي... وهو ما جعل تونس منذ أواخر الثمانينات تشرع في مواكبة المتغيرات والتهيؤ للإقتصاد الجديد حتى لا تباغتها ضغوطاته ومستلزماته، وحتى تقدرعلى التأقلم مع تحدياته والإنتفاع من فرصه. ويحدد الدكتور الصادق شعبان في كتابه ثلاث شعارات كبرى لمجابهة التحديات هي: " لنفكر عالميا ، لننشغل وطنيا ، لنراع الشمولية في كل الخيارات " مضيفا " ان العولمة تقتضي برصد كل ما حولنا وتقييم موقعنا في كل لحظة واعتماد مقاييس ومواصفات يتفق عليها العالم وهو ما يقابل مصطلح التأهيل الذي رفعه الخطاب السياسي في تونس أي الإرتقاء بالمؤسسة والسلوك والمرجعية إلى المعايير المتبعة في المجتمعات المتقدمة ولكن مع مراعاة المصلحة الوطنية " .

ويلاحظ القارئ لكتاب الدكتور الصادق شعبان أنه يسير على خطين دون الفصل بينهما هما خط العولمة مركزا على إيجابياتها عالميا وفوائدها على تونس، منبها إلى منزلقاتها، مبينا في الآن ذاته أن العولمة ليست جديدة ولا استنبطها هذا العصر وإنما عرفتها الإنسانية منذ القدم مع حضارات مختلفة فالمعروف ان الحضارة السائدة والمنتصرة هي التي تحقق عولمتها ، لكن صنع المستقبل سوف يكون في مناخ آخر غير الذي عرفناه في وقت مضى فالعولمة في العقد الأخير تأخذ أبعادا جديدة تختلف عن الإنفتاح الذي عرفته العهود السابقة والحدود التي أقامتها الدول تتبدد بشكل متسارع سواء بتقريب المسافات وتطور الاتصالات أو بتشبيك المعلومات بتكنولوجيا حديثة ومتطورة أو بإزالة الأداءات الجمركية والحوافز الأخرى أمام السلع والمبادلات . مشيرا إلى أنه مع اتساع ظاهرة العولمة الإقتصادية وفرض نفسها كنموذج موحد وتحول سياسات الدول من منطق المجابهة إلى منطق الإنخراط تمكنت تونس من الإنخراط في هذا السياق ، منذ بداياته الأولى . وهذا السبق الزمني هو الذي خفف عنها اليوم الكلفة الإقتصادية والإجتماعية التي تدفعها مجتمعات أخرى . بعد أن أزالت الحواجز الإقتصادية ، بصورة متدرجة ، وتمكنت من التأقلم مع الضغوطات الجديدة، والقيام بما يلزم من تأهيل لإقتصادها الوطني والإنتقال من المجالات غير المربحة إلى المجالات المربحة وتفادي الإنعكاسات الإجتماعية قدر الإمكان أو التقليص من حدتها .

وفي خاتمة الكتاب أو " قراءة أخرى لإبن خلدون " يقول الدكتور الصادق شعبان : "انتهي بمقارنة نظرية ، لمجابهة العولمة ، وقد استخلصتها من تحاليل قديمة هي من صميم تراثنا الوطني وضعها عبد الرحمن ابن خلدون منذ 6 قرون كاملة . ونستمد هذه النظرية من كتابات ابن خلدون في العصبية بقراءة أخرى تأخذ بمتغيرات ومصطلحات عالم اليوم " ويؤكد المفكر التونسي انه "كلما انفتحت الحدود واتسعت الفضاءات تصبح الحاجة إلى الهوية قوية . وبقدر ما يزداد الإنفتاح على الآخر ، تزداد النزعة إلى الإحتماء بالهوية ، وكأن هناك جدلية طبيعية تفرض قانونها على حياة الأوطان" . مضيفا " أن العولمة لن تصمد ما لم تقم على التنوع ، وانها لا تعني الذوبان بل التبادل والاثراء . واذا ازدادت الهيمنة ، تصدع العالم وانغلق، والبحث عن التلاقي يصبح فرصا أكبر للتصادم ".

وأخيرا يبين الدكتور الصادق شعبان أن بلاده " انخرطت في هذا السياق الكبير
وهي تريد عولمة بدون هيمنة وتحررية لا تغيب معها انسانية الانسان وفرض هويتها الوطنية هو شكل من التعبير عن العالم الذي تريده ، عالم يقوم على الإنفتاح ، تذوب فيه الهيمنة ، ويبرز فيه التنوع باطراد" .

وتكريما للعلامة ابن خلدون حملت صفحة الغلاف الأولى " خريطة العالم لابن خلدون" وهي غير متداولة ، وتعتبر من الخرائط التي ساهمت في تحديد خريطة العالم ومحفوظة في مكتبة السليمانية باسطنبول. وقد أرادها الكاتب " رمزا للجغرافيا وللتاريخ الذي استخدمناهما في هذا الكتاب" .
والصادق شعبان استاذ مبرز في القانون العام والعلوم السياسية بالجامعة التونسية وقد شغل عدة مناصب حكومية من سنة 1989 آخرها منصب وزير التعليم العالي وقد صدر له سنة 1985 كتاب بعنوان "قانون المنظمـات الدولية و" بن علي والطريق إلى التعددية "سنة1995 . وبعد عامين صدر له عن دار سيرس للنشر كتـاب بعنوان " عودة حنبعل ... أو تجديد العهد".

طباعة >> | إغلاق النافذة >>




afkar@afkaronline.org
إستقبال | كلمة أولى | محتويات العدد | كتاب العدد
كتب |
للقارئ رأي | أرشيف | مواقع مفيـدة